إشكالية الواقع والتحولات الجديدة في الرواية العربية دراسة وعي مجادلة الواقع متغيراته، وتقنيات البنية - د.دريد يحيى الخواجة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

محمد زفزاف قراءات في الأدب المغربي المعاصر

الواقع العربي والعالم والهوية الضائعة‏

ورفض الزيف المحيط بنا في رواية "أرصفة وجدران".‏

لـ :"محمد زفزاف".‏

محمد زفزاف قاص وروائي مغربي، لعله أكثر أدباء المغرب العربي انتشاراً في المشرق العربي، وبخاصة فيما كتبه في السنوات القليلة الماضية، فهو، كقاص، على التحديد، تشكل تقنيته الفنية في هذا المجال الصعب دون الدخول مبدئياً في - قول- ما يكتب، أهمية لا يمكن تجاهلها في الإنتاج العربي المبدع عموماً.‏

كتابته فيها هذه القوة أو الطاقة التي تبعث: (شرارة ما) حين تبدأ بقراءة مبدع ما... وهي تسعى من أجل اكتشاف بؤر جديدة مشعة في فعالياتها، وبلورة إمكاناتها خاصة عندما تنجح في وضع تجربتها داخل الشرط الاجتماعي والاقتصادي والفكري للوطن والعصر والتاريخ، من مؤلفاته: (أرصفة وجدران) و(المرأة والوردة)، وأيضاً (قبور في الماء) وهما روايتان، وقصص منها مجموعتان قصصيتان هما: (أرصفة وجدران)، (حوار في ليل متأخر)، وأيضاً: (بيوت واطئة)...‏

** رؤية الواقع والحياة:‏

أتحدث في هذه القراءة عن الرواية الأولى: (أرصفة وجدران) مؤكداً على النتائج التي تفضي إليها الدراسة، دون أن أغفل الربط بين هذه النتائج واستمداداتها. إن هذه الرواية تنطلق من تجربة متصلة بسلوك معين (داخل بيئة أو بيئات معينة)، حيث تكون عملية: (التأثير، والالتقاط) مرهونة بـ (الدور) الذي تقوم به، والمؤدي إلى(اتجاه ما) هو:"اللوبان"، و"التفاهة" و"الشيئية" و"الإنسانية" و"اللامبالاة"، و"العدمية" مع شيء نادر ومفاجئ من التبريح الذاتي في البحث عن - شيء ما- معنى - أو خلاص- ...‏

إنه نوع من فتح - مسام- من مسامات المجتمع للدخول إلى عالم تطل عليه بكيفية ما من أجل التوازن، والخروج من حياة مالها وجه آخر‍!...‏

فالرواية رصد لشريحة اجتماعية تؤمن بعد تجارب ذواتها، بعدم جدوى هذا العالم وبنهايته المحتومة: (أنا أساوي صفراً في هذا العالم- ص38).‏

و(- العبث في كل شيء- ص70). و(ماهي هويته)، هل هو مغربي:(إنه لا يعرف- ص20 و: الناس يمشون بلا هوية- ص70)... هل يحس العالم: (لا أحسه طبعاً- ص20). وأننا في الواقع: (نعيش الغرابة والاغتراب). وكل شيء: (يتضمن العفونة والرتابة والتكرار- ص39)، لكن زفزاف - له رأي بهذه التجربة وصفها في مقابلة له بأنها: (تجربة طالب غير عادية يواجه عالماً لا تتكافأ فيه الفرص، وهو يحاول أن يتجاوز كل ذلك ويتحداه. إنه يعلن رفضه لكثير من الزيف المحيط به). هذا الوصف غير باطل، وإسقاطه صحيح، والاحتجاج أو الرفض في الرواية يعني أشياء كثيرة على مستوى الفرد والمجتمع والعصر.‏

مايود الكاتب أن يقوله في الرواية شيء، تشي به معطياتها بسياقات لغوية دلالية عدة.‏

إن البطل الحقيقي: "بو مهدي" الذي تسلل بأقنعة مختلفة"، لم تسطع إخفاءه "إلى باقي الشخوص، تشكل مقولاته الشاملة الإحساس الموقفي باتجاه حالة - العجز الكامل- داخل المحيط وحركة العالم والوجود:"الكل شيء يسود، كل شيء تافه. إن كل شيء لا معنى له... ليس له جدوى ص 65"، و" الحياة غير مجدية- ص40". لا:"السجائر" تجدي ولا:- الكتب- ولا: - الجماعة- ...‏

