|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أجيالنا المثقفة كثيراً ما تساءلت:.. لماذا نحن مثقفي هذا الوطن لم نقم حتى الآن، بعمل موحد متواصل جاد؟ لماذا ظلت أقوالنا أكثر من أعمالنا، وأحلامنا تطغى على أفعالنا، وآمالنا لا تكاد تتجاوز مطامحنا الشخصية في حظوة أو منصب، أو جاه وشهرة، أو مال وبنين..؟! لماذا بقينا دائماً مشتتين، منقسمين، فكريا، وأيديولوجياً، ودينياً وطبقياً؟.. وعندما نلتقي، نبكي مآسي مجتمعنا مع مصائب التمزق ودوامات الفتن، وأمراض التخلف، وأحزان الذل، والقهر، والهوان؟!.. ثم نسأل عن أسواق البلد المضيف قبل أن يعود كل واحد منا إلى منزله! ماذا قدمنا من عمل موحد، ضد ما تعيشه بعض مجتمعاتنا من عنف، وإرهاب وانحدار، غير التساؤل، والتعجب، والاستنكار والتأسف، والتعميم، والتضخيم، ونشر البلبلة والشكوك..؟! ماذا قدمنا للغتنا العربية، التي هي أساس هويتنا، وعنوان شخصيتنا، ومصدر وجودنا، ومرجعية تاريخنا، وحضارتنا، وضمان مستقبلنا؟.. هذه اللغة التي تكالبت على نهبها وقتلها خناجر الأجنبي، وفؤوس الشعوبية، وأمراض الجهل والعامية، وكل آفات الحقد، والتآمر، والدس..! هل جال بخاطر مثقفينا الأوفياء الواعين تأسيس جمعية أو رابطة قومية أو عربية إسلامية لنصرة هذه اللغة المحاصرة أو الدفاع عنها جماهيرياً. وإعلامياً، وسياسياً، وحتى دينياً..؟ ومن المؤكد أن جل مثقفينا، انطلقوا في نشأتهم، وبداية مسيرتهم -منذ نهايات القرن الماضي- انطلقوا أو نزحوا من الأرياف، والبوادي، وقمم الجبال من الأكواخ الخشبية والأحواش الطينية، والبيوت الحجرية المظلمة، لا يعرفون أضواء الأسلاك، ولا مياه الأنابيب، ولا رنات الهواتف ولا أشكال الأجهزة ولا أسرار المدن، ومتاهات العواصم..! لا يعرفون حتى كيف يرتدون الثياب ويأكلون الطعام ويمشون في الأسواق المزدحمة..! انطلقوا فرادى من أوساطهم الفقيرة البائسة تحدوهم آمال التخلص من أوبئة الفاقة والحرمان، فاجتهدوا وكدوا، وتحملوا كل مضايقات التقشف، والتقتير وتعلموا ودرسوا.. منهم من اقتصر زاده على ما أخذه من معارف داخل عواصم وطنه.. ومنهم من سمحت له الظروف أو الحظوظ، فاكتسب معارفه من إحدى عواصم الغرب.. وعندما جمعتهم ميادين العمل في وطنهم، فرقتهم الأفكار، والنزعات واللغات، السلوكات والتصرفات.. وانطلقت منهم شرور الفتنة وكارثة الصراع الهدام.. صراع تافه، بين قديم جامد، وجديد جاحد.. بين عجز في التفكير والتقدير والتدبير، وبين انبهار، واستلاب بقشور التنوير.. ولولا انبعاث الحركات الوطنية، وبزوغ ملامح الثورات الشعبية، التي أخذت ترعد من هنا، وتبرق من هناك في مختلف أرجاء الوطن العربي.. لولا ذلك لتلاشى أو ذاب مثقفونا الأوائل إما بالتقهقر والاندثار، أو بالانصهار في بوتقة الاستعمار.. وطبعاً فإن هذا الوصف لا ينطبق على قادة المبادرات النضالية من أبطالنا الواعين الأحرار. وترعرع جيلنا الثاني.. منذ العقود الأولى لهذا القرن، داخل معامع المظاهرات، والصدامات، والثورات المسلحة.. فأنشد، وكتب، وخطب، وتشرد، وتغرب، وتمتع، وتعذب.. كل حسب مطمحه، وعزمه، وظروفه.. إلى