|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل" لــ "نجيب محفوظ"* معنى الزمن والمصير والموت والعدم أسئلة كثيرة تطرحها رواية نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل"، وهي تصور دواخل الشخصيات أو تعبر عن الواقع الذي تعيش فيه، أو من خلال السرد الروائي الذي قدمه خطابه، وانطلاقاً من النظرات التي يمكن أن تتحكم في المقاصد الواقعية والعصرية والوجودية التي رمت إليها الرواية. ولدى كل سؤال نجد اشتباك الأجوبة. - هل العدم مغزى الحياة!؟..: مع المصير المجهول والموت والليل والظلام، تعيش ثرثرة نجيب محفوظ فوق النيل، ومع العدم تتشوف تجربة الإنسان على رعب. وتحس إحساساً مختلفاً يجتاح جوانبك حين تحاول "الثرثرة" في بعض جوانبها، فتح مغاليق مجهولك وتتطلع إلى ما وراء الأشياء وتتعمقها، حيث تبدأ من لا شيء لتصل إلى لا شيء. لا شيء يستحق الاهتمام، و"العدم" هو المحور الذي يهيمن على وجودنا، إن كنا حقاً نحس به، وما الحياة إلا خرافة أو نكتة سمجة يعيشها الإنسان من خلال شاشة رجراجة، تخنقه، ترميه جثة في نهاية الطريق. وتنتهي الحياة كأنها لم تكن شيئاً.. لا شيء يبقى كما هو.. كأن لم يعش إنسان بلحمه ودمه.. إنسان عليه السؤال "هل حقاً سنموت يوماً ما؟" الدوامة هي عالم مشهود لثرثرة، مجال لأفكار تدور وتتحرك، أشخاصها اندحروا في رقعة صغيرة، - استسلموا للحشيش يمتصونه مع مهرجان الجمر المتوهج. جميع هؤلاء الساخرين "الحشاشين": "تكوينات ذرية فقدوا الشكل واللون، اختفوا تماماً ولم يعد يوجد منهم شيء يرى بالعين المجردة، ليس ثمة هناك إلا أصوات".. أصوات تتحدث خلال رؤية مسطولة حالمة عن هذا الزمن الذي يتواتر.. والذي يبدو أنه يقصر ويتقلص حتى يغدو زمناً خاصاً بالأشياء والناس.. ويكبر ويتسع ويمتد حتى يصير كوناً يبدو أنه لن ينتهي، فكيف للإنسان أن يعيش هذه الحالة المتناقضة من القصر والامتداد المتداخلين المتماهيين.. ما عذاب الإنسان الزمني؟.. ما معاناته في حساب المصير؟.. لا بد أن يقف كل شيء في نهاية الأمر، لكنه يقف ليعود إلى دورته الجديدة. الزمن خاص وعام في الآن ذاته، وهذا سر التباسه. فما المغزى؟.. ما الموت؟.. ما الحياة؟.. ما العدم؟.. ما البداية.. ما النهاية؟.. "حين قرأت الثرثرة لأول مرة، أحسست بمالها من قبض آسر للنفس. أحسست بذلك الأسى العاتي يسري في كل لفظة من ألفاظها، في كل صورة من صورها التعبيرية الفنية، في كل شخصية وشجرة وحركة ورؤية مضببة مسطولة نراها بعيني أنيس الداخليتين"(1) ومن عيني أنيس الثقيلتين- الشخصية المهمة في الرواية - يتفجر الدم منهما وهو يرى الإهمال في كل شيء وتنعدم الأعوام والشهور والأيام تمر على الإنسان والزمن الكوني يتحداها فلا تنقص منه شيئاً.. هذه الأفكار ترتجف، وتصبح على شكل أفكار فسفورية متلاحمة، ينفتح بها ذهنه المسطول عبر أشجار الجازورينا والياسمين والأكسيا والياسمين والحمام الأبيض والحوت.. والموت. وفي المساء حيث الحزن "يقتحم عليك المأوى بلا دعوة" يرنو أنيس بعينين ناعستين إلى المغيب يحسو من الفنجان السادة الممزوج بالسكر ويلعق بلسانه الرواسب، ويطير مع الأشعة الذاهبة فتمثل له المساء بشرا عابثاً قد عمر الملايين من السنين وراح يعرض بامرأه، كلما هجرها محب ارتمت بأحضان آخر"، وقال: "إن ذلك سلوك يمكن أن تغر به أوجه القمر المتتابعة من المحاق إلى البدر".. ** خلاص المعاناة.. المعنى أين؟. انتهى أنيس زكي هذا بعد وظائف عدة إلى موظف في "معتقل الأرشيف. متحف الحشرات "هل الخلاص في قاعدة الحب؟ هل يتغلب أنيس على عدميته وعلى دورة الزمن الخاص المؤدية إلى موته بالحب وحده دون العلم. هل يستطيع الحب أن يحل اشتباكات خفاقة في الحياة وفي العلم وفي تعرف وجوده وإنسانيته وتقلبه في حمأة معاناة مجتمعه. لقد فاته كل شيء، وانسدلت الحجب على كل شيء، فهل ثمة خلاص لمعاناته وهو يقف وراء الحجب التي أغلقت نوافذه.. يضيق ذرعاً بالصراصير والعفن والعنكبوت والنمل بعد أن أسره الجيش، وحين يقدم المدير العام - المملوك في نظره والذي تشبه صلعته قارباً مقلوباً - حين يقدم له بياناً عن حركة الوارد، يكتشفان معاً أن الورقة بيضاء، لأن أنيساً كتبها والقلم خال من الحبر، فيسأله المدير في حيرة: "خبرني يا سيد أنيس كيف أمكن أن يحدث ذلك؟ "فإذا به يغيب في السؤال أو يغيب السؤال فيه، وتكبر أمامه "كيف" وتتسع وتتسع حتى تشمل أزمته هو أزمة الوجود، فيتساءل "أجل كيف. كيف دبت الحياة لأول مرة في طحالب فجوات الصخور بأعماق المحيط". وتنهال عليه نبرات الوعيد الحادة مشفعة بحركات التهديد من مديره العام: "عيناك تنظران إلى الداخل لا إلى الخارج كبقية خلق الله.. "..