حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تأملات.. في الشعب والسلطة والرئيس

* لو أمعنا النظر، في مفهوم الشعب، بصورة تحليلية تجزيئية، لوجدناه مجرد كميات تراكمية هائلة، من الفرادى والمجموعات المترابطة أو المتنافرة، حسب الطبائع والأغراض، والمصالح الخاصة، المتشكلة من مجموعات من التوافقات أو التناقضات المتفاعلة مع بعضها سلباً أو إيجاباً والتي تضم كل شرائح المجتمع، من الصالح والطالح، ومن الطيب الشرير، ومن العاقل والمجنون، ومن المتعلم والأمي، ومن المجتهد والخامل ومن الوطني والخائن، والأمين واللص، والسليم والمريض، إلى ما هنالك من الصفات البشرية التي قد لا تعد، ولا تحصى..‏

ولكن إذا تأملنا بعمق حقيقة القوى الكامنة والبارزة في روح الشعب ووحدته، ونتائج أنشطته، نجد أن مفهوم الشعب، لا علاقة له مطلقاً بأساليب التحليل والتجزئة، لأنه يقوم أساساً على مبدأ الكلية الشاملة، وعلى وحدة المركب المتكامل، المبني على التنوع في أبعاده ومضامينه وأشكاله، وعلى التغيير المتطور في حركيته، ..؟.، وتأثيراته، وعلى التلاحم المتماسك المتراص في الدفاع عن وجوده وبقائه..‏

الشعب هو خليفة الله في الأرض والوطن، وهو الطاقة الجبارة التي يصعب تحديد مفعولها، أو الإحاطة بقدراتها، أو سبر أعماقها، وحصر عطاءاتها، أو التحم المطلق في كل نزاعاتها أو نزواتها..‏

وقد يبدو الشعب أحياناً، وكأنه عملاق هائل، يتمتع بعقلية طفل عاطفي بريء..أو مخلوق درويش طيب ساذج، يحب، ويطيع، ويتردد..وقد يكره ويغضب ويعطي، دون أن يؤذي أو يضر..ولكن -أحياناً أخرى-ينقلب الشعب إلى فيلسوف حكيم داهية -لا يجاريه أحد،أو إلى عواصف هوجاء تسوق السحب والأمطار، وتحدث الزلازل، والكوارث والحرائق، وتدمر كل شيء يقف في طريقها..‏

الشعب كيان عملي، متعدد الاختصاصات، ومنه تنبثق السلطات التي تتوزع وتتقاسم معها مهامها في التفكير والتنظير، والتوجيه، واستخلاص المعارف من تجارب الشعب، وصراعاته عبر القرون، وتوظيف كل المواريث الناجعة، والمعطيات المعاصرة المفيدة، لرسم معالم المسيرات نحو الأمن، والاستقرار والتقدم.‏

ومن المعلوم أنه ما من ثورة شعبية تحررية حدثت في التاريخ، وحالفها النصر، إلا وكانت في منطلقاتها ومراحل مسارها، خاضعة لسلطة فكرية واعية ومدبرة.‏

وما من شعب بلغ ذروة الرقي والنهضة، إلا وكان مسيراً من طرف قيادات حكيمة منه.. تتمتع بحصافة الرأي، وعمق الثقافة، والمقدرة الفائقة في التسيير والتوجيه، والتقدير، والتدبير..‏

الشعب دائماً، هو السيد، وهذا ما يؤمن به كل قائد واع نزيه، وما تؤكده كل الدساتير والقوانين الديمقراطية الحقة.‏

الشعب هو السيد، لأنه الأغلب، والأعم والأشمل وهو الذي يبني، ويزرع ويصنع، وهو الذي يمنح ويرفد ويبدع، وبكدحه وتضحياته، ومن أصلابه ينتج الحياة والحماة.. والعلماء والمفكرين.. والأدباء والسياسين والقادة والأبطال، ورجال التكنولوجيا، والدين..‏