وتصرخ أعماقه مترنحة: - الساعات تمر فارغة.. تجتر نفس الكلام- فماذا يسمى هذا الموقف من الحياة، والناس، والأشياء؟، ماذا يسمى موقفه من - الإضراب- في الجامعة؟...‏

أي شيء يمكن أن يَهَبَ "رد الاحتجاج أو الرفض"، الذي يفرزه هذا - الإحساس بالاتجاه- !؟... يتصور الطالب - بو مهدي- أنه مركز ثقل العالم: "كل شعور عام يجتاحه. شعور عام بالاختناق. العالم لا يريد أن يتغير في بعض اللحظات، يشعر أنه مركز العالم- .‏

فهل العالم يتغير بـ "معجزة"؟، أين- فعل- التغيير من قبل المرء الذي يقوم به على عجزه؟. أين - التجاوز- ؟ إن هذا الشعور حتمي نتيجة الاستلاب والتلاشي!... فأين - وعي المصير- ؟ أين - وعي التحدي.‏

بطبيعة الحال، يرصد زفزاف مثل هذه الشخصية السلبية الحادة التي نجد النهايات والموت والموات في كل شيء تراه وتقوله من أجل أن نحتج عليها ونبحث عن الجدوى في لا جدواها.‏

هذه الأسئلة يقوم الكاتب بالإجابة عنها في الرواية من خلال منطق يتلمسه في الشخصيات التي يجري بها التغيير.‏

"أثير هذه الأسئلة هنا بتأثير ما أعلنه "زفزاف" معلقاً على جواب يتعلق بسلبية البطل:"إن الاحتجاج دون إدراك الاتجاه المعرفي ودون معرفة كيف تحدث الأشياء، يؤدي بالضرورة إلى الفراغ، وإلى - توهيم الذات- ، وجلدها، وجلدنا، دون نتيجة... وأعتقد أن هذا وضع رواية "أرصفة وجدران"، في - ضوء- ما ملغوم في الداخل، ضوء يرفض السواد والهزيمة أمام كل شيء ويصنع المستحيل داخل استنتاجاتنا في رواية تعمل على طرح أمور كثيرة من الواقع والعصر طرحاً عبثياً من أجل أن تصدمنا وتثبتنا بقوة على الضفة الأخرى المقابلة. لذا جاء عمل الرواية إيجابياً على الرغم من اندحار شخوص الرواية على رأسها بو مهدي وفيها إشارة إلى أن الهروب والتجديف وتبني معجم الاغتراب بكل مفرداته لن يؤدي إلا إلى مزيد من الهزائم الشخصية بل العامة. وبالمناسبة فقد "كتبت هذه الرواية بين 66- 1971م في أحداث خطيرة ومتميزة في تاريخنا الحديث"... ولهذا فالرواية رفض لتجاهل هذا السياق التاريخي وعدم مسؤولية اللحظة التاريخية في أن تأخذ حقها على يديّ المثقفين والمبدعين في كل باب.‏

** العدم ورسالة الفن:‏

لقد أراد زفزاف أن يلقي على فئة من المثقفين، ونحن نشهدها تصنع الحياة - في الرواية الواقع- ، في بعد واحد! - رسالة الفن المعلنة على لسان البطل بقوله: "والفن إنما هو عطاء إنساني كبير، إنه أسمى مايقدم الإنسان للإنسان. وأن تمارس الفن معناه أنك تؤنس الآخر. إنها تجربة منبعها السماء، إنها تجربة ترتفع عن الطين، عن الوحل، عن الشر المتأصل في الأرض- ص49".‏

لكن هل وافق العمل الرأي، هل كان بو مهدي ملتزماً بمعنى رسالة الفن، هل أحداث الرواية تجيب عن ذلك لتصور واقع هذه الفئة التي يمثلها بو مهدي الفنان صاحب الرسالة الفنية التي لا يخلص لها الكثيرون.‏

