|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
*وهذا ما نراه واقعاً حقيقياً
لدى أغلب الجاليات في الوطن العربي كالأرمن، والهنود واليونانيين وغيرهم في المشرق
العربي وكالفرنسيين والإسبان والأفارقة وغيرهم.. في المغرب العربي. ونراه كذلك في فرنسا، في
أقليات البرتغاليين، والأتراك والبولنيين، والإسبان والأفارقة وأبناء بعض الأقطار
العربية، وغيرهم. ولكن هناك ظاهرة تبدو لأول
وهلة مثيرة للاستغراب والتساؤل، ألا وهي ظاهرة نسيان اللغة الوطنية، بالنسبة لكثير
من أبناء الجالية الجزائرية في فرنسا..!؟ ربما يقول قائل: إن اللغة
الوطنية بالنسبة لبعض الجزائريين قد نسيت حتى داخل الجزائر، فكيف نستغرب نسيانها
في فرنسا..؟ ولتوضيح بعض جوانب المسألة
نقول: ربما -بالفعل- نجد أغلب سكان
المدن الجزائرية الكبيرة، وخاصة بين الموظفين، وفي المناطق الشمالية على الأخص،
نجدهم يميلون إلى التحدث بالفرنسية، حتى في الأمور البسيطة، إلا أنه -وأقولها عن
يقين- من النادر جداً، أن يوجد جزائري، لا يحسن التكلم باللغة الدارجة، وهي قريبة
من العربية الفصحى، في أغلب مفرداتها، وتعابيرها... إلا أن عدم استعمالها لدى
البعض، يعود لأسباب كثيرة، منها ماله علاقة مباشرة بالتربية، والمحيط العائلي،
وبتنوع التشكلات الفكرية والنفسية لدى بعض الفئات، مما رسخ في الأذهان قناعات
مختلفة نورد نماذج منها كالتالي: - هنالك فئة الفرنكفونيين،
الذين بحكم تربيتهم، وتعليمهم ومحيطهم -خاصة من أجيال ما قبل الاستقلال- فهم
يجهلون كل شيء تقريباً، عن تاريخ حضارتهم العربية الإسلامية. وثقافتهم الوطنية
المستمدة من حياة الشعب... وإمكانيات لغتهم العربية، ومقدراتها على مواكبة التطور،
ومتطلبات العصر، ولا يتصورون مفتاحاً لأسرار التقدم إلا في استعمال لغة أجنبية
حية، كالفرنسية مثلاً...! وهناك فئة /الفرنكوفيليين/
الذين ينظرون إلى اللغة الفرنسية نظرة عشق، وانبهار، وإعجاب.. ويشعرون بالسعادة
الكبرى، واللذة العارمة، وهم يتحدثون بها... وهذه الفئة، ترى في بقية لغات العالم
الأخرى، منزلة لا تستحق العناية أو الاهتمام، لأنها دون مستوى الفرنسية في سحرها،
وحلاوتها.. مهما كانت تلك اللغات عظيمة ومتطورة، ومن بينها اللغة العربية...! وفئة بعض الموظفين، الذين
يعتقدون بأن التكلم بالعربية قد يلصق بهم، تهمة جهل الكلام بالفرنسية، أو تهمة
الانفصام عن الشلة المفرنسة، مما قد يفقدهم امتيازاتهم الوظيفية، لذلك فهم يلحون
على التحدث بالفرنسية في كل وقت. وهناك فئة، تتكون من الذين لا
يحملون للعربية أي ود أو اعتبار، بل إنهم ينفرون منها، ويعدونها لغة دخيلة، لا
علاقة لها باللغة الأصلية للجزائريين القدامى، وبالتالي فهم يفضلون الفرنسية