إلى الداخل، حيث يذيبه السؤال: "إلى أين؟" إن الإنسان المعاصر يعيش أزمة تتجلى في كل شيء، تهدده لحظة الصفر، وتأخذه الحركة الدائرية "التي تتسلى بالعبث". إنه - أي أنيس- ما يزال ببساطة يجهل كل شيء عن نفسه، وإنه ليس ثمة معنى لأي شيء. إنه يعيش في الحياة التي تتصادم أمورها في أعماقه تصادماً سريعاً، فتجعله نزقاً، راعباً- مرتعباً يبحث عن شيء في لا شيء "فيا أي شيء افعل شيئاً فقد طحننا اللاشيء" ويقوى ضياعه ويأسه من كل شيء انسطاله الدائم، وحتى عندما حاول أنيس زكي: "الموظف الفاشل" والمثقف المثالي الذي ظل طوال الرواية صامتاً مسطولاً فجاء في النهاية ليفيق ويصمم على أن - يجرب قول ما يجب قوله- .. سرعان ما يعود إلى سطله"(2). ويخترقه خوفه من الموت قبل الموت، ويتساءل أهو خوف الموت أم الحياة؟ الراحة لا معنى لها، ولم يبدع الإنسان ما هو أصدق من المهزلة". "إلى أين "هذه التي يمكن وضعها أمام هذه المعاني السابقة وأفكار أخرى متعددة حول الوجود الإنساني، تضيع من رأسه، فيتلهف راكضاً وراءها يريد أن يمسك بالخيط، ويتألم لها عندما تضيع، وتختفي عبر ماضيه حيث غيب في التراب أعز ما يملكه: زوجته، وابنته، وحيث فاته النجاح في الشهادة والحصول عليها ولم يفته العلم وحيث لم ينجح في كلية العلوم ولم يتخرج فيها لكنه لم يتوقف عن طلب العلم بنفسه وتكرر الأمر نفسه حين التحق بكلية الطب والحقوق. لقد أخفق في حياته حيث "يسقط الفعل وتموت الكلمة"، فالتحق موظفاً يعايش التفاهة، ويرصد الوارد والصادر مع أنه "ثمة آلاف من الشهب تتناثر مع الكواكب لتحترق وتتبدد منهالة على جو الأرض دون أن تمر بالأرشيف أو تسجل في دفتر الوارد. أما الألم فقد خص به القلب وحده "لأن كل تلك الإخفاقات ترسبت في داخله المتوهج المتنابذ، تتحول إلى أسئلة تبحث عن أجوبة صعبة، كلما عمر الحشيش دمه وأعصابه وإحساسه بالخارج هرباً من قسوة ما ينتظر وعيه، كلما ازداد توتراً وحرقة وتشتتاً وتمزقاً في ضبابه الدخاني الحار: ويبقى الخارج يكبر بدلالات إرهابه عليه ويتسع في كل ما تقع عليه عيناه الدائختان: "وأنيس إذ نراه في العوامة يدمن الحشيش ليخبئ في ضبابياته وخدره مخاوفه فما تزداد إلا عرياً، ولا يستطيع أن يفيق منه لحظةً، لأنه لا يحتمل آلام الإفاقة وأهوالها. فالإفاقة.. تعني مواجهته بدبيب العدم الزاحف"(3). - الموت والدورة الكونية والغربة الكونية: لقد فقد أنيس إيمانه بما يعوز الإنسان حتى "يسوغ" صيرورته، حتى يستمر..فقد إيمانه بالناس، وبالكون، وبالدين، وبالفلسفة، ويخشى كل شيء، ويضيق بكل شيء كما يضيق الضيق بالضيق، ويدب العدم حوله دباً، يدور، كما يدور كل شيء: الشمس والقمر والأفلاك ويؤدي إلى الموت. "لا شيء يسمع إلا دبيب الموت".. والجوزة تدور "لأن كل شيء يدور ولو كانت الأفلاك تسير في خط مستقيم لتغير نظام الغرزة". ومن الدورة يتولد التعب من الدوار ومنه يهجم الموت أو - على الأقل- التفكير بالموت، والاندفاعات الإنسانية تلقائية، آلية لا تعني شيئاً غير (الشكل) و(الظل). فهو غريب عن الناس، غريب عن أصحابه في العوامة، ولا يجمعه معهم إلا "الموت"، وهو "عندما يدقق النظر في وجوههم تتكشف له عن ملامح جديدة كأنها وجوه غريبة، ويشعر أنه غريب وسط غرباء"، وغربته عن نفسه تجعله يستيقظ" على منظر ساقه المطروحة لصق الصينية طويلة بارزة العظام، باهتة اللون في الضوء الأزرق، كثيفة الشعر، كبيرة الأصابع، مقوسة الأظافر من طول إهمالها بلا قص، فكاد ينكرها، وعجب لعضو من جسده كيف يبدو كالغريب". والكون حول أنيس حين ينظر إلى (خلفية) بعضه عبر نافذة العوامة، يمثل رحلة الفضاء عبر رؤيا مسطولة للأشياء، تتشابك مع التاريخ في توتر "فتبدو الكلمات حليه جميلة من الشعر "تشدك إليها شداً عند القراءة الأولى للرواية، وتتبعثر أفكاراً ورؤى إنسانية مأزومة في حالة التعمق الثانية، لقد رغب نجيب محفوظ، أن يستخدم التاريخ وأن ينقله نقلاً يود أن يخدم الفكرة والشخصية. ويصبغ الكون من شجرة وحيوان، وطير، وإنسان، صبغة تتولد فيها المعاني وتشعرك بأن كل شيء مكرور.