وبالتالي... هو من ينشئ الأعراف، ويرسم الأهداف، ويؤسس القيم والتقاليد، ويواكب التطورات ويصنع النهضات والحضارات.. وبأمجاده وذاكرته، يسلسل حلقات التاريخ وبجهده وعطائه يملأ الحاضر ويعمره، وبمطامحه وتصوراته يخطط معالم المستقبل، ويتشرف إنجازاته.. وقبل كل شيء، فالشعب هو مصدر السلطات ومنبعها، ومرجعيتها ومفرزها ومرشحها لقياداته..‏

وإن أية سلطة تنشأ خارج كيان الشعب، أو منه، ولكن دون إرادته، فهي إما سلطة استعمارية عدوة تجابه بالحراب.. وإما سلطة ديكتاتورية طاغية، تواجه بالتذمر والكبت، إلى أن يولد الانفجار..‏

وهنا لابد من الإشارة إلى أنه في حالات تفشي الفوضى والآفات الصادرة والواردة، لابد من وجود سلطة وطنية حازمة صارمة شديدة البأس، تراعي العدل، ولا تتردد في الضرب بلا رحمة على أيدي المنحرفين والمخربين..‏

وما دام الشعب، هو مصدر السلطة، ومرجعيتها الأساسية، فلا يجوز لأية سلطة مهما كنت أن ..؟.. برشد الشعب، وتعتبر نفسها صاحبة الوصاية المطلقة عليه... إن الشعب في كل القضايا الهامة يجب أن يظل هو صاحب المشورة والرأي الأخير، وأن يرتكز دور السلطة فيه على التشريع، والاقتراح والتنفيذ، في إطار ما يقدمه الشعب أو يستوحي منه من مطالب وحاجات...‏

إن السلطة الحكيمة هي التي تستطيع أن تستخلص من آمال الشعب وتطلعاته، وأوضاعه واحتياجاته، ما يحدد نشاطها، ويبلور أعمالها وإنجازاتها.. ومن الخطأ اعتماد تجارب سلطة أخرى في شعب آخر، على شعب لا علاقة له بذلك الشعب الآخر.. فالشعوب تختلف حاجاتها وأساليب حياتها بقدر اختلاف ثقافاتها وخبراتها وجغرافية أراضيها، وما يصلح لأمة من الأمم، قد يكون ضاراً لغيرها..‏

إن سلطة الدولة على الشعب، لا تبرز في التعامل مع المواطنين بالأمر والنهي، بل تبرز في أداء المسؤولية والقيام بالواجب وتنسيق العلاقات التصاعدية من أصغر إلى أكبر مسؤول..‏

وإن مفهوم السلطة الحديث، يختلف تماماً عن المفاهيم البالية، مثل الأبوية والقبلية، والعشائرية، والإقطاعية، و..؟..، والدينية والحزبية.. إنها تشبه وصاية الأسياد على الخدم، أو وصاية الأولياء على الأطفال اليتامى أما وصاية السلطة المنبثقة عن إرادة الشعب الواعية فهي أعمق وأعظم وأشرف، لأنها مبنية على الثقة والاحترام، وعلى التكليف والإلتزام، والعهود الصادقة والتعاون المشترك..‏

وقد جاءت عملية تقسيم السلطات وتوزعها لتؤكد مبدأ احترام السلطة للشعب.‏

فالسلطة التشريعية تمثل مبدأ استشارة المواطنين والأخذ باختياراتهم عن طريق ممثليهم المنتخبين..‏

- والسلطة التنفيذية تمثل التطبيق، والسهر عليه.‏

- والقضائية ترعى الحقوق، وتنشر العدل والمساواة‏

-والإعلام لمختلف وسائله المقروءة، والمسموعة والمرئية يمثل التوجيه والمتابعة، والمراقبة، ونشر الوعي بين أبناء الشعب..‏

ولعل من مساوئ نظام الحزب الوحيد الحاكم. هي اختلاط السلطات أو تمركزها في جهة واحدة، مما يتسبب عنه الكثير من الخلط، والتقصير، والعجز.‏

ولو تمعنا في الحديث النبوي الشريف "كلكم راع، وكل راع مسؤول عن رعيته..." لبدا لنا بوضوح، أن السلطة في معناها الواسع، تشمل كل أفراد الشعب ذلك لأنها تعني المسؤولية بمفهومها الكامل، وكل مواطن مسؤول عن جانب ما، يتعلق بأي دور له في الحياة والمجتمع أو العائلة... وربما أقل درجات المسؤولية وأخطرها في الوقت نفسه، هي أن يكون الفرد مسؤولاً بكفاءة عن نفسه.‏