عنها... ومن حسن الحظ، أن من يعتنقون مثل هذه الاعتقادات، الاستعمارية المنشأ، هم
قلة، ولا وزن لهم حتى بين بعض دعاة "الأمازيغية" أنفسهم الذين يؤكدون
العلاقة الحميمية بين العربية، والبربرية.. ويؤمنون بأن من أقدس ثوابت الجزائريين
العربية والإسلام... من هنا، يمكن الإشارة إلى فئة
أخرى، لا تحمل من الإسلام إلا الاسم الشخصي، حيث انعدمت عندها كل ممارسة للشعائر
الدينية وتقطعت لديها كل الأواصر المتصلة بحضارة الإسلام، ومعطياته الفكرية،
والسلوكية.. ونظراً للعلاقة الوثيقة بين اللغة العربية والإسلام ككل.. فقد أهملت
العربية تبعاً للابتعاد عن الإسلام. وثمة فئة المستخدمين من
الأميين البسطاء حيث نشاهدهم يحاولون التحدث بالفرنسية، وهم يجهلون الكتابة
والقراءة بها، وإنما فقط (يتببغون) بها، لعقدة في نفوسهم، ظناً منهم أن من يتكلم
الفرنسية، هو الأكثر تحضراً، وتمدناً واحتراماً...! ومن بين هذه الفئة، توجد
الكثيرات من نساء المدن، مع الأسف -ممن يعتقدون كذلك، أن الكلام بالفرنسية دليل
على رقي الشخص وثقافته، وتمتعه بصفة اللياقة التقدمية المعاصرة...! أما الأغلبية الساحقة نم أفراد
المجتمع الجزائري، فهم يستعملون اللغة العربية الدارجة في مختلف مجالات تعبيرهم. وأستسمح القارئ الكريم لأحكي
له هذه الحادثة الطريفة: في سنة 1968، صدر مرسوم
رئاسي، يجبر كل الموظفين بوجوب تعلم اللغة العربية، قراءة وكتابة، وحدد كآخر أجل
للتطبيق العملي لما جاء في المرسوم، بثلاث سنوات بحيث أن أي موظف، لا يكون لديه
مستوى مقبول من استعمال في استعمال اللغة الوطنية، عام 1971- فإن مرتبه الشهري
سيجمد ويمكن أن يفصل من عمله.. وكنت حينئذ مستشاراً بإحدى
الوزارات، فكلفت بتنظيم عملية تدريس اللغة العربية، بعد ساعات العمل، لكل الموظفين
في الوزارة، دون استثناء، إلا من يتقن العربية... وقمت بتقسيم الموظفين -بعد
الاختبار- إلى ثلاثة أقسام، قسم الذين لا يحسنون القراءة، والكتابة بالعربية، وقسم
الذين لديهم معرفة بسيطة بذلك.. وقسم.. الذين يمكن أن يتقدموا لنيل الشهادة
الابتدائية كمترشحين أحرار.. اتصلت من مكتبي بأحد
المديرين، ممن لم يسمع عنهم أبداً، أنهم تلفظوا بجملة عربية.. وكنت بواسطة الهاتف
أحدثه بالعربية، وهو يجيبني -طبعاً- بالفرنسية.. وأخيراً أخبرته بأنه مسجل في قسم
الذين لا يحسنون بالعربية، لا قراءة، ولا كتابة، ولا نطقاً...! وطلبت منه أن يستعد
للحضور، بعد انتهاء فترة العمل الرسمية. وكم كانت دهشتي كبيرة عندما
قال لي بعربية طليقة فصيحة: أتعرف من قال هذا الشعر:
واستمر في إنشاد معلقة امرئ
القيس، حتى أوقفته، وقلت له: هذا يكفي.. وقال لي: إنه يحفظ أشعاراً عربية كثيرة...