... هذا اعتراف رخيص في مفرزات العمل الأدبي، لم يتحقق لدى "بومهدي" لأنه فرز - آني- . في فرديته الموهومة التي تجعله يهاب حتى من نفسه، ومن الفن، وصلته بـ "الجماعة" التي يبغضها ويسلب جدواها. والالتحاق بها نوع من إشباع حس - العدم- فيه...‏

إن الفن لديه نوع من رغبته المتناقضة في ساعة اهترائه، "وتعذيب نفسه"، حين ترغمه هذه الساعة - للحظات، على أن يندفع في "الحياة" حتى لا يموت، حين يجد فرصته لاستغلال الفن في الغناء والضياع والتشتت ونسف القيم والهلوسة الجنسية:- جسم امرأة يساوي العالم- ص50".. تتعب قدماه في حانات البغايا وأماكن يلتمس فيها أية امرأة تستهلكه، وتوهمه، وتعهره أكثر حين يشعر بالحياة. حتى هذه التي اعتبرها مخلوقاً رائعاً مختلفاً عن كل ما عرفه، استدرت عدميته حين وجدها تشارك "سالم" الرسام فراشه منذ أمد. فلا شيء يبنى في شيء أو على شيء...‏

** النماذج الروائية:‏

ترغب المرأة بشكل محموم، في أن تمارس عدميتها وتكشف عن ذاتها في فناء الآخرين نصاً، فتحقق بأسلوب مرضي "صلتها الوحيدة"، بهم وهم ليسوا، لديه، إلا جثثاً عفنة ص 82..." و"يحمل الرشاش وينهال على العالم ص80"... وينتهي كل شيء في - الحياة- : (اللذة والمعنى)، دون وعي- بأدواتها- ، وشرط وجودها اللائق بـ "الإنسان" حيث المعنى الذي تحمله يجب ألا يعمل على إنهائها. إنّ صوت "بو مهدي" هذا وبما ينطوي عليه يندرج بأشكال ومعان تكاد تكون متشابهة في بقية النماذج الروائية، من خلال ما تطالعنا به وهي تدور في دوائر يستشف القارئ عالمها، ولولبيتها، منذ البداية، بعضها يكبر وينتفخ في فضاء الرواية، وبعضها يتقلص، لكنها كلها تدور في عالم الكبت والجنس واللامعنى والعدمية والإخفاقات المتكررة والمتوقعة والخيانات النفسية أو السلوكية، مما يجعل صفة: "التكرار"واضحة لها غاية حين نلمس هذا الواقع الإنساني المتشابه لا المتماثل أو المترادف والذي يفضي بعضه إلى بعض في قنوات عديدة.‏

في هذا الواقع نماذج تلبس إهاباً مستعاراً، وقشرياً، يسهل انتزاعه، يحرم عليه "الخصوصية" الزائفة التي تحرص عليها والتي تعد نفسها شريحة حيوية إنسانية- في لحظة تاريخية أو واقعة ما، الشيء الذي وفرَّ شحنات شعورية أو فكرية متصادمة أو متحاورة من قبل المتلقين من أجل وعي مايتحقق به من منظور البنية الدرامية التي تقوم عليها الرواية، والتي تفرز استقراءات، واستنباطات، وامتلاك معادلات على مستوى "الدعاوي، "أو على مستوى- التبشير- ، أو على مستوى "التشكيل الإنساني المتخيل". من قبل هذه النماذج التي تمتلك أفكارها وطروحاتها. وأية كتابة لا تمثل أفكاراً، طرحاً ما فلا معنى للدخول معها في أية أحاديث ومقولات مبتسرة وعائمة، وعن طريق هذه الأفكار تمَّ تفسير وتأويل "سفالات" في الرواية لها نكهة الإنسان في سقوطه حين تعني حقيقة مبتسرة للأشياء والعالم.‏

** شخصيات ورموز:‏

ماذا يتحرك في خلفية هذا المشهد الاجتماعي وبنيته الفكرية؟...‏

"سالم وصالح" متزوجان ويعيشان حياة ساقطة دون ملامح "إنسانية".‏

"ليلى" معلمة."نانسي": طالبة جامعية. سالم رسام أمه مريضة بالسل وتموت في نهاية القصة، وتغيب في دهليز، كانت رمزاً موفقاً استغله - زفزاف- في محاولة تحرك معنى الحياة ضد "العقم" و"انطفاء الأمل" حيث موتها في آخر الرواية... لكأن الأم هنا هي رمز النسق الخصبي في الرواية ورمز الوجود المستمر الذي لا يريد له "بومهدي" أن ينمحي.‏

كانت أم سالم "إيقاعاً" حزيناً حنوناً ومراً ومتفرداً في الرواية، تملؤنا لهفة على مصيرها- الذي كان يسير بصورة متصاعدة في العنف والترقب إلى شيء قد يحدث، وكانت لهفتنا على مصيرها المحتوم هو لهفة على مصير وجودنا الذي هزمت مسوغات استمراره وشطبت عوامل رعايته وتمكينه من خلال الشخوص المسلوبة الإرادة التي ترى أمامنا في الرواية والتي سرقها الوهم وإلغاء الزمن والهوية والمكان إلى عدمية حقه، تعمل على التسريع بمصير موت الأم المهملة.‏

ها هو ذا بو مهدي المهزوم - يعطي إشارات عابرة عن الأم تأتي خلال السأم والشرب وممارسة الاستبئاس والتفكير بالجنس، يسأل عنها "بو مهدي"، الذي يرى في سرعة خطواتها نحو الموت تجسيداً لا ندحاره في هذا العالم أمام الموت وفقدان أية قيمة فيه تستحق عيشه، فلا أمل للإنسان معه إلا في استهلاكه لنفسه في الحياة. ويذكرها "سالم" المتعلق بها بعبارات مقتضبة في الوقت الذي لا يغفل التجديف على أبيه الباحث عن لذاته قبل وبعد موت زوجته، وبهذه النظرة المنقلبة على ذات "بو مهدي"، يمكن فهم هذا - الجو النفسي- الذي كان يشيعه ذكر - الأم- المنكودة المهملة الضحية الظامئة إلى الحياة والحنان والحب والرعاية، وبهذه النظرة يجب فهم مشاعر "سالم" الذاتية الذي لم يكن ليقوم بواجبه تجاهها منشغلاً بذاته، لا يعنيه هموم أحد لا الطلبة ولا الجماعة ولا الوطن ولا العالم وحتى نفسه في أحايين بسبب تشوشه واضطرابه. حتى إنه يجاهر بكرهها:"ربما أكون في موقفي من هذه الأمومة التي تبدو مجانية وباردة تجاه معطياتي الشعورية". إن المرأة في الرواية متشيئة أبداً، متهمة بالخيانة الجنسية، وقد تحمل صفات أخرى حسب مرآة نفس الرجل الذي لا يقبل - الخيانة منها:"ليلى.... لو كنت زوجة لي ولكنك مع الأسف خائنة كل مافيك رائع إلا الخيانة- ص77"، و"لو أتزوجك ثلاث ليال فقط لأطلقك- ص44".‏

ثمة وظيفة واحدة لها هي "الجنس"، وهي مهيأة دائماً للقيام بهذا الفعل بما تملكه من عهر مادي وفكري "زوجة رجل المطافئ- زوجة الشرطي" "زوجة الشرطي مثلاً لها ثلاثة أطفال وتسمح للبقال أن يعتصر نهديها ويندفع في ممارسة الجنس معها، زوجة رجل المطافئ: كانت تخونه مع سالم الذي لم يتركها إلا وقد مصمص العظام".‏

"المعلمة ليلى مطلقة، وخائنة" نانسي تهوى الشيوعية لأنها تيسر لها فقط حرية الجنس والبحث عن اللذة مطلقاً"... ومركزية دوائر هذه السلوكات تكون في تكرار حوادث الملاحقات الجنسية في الرواية مكشوفة أو غير مكشوفة، محققة رؤية ببعد واحد "رؤية بو مهدي"، وأمثاله الذين يغتالون العالم بأفكار مسمومة ولا يتلمسون إلا السقوط المتدحرج نحو النهاية للإنسانية.‏