ولو مثلنا الشعب بتركيبته الكلية المتلاحمة بحسم إنسان مكتمل الأعضاء، لظهرت لنا السلطة الحاكمة بمثابة الرأس، بما فيه من مخ وحواس، وأعصاب واصلة، مع العلم بأن ذلك الرأس، سيختل أو يتعطل نشاطه الحيوي بمجرد ما يقع أي ضرر أو تلف أحد أعضاء جسمه، ومن هنا كانت من أول اهتمامات المخ المستعجلة أن يحافظ على سلامة وتوازن بقية أعضاء الجسد... ومن مهام الجسد الأولية أن يحمل رأسه برعاية وعناية، ويرفع هامته بقوة واعتزاز...‏

ورئيس الدولة يمثل قمة الرأس، وجبهته، وجبينه ورأس الهرم بالنسبة للسلطة.. وللشعب... لذا فإن من أول المزايا التي يجب أن يتمتع بها هي الهيبة، والثقة والاحترام..‏

- فالهيبة توحي بها قوة الشخصية والصراحة. والترفع عن الرغبات السطحية العابرة.‏

- والثقة، تصنعها مطابقة الأقوال مع الأعمال، وصدق الوعود مع العهود.‏

- والاحترام يحققه العدل مع الرعية والمساواة بين المواطنين كل حسب مكانته، ومستحقاته..‏

ولا ريب أن للإعلام دوراً حساساً هاماً، في اكتشاف الرجال الأوفياء القادرين، وتسليط الأضواء عليهم وتعريف الشعب، بمواهبهم وكفاءتهم وصلاحيتهم.‏

الإعلام إذا توفرت فيه الحرية، والموضوعية والصدق هو وحده القادر على التعبير بصراحة وحيادية عن حقائق الرجال وعن الفوارق بين من يرشحه ماضيه الحافل بالخبرات والإنجازات وإمكانيات القيادة الناجحة، وبين من تقدمه وعوده وعهوده، ولا علم للناس بإمكانياته الذاتية، في التسيير والتدبير، بحيث يكون المستقبل معه، خاضعاً لظروف الحظوظ، واحتمالات الصدف..!؟‏

ومن الضروري الإشارة إلى أن هناك رجالاً يتمتعون بكل كفاءات القيادة والتسيير، ولكن يمنعهم تواضعهم أو تعففهم من الحديث عن أنفسهم، وفي مثل هذه الحالات يأتي أيضاً دور الإعلام الواعي الذكي..‏

إن الإعلام الكفء الرائد، هو الذي يعمل من أجل كل أبناء الشعب، دون إقصاء أو تفريق.. ويقدم مصلحة الوطن العامة، دون التأثر بالاعتبارات التعددية أو الاختلافات الإيديولوجية والطبقية.. والإعلام الملتزم بكل قضايا الوطن الهامة، بقدر ما يكون صادقاً مع نفسه، يكون جريئاً في أداء واجباته ومسؤولياته، ولا يسمح أن تستغل منابره، ولو باسم الشعارات المزيفة للديمقراطية أو حقوق الإنسان..‏

وبالتالي فالإعلام، بمختلف وسائله، يستطيع بحكمة وأمانة، توجيه الجماهير نحو الذي يستحق البيعة والولاية.‏

ولا شك أن من يترشح لتحمل مسؤولية قيادة الشعب، وهي مسؤولية ضخمة وخطيرة وقاسية، يكون أكثر توفيقاً في كسب ثقة الجماهير، إذ كان شعبياً اجتماعياً في علاقاته، حيادياً في ارتباطاته، مستقلاً في أفكاره وتوجهاته.. غير موال بالانصياع لجهة دون أخرى، وغير مقيد بالتزامات أو تعهدات لفئة معينة، متحرراً من كل ضغوط الطاعة والامتثال إلا لله وحده، ولقناعته وإرادته المستقلة، ومستلزمات الشعب.‏

