إشكالية الواقع والتحولات الجديدة في الرواية العربية دراسة وعي مجادلة الواقع متغيراته، وتقنيات البنية - د.دريد يحيى الخواجة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

في نظرية النقد

مراجعات في بنية المفهومية الاجتماعية في الأدب‏

النقد وتحقيق المنهج العلمي هما نقطة البدء في ذلك، ويلاحظ أن هؤلاء النقاد الذين حاولوا ذلك كانوا يأخذون من علوم أخرى ويطبقونها كما هي على الأدب، فالنتائج كانت علماوية، وليس علمية. إذ إن النقاد كانوا يبدؤون بتركيب المنهج مسبقاً وعلى ضوء ذلك يحاكمون الأعمال الأدبية. وهذا ما فعله "تين" وذلك لتأثره "بهيجل".‏

أما محاولات لانسون فكانت أكثر تقدماً إذ طرح مجموعة أسئلة صارت في الخمسينيات محور سيسيولوجيا الأدب. "جولدمان" لم يكن مبتدع السيسيولوجيا. "جورج لوكاش" "تأثر بهيجل وكوّن نظرية (الكلية والمجتمع). وجولدمان اقتبس (الرؤية للعالم) عن لوكاش في كتابه (الرواية التاريخية). لكن جولدمان يتميز عن لوكاش في كونه قام بجملة من التطبيقات على بعض الآثار الأدبية في حقب متباينة.‏

الممارسة التطبيقية أوصلته إلى تعديل وإضافات أغنت مجال النقد الأدبي. لوكاش لم يكن ملتزماً أرثوذكسياً. والبنية التركيبية التي تعتبر النص منطلقاً كانت محور عمل لوكاش على أساس أن النص لا يقوم إلا على بنية. هذه البنية من أين تستمد؟ لا بد أنها من مجموعة بنى اجتماعية. لذا يشير إلى بنية مستمرة لا يحسها الكاتب.‏

وعلى الناقد أن يكشف عن هذه البنية. الناقد تصبح مهمته مسوغة ليبحث لنا عن مصطلحات لتفسير ما عبر عنه الكاتب. أهم ما وجه إلى جولدمان إغفاله للتفاصيل في النص: اللغة، الخيال. إن الرؤية للعالم هي محور المنهج، لكن هذا يضطرنا إلى فهم البُنى، وأنماط الوعي: الوعي القائم، والوعي الممكن فالناقد- يفترض أن الأديب قد يعبر عن الوعي الممكن. والآثار الأدبية تؤلف كليات يمكن لأجزائها أن يفهم بعضها انطلاقاً من بعضها الآخر وبخاصة انطلاقاً من بنية الكل.‏

هكذا كلما كان العمل كبيراً كان شخصياً لأن الفردية الاستثنائية الفنية والقوية هي وحدها القادرة على أن تفكر أو تعيش رؤية الكون إلى منتهى عواقبها، بينما تظل هذه الرؤية في طور متكون وحديثة التبلور في وعي البنية الاجتماعية. لكننا نجهل من جهة ثانية أنه لما كان العمل تعبيراً صادقاً عن مفكر أو كاتب عبقري كلما كان فهمه في ذاته دون أن يلجأ المؤرخ إلى سيرة الكاتب أو نواياه، ذلك لأن الشخصية الأكثر قوة هي التي تتطابق بكيفية أفضل مع الفكر أي مع القوة الجوهرية للوعي الاجتماعي بمظاهره القوية وعلى العكس من ذلك فحين يتعلق الموضوع بتفسير نقاط الاختلال أو الضعف في عمل فكري نكون في معظم الأحيان مضطرين إلى اللجوء لفردية الكاتب وإلى الظروف الخارجية لحياته.‏

نضرب مثلاً بمجموعة من التقنيات الاستيعابية في الخلية الأدبية عند (جوته) بل وعند الأجزاء الضعيفة من كتابه الثاني عن فاوست. فهي تفسر بالتزاماته الاجتماعية في بلاد (فيمار). حينذاك كان يمكنه التعبير عن نفسه بعيداً عن إقامة تعارض بين القيم الموحية والاجتماعية - أين يوجد الواقع، إنه يوجد في الأشكال الأكثر اكتمالاً عندما تكون الحياة الاجتماعية في درجتها القصوى من الكثافة والقوة الخلاقة. وعندها يدرك الفرد قيمة قوته المبدعة فيمتزجان وذلك سواء في المجال الأدبي أو في المجالات الدينية والسياسية. كيف يمكن فصل "راسين" أو "باسكال" عن "بوريام"؟ "وبونتينير" عن عدد من المفكرين الغرباء عن المادية الجدلية منذ "باسكال" الذي قال: "صل وستؤمن" إلى النظرية المحيطية للانفعالات عند "جيرس" و"لانج" وفي أبحاث (جان بياجيه) كذلك نعتقد أنه يوجد على مستوى الزمرة الاجتماعية تفاعل صميمي بين الفكر والفعل يؤثر أحدهما في الآخر. ومن ثم فإن كل عمل أدبي مهم، وكل تيار فلسفي أو فني تكون له أهمية ويمارس تأثيراً على سلوك أعضائه، وبالعكس فإن طريقة الحياة، والتصرف لمختلف الطبقات الاجتماعية في فترة محددة تحدد جزءاً كبيراً من اتجاه الحياة الثقافية والفنية. لكن هاتين الملاحظتين لا تستتبعان القول بوحدة الوجود بين الوظيفة الموضوعية للسلوك الفردي لكائن ما، وبين الأهمية الموضوعية للعمل الأدبي. ولكن هذه الوحدة يمكن أن توجد، وتكون بالنسبة للفرد مثلاً أعلى يسعى إليه، وبالنسبة للزمرة الاجتماعية يظل صحيحاً دائماً أن الفكر والفعل يؤثر أحدهما في الآخر ضرورةً، ويبقيان متقاربين في بعض الحدود. إنه لا يمكن تصور مجتمع مكون فقط من مفكرين أو من رجال الفعل. على أن في استطاعة الفرد أن يتخصص وأن يملأ حياته بما هو مجرد جزء من الحياة الاجتماعية عند الزمرة، لأجل ذلك كثيراً ما يوجد أفراد هم فقط مفكرون أو رجال فعل.‏

لقد وضحنا أنه بالإمكان في حالات نادرة وجود قطيعة بين الفكر الواعي والنشاط الاجتماعي للكاتب من جهة وبين الدلالة والأهمية الموضوعية لأعماله من جهة أخرى. فليس هناك ما هو أقل مأسوية في الظاهر على الأقل من حياة (كانت) أو (راسين). وليس هناك ما هو أكثر بعداً عن الرؤية العمالية في العالم من (بيكاسو)...‏

هذه الرؤية يستتبعها الفكر موضوعياً. ومن المسلم به أن العناصر الأصلية للتفكير الجدلي توجد في أعمال المناضلين الكبار والكتاب الكبار لكن ذلك مجرد تخمين، ولو أن الأحداث كثيراً ما أكدته، فإنه ليس قابلاً للتصديق، وليس على الأخص ضروريّ الوقوع.‏

من جهة ثانية يبدو لنا أن العمل اليومي بكل ما يستتبعه من غنى وتعقيد يمكنه أو يكون في بعض الحالات غير مساعد على التخطيطية المفهومية والتجريبية التي تفترضها كل منهجة فلسفية، ولربما يكمن هنا الطابع الجزئي، أو المجزأ الذي تمثله الكتابات الفلسفية والقوة الإبداعية والثقافة العميقة للكتاب المبدعين المؤثرين، وقد يكون الوضع مختلفاً بالنسبة للفنان الذي يمكن لإبداعه على مستوى الإحساس أن يأخذ مجراه بغير الاتصال المباشر أو المكثف مع الواقع الذي ينصب عليه مثلاً. وبالإمكان أن نسرد أمثلة توضح مكان حدوث العكس.‏

وليكن العمل الأدبي الكبير مثلاً المستوحى من الفلاحين الذي كتبه (تولستوي) في الشطر الأول من حياته، أو شعر التمرد عند (بودلير). لكن يتحتم التأكيد أن العمل الأدبي نفسه هو بالنسبة للفنان وخاصة بالنسبة للمفكر ليس مجرد فعل بل هو أيضاً أكثر الأفعال فعالية من بين ما يستطيع فعله.‏

من بين هذه الفترات التي نعيش فيها قد لا تكون الشروط لصراع الطبقات مشجعة وملائمة للتعبير الفني، وهذه الملاحظة الأخيرة تقودنا إلى مسألة معقدة وهي مشكلة المبدع. إن كلاً من هاتين الوضعيتين تظهر في فترات تاريخية مختلفة، وكأنها أفضل وضعية مُسعفة للإبداع الأدبي والفلسفي.‏

ولقد تأكد القول في أن الأدب يعبر عن طريقة ما في الإحساس بالكون والنظر إليه، وخلال فترات الممارسة الجماعية الكبيرة عندما تتوافر وحدة عضوية وحيّة بين المنظمات والطبقات الاجتماعية التي تمثلها حيث يستطيع المبدع عامة أن يعبر في إطار المنظمات عن رؤية تعكس الطبقة الفعلية الجماعية. لكن في فترات الجمود أو التقهقر عندما تصبح المنظمة تنظيماً مستقلاً ذاتياً وعندما تصبح علاقتها مع الطبقة الاجتماعية لا تتم إلا من خلال مجموعة من الوساطات المعقدة - فإن الإبداع يغدو صعباً، وكثيراً ما يصبح الكاتب الحر هو أكثر قدرة من الكاتب المرتبط على إبراز الجمال.‏

في العصور الأولى للحكم المسيحي كانت الكنيسة هي التي شيدت الكاتدرائيات، ووظيفتها تحتم التوجه إلى الهرطقات، وما يمثل بدعاً في نظر الكنيسة هو كل من يستمع إلى صوت الفكر! والمعطيات نفسها تجدها عند بعض الفلاسفة، ذلك أنه ظهر عند أول وهلة أن المنهجة المفهومية في غير حاجة إلى اتصال مباشر مع الواقع، وأن بالإمكان أن تستمر في إنجاز عملها داخل المنظمة حتى عندما تفقد هذه الأخيرة الاتصال الواقعي والحي مع جمهرة الأوفياء!.. في الحقيقة لا يوجد فكر فلسفي أو منهجة مفهومية، إلا حيث تستطيع المنظمة أن تحتضن الكلية الاجتماعية، فضائياً وزمانياً، لكن المنظمة البيروقراطية تكون جد قريبة من اليومي، وتكون آفاقها جد مباشرة فلا يتيح لها الاعتقاد مع الرؤية الكلية التي يفترضها الفكر الفلسفي الحق أو الأدب الحق.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244