ويحفظ نصف القرآن الكريم، ومجموعة من الأحاديث النبوية.. وأنه درس الأدب والفقه في
قريته، مدة سنين طويلة...! قلت له: لقد فاجأتني... إنني
لم أكن أظن أنك ..؟.... في العربية هكذا... وإذن.. لماذا لا تتكلم إلا
بالفرنسية...!؟ كان يقهقه وهو يجيبني قائلاً:
لابد أن نعيش يا أخي، إنها الوسيلة الوحيدة لأكل الخبز الأبيض!!؟ .......... إن الفرق شاسع، وكبير، بين
الذين لا يتكلمون ..؟. العربية داخل الجزائر، وبين الذين يعيشون مهاجرين كجاليات
في أوربا، وفرنسا.. فالذين يستعملون الفرنسية داخل الوطن، لا يعجزون عن
استعمال العربية عندما يريدون أن
يضطرون لذلك... أما المهاجرون ممن قضوا سنين
طويلة في ديار الغربة، فإن أغلبهم، أصبح عاجزاً عن التحدث بلغته الوطنية، لغة
آبائه وأجداده.. وخاصة من طرف الأجيال التي ولدت وترعرعت في الخارج. ولكي نوضح بعض الجوانب في سبب
جهل أو نسيان بعض الجزائريين للغتهم الوطنية في المهجر، لابد من إعادة ذكر هذه
الحقيقة التاريخية المؤلمة، وهي أن فرنسا منذ أن احتلت الجزائر، وهي تسعى بجميع
الوسائل إلى إبادة اللغة العربية، ومحوها نهائياً من ذاكرة الجزائريين... وعندما فتحت أبواب بلدها للمهاجرين
الجزائريين منذ العقود الأولى للاستعمار -كان القصد من ذلك، هو استغلال الأيدي
العاملة، الرخيصة الكلفة.. وتفريغ الجزائر من سواعد أبنائها، وفرنسة كل الذين
يستقرون فوق ترابها، خاصة إذا علمنا أن جل المهاجرين، هم من الفقراء المحتاجين ممن
يعتمدون في كسب قوتهم على جهدهم العضلي، دون أن تكون لهم، أية حصانة ثقافية أو
علمية.. وكان همهم الوحيد، هو كيف يتمكنون وبسرعة من التلاؤم مع محيطهم الجديد،
والغريب عن عاداتهم وتقاليدهم.. وكيف يحظون برضا أرباب عملهم، ويستطيعون فهم،
وتلبية أوامرهم في مواقع عملهم..؟ هذا... مع الإشارة إلى أن
هجرات الجزائريين إلى أوروبا، وفرنسا بالذات لم تكن موجهة ومنظمة من طرف جهات
وطنية مسؤولة، ولم تخضع لقوانين أو شروط مسبقة.. وإنما كان أغلبها مجرد مغامرات
فردية وعائلية، هروباً من البطالة والفاقة، أو من كيد وظلم المعمرين، بالإضافة بعد
ذلك، إلى أطماع البعض في كسب المال الأوفر أو إلى الافتتان بأحلام وبريق الغرب... وحتى عندما نلاحظ أحياناً،
تكدس بعض الجاليات الجزائرية، والمغاربية بصفة عامة، داخل تجمعات سكنية متقاربة،
غالباً ما تكون في أطراف المدن، فإن ذلك لا يعني أن هناك تخطيطاً جماعياً مقصوداً،
وإرادة استراتيجية واعية في التكتل ولم الشمل من طرف الجالية بقدر ما هو تصرف خاضع
لظروف السكن القاسية، ولضعف الإمكانيات المادية للمهاجرين، ولأساليب العزل المقصود
من طرف الفرنسيين، وخاصة المتعصبين منهم ممن لا يرضون بمجاورة العرب.. وهذا ما يدل
على أن تلك التجمعات أو المجمعات السكنية، إنما هي في الحقيقة، أماكن ..؟..