ومن بين امتيازات المترشح المستقل، إذا كان صالحاً لما ترشح له، أنه سيحظى بما يشبه الإجماع من طرف أغلب فئات الناخبين، نظراً لتأهله واستحقاقه ذلك.. ولكون إجماع الأغلبية حوله، من المفروض أن لا يثير أية حساسية أو تذمر، داخل أوساط التعدديات والجهات الأخرى المنافسة..‏

والإجماع في حالة الرئيس المستقل.. إذا تم، فلا يعني منحة أو مئة، أو دين من طرف الذي زكى أو ساند، بقدر ما يعني السعي الحميد لتحقيق آمال وأهداف الشعب النبيلة، وخدمة مصالح البلاد، في اختيار الرجل المناسب للمكان المناسب، ومن أدى واجبه الوطني فهو لا يحتاج إلى مكافأة، وكما يقول المأثور: لا شكر على واجب.‏

ومع الأسف/.. كثيراً ما نلاحظ، خلال مواعيد الانتخابات الهامة، استيقاظ الطموحات الشخصية، الضيقة والمقاصد الانتهازية، ومواقف التملق والنفاق المعبرة بمظاهر الإخلاص الكاذب، نلاحظها لدى- بعض (النشطين) لخدمة هذا أو ذاك لا لوجه الحق، أو منفعة الشعب، وإنما بقصد التسلق،‏

والحصول على جائزة ما..!؟‏

مثل هذه التصرفات المغشوشة، قد تمس مستقبلاً بسمعة وحصانة استقلالية الرئيس، خاصة إذا استطاعت تلك الفئة المموهة، أن تبلغ مواقع الحاشية، أو مكانة المساعدين المقربين.. وأن أصحاب الطبائع الفاسدة، هو أصل كل فساد، واختلال، وسقوط.‏

وإن التاريخ المليء بمشاهد النكسات التي حدثت في مسيرة بعض الحكام، لا لنقص ذاتي فيهم، وإنما بسبب تصرفات الأنانية والطمع، وسوء التربية، والعلاقات المشبوهة الناتجة عن سلوكات بعض الموالين لهم والمتعاونين معهم..‏

لذا.. فمن الضروري أن تكون قوة شخصية المسؤول الأول، مستمدة قبل كل شيء من ذاته وسلوكه.. من سهره وجهده.. عن حيطته وحذره، من فكره وحسن تدبيره، ومن الثقة الكاملة بينه وبين بساطة الشعب وعفويته، وإخلاص الجيش وانضباطه، وممن لا يتسرب الشك إلى نزاهتهم من العلماء والمثقفين والمجاهدين.‏

إن الرئيس بحكم المنطق والدستور، هو القائد الأعلى لرجال القوات المسلحة في بلده، لذلك فإن دور الجيش يظل دائماً هو العامل الأساسي في كبرياء الشعب وكرامته وهيبته، وفي نظافة السلطة ونزاهتها واستقامتها، وفي قوة الرئيس وحصانته ومناعته..‏

إن جيشنا الوطني الشعبي، الذي هو امتداد تاريخي متطور، كما نوعا، لجيش التحرير الوطني، يشكل بمبادئه ورسالته، بمواريثه وتجاربه، بتجهيزاته وإمكانياته الجبارة بشكل ميزة فريدة نادرة، بين كل الجيوش الأخرى.. إنه يثقف ويكون ويعلم.. ويبني ويعبد ويصنع، ويحرث ويسقي ويزرع ويحمي ويساند وينصر، ويحفظ الأمن والاستقرار، ويصون ببسالة مقدسات الوطن، وحرية الجزائر الغالية..‏

ومن الأكيد أن جزائرنا الحبيبة ستخرج من كل أزماتها الراهنة، والتي هي في كثير من جوانبها مفتعلة أو مدسوسة، ستخرج جزائرنا، غريزة قوية منتصرة بفضل ما يجب أن يتواصل من انسجام وتعاون واجتهاد بين الشعب والجيش، والسلطة المتمثلة في الرئيس وكل رجاله الأوفياء.‏