أن أخذت أجراس الحرية والاستقلال تدق هنا وهناك.. فظهرت أفواجنا منقسمة أيضاً، بين أصحاب السيادة، وأصحاب الشهادة، وأصحاب العبادة، وقليل من أصحاب الريادة، وكثير من أصحاب اللامبالاة، والنفاق والمجاملات. والتمرد، والتهميش.. وضحايا الإبادة..! إن جذور الحرمان، تتبع تربتها فيما تنبت من سيقان وأغصان، فإن كانت من أرض طيبة زكية، أعطت ثماراً كريمة شهية، وإذا كانت من أرض فاسدة بور، انبتت الشوك والحسك، وكل الشرور.. وإلا فما معنى ما نشاهده اليوم في بعض شيوخ مثقفينا، ومؤيديهم من رعيل الجيل الثالث.. من تقوقع باسم الاختصاص. أو تفرغ للبلع والامتصاص، أو تنكر لكل المبادئ الوحدوية، والنضالية، والشيم العربية، التي هي الطريق الأوحد للخلاص..؟! نحن أبناء الجيل الثاني، منا من رحلوا.. وأغلبنا متقاعدون، ومنا موظفون، وحزبيون، ومستقلون ومهاجرون، ولاجئون، وتجار وفقراء إلا من كبرياء الكرامة. لقد ولدنا من مخاض الألم، والدم، ومن عقدة الخوف من العدم.. لم نعش في حياتنا طفولة، ولا مراهقة واجهتنا كالرجل الهرمين، وعندما أدركنا عهود الاستقلال الوطني، رضينا بالقليل.. وأسرعنا قبل فوات الأوان إلى امتلاك نصف ديننا، فتزوجنا، ولما رزقنا آخر العمر بالخلف، ألغينا دورنا كسلف..! من النادر أن نجد أباً من جيلنا، وجه أبناءه ليحملوا عنه رسالة ثقافية تعبر عن امتداد مطامحه السابقة، أو تدل على نمو وتطور توجهاته الفلسفية في الحياة.. فالكاتب لا يلد كاتباً، والشاعر لا ينجب شاعراً، هذا يعني أنه لم تكن لنا مطامح عميقة مستقبلية، ولا فلسفة راسخة عقلية.. كانت تسيرنا العواصف.. ثم العواطف، والقعود عن المواقف..! أنا -شخصياً- درست علم النفس، والتربية والمنطق.. وأدخلت أبنائي المدارس، والجامعات لمن أراد.. ووفرت لهم كل ما يحتاجونه، ومالا يحتاجونه -حسب المستطاع- من ألبسة، وأغذية، وأدوية، وألعاب، وكتب ومجلات، ونزهات ورحلات.. وفرت لهم كل شيء كنت محروماً منه في الماضي، غير أنني لم أفكر بأن أساعدهم على تحقيق ما كنت أحلم به في المستقبل..! لم أتدخل في رسم معالم حياتهم المقبلة.. ولا في تنمية ميولهم حسب ذوقي، ولا في توجيههم العلمي المدرسي، ولا حتى في متابعتهم بعد المرحلة الثانوية. كنت أزعم أن الاعتماد على النفس، والحرية هما طريقا النجاح، وخلق الشخصية القوية والمسؤولة.. فمنهم من تابع دراسته الجامعية، ومنهم من اختار سبيلاً آخر، وكنت راضياً في جميع الحالات. أبي -رحمه الله- لم يكن في استطاعته أن يقدم لي شيئاً محسوساً، ورمى بي أعزل، داخل المعترك، وكان يراقبني من بعيد، فيبتسم ويبكي عندما أنجح، ويصفر وجهه، ويحني رأسه عندما أفشل، وكان ثائراً دائماً، ضد اليأس، والكسل ولا يبدو عليه الغضب إلا وقت الشدة القاهرة. أما أنا، فقد كنت راضياً عن أبنائي في جميع الحالات، ولا يعرفون عني سوى القناعة، والاعتزاز بهم، والاستسلام لمطالبهم والاستعداد لخدمتهم. وقضاء حاجاتهم.. كنت أنتقم من نفسي لنفسي، في خدمتهم.. وكانوا يحبونني.. ومازالوا إلى درجة العبادة، ولكن هل يحترمونني بنفس الدرجة؟.. ربما..! وربما!.. ذكرت