للإقامة، وليست اختيارية.. وأتصور أنه.. لولا تميز الكثير من الفرنسيين بصفات
الاستعلاء والكبرياء.. وبما عرف عنهم من اعتزاز بالذات، ورفض لأي جسم غريب في أن
يعيش بينهم مثلهم، مع تشبع الكثير منهم باعتبارات الفوارق الاجتماعية، والطبقية،
وشيوع مظاهر ومواقف التمييز العنصري، خاصة تجاه العرب، وعلى الأخص أبناء المغرب
العربي.. لولا ذلك، لربما تلاشى حتى ما نسميه اليوم بالجالية، نتيجة لميع الظروف
السيئة، والتي تؤدي إلى محو الشخصية وتدمير التاريخ وكما يقول المثل "رب
ضارة، نافعة!". هذا... بالنسبة للجيل الأول،
من الذين شدوا الرحال نحو فرنسا، قبل الاستقلال، وبعده مباشرة.... *الجيل الثاني: من أبناء
المهاجرين الجزائريين الذين ولدوا في فرنسا وتوفر لبعضهم الحظ في قشط من التعليم
أو التكوين المهني.. هؤلاء، أغلبهم يجهلون التكلم بلغتهم الوطنية، باستثناء الذين
مازالت تربطهم، علاقات تواصل دائمة، وزيارات متواصلة مع أقاربهم في الجزائر، وهم
قلة...! ورغم امتلاك هؤلاء المولودين
في فرنسا، للجنسية الفرنسية فهم لا يتمتعون بحق المواطنة الكامل، في المعاملة
والاحترام كبقية الفرنسيين. ولقد اضطر بعضهم إلى تغيير أو تحريف اسمه العربي إلى
ما يشبه الاسم الأوروبي، حتى يتخلصوا من المضايقات، ومن الحرمان من العمل، بسبب
أسمائهم...! إنهم يعيشون الغربة بكل معانيها.. غربة الوطن، وغربة الحياة
الاجتماعية، وغربة اللغة، التي عبر عنها الكاتب الجزائري المعروف /مالك حداد/
بقوله: "إنني أعيش في لغة المنفى! والغربة حتى عن الآباء والأمهات الذين
يعيشون مع أبنائهم في منزل واحد، ويتخاطبون معهم بلغتهم العربية، ولكن أولئك
الأبناء لا يستطيعون الرد عنهم إلا باللغة الفرنسية... إنه منظر مؤلم إن يشهد
الإنسان..؟.. تتكلم مع ولدها بلغة، وهو يبادلها الحديث بلغة أخرى، والابن يفهم ما
تقول والدته، وهي تفهم ما يقوله
ولدها، ولكن لا أحد منهما يستطيع أن يعبر بلغة الآخر...!؟ أغلب الأقليات في العالم، وفي
مختلف الأزمنة تشكل عنصر قوة ضاغطة، ومؤثرة.. في أغلب المجتمعات التي تتعايش معها،
وذلك لأنها مكتسبة لعناصر مناعتها، وحصانتها المتمثلة في الخصائص التالية: 1- الإرادة الواعية في التكتل
والتماسك، ووضع استراتيجية للتضامن، والتعاون المشترك، من أجل ضمان حياة منيعة
كريمة. 2- المحافظة بالتخطيط
والبرمجة على مواصلة التعليم، والتكوين، ومساعدة العاجزين لتحقيق ذلك. 3- التمتع بالرصيد الثقافي
والحضاري الوطني، لسلوكاتهم الفردية والجماعية. والدافع لهم على إحياء مآثرهم
الثقافية، ومواصلة الأنشطة الجماعية حولها... 4- التمسك بالقيم القومية
والدينية، بأساليب تتماشى مع مقتضيات العصر والتطور، مع الإيمان العميق والمدرك
لقضايا الوطن الأصلي وأوضاعه الراهنة... 5- وبالتالي... حب الوطن،
والتعلق الدائم به، والحنين إليه، كجزء من كيان الذات، وجوهر الشخصية، وليس فقط
كموقع ذكريات لمنازل الأهل، ومقابر الجدود... 6- مواصلة الجهات المعنية، في