** النص السحري...‏

وتوظيف العجز في دلالة تعبيرية:‏

- بنية النص....‏

ونماذجها الإنسانية:‏

ماهو المستوى التعبيري الذي يجيء بكيفية يمكن أن توظف هذه المواقف وأفكارها- ، في دلالة تعبيرية؟...‏

بمعنى صياغة فنية لمضمون ضياعي يفرزه واقع تمتلكه رواية حرة في طرحه ورؤيته حتى تنير بمفهومها الخاص والمحدق بقوة - واقعاً آخر، حتى يكون خواء المقولات والنظرة الطافية التي أجراها أو حدق بها الكاتب من خلال أبطاله الهامشيين... مجالاً للنقد والانتقاد وتقليب النظر والفحص لأن سلوك الشمعيين في تركيباتهم النفسية والفلسفية - له أبعاده المختلفة في فضح هذا الواقع وتفكيكه- أقول ماهي هذه الكيفية؟... فيها طموح مقصود، ليس فيها الخطوط الصارمة أو القفز أو الاغتصاب الشكلاني مرة واحدة في عمل واحد، ليست تقليدية، إنها شيء مما يمكن أن أسميه بـ "النص السحري" فأنت تقرأ الفصل منعزلاً فتجد فيه - حديثاً- ، حواراً ذاتياً أو مع آخر.... وصف إنسان في حركة الحياة، رصداً نفسياً مهلوساً، إخفاقاً، عجزاً، حساً عدمياً مخيفاً، فوراناً جنسياً- يسحرك غالباً ببساطته وتدفقه وإيحاءاته القوية التي تغالب شغفك العقلي في كشف شيء ما تحت - الحوادث- تحت مايمكن أن نتوقعه من - حقيقة قشرية تصطدم مشاعرنا وأفكارنا فنراها كذلك في - بداية الأمر ثم يحولها التعبير من خلال الإدراك الحسي للشخوص إلى مسوغات جوهرية تركبها لديك من خلال إشارات وعلامات يبثها السطح إلى العمق. ومستويات التعبير هنا لا تأتي من خلال كل شخص بنفسه بل من خلال رؤية كل واحد بالآخر حسب درجة العلاقة بينهما.‏

هو لا يريد أن يستغل شيئاً من أجل شيء محدد مقصود، لا يرغب في تنسيق بنيات تركيبة معينة في عمله الروائي، شيء ما يثيره في تلك الأمور التي تجدها في النص عنده فيجعله يسيل، وتتحرك معه بلذة محببة حتى عندما يتكرر كل شيء في دوائر لا يربطها في علاقة جدلية إلا جولات الشخوص وهي تتحرك إلى مصائر مختلفة تتساقط في الإخفاق والعبث وعدم الجدوى. وكأن الروائي هنا لدى الكاتب "محمد زفزاف" هو مجموعة نصوص يمكن أن تتكامل وأن يقف كل نص وحده في آن واحد.‏

وهكذا تتشكل: البنية الروائية التي لابد أن تقوم على نظام ما حتى لو كان - فوضوياً- ! لذلك فالرواية لا تطمح إلى نفس روائي ملحمي في تلك العلاقة بين الشكل والمضمون. بل تريدأن تجعل الشكل معبراً عن المضمون، ويمثل جدله المتكون فيه وبه. وفي انفلاته عن العالم وانغماره في الموت والجنون طبيعة الحياة الصاعدة، وفي استمراره واندراجه في نسق الذين يعيشون الحياة في الوقت ذاته. وعلى هذا فالنص الروائي فيه هذا الاندحار الذاتي والتخلف عن مسيرة الآخرين حين يقوم وحده في جانب من بنيته، وفيه هذا الاندماج الإنساني الذي تفرضه ظروف التعايش على أية صورة في الجانب الآخر من بنيته حين يتكامل النص الروائي بعضه مع بعض في وحدات متضامة.‏

** اللغة والإيقاع والسرد:‏

فأما اللغة فترى بسيطة تجلو الوجود، بإحساسه النهم الصارخ بعدميته. والبساطة هنا ليست إسفافاً بل هي طاقة مبدعة بتوهجها المنظور وغير المنظور. فمواجهته اللغة لا تكون "فرقعة"، دون صدىما، بل تكون شوقاً جامحاً في فهم براءتها الأولى لحظة تسقط من الذاكرة المحمومة مما يصبغها في مواضع بالشعر، والبلاغة الخاصة بالنص الروائي، تستبيك بجسدها الذي تشعر بنبضه قوياً في حسك، وبروح خاصة تسري في السياق اللغوي يوفر لنا قدرات متابعته وأسره قبل أن نبدأ بمحاسبة النفس على استهلاكه لنا دون وعي أولي سرعان ما نعود به لمعاودة قراءتنا بالإضافة إلى أن التزاوج المهم بين ضمير الغائب الذي قص به الرواية، وضمير المخاطب - كان يثري التعبير ويلون ظلاله ويخصب الخطاب الروائي، ويبدد بعضاً من - الرتوب- .‏

ثم هناك هذا - الإيقاع الطلق- المقتحم واللا مبالي الذي حمل القارئ منذ البداية على إمكانية توقع قول أي شيء مخجل- أو ممتلئ بالنزوات الفردية- على لسان جميع الشخوص التي يصورها "زفزاف"، خارجة عن أية مسؤولية أو أي تفكير لا يحقق لذاتها الذاتية الحسيّة ورغائبها الدفينة، في مناخ سيسولوجي معطى له مسوغاته الفنية وأهدافه الفنية، وكانت ملاحظاته المعترضة في السرد، أو تلك التي تكثف في عبارة حالة أو وضعاً أو شوطاً تاريخياً- منبهة، وموفقة في ما تبلغه من دلالات مساندة.‏

أخيراً، يمكن أن نرد كثيراً من العناصر الأساسية: "التصورات" في هذه الرواية، وما ترغب في إبراز "مدلوله" إذا كانت ترغب في بعض ذلك حقاً، وما طبع "التفسيرات" وتمجيدها - على الخصوص- إلى ما يمكن أن ندرجه تحت كلمة "الحب" الذي برز في عطفه على تجربة الحياة لدى الشخوص وفي شجبها في الوقت نفسه وهو يراها تغتال نفسها أو تسعى إلى ذلك دون رحمة وكأن إبراز هذا التطرف في الانفجار الحسي والنفسي الذي يشوه الحياة بدلاً من أن يزينها ويؤدي إلى تعذيب الذات وجلدها يدفعنا مع الكاتب إلى الإنقاذ واللهفة على مصير الفناء المحتوم.‏

أخيراً، أبرزت رواية :"أرصفة وجدران"، تلك العلاقة التي يمكن أن تكون في دراما الذات والعالم، وجدليتهما الحسية حين يبادر الحس إلى رؤية العالم عملياً ثم يتراجع بالحس نفسه عنه ويهرب حين يلمس العفونة واللا معنى وراء كل شيء. يخيل إليَّ أن هذا العالم إن كان يعني شيئاً هو يعني لاشيء - كلود سيمون- حاولت الرواية أن تتناول الأشياء كما هي، وأن تعبر عنها في صدورها الظاهر من قبل الأشخاص دون تغطيتها أو مجانية التصريح فيما يظهر فيها من تحدٍّ، بل تنقل مايقع عليه النظر مباشرة. ثم يترك للقارئ أن يستلهم ماوراء النظر المباشر أو يشارك الكاتب ببعض تصوراته الممكنة.‏

من المفيد الإشارة إلى أن "زفزاف" قد تأثر نوعاً ما بتجربة (مدرسة النظر) في فرنسا في كتابة روايته حيث ثقافته الفرنسية تشكل حيزاً مهماً في تكوينه الثقافي، ولعل هذا التأثر لم يكن نيته، فقد كان له دور فعَّال في خصوصية التجربة وفي طموحها الذاتي والعربي.‏

محمد زفزاف في روايته: "أرصفة وجدران"، أخرج العوالم الوحشية من ذوات أبطاله إلى الخارج حتى لا تبقى فيها، وحتى نتصدى لها ونحن نصنع الحياة.‏

ولا تتبدد بالسقوط والموت والضياع ورخاصة الحياة التي تظل - ثمينة- بنا على أي وجه كانت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244