الثقافة أولاً.. يا سيادة الرئيس القادم‏

* لا ريب أن عودة السلم والأمن والاستقرار في الجزائر، تأتي في مقدمة الأولويات، وتتصدر كل الضروريات التي يجب أن تحظى بما في الإمكان، من طاقة وجدية وتركيز. ومن المؤكد أن عودة السلم والأمن والاستقرار تتطلب - بالإضافة إلى الحوار الموضوعي العادل- توفير مساحة معقولة من الأرضية الصالحة لزرع بذور الأمل، ونمو بشائر الثقة والاطمئنان في النفوس، وذلك بالعمل الصادق الجاد، لإنجاز بعض ما يتطلع إليه المواطنون بلهفة وإلحاح، من حاجات، ومتطلبات أساسية وضرورة مستعجلة.‏

مواكبة مع هذا مباشرة، وعلى مختلف الآماد القصيرة والمتوسطة، والبعيدة، تأتي مسألة عودة الثقافة إلى وطنها الجزائر، قبل كل المسائل الأخرى، مهما كانت أهميتها في نظر السياسيين، والتقنيين، وأصحاب المخططات والمشاريع من المعنيين.‏

ها هو قد مر على استقلالنا ما يقرب من أربعين سنة، بذلت فيها جهود جبارة، وأهدرت خلالها إمكانيات مادية هائلة، من أجل النهوض بالصناعة، والزراعة، والري، والمواصلات والنقل والعمران، والتعليم، والصحة، والسياحة، والتجارة وغيرها.. وأهملت الثقافة إهمالاً تاماً..! فماذا كانت النتيجة!؟‏

وها نحن اليوم جميعاً، ننتظر بعيون الترقب والأمل، وبقلوب التشويق والرجاء، ما بعد 15 أفريل 1999 وكأننا مازلنا في بداية 1962، نتطلع إلى موعد غيد الاستقلال، والانعتاق..!؟‏

ماذا استفدنا من 37 سنة في عمر الاستقلال؟ (ولا أعني الانتهازيين، والمستلقين، والمنافقين).. وكم أضعنا من جهود، وأمال، وأرواح، ووقت ثمين!؟‏

إنه من الواجب الأكيد على أي مسؤول، سيكون على رأس قيادة هذا الشعب أن يفكر ويتدبر في نتائج غياب الثقافة الوطنية الحقة؟ وأن يقتنع بأن كل ما تم القيام به من لقاءات ولجان، وتظاهرات مناسباتية مؤقتة، تحت شعار الثقافة لا علاقة لها مطلقاً بالمعنى الحقيقي للثقافة، رغم ما استهلك فيها من طاقات..!‏

وليسأل أي مواطن نفسه: ما هي الحصيلة التربوية والمعرفية، أو الفائدة المادية، أو المتعة الجمالية والمعنوية التي خرج أو تزود بها، أثر أي مهرجان سطحي ضخم شاهده أو شارك فيه..؟... وحتى أولئك الفنانون المحرومون، الذين كانوا يطبلون ويزمرون ويرقصون،، ماذا نالهم من نفع في ترقية مداركهم وأساليبهم الفنية، وفي تحسين أوضاعهم العائلية والاجتماعية..؟‏

الثقافة، أعظم، وأعمق، وأشمل، وأدوم، وأرقى من كل تلك التظاهرات الغوغائية التي كانت تقام في مناسبات الأفراح، والأتراح، حيث تسيطر الفوضى والضوضاء، ويختلط الجابل بالنابل، ثم تطفأ الأضواء، ولا تبقى لها في الأذهان صورة أو رائحة، أو طعم.!؟‏

وطبعاً.. كلامي هذا لا يعني أنني أنفي بعض المبادرات الثقافية الجيدة، وأتنكر لتلك الخطوات القليلة التي كان لها مسار ثقافي رسمي، ثم سرعان ما يتوقف مع الأسف، مثل مهرجان تيقماد، وملتقيات الفكر الإسلامي، وبعض المجلات التي سطعت ثم اختفت، وبعض الأنشطة الفصلية لمراكز ودور الثقافة، واتحاد الكتاب والجاحظية، والجامعات والمكتبة الوطنية..‏

الثقافة -في نظري- هي ليست تلك الأنشطة المحدودة الأمكنة والأزمنة والرواد.. والتي تنطلق وتتحرك تبعاً للأوامر والتعليمات، وحسب المناسبات أو النزوات الثقافية هي الخلاصة المعرفية الشاملة، المتطورة، والنابعة من معطيات المواريث الغنية، والمكاسب الناجعة التي يمتلكها الفرد، والمجتمع، من تجارب وخبرات، ولغة وأساليب حياتية متميزة، ذات مرجعيات تاريخية وبيئوية واجتماعية، وذات دوافع وجذور حضارية عريقة، وأسس استشرافية مستقبلية، تطبع هوية المواطن، وتبرز شخصيته الإنسانية الدالة عليه، وتحدد طريقة سلوكه ولباسه ومأكله، ونوعية علاقاته وعاداته وتقاليده، وأساليب تعابيره وحركته، وأشكال إنتاجه وإبداعه، انطلاقاً من الموروث الصالح إلى المكتسب المعاصر، ضمن السلسلة المتواصلة، المتحركة داخل مجرى التطور الحضاري نحو الأكمل والأفضل.‏

هذا هو المفهوم العميق الشامل، للثقافة، والذي تم -مع الحسرة والألم- إيقاف مساره العضوي، منذ الاستقلال حيث أهمل الإنسان الجزائري، روجا، وفكرا، وذوقا، نتيجة لضعف الوعي والإدراك، وللنظرة الخاطئة في تصنيف الأولويات..؟!‏

الثقافة، هي جوهر الإنسان، وصفاته ووجوده، وحياته.. لا فرق بين رجل أو امرأة، بين كبير أو صغير بين عالم وجاهل، بين فقير أو غني، بين فاسق أوتقي.. إنها خلال، وسمات مشتركة بين كل أفراد المجتمع الواحد، ومن تعاليمها، وأعرافها، ومميزاتها تنشأ المسؤوليات، والأعمال، والواجبات والحقوق، والأنظمة والقوانين، ومن أعماقها ينبض ضمير الشعب الحي.‏

ومن الملاحظ أن ثقافتنا قبل الاستقلال، وفي عهود الأمية، والقمع والاحتلال، كانت أكثر حيوية وثباتاً ومفعولاً" مما نمتلكه اليوم من بقايا ثقافية في بطون بعض الكتب، وذاكرات المسنّين، أو في القشور البراقة الملونة لشظايا الثقافات المستوردة..!؟‏

وقد لا أكون مبالغاً إذا قلت: لدينا اليوم ما يقرب من سبعة ملايين أمي، لا يقرأ ولا يكتب.. وفي الوقت نفسه، قد يكون لدينا ما يقرب من ثلاثين مليوناً من الأميين ثقافياً، وهم كل أفراد هذا الشعب التعس..!؟‏

وأعتقد جازماً، بأن كل ما يعانيه الوطن اليوم من مآسي، ومصاعب، يعود في الدرجة الأولى إلى غياب الثقافة الوطنية، الذي تسبب في إضعاف وضياع الإنسان الجزائري، بانهيار أغلب المميزات والقيم التي كان يتمتع ويتحصن بها،.. ومن بينها:‏

1- العلاقات الاجتماعية، المبنية على الحب، والنزاهة، والنجدة، والوفاء للوطن، والثقة بالذات‏

2- روح المسؤولية، المؤسسة على تقديس العمل، والإخلاص في أدائه، والاعتزاز بالواجب، والفخر في القيام به.‏

3- التعلق بالأرض، وخدمتها، وبالتاريخ، وأمجاده، ورواياته وحتى أساطيره، والتطلع إلى المستقبل الزاهر الكريم.‏

4- التشبث المتين، بالهوية الوطنية، وبالانتماء العربي الإسلامي، القائم على الأخوة، والتضامن، والتعاون تحت الظلال الوارفة الزكية الوطنية.‏

5- رهافة الحسْ الجمالي، والذوق السامي، والرفيع. ومشاعر الشفقة والحنان، والاحترام المتبادل بين الجميع.‏

6- حيوية المعطيات الدينية السائدة كقيم راسخة خالدة للعبادة، والتعامل ونشر الأخلاق الكريمة الفاضلة‏

7- التعلق بمبادئ العدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات وامتلاك الشجاعة والصراحة للدفاع عن الحق.‏

8- العناية بتربية الأجيال الصاعدة، فكراً، وروحاً، وسلوكاً ابتداء من الأسرة إلى المدرسة- إن كانت- إلى الشارع إلى المحيط العام للمجتمع.‏

9- تقدير المرأة، وإنصافها تبعاً لتحولات التطور، وحسب ما تقتضيه الحقوق المشروعة، والتقاليد السامية للمجتمع.‏

10- تمكين الشباب من نيل ما لهم وما عليهم، دون (تدليل) مفرط أو حرمان مقيت.‏

11- سرعة التلاؤم مع مختلف الظروف، وسرعة العبادة نحو العمل، وبذل الجهد، تبعاً للإمكانيات المتاحة.‏

12- مصداقية القول مع العمل، والوعود مع العهود، و (الرجل عند كلمته).‏

13- المحافظة على التقاليد الموروثة الراسخة، كالشرف، والكرم والقناعة، والتواضع، وعزة النفس، وغيرها كثيراً.‏

14- الحيطة والذكاء في التعامل مع الناس، وخاصة الأجانب، مع المقدرة الفائقة في اقتباس كل ما هو نافع، ويعود على المجتمع بالفائدة والخير..‏

كل هذه المميزات، وغيرها، التي كان يتمتع، ويتحصن بها الإنسان الجزائري غابت أو انعكست أو انحرفتْ بسبب غياب الثقافة الوطنية الحقة.. وغابت معها المكانات المرموقة للغة، والكتاب، والمجلة، والإبداعات الرائدة، والمكتبات، وقاعات العروض، والمسارح والآثار والمتاحف والنوادي، والمنتزهات، ورياض الأطفال، والحدائق العامة، والإنارة الجيدة، والنظافة العامة، ومراكز الاستجمام والموسيقى الراقية، والصناعات التقليدية المزدهرة، والتخطيط العمراني المنظم، والسياحة والرياضة الناجحتين، ومختلف الفنون الوطنية الجميلة..‏

كل هذه العناصر الأساسية للثقافة، والتي تشكل اللبنات الضرورية اللازمة لبناء إنسانية الإنسان وشخصيته، غابت وتلاشت وانحرفت عن مغزاها بعدما أبعد الإنسان الجزائري عن ممارستها والتفاعل اليومي معها، وصيانتها، ورعايتها، وخاصة منذ أن:‏

1- فتحنا نوافذ استقلالنا، وقمنا بتجميد حيوية الذاكرة الوطنية الثورية، باسم شعار (عفا الله عما سلف) وخلقنا توجهاً (ثقافياً) و..؟.. وسطحياً ينظر بعين الإعجاب والانبهار إلى أبناء المستعمر السابق وحلفائه.. ويعتبرهم جديرين بالثقة والائتمان والتعاون، في كسب الخبرات، والنهوض بالجزائر المستقلة..!!؟‏

2- همشنا الكثير من المجاهدين الأوفياء، ولم نستفد من تجاربهم ولا من ذكرياتهم، ووجهنا بعضهم توجيهات مادية صرفة وأهملنا تاريخ وجغرافية الوطن.‏

3- استعملنا التردد والحذر في التعاون مع الدول العربية الشقيقة باستثناء مسألة التعليم وراودنا الشك في إمكانياتهم النهوضية ونظرنا إليهم كشعوب ما تزال تعيش عهد البداوة، وهي نظرة، فيها الكثير من الدس والتآمر، من طرف بعض المفرضين.‏

4- أبعدنا لغتنا الوطنية عن مراكز التنمية والتسيير، كالإدارة والصناعة، والعلاقات الخارجية، والمراسلات، والتعامل مع الجماهير.‏

5- أهملنا الأرض، والفلاحة، والزراعة، وكل الأنشطة المبنية على التراث والموروث، والحركة الإبداعية الراقية، ومنها المهارات اليدوية التقليدية، والمهن الحرفية، والصناعات الصغيرة.‏

6- ذوبنا طاقات الشباب في لهيب الشعارات البراقة والإغراءات بالوعود العقيمة، وصنعنا منهم جيلاً للبطالة، والكسل، وللتذمر، والتمرد.‏

7- أقصينا العلماء، والأدباء، والفنانين، وكل المثقفين الشرفاء عن مواقع التأثير.. وكان لغياب الثقافة أكبر الأثر في مضاعفة إقصائهم وتهميشهم!‏

8- لم نقم بأي عمل جذري وملموس، وطويل النفس، من أجل النهوض بالمرأة والطفولة، خاصة في مجالات التكوين، والتربية والتوعية، وفي مجالات التمتع بالحقوق والواجبات والتوجيه الوطني السليم.‏

9- اعتنينا بالرياضة كملهاة وتسلية، وحركة نخبوية وأهملنا الرياضة الجماهيرية، ومعارف التربية البدنية.‏

10- لم نحفز أصحاب المواهب، والإبداع والابتكار، والاختراع، ووجهنا الأوائل من طلابنا نحو العلوم والرياضيات وأغفلنا الاهتمام برجال الشؤون الدينية، والأدبية، وكل العلوم الإنسانية بصفة عامة.‏

11- نسينا جالياتنا في الخارج، فلم نمتن أواصر العلاقات معهم، ولم نسندهم كما يجب، ولم نمكنهم من معرفة كل ما يجري في وطنهم الأصلي، وبذلك لم نستفد منهم، ولم يستفيدوا منا.‏

12- طرحنا شعار (الرجل المناسب في المكان المناسب) وبفضل "التدخلات" خاصة على مستوى المؤسسات الحساسة لم نطبقه حيث أصبح من النادر أن تجد مسؤولاً تتناسب مؤهلاته مع المهام التي يشغلها.‏

وفي غيبة الخطاب الثقافي، مل الشعب روتينية الخطب السياسية الحماسية الواعدة بدون مردود، وجاء الخطاب الديني، ثم مله الشعب. لغيبته وهيجانه وترهيبه... وساد ظلام الوحشية والقسوة، والأنانية بين الاستئصال والتدمير وترعرعت وانتشرت آفات العنصرية والقبلية والعشائرية، والمحسوبية، والواسطة والرشوة، والتملق، والنفاق، والطمع، والسرقة، والحسد، والكذب، والادعاء والغرور، والانتهازية، والتآمر والانحلال، والتهريب، والدعارة، والمخدرات...‏

إن ثقافة أي شعب أصيل هي بمثابة النور الساطع، الذي ينير له سبل الحركة، والحياة فإذا غابت الثقافة، اختفى النور، وعم الظلام حيث تتولد وتنمو كل مصائب التعثر والمرض، والتخلف، والفتنة، والوحشية، وإن أي كلام عن الديمقراطية أو التعددية أو التداولية، أو الحرية، وحقوق الإنسان، أو البرامج النهضوية.. كل كلام عن مثل هذه الأسس الإنسانية الحضارية، هو كلام فارغ من الضمانة الوحيدة لتحقيقه إذا لم يدعم بالأرضية الثقافية الخصبة التي ترعاه وتحميه من الزيف والفشل، وتحصنه بوعي الإنسان المتشبع بقيمه الثقافية، وبإدراكه الكامل لما يتطلبه الوطن.‏

سيادة الرئيس القادم‏

غياب الثقة هو السبب المباشر في ما تعانيه جزائرنا اليوم من أزمات خطيرة وحادة.‏

وإن إحياء الثقافة الوطنية، وعودتها بقوة وكثافة، وتبصر إلى نفوس المواطنين وأجوائهم هو العلاج الوحيد والأمثل، لعودة السلم والأمن والاستقرار.. واسترجاع الثقة، والهيبة والسعادة والازدهار..‏

فأعيدوا للثقافة سيادتها، وحقوقها، ومكانتها، واجمعوا شتاتها، وأحيوا مواتها ألحقوها بما فاتها، وسيكون النصر إلى جانبكم ويخلد التاريخ مآثركم، وحالفكم التوفيق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244