السلطة الوطنية، بالاتصالات المجدية الدائمة مع جاليتها في الخارج، وتأمين كل
أسباب الرعاية والحماية والتوجيه لها... وتمكينها من معرفة ومتابعة كل ما يجري
داخل الوطن الأم.. من معرفة ومتابعة كل ما يجري داخل الوطن الأم.. من تغييرات
وتحولات بواسطة الكتب والمجلات، والمراكز الثقافية ومختلف الوسائل الإعلامية،
وتنظيم الزيارات في جميع المناسبات وإشعارهم بصورة مستمرة إن دولتهم الوطنية، ليست
غائبة عنهم، خاصة في ما يتعلق بحماية كرامتهم ومقدساتهم، وهوية شخصيتهم.. ورغم أن الجالية الجزائرية في
الخارج، وفي فرنسا بالذات وأوربا، قد التفتت إليها السلطة الوطنية في العهد
الحالي، وأعطتها الكثير من الاهتمام، والانتباه... خاصة بعد أن أحدثت لأجلها
مؤسسات سامية للعناية بها، وأصبح لها تمثيل معتبر في المجلس الوطني الشعبي
(البرلمان)، إلا أنها مازالت في حاجة إلى عناية أكبر، وأكثر، خاصة ما يتعلق
بحاجاتها للإمكانيات الاجتماعية والتربوية، وللمؤسسات الثقافية، العاملة باللغة
الوطنية، ولترسيخ معاني الوطنية والاعتزاز بالنفس، اعتماداً عليها، مع الثقة
المطلقة بأن وطنهم الأصلي، هو دائماً إلى جانبهم في السراء والضراء وأنه ملجؤهم
الأول والأخير... ولقد قارنا مثلاً -سابقاً-
بين موقف فرنسا عندما يصاب فرنسي بمكروه في الجزائر، وموقف الجزائر عندما يصاب
جزائري بمكروه في فرنسا، لوجدنا الفق كبيراً جداً إلى درجة مخجلة..! الأمن، وضعف الحماية، وغموض
المستقبل رغم كل التنازلات والتضحيات التي تقدمها من أجل فرنسا....؟ ومن المعروف أن الأكثرية،
عندما تتصف في غالبيتها بالعنصرية فإن الأقلية التي تعيش بينها تلجأ بتلقائية إلى
العصبية، والانطواء، والتكتل... ولكن من الملاحظ على الجزائريين في فرنسا، أن
أغلبهم لا علاقة له بأي عصبية أو تعصب، اللهم إلا في بعض الحالات النادرة
والخطرة.. عندما يصل بهم الأذى إلى أقصى درجات الإهانة والألم.. ومن مظاهر عدم تعصب
الجزائريين، أنهم غالباً ما يواجهون مشاكلهم الطارئة كأفراد، بينما تواجه السلطات
الفرنسية أخطاءهم الفردية كجماعات، دون تفريق بين مذنب أو بريء.. وهذا ما دلت
عليه مواقف كثيرة، ومن بينها تلك
الجرائم البشعة، والتي راح ضحيتها مئات الجزائريين الأبرياء، حتى امتلأ نهر
/السين/ بجثثهم خلال مظاهرات اكتوبر 1961...! وأتصور أن عدم تعصب
الجزائريين وتكتلهم الفعال، في أرض الغربة بأوربا.. لا يعود إلى سجايا التواضع،
والتسامح التي اشتهر بها أبناء الشعب الجزائري، وإنما يعود إلى الشعور بالخوف من
تأزم العلاقة بينهم، وبين أبناء المجتمع الآخر، وسعياً وراء كسب ثقة أرباب العمل،
والتخفيف من حدة أذى العنصريين، لذلك فهم يطبقون مقولة المثل: "يا غريب، خليك
أديب": ومع الأسف، فهذا "الأدب" يبدو أنه قد تجاوز حدوده كثيراً،
عندما أصبح يمس هوية الإنسان وشخصيته الوطنية، وينسبه لغته الأم!؟.. لقد ظلت مختلف الجاليات في
فرنسا، محتفظة بلغتها الوطنية تستعملها بين أفراد أسرتها، وجاليتها، إلى جانب