سابقاً، أننا نحن أبناء الجيل الثاني: منا مهاجرون ولاجئون وتجار.. وأسجل حالياً بأنني أعيش مع فئة اللاجئين باختيارهم، الساكنين بين صقيع الاغتراب، ولهيب الشوق، ورعب الآفاق الدامسة.. وكان يمكن أن أكون من فئة المهاجرين /الأذكياء/ إلا أن بعض الأمراض العصبية والهضمية المزمنة، والتي أصابتني خلال الثورة المسلحة.. منعتني من اكتساب ميزة المقدرة على التلاؤم مع جميع الظروف.. وها أنني أعيش مع العوز وسوء الهضم..! جيلنا الثاني من مواليد العشرينيات فما فوق، بعقدين أو ثلاثة- أغلبهم مروا في تكوينهم الأساسي، بالمساجد، والمدارس الحرة، والمعاهد الوطنية، والزوايا.. وهناك من واصلوا رحلة طلب العلم إلى المغرب، أو تونس، أو ليبيا، أو مصر، أو سورية أو لبنان، أو الأردن، أو السعودية أو الكويت. وعندما عادوا إلى مضارب الأمل، من أجل العمل، وجدوا أمامهم الجدران والأبواب، وخانتهم الحركة، ولفظهم الخطاب.. فعاشوا بين الضباب والسراب، يزحفون من زرداب إلى زرداب.. هناك فئة أخرى من نفس جيلنا، من أبناء البشوات والأعيان، وأصحاب الأملاك والقطعان، وأصدقاء حكام زمان.. وتجار الممنوعات، والأديان.. من أبناء فلان بن فلان.. وفلتان بن فلتان.. مروا في تكوينهم الأساسي، بالمدارس الأجنبية، ثم واصلوا رحلتهم السعيدة البراقة، إلى باريس، أو لوزان، أو لندن أو برلين، أو استوكهولم، أو امستردام.. وحتى إلى نيويورك، وموسكو وطوكيو، وبكين.. وبقفزة لماعة واحدة انتقلوا من صهوة الرفاهية والثروة، إلى حقل ثمار الثورة... وصدق من قال: خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام، ومن المعلوم أن خيارنا في الجاهلية كان لهم أصدقاء ومناصرون من القياصرة، والكياسرة، وعتاة الأحباش.. ولماذا لا يعيد التاريخ نفسه..!؟ جيلنا /المعربز/ أي المتعلم بالعربية، كما يقول الآخرون عنه.. هو الآن متهم، بالعنصرية اللغوية، وبالعنف الإسلامي، والأوراق الصفراء، وبالآخرة المنافية للحياة، وبالتأخر والتشتت، وبكل الصفات الذميمة.. إلا أن أبناءنا من الجيل الثلاث، رغم إهمالنا /المقصود/ لهم، باسم الحرية والاعتماد على النفس.. هذا الجيل الطلائعي الطالع، هم الذين سيغيرون موازين الأوضاع، إلى الأعدل، والأشمل، والأحسن.. وهم الذين سيعلنون براءة كل متهم مظلوم، في ظل ثقافة وطنية صميمية واعية، وشاملة، تجمع الحلم بالواقع، وتوصل الأصيل الخالد، بالجديد الماجد، وتربط بين كل أبناء الجيل الثالث، بأواصر اللغة والفكر، والتضامن والوحدة، وحب الوطن الذي هو حق، وواجب على الجميع.. لقد انتهى عهد أحادية اللغة.. هذا معرب فقط، وذاك مفرنس فقط.. وأصبح الجميع يتقنون -إلى جانب لغتهم العربية- أكثر من لغة حية إتقاناً جيداً. وهذا هو الواقع الحقيقي الآن، رغم كيد الحاقدين، وتشكيك المتآمرين.. وسينتهي قريباً عهد العنف، وآفات الحضيض والسقف، والتهميش على..؟.. ويعم الأمن والسلام ويتحد للعرب الصف. وأخيراً أكرر دعوتي لتأسيس الرابطة العربية الإسلامية لانتصار اللغة العربية، فهل من مبادر..؟ وهل من مجيب..؟ |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |