حوار مع الذات - محمد بلقاسم خمّار

مقالات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الجزائر بين إرادة الانتصار... ونوايا المتربصين..؟

عودة الجزائر إلى التحكم في زمامها، ونصرة عروبتها، ونجدة قارتها، ومد يد المساندة والعون إلى أبناء العالم الثالث، والوقوف بعزة وكرامة إلى جانب كل دول العالم الناهضة..‏

هذه العودة الشجاعة الميمونة.. تسعد الأهل ، وتثلج قلوب الأشقاء وتبعث الارتياح والسرور في نفوس كل الأحباب والأصدقاء.. إلا أنها في الوقت نفسه تغيظ الأعداء وتؤجج أحقاد الحاسدين وتثير نوازع السخط والنقمة بين نوايا كل الخونة، والعملاء، والموتورين والمتآمرين..‏

هذه العودة المباركة المظفرة، كما تحفّز عزائم كل الأوفياء المخلصين للجزائر لمساندتها ومؤازرتها بالعون المادي والمعنوي، والروحي.. حتى تتخطى بنجاح كل ما بقي في طريقها من مطبات، وعقبات ونتوءات..‏

فإنها أيضاً ستحرّض كل أصحاب الدسائس والتآمر ليضاعفوا من تدابير كيدهم، ويبالغوا في تجنيد أذنابهم، وتكريس أذنابهم حتى تظل الجزائر ضعيفة مستهدفة، أو تطول فترة نقاهتها وبذلك تتراكم شرورهم ويتقوى غرورهم ويستمر انتعاش نهم وجورهم، ويزدهر حبورهم، على حساب خيرات الشعب الجريح وأبنائه المحرومين المعذبين، وسمعة قادته الأوفياء المخلصين.‏

إن الجزائر اليوم، وبقيادة رئيسها الشجاع، عبد العزيز بوتفليقة، تبذل قصارى جهدها للخروج من دوامة العنف ودائرة الإرهاب بإحلال الوئام المدني محل الفتنة والتفرقة والصراع الهدام حتى يسود ربوعها الأمن والسلام والاستقرار وبالتالي ينطلق العمل الجاد الهادف، بالتساند والتآخي للنهوض بالعباد والبلاد..‏

والجزائر اليوم، تستدعي أوضاعها وظروفها الراهنة أن تكون في غاية الحذر وأقصى درجات الحيطة والانتباه في كل خطوة تخطوها، أو كلمة تصدر عنها، أو علاقة وظيفية أو تعاونية تربطها ببعض الأشخاص أو الجهات وحتى من طرف بعض الأبناء والأصدقاء..!‏

إن زمن اليوم غير زمن الأمس وهو أسوأ منه بكثير.. وناس اليوم، غير ناس الأمس الذين اختفت معهم أغلب سادت الطيبة والنزاهة والصراحة والنضال من أجل الخير والغير..!‏

ومن المعلوم أن سنين الدماء والدمار والخراب التي مرت بها الجرائم لم تكن معاولها الجهنمية الوحشية بأيدي الإسلاميين المتطرفين فقط، بل كانت أيضاً بمشاركة كل الغلاة المتعصبين من أصحاب الآفاق الضيقة والأفكار العلمانية والأيديولوجية المستوردة، ومن عبيد وعشاق الاستعمار القديم وعصابات المافيات المحلية والدولية، ومجموعات الدعارة والمخدرات والتهريب، من جزائريين وأجانب ومن حملة الثأر والأحقاد الماضية من أوربيين وصهاينة وعملاء ومن طرف حتى بعض الأحزاب المحلية المؤسسة على التبعية والخداع والهدم والتي كانت ..؟.. من ظاهرة الإرهاب جرأتها وبعض تصرفاتها في أنشطتها الضاغطة.. ولا ننسى كذلك أصحاب الأنانيات الشخصية والعصبوية من ذوي المطامح والمصالح الذاتية من منافقين وانتهازيين وطفيليين وهؤلاء هم أخطر المخلوقات البشرية لصعوبة اكتشافهم، وسرعة تلونهم ومقدرتهم الفائقة على التلاؤم الظاهري مع كل المناسبات والظروف، ولجرأتهم وبراعتهم في الكذب والتزييف والرياء واستعدادهم الدائم للذوبان المموّه مع أي عهد جديد حتى يحققوا ما يبتغون!؟‏

نشاهد الآن يومياً بفضل مراسيم العفو العام والقوانين الضامنة للعدل في القضاء.. وجدية المساعي الحميدة للمصالحة والوئام الوطني.. نشاهد عودة الآلاف من الإسلاميين المتطرفين إلى جادة الصواب وطلب الغفران والاستعداد للمشاركة في تشييد صرح الأمن والأمان.. ولكن كيف نتأكد من هداية وتوبة الفئات الإجرامية والطفيلية والانتهازية الأخرى...؟‏

إن سؤالاً مثل هذا لا تتأتى الإجابة عنه إلاّ بشدة اليقظة والحيطة وقوة الانتباه والحذر المتواصل، وبعد جهد جهيد من الفرز والتدقيق والتحقيق..!؟‏

يقول الشاعر:‏

"مصائب قوم عند قوم فوائد"‏

ولا ريب إن الذين جنوا الأرباح الطائلة والأموال الهائلة من مصائب الجزائر قد يعدون بعشرات آلاف من الانتهازيين. وكما يقول المثل: /من ازداد غرفاً، ازداد لهفاً/ ويصبح من الصعب كبح جماح المدمنين..! وكم يكون الوضع مؤلماً ومهيناً لو رأينا بعض أمثال هؤلاء (الحرباويين) متمكنين من التلون مرة أخرى بألوان هذا العهد الراهن: مندسّين بين طياته كالسوس الذي يتسرب داخل الأجسام السليمة فينخر بنيتها ويفتت تماسكها!!؟‏

- وكما يقول شاعر آخر:‏

لا يكن ظنك إلاّ سيئاً/ إن سوء الظن من أقوى الفطن... وفي هذا الزمن السيء بقوته وضعفه بأغنيائه وفقرائه بعولمته وجاهليته.. يكون من الأنسب أن ننظر إلى السكان في الجزائر اليوم على اعتبار أنهم يتشكلون من أربع فئات متحركة وفاعلة وهادفة:‏

1) فئة أفراد الشعب وتمثل السواد الأعظم من المواطنين الذين يتحركون بعفوية وتلقائية وببراءة وصمت فيعمرون البوادي والأرياف والمدن ويملأون فراغات الزمن وأغلبهم حالياً من الشباب ومنهم تتشكل اليد العالمة واليد العاطلة ومن بين صفوفهم تقدم الضحايا وتدفع ضرائب الدم والحرمان ومن إفرازاتهم قد تتولد الآفات والانحرافات.. ومع إرشادهم وحسن معاملتهم وقيادتهم تتحقق الانتصارات وتبنى الحضارات وينهمر الخير وتحدث المعجزات.. والشعب بطبيعته ميال إلى السلم والأمن والاستقرار.. وطماح إلى النهضة والقوة والتقدم، تواق إلى السعادة والكرامة والعدل.‏

2) فئة أصحاب المسؤوليات الوطنية مهما كانت كبيرة أم صغيرة مدنية أم عسكرية، ممن يخدمون المصلحة العامة ويهتمون بقضايا الوطن والمواطنين.. يسعدون لأفراحهم. ويحزنون لآلامهم وأتراحهم، ويسعون دوماً إلى تطوير البلاد و وحمايتها والارتقاء بها في مختلف المجالات والميادين..‏

هؤلاء المسؤولون وأغلبهم جنود مجهولون هم أقرب الناس إلى الشعب لأنهم انبثقوا عنه بفضل كفاءاتهم ومنه يستمدون قوتهم وتواصلهم، بوجوده يمارسون مسؤولياتهم لذلك يحبونه ويشفقون عليه وهو بدوره يحترمهم ويثق بهم وعليهم يعلق آماله وأحلامه الزاهية.‏

3) فئة الحادقين والموتورين والمتآمرين ممّن تلاشى حب الوطن من قلوبهم وحل محله حب أوطان أجنبية ونظريات غريبة تتنافى مع قيم ومبادئ الهوية والشخصية الوطنية..‏

هؤلاء تربطهم بالخارج أواصر المودة والولاء أكثر من ارتباطهم بالأرض التي منها وعليها يعيشون وبحكم انسلاخهم من تاريخهم وتقاليد شعبهم فهم لا يدركون للضمير وازعاً ولا للشرف دافعاً، ولا يشعرون بالحاجة لأي اعتبار يدخل ضمن مفاهيم السيادة والحرية والاستقلال..! ومنهم تتشكل شراذم الخونة واللصوص والمهربين والمخربين.. ومن حسن حظ الجزائر أن عددهم قليل وبناءهم هش هزيل ومع ذلك لا تجوز الغفلة عنهم ولا التهاون معهم.‏

4) فئة الانتهازيين والمنافقين والوصوليين والمتسلقين، تتمركز أهداف هذه الفئة في خدمة مصالحهم الذاتية والعائلية، وعلى مبدأ: /الغاية تبرر الوسيلة/‏

والمهم هي المنفعة الشخصية وفي سبيلها يستطيعون وبسهولة أن يتظاهروا وكأنهم سعادة أوفياء، للمصالح العامة وخدمة المجتمع.. هؤلاء تربطهم بالفئة الثالثة، صفات التجرد من قيم الإخلاص والوفاء للوطن واللامبالاة في ما قد يصيب الشعب من تدهور وتأخر أو ما يلحقه من عذاب وشقاء وهم يعملون في الوقت نفسه لتمتين علاقات قوية ودائمة بمختلف أفراد الفئة الثانية من المسؤولين بواسطة أساليب النفاق والكذب والرياء وبما يتظاهرون به أمامهم من ولاء وصدق وكفائة وبما يقدمونه لهم من طاعة ومسكنة وتذلل وتفاني في الإخلاص المصطنع، حتى يتمكنوا من الوصول إلى نيل ما يبتغون.. وشعارهم: /تمسكن حتى تتمكن/.‏

ومن طباع هذه الفئة الرابعة أنهم يضمرون أشد الحقد والكره للشرفاء وأصحاب المبادئ الوطنية الثابتة وذوي الكفاءات الحقيقية من المثقفين والوطنيين والمجربين ويعملون بجهد واستمرار للنيل منهم بالنميمة وتلفيق التهم المزيفة ضدهم وحبك الإشاعات والافتراءات حولهم.‏

والسعي الحثيث لتهميشهم أو إبعادهم نهائياً من محيط الفئة الثانية خاصة عن أصحاب المسؤوليات الهامة.‏

ولا أستبعد أن يكون دعاة تشكيل أحزاب المؤازرة أو المساندة وبعض النشيطين في تأسيس الجمعيات التدعيمية واللجان التعبوية التحريضية /سلباً أو إيجاباً/ أمام بروز أية ظاهرة أو حادثة اجتماعية طارئة.. وكذلك هواة إقامة التجمعات الكبيرة لأتفه الأسباب وكتابة العرائق والرسائل الحافلة بالأطناب والمديح.. هؤلاء.. جلهم من بين الانتهازيين الوصوليين، باستثناء أولئك الذين يتحلقون حولهم من البسطاء المتحمسين، أصحاب النوايا السليمة، من أبناء الشعب الطيبين وبعد..‏

فإن الجزائر في هذه المرحلة بالذات، وبقيادة الرئيس عبد العزيز بو تفليقة تواجه تحديات صعبة وقضايا حساسة ضخمة تأتي في مقدمتها:‏

- إقامة الوئام المدني والمصالحة الوطنية، واستتباب الأمن والعدل والاستقرار.‏

- إعادة الاعتبار للثقافة الوطنية المعمقة وحيوية إنسانية الإنسان الجزائري.‏

- نشرشر سلوكيات وأحاسيس العزة والكرامة بين كل المواطنين.‏

- استعادة الجزائر لسمعتها المشرفة ومكانتها المرموقة على الساحة الدولية.‏

- تمكين اللغة الوطنية من سيادتها الكاملة بين أهلها ورعاية التنوع الثقافي الوطني.‏

- تحسين صورة الإسلام من الاتهامات والتشوهات التي مسته من قريب أو بعيد بسبب أعمال الإرهاب الوحشية.‏

- إحياء وإنعاش الاقتصاد الوطني وتنمية الصناعات والصادرات المتكاملة وتشجيع الاستثمارات...‏

- الاهتمام بالفلاحة والزراعة والموارد المائية..‏

- العمل على التخلص من ضغط الديون الخارجية والاعتماد على الذات. والقضاء على البطالة والكسل‏

- تمكين الشباب من استغلال طاقاته‏

- استرجاع الأدمغة والكوادر الجزائرية من الخارج.‏

- تحديث الإدارة وتنقيتها من الفساد وعقليات وأساليب العهود البائدة.‏

- تطوير المنظومة التربوية وإصلاح تنظيمات المجتمع المدني والتنظيمات الاجتماعية الكبرى.‏

- ترقية وتحسين العلاقات مع الدول المجاورة على أسس صريحة، وثابتة.‏

- بناء وحدة المغرب العربي على قاعدة صلبة لا تزول بزوال الرجال.‏

- تنمية وتدعيم العلاقات والروابط مع الدول العربية الشقيقة.‏

- متابعة العمل والاهتمام بقضايا أبناء القارة الإفريقية للخروج بهم ومعهم من مصاعب التخلف والصراعات والخلافات والتصحر والأمراض والديون الأجنبية وكل المصائب والآفات.‏

- الوقوف بقوة وثبات وفعل أمام غزو العولمة الجارفة الذي لا يرحم الضعفاء والمستسلمين والمغفلين..‏

ومن هنا.. فإن واجب كل المواطنين الشرفاء وكل العرب الأوفياء لعروبتهم وكل المسلمين والمؤمنين بالحرية الإنسانية في العالم أن يقفوا إلى جانب الجزائر اليوم وهي تخطوا فوق دروب الحياة الفاضلة والكرامة الشاملة.. وكان الله بتوفيقه مع كل العاملين الجادين النزهاء.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244