حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:15 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجزائر وسورية...شوق واحد

هناك سر عظيم، مازالت بعض أسبابه خفية حتى اليوم.. ألا وهو سر ذلك التشابه الكبير في الطبع والسلوك، والنوازع النفسية، الموجودة منذ القدم بين أبناء سورية، وأبناء الجزائر... والذي ربط بينهم بمودة جماهيرية نادرة، وعواطف إنسانية عميقة، قل أن توجد بين بلدين متجاورين.. إلا أنها تأصلت بين بلدين تفصلهما مسافات تقدر بآلاف الأميال...!؟‏

عندما قام الرئيس اليمين زروال بزيارته الأخيرة إلى دمشق -أيام 13/14/15- أيلول 1997- كنت أتابع باهتمام تحركاته وكلماته... ومما أثار انتباهي أنه لم يلفظ اسم الرئيس القائد، حافظ الأسد، إلا وأسبقه بكلمة: أخي!..‏

كما لاحظت أن الرئيس حافظ الأسد، منذ أن استقبل الرئيس اليمين زروال على سلم الطائرة، والبسمة المضيئة لم تفارق شفتيه، حتى غادرا المطار...!.‏

كلمة /أخي/ في الجزائر.. كلمة، بالغة العمق، سامية المعنى، أصيلة، عريقة، قد تتجاوز في نشأتها خمسة عشر قرناً، وهي نداء عائلي للتخاطب بين كل أفراد الشعب الجزائري، في جميع الحالات والظروف وفي مختلف المواقع والمواقف... وهي ليست مجرد تعبير عاطفي أو ديباجة للمجاملة.. وإنما هي تبيان لإحساس صادق واعتقاد جازم، بصلة القربى، وعلاقة التلاحم والتضامن، واقتناع داخلي بأحقية إبداء الرأي، وتقديم المشورة والمشاركة الفعالة في السراء والضراء.‏

وكلمة /أخي/ عندما يقولها الجزائري، قد تكون لها مدلولات كثيرة متنوعة، حسب الوضعية، والحالة والموقف، الذي تقال فيه، ويفهم سياقها ومعناها، من نبرة وملامح قائلها، حين التلفظ بها.‏

وقد أحسست بأن الرئيس زروال، عندما كان يتوجه بها إلى الرئيس الأسد، كلما ذكر اسمه... أحسست أنها كانت تصدر من قلب يفيض صدقاً وحباً، وثقة، وارتياحاً...‏

كما أحسست من بسمة الرئيس الأسد التي انطبعت على شفتيه طيلة فترة الاستقبال. إنها كانت أجمل تعبير عفوي، صادق، عن مشاعر الأخوة والفرح، وأنها كانت مرفوقة ببريق ساطع يشع من عيني الرئيس، مفعم بالمحبة والاعتزاز وكأنه يلتقي بعزيز شبّ معه، وطالت غيبته، ثم رآه بعد الفراق الطويل...!.‏

منذ مدة كتبت عن العلاقة الحميمية بين سورية والجزائر. وجاءت في الموضوع هذه الجمل: "... يبدو أن سورية والجزائر، كانت في الأزل بقعة جغرافية واحدة، بشبابها وترابها، بأخلاقها وأرزاقها، بطباعها... وصراعها.. فحملها الله بيديه الكريمتين، ساعة توزيع الحياة، وتوظيف الكائنات على هذا الكوكب العامر، ثم وضع ما باركته يمناه في المشرق... وما باركته يسراه في المغرب... وقال لهما: ... -عز وجل-: كونا شوقاً واحداً يتأجج بين قطرين: الشام والجزائر...".‏

ما أشبه /تسلمان ودمشق/ في مروجهما، وغيطانهما، وشلالاتهما، ومساجدهما وآثارهما...‏

وحروفهما وصناعاتهما التقليدية وفنونهما وعاداتهما... وفي رقة أهلهما، ولطفهم وأناقتهم، وجمالهم، وحسن لياقتهم في الحديث...‏

وما أشبه الجزائر العاصمة باللاذقية... أو طرطوس، ووهران بجبلة أو بانياس... وقسنطينة مدينة القصور وا لجسور بحلب مدينة القصور، وروعة الصخور... وما أشبه بسكرة أو المسيلة بالرقة أو دير الزور...!...‏

نفس الصراعات التاريخية مع الرومان والأتراك والفرنسيين..!.‏

نفس السواحل، والجبال والصحارى، والسهول والغابات، ونفس المواسم والغلال والمناخ.. بغض النظر عن فارق الاتساع الحالي بين البلدين ومن المعروف أن سورية في جغرافيتها القديمة.. وقبل أن يقسمها الاستعمار إلى أقطار كانت شاسعة الأرجاء... مترامية الأطراف.‏

وعندما تألمت نفوس الجزائريين وأثقل كاهلهم جور الاستعمار.. شدوا رحالهم، واتجهوا أفراداً، وجماعات برجالهم ونسائهم وأطفالهم نحو بلاد الشام... فمروا بتونس، وليبيا ومصر، والأردن، وفلسطين... وتحملوا عناء السفر... ولم يطب لهم المقام إلا فوق أرض سورية وبين أهلها الكرام.‏

وقد جرى ذلك منذ القدم.. ثم خلال هجرة الأمير عبد القادر الجزائري مع أهله وأصحابه.. ولم تتوقف مواكب الجزائريين نحو دمشق خاصة من أهل السياسة والعلم، ورجال الدين... وكان من بينهم العلاقمة الشيخ الخضر بن الحسين/ شيخ الأزهر سابقاً/ وهو العربي الوحيد الذي تولى مشيخة /الأزهر/ من غير المصريين/... وكذلك شقيقه العلامة الشيخ زين العابدين بن الحسين، الذي استوطن دمشق، ودفن فيها، وترك بعده خيرة الأبناء في العلم والعمل، وأطيب الآثار في الفكر والسلوك...‏

- وبالمقابل. فهناك آلاف الأساتذة والمعلمين، من أبناء سورية.. اتجهوا نحو الجزائر، بمجرد أن نالت استقلالها فساهموا في حركة التعليم، ومعركة العلم ونصرة التعريب، وتدعيم أركان الحرية والاستقلال... ومنهم من أخذ الجنسية الجزائرية، وقرر الإقامة الدائمة بين أهله وذويه الجدد من الجزائريين..‏

ومن الطريف... أن بعض الجزائريين، ممن كانوا يحملون أفكاراً خاطئة ضد اللغة العربية... كانوا أحياناً - عن قصد أو جهل في مطلع السنوات الأولى للاستقلال- يقومون بمضايقة بعض المعلمين، من بعض الأقطار العربية، وذلك من أجل تنفيرهم من الجزائر- وبمجرد أن يعلموا أن ذلك المعلم هو من سورية، يعتذرون له ويبتسمون في وجهه بفرح وهم يقولون له.. أنتم أولاد سورية إخوتنا وبلدكم بلد الرجال... ونحن نحبكم..!؟...‏

- ومن الصعب تفسير سر هذا الحب والاحترام!؟... سورية، في هذا الزمن المتكالب ضد العرب والشرفاء- يحاصرها التآمر والحقد من أغلب حدودها... وكذلك الجزائر في هذا التوقيت نفسه...‏

وفي هذا العصر المتطور جداً... لم تعد المسافات البعيدة بين الدول تشكل عائقاً للاتصال الدائم والتساند والتضامن، والتعاون المتواصل المشترك. أمريكا.. تقيم قواعدها في أغلب بقاع الأرض الأجنبية عنها، وتتهادى... وتترصد أساطيلها في كل بحار الدنيا- تقريباً...!‏

وإسرائيل... تقفز ببهلوانية من جنوب محتلاتها إلى أقصى الشمال والشرق العربي، وتفتح لها أحلافاً عدوانية وأسواقاً استغلالية، في تركيا، وبعض بلدان الخليج..!.‏

والأوروبيون كلهم، بالإضافة إلى مشاريع ومنجزات وحدتهم- يتسابقون لنشر ظلالهم في كل القارات الأخرى...!.‏

ونحن العرب... رغم كثرة أقطارنا، واتساع أراضينا وبحارنا، وقوة إمكاناتنا البشرية والمادية... ورغم مصائب تجزئتنا، ومصاعب وضعيتنا.. مازلنا إلى حد الآن مشتتين متباعدين-فوق بقعة واحدة- يجمعنا التجامل، ويفرقنا اختلاف الرأي...!؟..‏

ولست أدري إلى متى سيدوم الحال بالنسبة إلينا، ونحن نرى كل أمم العالم، تتكتل وتتحد، فنجاهرهم بالتحية والإعجاب وننظر إلى وحدتنا نظرة تبرم، وخوف، وارتياب...!؟..‏

وياليت- إضافة إلى ما أبرم من اتفاقيات تعاونية بين الجزائر وسورية- ياليت هذا التعاون يتواصل ويتطور أكثر فأكثر... كماً وكيفاً.. ليشمل كل الميادين التكاملية في الاقتصاد، والشؤون السياسية والاجتماعية والعلمية وخاصة ميادين الثقافة.... بمفهومها الواسع الشامل....‏

وكم أتمنى أن يتم ذلك بين كل الأقطار العربية ولم .. لا.. مادام الأمر لا يتطلب أكثر من قليل من الشجاعة والحرية، والنوايا الحسنة..!؟‏

وكم أتمنى أن يتبادل الرؤساء العرب، الأوسمة والدروع والسيوف كهديا، وأن يتبادل أبناء شعبها في أقطارهم، وعبر بحارهم "هدايا" بواخر الشباب والكتب، والتفاح، والألبسة والآلات والمعدات، وكل المواد الأخرى المرغوبة...‏

كم أتمنى أن أرى بواخرنا، وطائراتنا، تمخر العباب وتخترق الأجواء، بين أقطارنا، محملة بالمحبة، والوعي والتكامل، لإنعاش هذا الشعب العربي، ولنشر الهيبة والثقة، والاعتزاز بين أفراده. وبينه وبين الأمم الأخرى، وليس هذا على الإرادات القومية المخلصة بصعب أو بعيد..!..‏

تشرين: 27/9/1997.‏

الثلاثاء: 4/11/1997 ثقافة تشرين 7‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244