والإنسان حين يصل إلى القمر، فسوف يخرج من لا شيء إلى لاشيء.. - العدم بين التاريخ الزمني والكوني: إن حركة التاريخ في "العوامة" توحي دائماً بالعدم، مع أن أحداث الرواية تسير في زمن متلاحق نسبياً، إلا أن الوجود الزماني للشخوص يشكل حيزاً واسعاً من "الزمان"، والشخوص الإنسانية المنتزعة، تستقطب الوجود الإنساني كله، متحدية، عنيفة في مواجهة الوجود الكوني. لكن هذه المواجهة العتيدة المتبدية بأشكال مختلفة في شخصيات الرواية، تمتزج امتزاجاً خالصاً بفكرة العدم، وتجعل منها - أي المواجهة- لوناً من ألوان العبث والعذاب. ويتضح ذلك من تلك الرؤية الفيزيقية، حيث ينشغل أنيس بالكون فيتخيل "الراصد" من فوق وهو يشهد "ثمة تجمعات دقيقة تنفث غباراً مما يكثر في الغلاف الجوي للكواكب وتصدر عنها أصوات مبهمة.. وهذه التجمعات الدقيقة تختفي لتعود دون هدف واضح". فتارة تدق حوافر المغول أسماعنا، - تدق حدود مصر. وتتبدى في اشتياق الحسناء كليوباترة بارزة في تبلج الفجر من بساطها المنطوي ممتلئة ثقة أمام يوليوس قيصر. ويخيم علينا: "الخيام" بعد أن أفلح في الفرار من الموت، ويظهر لنا أنيس وقد وقع في أسر الهكسوس، يبكيه فرعون، كما نراه في صحبة الرشيد، وهذه ليلى زيدان تشخص لنا راعية في صحراء سيناء في عهد خوفو لدغتها حية فقضت عليها، وتارة أخرى يهتف أنيس "برفاق العدم" حين يحتدمون متمسكين بعبثهم وإباحيتهم: أيها الأوغاد أنتم السبب في سقوط الحضارة الرومانية! وقد عملت الرواية على أن تلغي الزمن وتتخطى حواجزه وحدوده، فيحضر الزمن الماضي إلى الحاضر وتتناسج معه، وتبدو إسقاطاته تدعونا إلى التأمل، وفي هذا الإحضار لا يهم الرواية، تعاقب التاريخ أو تجمع المتشابكات فيه في فترة واحدة أو حساب المكان الواحد، بل تترى الشخصيات والمواقف تهمي كالمطر تخترق دخان الحشيش الذي يملأ العوامة، ويعود الانسطال وسيلة من وسائل هذا الاستحضار الخارق وتهديماً لحاجز الزمن والمكان والمعقول. إن دخان الحشيش الذي قد يعني من ضمن ما يعنيه حجب أهل العوامة عن الخارج ليعيشوا معناهم العدمي والعبثي مثلما تعني العوامة انفصال المكان وحجزه لهم وحدهم يمارسون فيه طقوسهم وانفلاتهم كما يمارس: "أنيس" تأملاته ورؤاه المسطولة يسمع ما لا يسمع ويرى ما لا يرى وهو يتمثل عدمية الوجود في كل شيء. وإزاء ذلك كله، نكاد نرى في الكلمات والتصرفات والاستحضارات كل شيء، أو لا شيء- المعنى - أو اللامعنى- الحقيقة- أو- الأكاذيب- ما يسوغه شهر إبريل شهر الأكاذيب حيث يتم الحديث الروائي في الرواية الذي يجعلنا نتقلب في وراء الحديث بين طرفي التضاد: - الأمور المطروحة # وما ينقضه الوعي بالواقع.. "ننظر بعين حادة إلى تلك العبثيات. أو الرؤى المضببة المسطولة التي يرى أنيس بها الوجود"(4). والقمر رمز العدم لأنه يظهر ويختفي. هو "العدم الأكبر" إن صحت التسمية، الذي يأخذ بلب أنيس: ويرشقه في دوامة "اللغز" في الوجود والأزل حين يطير مع أشعته الذهبية مشرقاً و"يسقط" معه محتضراً. لقد فقد القمر مدلوله الذي كان له في القرية، وأنيس يذكر بحدة كيف كان مرهقاً في الغارات السود "وها هو ذا البارع يتواثب لغزوة جديدة وهو كجميع الغزاة يتحلى بقسوة حادة كالدرع". إن حالة الانشغال" بالقمر" تنبعث من الخوف من الموت أو من الخوف من الحياة! والقمر فيما يبدو - في قبة المجهول، يبحث عنه الإنسان وهو عابث في الخسارة وتلألؤه مندرج في زحف الدورة التي تبقى بلا تفسير "هاكم الموت يزحف ويمد قبضته إلينا، ثم مأدبة مُدّت للفناء". "ذلك هو النظام الكوني كما قال العلم، وأنيس يجد في ذلك كله معالم الفناء، كل دورة تمثل خطوة من خطى الموت والعدم"(5). لن يكون من طريق سوى العدم، في العلم، وفي الدين وفي الحب. كل موهوم، والعدم هو الصيرورة الواضحة الأولى، التي تلفنا وتعصرنا وتجعلنا نتصرف على نحو أو آخر، حتى "الحركة" أي حركة يتساءل عنها أنيس، ويجد "العدمية" تكمن في ذبذبتها، وحين يطل على التاريخ من خلال رؤيته المسطولة على رفاق الموت: أصحابه، تقتحم التساؤلات رأسه وينفسح خياله دوامة تدور وتدور، إنه يفكر بطريقة عجيبة في العدم. وفي مزج فكرته مع شخصيات التاريخ المستحضرة لديه، والمتميزة في حالة من حالات الأسف والحرقة. فيطعم فضولنا بنيران حوادث خاطفة، تمايلت حائرة، دسمة، فاتنة على لسانه لتخلط العبرة - إن كان ثمة عبرة خالصة- بالسخرية إزاء التجارب الإنسانية في الجنون، والحب، والطب، والهبوط الأول، وآدم وحواء. وخير مثال على ما أوردت حين يتساءل المسطول العدمي هذا: "هل اجتمع هؤلاء الأصدقاء- كما يجتمعون الليلة- بثياب مختلفة في العصر الروماني؟ وهل شهدوا حريق روما؟ ولماذا انفصل القمر عن الأرض جاذباً وراءه الجبال؟ ومن دجال الثورة الفرنسية الذي قتل في الحمام بيد امرأة جميلة؟ وما عدد الذين ماتوا من معاصريه بسبب الإمساك المزمن؟ ومتى تشاجر آدم - بعد الهبوط من الجنة- مع حواء لأول مرة؟ وهل فات حواء أن تحمله مسؤولية المأساة التي صنعتها بيدها؟ "حواء صنعت مأساة، الهروب، من وحوش الموت والقلق في هذا العصر الغريب على الأرض، وكل عصر. والخيام الذي كان مدرسة أمسى فندقاً للملذات، وقد قال لأنيس مرة: "إنه لو كان امتد به العصر إلى أيامنا لاشترك في أحد النوادي الرياضية". في هذه الجملة السابقة إلى جانب جمل أخرى سأذكرها، نتعرف إلى توق ينز بالدم ينبت أحياناً في أعماق البطل العدمي لأن يحصل على شيء أقوى من العدم ذاته، ولعل هذا ما أشارت إليه صراحة "سمارة بهجت" حيث قالت له: "لا تسئ بي الظن، إني أحبكم حقاً وأرغب في صداقتكم، وفضلاً عن هذا وذاك فإني أؤمن بأنه يوجد بطل كامن في كل فرد. ولكن هذا التوق نحو الخلاص، يبدو على شكل شعاع ضئيل أحياناً في محاولة حبه لسمارة. والصورة الأخرى عند أبطال العوامة في البحث عن الحقيقة، والانطلاق نحو مواقع جديدة يضعون عليها أقدامهم- صورة شاذة عبثية، ولكننا مع ذلك لا نملك غيرها بعد أن لحق العجز آخر الفلسفات الإنسانية في فض كنهها وغدت فلسفة اليوم كامرأة ساقطة "وهم مجموعة من الساخطين الرافضين للعصر الذي لا يكن للحب احتراماً، يمزقهم اللانتماء، يواجهون الحياة بالعبث"(6). فمن خلال العبث يودون الوصول إلى "المعنى"، فهو عبث يرفض أشياء كثيرة ما دامت "الفناطيس بحالة جيدة والحبال والسلاسل متينة وعم عبده ساهراً والجوزة عامرة، فلا هم لنا.." هم آمنون إذن، ولم لا يكونون كذلك، وعم عبده هو الحبال والفناطيس والزرع والطعام والكيف والمرآة والأذان؟!.. وعم عبده هذا شخصية مهمة جداً تخدم "فكرتي" عما بحثت عنه في عدمية الرواية، فهو (الفكرة المطلقة) التي يوافقون عليها جميعاً، حيث يتجسد فيها معنى "الخلود" مقابل الموت، وقد أضفى عليها نجيب محفوظ ملامح إيمائية رائعة تنبض بالقوة والإعجاب، حيث يشعرنا بطريق غير مباشر، ما يحس به أهل العوامة وخاصة "أنيس"، من (الطرب) لرؤيته، و(تنبه) يصل إلى درجة (الحسد) الحقيقي للرجل الذي "لا يمرض ولا يتأثر بالجو ولا يعرف عمره كما يخيل (لأنيس) أنه لا يموت". لكل شيء نهاية و "حلت اللعنة التي تجعل لكل شيء نهاية" ولكن عم عبده "نسل الديناصور" يظل، أبداً، بدء النهاية.. إنه الإنسان الذي تجب محادثته قبل وبعد ذهاب الصحاب رغم أن المعاشرة بينهما لم تتجاوز الشهر، ونحن نعرف أنيساً الصامت الذاهل، ولكن عم عبده يستقطب تفكيره وإحساساته، ويبدو الإنسان الوحيد المحبب لديه (فعلاً)، إنه عالم "يشع كونه جاذبية لا تقاوم" و"رمز حقيقي للمقاومة حيال الموت، ورأى كل شيء.. حتى العفاريت؟! "إن مجرد ظهور عم عبده حين تغيير الجوزة، وخروجه، كان يشكل وحده نغماً عجيباً خاصاً، ونفحاً يفتق فيهم الإحساس بتوقهم المطلق نحو هذا البناء المتكامل الذي يبدو أنه لن يموت، فيتراشقون كلماتهم على انبهار معنية بهذا الخفير المحير، الذي يحفظ "دنياهم" العوامة. إن العالم في حاجة إلى رجل في عملاقيته لتستقر سياسته.. ويقول رجب إله الجنس مدركاً تلك الحقيقة: "من حسن الحظ أنه مثال الطاعة وإلا فلو شاء لغرقنا جميعاً..". إن معنى الموت يجبه أنيساً، ويقف أمامه كسؤال الاسفنكس الخالد في قصة أوديب المعروفة(7)، وعم عبده يمثل الوجه الآخر من الصورة، فهو ببساطة - فقد كل شيء ونسي كل شيء(8) "هذه هي أزمة الإنسان المعاصر، كل مكاسبه تضيع في دوامة الصراع، المهدد في كل لحظة بانتهاء إلى لا شيء. والعوامة بالفناء في كل لحظة" ويبدو "الاطمئنان" في هيكله الذي يناطح رأس العوامة أولاً، وتلقائيته الوجودية النفسية في الحياة ثانياً، إنه مطمئن لوجوده لأنه لا يحس بالوحدة، أما مشكلة الموت فإنها ظل أنيس الذي يؤرقه في انسطاله وإفاقته، والشعور القاسي العنيف في إدراكه بأنه سيموت وحيداً كما يعيش وحيداً، ولا يربطه بأصحابه إلا الموت، وأن آلاف العوالم تنطفئ فيه، والعدم حتمية شاملة ما كان الإنسان كائناً من كان أن يفلت منها. وفي الفصل السابع عشر، نجد أن نوعاً من (المطاردة).. مطاردة العجوز تغلف إحساس أنيس اللاواعي، ويقول له مداعباً "تطاردني يا عجوز "إن أنيساً يخاف من الناس خوفه من إخفاقه الذي يلاحقه أبداً في تفكيره، وتأملاته، لذلك نراه يسأل عم عبده سؤالاً يفيض مرارة، وضياعاً، بطريقة جد موحية، حيث جعل نجيب صيغة السؤال تواجه عم عبده في "ماذا تصنع لو طردتك من العوامة؟ "فيجيبه وهو يضحك" جميع الناس يحبون عم عبده". إن "طردتك" هذه تتعلق علاقة غير مباشرة بـ "طرده" هو من الأرشيف، والعذاب القاسي الذي يشب لظى في أحشائه من جريرة ذلك إنه يخاف من حياته خوفه من موته في هذه اللحظة، ولا يدري ماذا يعمل ببطالته ولكن "جميع الناس يحبون عم عبده" وهل الناس يفعلون ذلك أو فعلوا الشيء نفسه إلى "أنيس؟! "فيسأله" أتحب الدنيا يا عجوز؟" وبالطبع تكون الإجابة متناقضة تماماً، لما يحس ويفكر به أنيس" أتحب كل ما خلق الرحمن"، وأنيس أبغض كل ما خلق الرحمن، لأنه فقد كل ما يصله بالرحمن، لأنه فقد حتى حبه لنفسه، إنه في غربة عن ذاته، ومجتمعه، وكونه. وإن "طول عمر الشجرة- وحده- يكفي لإقناع من لا يريد أن يقتنع بأن النبات كائن لا عقل له "ولا فائدة من أن يعمر الإنسان كسلحفاة، ولا جدوى من إطالة عمره، فلن يكون إلا كالملك في مسرحية ايونسكو "الملك المحتضر" الذي تحدى الموت بكل شيء فلم ينفعه شيء - : "سيصبح الملك صفحة من كتاب مؤلف من عشرة آلاف صفحة، وسيوضع هذا الكتاب في مكتبة تشتمل على مليون كتاب، وهذه المكتبة واحدة بين مليون مكتبة". وحتى الفصل الخامس عشر، حين قامت "الجماعة" برحلة السيارة المشؤومة وحصلت جريمة القتل، وحاول رجب قتل أنيس، كان يبدو لنا أن كل شيء في انتهاء، وأن الذين جمعهم الموت والعدم كاد أن يشتت شملهم الموت أيضاً.. كل شيء كان يبدو في انتهاء، غير واحد!.. "فالكيف" نفد من السوق، ومعرس الجوزة داهمه الخراب، والخيال مات ولم يبق في الرأس إلا ضغط الدم، و"سمارة بهجت" لم تعد تصلح لشيء رغم جديتها وهي صائرة "إلى موت محقق" "موت يدركك وأنت حي"، وعلامة الاستفهام تكبر وتنتفخ، تدوم مدوية في أعماق أنيس وهو بدوره ينتظر الموت الذي سيظهر ليبتلع العوامة.. غير واحد عملاق خلفه أقزام يركعون، يؤذن ويؤم الناس في الصلاة.. عملاق وحده راسخ كالطود.. إن شخصية عم عبده تذكرنا بشخصية "وات" إلى حد ما في رواية "بيكيت" المعنونة باسمه، فوات هذا الرجل عجوز من مثل عجوزنا في الرواية يخدم رجلاً غريب الأطوار هو "المستر نوت" ولا مجال هنا للمقارنة الفعلية، فنجيب محفوظ تأثر تأثراً واضحاً في الثرثرة بثورة اللامعقول، مسايراً بذلك التطور الحديث في الرواية الأوربية والأدب الأوربي. ويمس أوتار العبث في قول ألبير كامو في "الحرية العبثية- : "أنا لا أعرف إذا كان لهذا العالم معنى ولكني أعرف أني لا أعرف هذا المعنى، وأنه من المستحيل عليّ هذه اللحظة أن أعرف هذا المعنى. ماذا يهمني من تفسير خارج عن عرفي؟ أنا لا أستطيع أن أفهم إلا بالألفاظ البشرية". - نجيب محفوظ وأدب العبث اللامعقول: إن اختيار نجيب محفوظ (للعوامة)(9) كمكان، لمجاري الأفكار "التجريدية"، تعطينا انطباعاً خاصاً لأفكار جديدة على أرض جديدة لكن الأشياء والصور التي يسكب فيها الكاتب أفكاره، من خلال ما يتجسد في "العبارة الرؤيوية" توسع من دائرة الضوء في المصادر الأدبية التي هي - كما قال ألتيك- أكثر سلامة من تلك التي تتعلق" بمصادر الإلهام في حياة الكاتب". إن مسرح العبث قد ألقى عليه بساط البحث كثيراً من الأسئلة التي افترضها نجيب محفوظ، حول العدم والموت، بل إن العنصر الجوهري الأول في هذا المسرح وهو الحضور أو شرط الحضور- كما يطلق عيه أصحابه- دون الحركة أو الإغراق في تغيير الحركة في المكان والزمان، يتوافر توافراً مشابهاً في الرواية، فالأفكار هي التي تتحرك، لا الأشخاص. بل إن أفكاراً رددها "بيكيت" و"ايونسكو" و"جان جوني" مثل: "إننا لا بد هالكون، من سينقذنا، نحن لا شيء، ونسير نحو لا شيء لننتهي إلى لا شيء في عالم غامض ثقيل تحف به قوى الموت والعدم".. هذه الأفكار موجودة في أكثر من مكان في الثرثرة كما عرضتها سابقاً. إن شخصيات "بيكيت" معزولة معنوياً عن الحياة، وكذلك شخصيات نجيب محفوظ في الثرثرة، إن الحديث الفكري الذي يتردد في أعمال الأول مشابهاً - ديالكتيكيا- لعمل نجيب محفوظ الأدبي، في اصطباغ هذا الحديث بهذا المضمون الحزين المأساوي، الذي يبدو لنا صدى كيان الإنسان في هوة سحيقة لا نهاية لها. - هل شخصيات الثرثرة مقنعة جميعاً؟: والسؤال الذي يثور بنا هو: هل شخصيات الرواية "مقنعة" وبخاصة شخصية "أنيس"؟ الرواية كاملة، تولدت تولداً غير عربي إلى حد ما، وهي عبارة عن أفكار دومت في أعماق نجيب محفوظ بعد إطلاعه على أدب العبث، فكانت تلك الشخصيات التي تثرثر فعلاً، تدخل حال دخول العوامة، في مناقشات مبتسرة، تعطيها شيئاً من "الزخم" الروائي حوادث جانبية تثير الفضول أكثر مما ترضي العقل ويتبدى ذلك في شخصية سمارة "السرية" حين تسبق الحضور، وسناء حين تروض خصلة من شعرها مقهورة، وليلى زيدان العانس والخراب يزحف على عينيها، ثم سنية كامل وهي تخرج ضحكاتها المكبوتة من الحجرة المغلقة.. وهل هذه الشخصيات الأفكار تمثل المجتمع العربي في مصر، فعلاً؟ أم أنها أشخاص أو أشباح أشخاص "مستقبلية" تراود مخيلة الكاتب، أم أنها جماعة غريبة لا تمثل إلا نفسها؟ الجواب أن كل الدلائل تدل على أن أبطال الرواية ما عدا أنيساً - وعم عبده عاديون بل جد عاديين وهم يثرثرون على نحو أو آخر دون أن ندرك، أو نأخذ فكرة سليمة عن شخصياتهم، أو الدوافع التي تملي عليهم هذا الكلام أو ذلك، بل إن الحوار يعود يتشابك ويتشابك، حتى ما نحس بعده من يتكلم فعلاً وحتى الذي رأى في هذه الثرثرة - ثرثرة فنية بصورة مطلقة- أكد أننا لا نستطيع رؤيتها كذلك، إلا من خلال شخصية أنيس "الذي قاتل العدم طويلاً، وبلا هوادة"(10)، والذي بقي يرى العدم في كل ما حوله، "لو أننا فعلنا ذلك - أي لو عددنا أنيساً رجلاً تفلسف وعانى وفقد الحب وخاف وغاب في رؤاه الانسطالية - لكان معقولاً في كل رؤية رآها وكلمة قالها(11) لكن الرواية /الثرثرة ليست رواية/ ثرثرة أنيس ولا عم عبده وحدهما. فالعالم المخلوق الذي احتوته العوامة فيه شخصيات أخرى لم تبلغ - فنياً- مبلغهما. فالطالبة الجامعية في المجتمع المصري المتوثب تحولت إلى عاهرة، والفتاة المثقفة غدت شيئاً منحطاً تتناقلها الأيدي، كدمية، والزوجة - أية زوجة- مدمنة جنسياً تمارس تعدد الأزواج لكنها تظل "امرأة حنان" أمّاً رؤوماً حتى في "عشقها"، العالم يعيش على كف عفريت، ولا بد من رأس الحوت أن يظهر. إن هذه الشخصيات التي عرفنا أسماءها تتردد وتتردد في كل صفحة ولم نتعرف أعماقها، لم تكن إلا الأفكار عادية مجردة، صيغت في بوتقة الجوزة العامرة، وأنا أعرف حقيقة أن المجتمع المصري بخاصة والعربي بعامة ليس على هذه الصورة. وكاد ما يصلنا يدل دلالة أكيدة على زخور الحركة المثقفة وانفتاحها في مصر، وتطلعها إلى (منائر) جديدة من الأخلاقية المجتمعية والتقييس الجديد لجميع ما يستجد في بناءات المجتمع المتحول، أم أن مجتمع الحشاشين سيظل وصمة القطر المصري. فهل يمكن للأديب العربي بالذات أن يطلق مرحلة الرؤيا الاجتماعية البحتة إلى الأبد في مرحلة بحثه الفلسفي وأن نشتم روائح أخرى مميزة؟.. أن نعايش تطلعات المصري الجديد؟ إن المثقف في - القاهرة الجديدة- قد حاول الدفاع عن "قضية"، أفلا يمكن له الآن أن يدافع عن (قضية أخرى) في الثرثرة؟ أنا لا أنكر على محفوظ الروائي الكبير تطوره أبداً، بل إني أنكر استخدامه هذا التطور في إعطاء مثل هذه الصورة المشوهة عن المثقف المصري الحشاش بكل قطاعاته!. على أننا لو افترضنا وجود هذه الشخصيات بأوضاعها (ما عدا أنيساً وعم عبده)، فهي ليست مقنعة بما تحمل من أبعاد فكرية، ونفسية، وثقافية كما بدت في الرواية، بمعنى آخر إن حال تلك الشخصيات غير طبيعي، وسياق الرواية في التأدية للتعرف إليها من الداخل، لم يكن مقنعاً بحيث نرتضي أوضاعهم في العوامة.. على أنهم كذلك. إنهم عاديون في حديثهم، متشابهون في محور أفكارهم واستجاباتهم، وغير عاديين في أوضاعهم.. أوضاع كل منهم على حدة، ومن هنا نشأ التناقض. إن "الآلة" التي مجها الغرب وجعلت من عدد المصابين الذين يدخلون إلى المصحات، قدر عدد الجامعيين الذين يدخلون الجامعات، هذه الآلة ما زلنا نحتاج نحن إليها، إننا نفقدها. والمرحلة المتدهورة التي يعيشها الغرب، لا نعيشها نحن بحال! إن التراث الحضاري العربي، وأفكاره متميزة تميزاً عجيباً عن أي فكر آخر وهو عندما يأخذ، نراه كأنه يعطي، إنه موهبة ما زالت تبعث بشرارتها الأولى "الأصيلة" بالرغم مما أصابها من نكبات - كان يمكن لهذه الشخصيات أن تفكر مرحلياً بما يدور حولها من ثقافات! إنما أن تعيش على هذه الطريقة من العدمية دون تسويغ مقنع وسط شعب متأجج، مثقفوه أكثر نجاحاً وحماسة، وصيرورة نحو ما هو أفضل، دون أسباب عصابية أو دواع حياتية خاصة لم تظهر لنا بوضوح فنياً ونفسياً، فهذا ما لم نعثر عليه إلا في الأعمال الأدبية الأصيلة وفي أعمال نجيب محفوظ نفسها. إن الشخصيات الروائية من "سناء" حتى "رجب" يمكن أن نجد لها شخوصاً ممسوخة لأفكار تمت إليها بصلة قريبة أو بعيدة، أو شخوصاً تتكلم بأفكار حقيقية لأعمال اللامعقول، ولكن هل هذا يعنينا في شيء؟ إن كاتباً مثل "بيكيت" نكاد نجد أكثر شخوصه موجودة قلباً وقالباً في مسرحية أخرى له، أو لغيره وكذلك الأمر بالنسبة إلى "يوجين ايونسكو" فإن الملك "بيرنجه الأول" الذي يعيش تجربة موته وينتظره عارفاً به في المسرحية المسماة "الملك المحتضر" هو بطل "ايونسكو" المشهور الذي نراه في كثير من مسرحياته في "الكركدن" مثلاً وفي "سيارة الهواء" و"القاتل المجاني"، إذن لا يعنينا ذلك من وجهة النظر هذه، لأن فكرة العدمية هي الأساس والمحور الذي يدور حوله أي عمل فني لا معقول، وما يمكن قوله بالنسبة إلى (الثرثرة) فيما يتعلق بهذا التشابه، بين عمل فني معين وعمل فني آخر،هو أن أفكاراً عدمية، ألبسها نجيب محفوظ - مختصرة- لباس الشخوص الملتفة حول الجوزة، والجمر فـ: "هذه الشخصيات ليست حقاً شخصيات عبثية تتخذ من العبث فلسفة في الحياة، بقدر ما هي شخصيات أقرب إلى المجون والأغلال أو الغموض والاستهتار، لا يختلف تضييعهم الوقت في إحدى العوامات عن تضييع غيرهم الوقت في أحد النوادي أو المقاهي أو الحفلات"(12) وصب عمله الروائي - مبدعاً- على أنيس، الذي بدا لنا شخصية مقنعة ورائعة، تعيش في إشراقات دائمة يبثها الوجود حقيقة في أعماقه، فيفجر أحاسيسه وتأملاته وذكرياته. ومن هنا، فإني أعتقد أن الرواية لم تفقد أهميتها الفنية - على الأقل- لأن شخصية أنيس العصابية وحدها تستقطب اهتمامنا فعلاً، وناجحة، منذ أول حرف سطره نجيب محفوظ لأبعادها، وقد استطاع أن يدرس أزماتها خلال البنية الدرامية في الكيان النصي للرواية دراسةً دقيقة، موحية، عميقة، تنبض بالألم.. والمأساة. أقول - عصابياً- لأنه يمكن أن يصيب المرء الموت - كما يصيب كل من يعيش على هذه الأرض- من أجل ما يصبو إليه دون أن يمنعه ذلك من تجربة الحياة والسعي فيها نحو الغلبة وتأكيد الذات، أو أن يتزوج إنسان، ثم تموت عنه زوجته، فلا ينهار كما انهار أنيس بل يصبر على الدهر والقدر، ويحيا "بالمعنى" الذي تمليه علينا الحياة، إنه - أي أنيس- الشخصية الوحيدة المتخلفة فنياً، إذ استثنينا عم عبده الذي يشبه إلى حد كبير شخصية "وات" كما أسلفت، على الرغم من أن الرواية أخذت اسماً جامعاً: "ثرثرة فوق النيل" وهذا يعني أننا أمام أشخاص وليس أمام شخص واحد يكاد لا يتكلم، ولكن الرواية له، ومنه. إن عصابية أنيس الحادة تتجلى من خلال رؤاه وصمته وحتى في إفاقته. و"النظرة الخاصة" التي منحها له رفاقه حين سموه بـ "ولي الأمر والنعم" تدل دلالة واضحة على موقفهم منه، وكذلك فإن أية كلمة كانت تخرج من فمه، كفيلة بأن تجعل المكان يضج بالضحك، حتى في "الجنس" حين يسأل "ليلى زيدان" قائلاً: "لم لا تتخذين مني رفيقاً" فأجابت: "إنك إذا استعملت الحب يوماً كمبتدأ في جملة مفيدة فستنسى حتماً الخبر إلى الأبد"، ومن هنا أدركت ليلى حقيقته، وحين تقول "سنية كامل" محاولة إيجاد رجل لسناء بعد أن هجرها رجب: "وإذا وقع المحذور فعندك مصطفى وأحمد "صاح أنيس بوحشية: "لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟ "ثم بغلظة وهو يضغط على مخارج الكلمات "أوغاد منحلون مدمنون".. كل الشتائم تكون نتيجتها أن أغرقوا بالضحك. إن أنيساً كانت تشغله مشكلة الموت شغلاً حاداً. وهذه الظواهر التي تدلنا على تفتحه للحياة كما رأينا سابقاً في تعبيره "لماذا تغفلني إحصاءات الأوغاد؟" لم تكن إلا "صرعات" تتبدى بين حين وآخر، على أثر منبه ما يحس به، لينتشله من "المذهلات" التي تسلب لبه وحسه وصوته أيضاً، سابحاً في ذرات العدم والموت التي تكمن في الأشياء والناس والليل والضوء. لأن أصل المتاعب مهارة قرد هبط من جنة القرود إلى أرض الغابة، وقالوا له عد إلى الأشجار وإلا أطبقت عليك الوحوش.. فقبض على غصن شجرة بيد - عنصر الخصب- وعلى حجر بيد- عنصر الدفاع والقوة- وتقدم في حذر وهو يمد بصره إلى طريق لا نهاية له، هارباً من وحوش الموت والقلق والمجهول(13).. ولكن إلى أين؟.. بهذا المعنى يختتم نجيب محفوظ روايته. - نهاية الرواية: إن نهاية الرواية ظلت (تبحث). والشخوص ما ونت تسير في طريق مجهول، بعضهم ظل (معاندا) رغم "الجريمة" خلال "حدته المفرطة" أكثر جدية في عبثه. و"نجيب محفوظ" على لسانهم جميعاً ظل بلا هدف بل يبحث عن هدف، بلا خلاص، بل يتشوف طريق خلاص في الطريق الجديد العجيب اللانهائي. *** كان من الممكن لهذه الرواية أن تأخذ حظها إلى حد كبير من "الثرثرة الفنية" أي أن تكون (ثرثرة فنية) حقيقية، دون أن تشوبها (الثرثرة على الورق)(14) في أسلوب تجريبي حاول أن يجعله نجيب محفوظ جديداً على ما كتبه من قبل متأثراً بالروايات الجديدة الفرنسية خاصة: لو أن مجمل الشخصيات فيها نالت التركيز