اللغة الفرنسية أسرتها، وجاليتها، إلى جانب اللغة الفرنسية عند الضرورة، وهو ما
نراه عند الجاليات التركية، والبرتغالية والإيطالية والإسبانية، وغيرهم.. باستثناء
الجزائريين النطاقين أساساً، وأصلاً.. بالعربية، فقد أضاعوا لغتهم، وخاصة بين
أبناء الجيل الثاني والثالث.. ممن كانت فرنسا هي مسقط رؤوسهم، منذ الاستقلال.. ومن المؤكد أن عجز الجيل
الأول من المهاجرين الناتج من الأمية، واضمحلال المعارف الثقافية، وضحالة التكوير
والوعي.. كل ذلك كان له تأثير بالغ، في شبه انفصام الأبناء عن شخصية آبائهم.. التي
لم تكن لديها أية مقدرة على السيطرة والتحكم، في تربية الأبناء.. وبالتالي تمزقت
الروابط بين الأجيال، وحلت محلها، مشاكل الحيرة، والقلق والشرود..! وأفراد الجالية الجزائرية في
فرنسا، لوجدنا بونا شاسعاً، وفارقاً كبيراً، في عمليات التماسك والانسجام،
والتفاؤل والاحترام المتبادل لدى الأولى... وعكسه في كثير من الحالات لدى
الثانية... إن أغلب الجزائريين المهاجرين
في فرنسا، يدركون تماماً بأنهم غير مرغوب فيهم، وغير محبوبين.. رغم خدماتهم التي
لا يمكن تعويضها أو الاستغناء عنها من طرف فرنسا -وحتى بعد أن تنازلوا- مرغمين
بحكم الظروف والزمن- عن لغتهم الوطنية.. ومع ذلك، تبقى غربتهم قائمة إلى حين.. كشر
لابد منه، وهذا ما يبدو لهم، حسب تقديراتهم.. وأخيراً، فإن ما سجلته من انطباعات
ذاتية، عن الجالية الجزائرية في فرنسا هو مجرد رأي شخصي، وإشارة إلى وضعية اللغة
العربية بينهم، هذه الوضعية المخجلة، والتي كان من المفروض ألا تحدث بين أفراد
جالية، لها خلفيتها الحضارية العريقة، ولها تاريخها الحافل بالأمجاد، وتراثها
المتنوع الثري، ولها مآثر ثورتها الحديثة، المكللة، بالملامح والبطولات
والانتصارات ولها حاضرها، ومستقبلها الواعد بكل خير.. وأعتقد أن حوالي مليون جزائري
أو أكثر من المهاجرين في فرنسا، أغلبهم من الشباب الأقوياء، أعتقد أنه كان في
مقدورهم أن يقدموا.. ويفعلوا الكثير
في سبيل أن تبقى الجزائر قوية بمكانتها الثقافية والاقتصادية. وبكل
مقوماتها الأساسية في الداخل والخارج، ولكن مثل هذا الدور، كان هو أيضاً يتطلب
الكثير من العناية والرعاية والتهيئة، والإعداد...!؟ إن التاريخ العربي اليوم،
يفتخر بما قدمه أدباء المهجر من سوريين ولبنانيين للغة العربية، وآدابها، وعلومها
من إبداع رائع متجدد، وإثراء قيم متميز،، وكذلك من دعم اقتصادي هام لأقطارهم.. رغم
أنهم كانوا كبقية الجاليات، يعيشون مشاق الغربة، وآلام الفراق، وصعوبات التلاؤم
الأولى مع المجتمعات الجديدة. فكيف حال الجالية الجزائرية
في الغرب.. وبلادها تعاني من أزمات خانقة، تبعث على أكثر من مجرد الحيرة والإشفاق؟ إنني متيقن بأن مستقبل جاليتنا، سيكون أعظم، وأنجع، وأشرف وأسعد، وذلك بفضل يقظتهم، وعناية سلطتهم الوطنية بهم... كما أنني متيقن من أن كل جزائري يحب وطنه الأم إلى درجة العبادة.. ولكن هناك تساؤل: على أية صورة يجب أن يكون هذا الحب..؟ وبأية لغة..!؟ | |||||||||