والتعميق والإثارة كما نجد ذلك في شخصية (أنيس) وشخصية (عم عبده) ولو أن فلسفة دورة العدم والوجود(15) في الرواية التي استغلت الزمن التاريخي والزمن الكوني كان لها مومئاتها الحادة وراء الواقع الذي كان يغلي في وقت كتابة الرواية وهو يستند على همومه بيد الشعب العربي في مصر الذي يقوم دائماً من عدمه بالثورة والطموح الذي لا يحد. إنه الشعب الذي لا تغيبه ظلمة الحياة ومغيباتها عن تخطيط طريق الضوء الذي لن يجهل مفضياته. فالرواية تضع في حسابها دائماً أسباب التخليق الفني داخل مسوغات محلية وإرهاصات محلية وإنسانية متعددة المستويات والأبعاد. n الإحالات 1- إبراهيم الصيرفي: "نجيب محفوظ.. الثرثرة"، في مجلة الفكر العربي. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد السادس عشر، يونيو، حزيران 1966م، ص68. 2- جلال العشري: "ثرثرة فوق النيل- نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد الخامس عشر، مايو 1966م، ص85 (زاوية رأي في كتاب). 3- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة"، ص70. 4- م.ن، ص74. 5- م.ن، ص72 6- أحمد محمد عطية: "نجيب محفوظ - ثرثرة فوق النيل"، في مجلة المجلة. القاهرة، العدد 115، السنة العاشرة، يوليو تموز 1966م، ص117. 7- رأى بعض النقاد جانباً مهماً عند نجيب محفوظ، هو نزوعه نحو الفلسفة والتاريخ في رواياته، وهو يبدو في بعض رواياته صاحب نزوع فلسفي باحث عن العلاقات المطلقة بين الأشياء وهنا تبدو في الثرثرة رؤيته الكلية للأشياء. يقول نجيب محفوظ في حوار معه: "لم تنقطع صلتي بالفلسفة. ولكن الذي يبقى في نفسي منها هو منهاجها.. وهو أهم عندي من الآراء والمعلومات، وأعني به النزوع إلى الرؤية الكلية بالأشياء بدءاً من شتى التجارب والمعارف، والمحافظة على الاهتمام بأسئلة محددة دأبت الفلسفة على طرحها جيلاً بعد جيل. وفي هذه الحدود، أعتقد أنني تأثرت كثيراً بالفلسفة في أدبي.- : حوار سامح كريم: "مع نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد 43- سبتمبر 1968م، ص77. 8- أحمد محمد عطية، "نجيب محفوظ- ثرثرة فوق النيل"، ص117. 9- "نلاحظ أن أغلب أبطاله - يعني نجيب محفوظ- إنما يتجهون إلى (النيل)، وينظرون إليه على أنه الأب الذي يخرجون من صلبه.. والذي ينبغي أن يعيشوا في كنفه، وينبغي أن يمتثلوا أمامه صاغرين معترفين بخطاياهم"- سعد عبد العزيز: "ما وراء أدب نجيب محفوظ"، في مجلة الفكر المعاصر. القاهرة، الدار المصرية للتأليف والترجمة، العدد 42، أغسطس - آب 1968م، ص71. 10- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة"، 69- 70ص. 11- إبراهيم الصيرفي، "نجيب محفوظ.. والثرثرة، 69- 70ص. 12- جلال العشري، "ثرثرة فوق النيل- نجيب محفوظ"، ص85. 13- "وبهذا السعي الدائب المستمر نحو تحقيق غاياتنا.. وبمدى ما نعاني من عذاب كي نكتشف حقيقة أنفسنا ونكتشف أسرار وجودنا، يمكن أن نؤكد إنسانيتنا، ويمكن أن نحدد قيمتنا في ذلك العالم الذي نعيش فيه "- سعد عبد العزيز: "ما وراء أدب نجيب محفوظ"، ص77. "أنيس يقرر أن العبث وانعدام الهدف ليسا نابعين من عدم دراسة الحياة، بل من فهمها والوقوف على أن الحياة لا معنى لها، ومع ذلك فالاستمرار في العبث والرفض قد يحمل في طياته ويجعل للحياة معنى.. "أحمد محمد عطية: "نجيب محفوظ- ثرثرة فوق النيل.."، ص118. 14- لاحظ شيئاً من ذلك: "جلال العشري"، إذ إن: "هذه الشخصيات ليست حقاً شخصيات عبثية تتخذ من العبث فلسفة في الحياة بقدر ما هي شخصيات أقرب إلى المجون والانحلال أو الفوضى والاستهتار، لا يختلف تضييعهم الوقت في إحدى العوامات عن تضيع غيرهم الوقت في أحد النوادي أو المقاهي أو الحفلات، رأينا أن الرواية لم تكن ثرثرة فوق النيل، وإنما هي- ثرثرة فوق الورق- ."- جلال العشري: "ثرثرة فوق النيل- تجيب محفوظ"، ص85. 15- في كتاب (نجيب محفوظ- ما وراء الواقعية) لـ: "رياض عصمت. "إشارة إلى أن "لقصص نجيب محفوظ جانبين (هما): جانب نفسي تحليلي، وجانب آخر يعتمد على التاريخ والفلسفة في بحث المجتمع ومفاهيمه ككل والأمر واضح في ميرامار، ففيها يتابع نجيب محفوظ أسلوبه الجديد الذي بدأه في طريقة عرض ثرثرة فوق النيل". ورد المقتطف السابق من عرض للكتاب المذكور سالفاً: "محمد أحمد يوسف"، في جريدة الاتحاد. أبو ظبي، العدد 6343، الخميس 30- 10- 1997م. * نجيب محفوظ: "ثرثرة فوق النيل- رواية" القاهرة، دار مصر للطباعة، مكتبة مصر. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |