|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:16 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
واسيني الأعرج الشاهد غير الأخير، في رواية"ضمير الغائب الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر"(i) لـ "واسيني الأعرج" دعوة إلى إعادة البناء - البيريسترويكا- العربي- رحلة الكشف عن الحقيقة في معطيات حياتنا: تمزيق الأغطية، أصوات الإدانة، والحلم المرتقب قبل الكسوف الأبدي. تسنى لي أن أقرأ رواية بعنوان: "ضمير الغائب/ الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر/" للكاتب الجزائري: "واسيني الأعرج" قبل النشر وبعده. وهي تنطوي علىعمق فني ودلالي يستحق الوقوف عنده. إنها تخلق تلك الحالة الأخاذة التي تستحوذ عليك خلال قراءة أعمال أدبية لها مغزاها. وتملك مصداقيتها في الواقع الذي نبحث عنه، وتخترق برؤيتها شيئاً من الغش والسماكة والغباشات التي تتوارى خلفه، أو تحاول قوة معينة أن تموهه أو تغير ألوانه. وهي تمثل نوعاً من أدب إعادة البناء (البيريسترويكا) العربي في جزء من أقطار العروبة. هنا، دعوة إلى قراءةجديدة لأوراق المستتب من الأفكار والأحوال والأفعال والأشخاص، تنضوي تحت راية ضرورة رحلة الكشف عن الحقيقة في معطيات حياتنا وإشكاليتها، وتبديد الأوهام، وتمزيق الأغطية، مهما كانت النتائج قاسية. الجو كابوسي أحياناً يعادل الواقع المعيش... أصوات الإدانة، والإنذار، والمحاسبية متداخلة بإشفاق مع أصوات الحب، واللهفة على المصير، واستثارة حب يطهر ويوقف ماتراه - خطأ فادحاً- تؤدي مفضياته إلى حلول الدمار، والكسوف الأبدي. الرواية. بهذا المنحنى، قامت ببعض أدوار الإبداع في النبوءة والتأمل. ** شخوص الرواية: بطل الرواية صحفي يرغب في أن يقوم بتحقيق حول ما يراه ملابسات موت والده:"المهدي" إبان الثورة الجزائرية، لكن مدير الجريدة: "بلقاسم" بتأثير من نسق مرعب معين في المدينة- الواقع يرفض ذلك ضمناً ويؤجله في الظاهر وهو يخفي توعداً يثنيه عن تحقيقه وإلا فسوف يواجه التهميش أو العزل ثم الطرد... كان أصدقاء الصحفي:"الحسين بن شهيد" يجدون شبهاً بين عذابه، وعذاب الحسين بن علي(رضي الله عنه)، لكنه رفض ذلك، لأنه يرى نفسه ثمرة القرن العشرين، ولديه قدرة أن يفعل شيئاً من أجل المدينة التي غطتها الأعشاب الضارة، ولن يستسلم لقوى الظلام التي تود تغييبه، ثمة من له مصلحة في مقتل والده في ظروف غامضة، وكأن أباه هو أبو معاني الثورة النبيلة التي طُمرت ولم تُترك لها فرصة كي تحصد ما ضحت من أجله؟ والأب المغدور أيضاً رمز الشهداء - حسب الرواية- الذين أكلتهم الثورة على غير وجه حق، والذين مع رفاقهم ضاعت عظامهم في الغابات دون أن يتحقق ماكانوا يحلمون به وقاتلوا قتالاً معجزاً من أجله. من أجل ذلك، يصر الحسين على نبش سيرة والده مع السير المشابهة القديمة، وتزيد المعاناة عمقاً، حين يرد تصوير لـ - شارع- أطلق عليه اسم المهدي بن محمد تكريماً مصطنعاً له، وإبعاداً للشبهة، حيث يغدو صورة مركزة لأوضاع الحياة ومثالبها: شارع تتوالد فيه العصافير المنكسرة واللون الداكن ويتكاثر فيه تجار كل شيء...، باعة ومشترون... إنه دلالة على كل ما يفقد المدينة عرضها، ويذكر بانهيار آمال شهداء الثورة في مدينتهم- المرتقبة. وتستخدم الرواية شخصية:"حمو" ليأخذ دوراً أشبه بترديدات الجوقة والتعليق المتكرر على مجريات ومواقف وأحداث يعززها السياق الروائي فتعمل على اللازمة المفجعة التي تشحن المتلقي بمزيد من القلق والألم والتفكير في ما ورائية الأمور وبالتالي تكسب عطفه. إن "حمو" الذي يصرخ بلا زمته: في الشوارع والأزقة الضيقة قائلاً:"خسارة الدم اللي ضاع. خسارة الدم اللي ضاع"، وعي سابق على كشف الرواية المستمر، يعكس الهموم لحظة تأمل علىحافة الغيبوبة، تدفع بإيقاعها الجنائزي إلى الصحو، ويدخل لحن اللازمة في إحساس بالوحدة والبكاء والحنين إلى شيء مخلص يلح على خاطر حسين الصحفي... إحساس كأنه تفاصيل الوضع الذي يسبق الجنون... انتابته أحلام اليقظة، أحياناً كان يرى أباه المهدي مازال حياً، تخرج صورته المعلقة من الإطارـ، يجلس إليه في لهفة، يخاطبه، يحكي له هواجسه، ويسأله مكملات الملف الذي أصر على فتحه حول مقتله. وعند الحديث عن الملف، وتقليب أوراقه ترد أمور أخرىتتعلق بالامتهان، وتأثير الأجنبي، والاستلاب أمام قشور حضارية، وعن الحالة التعسة لأسر الشهداء، ووضع المدينة المستفزة، وما يجري في الجريدة، جريدة مدجنة عبر أرشيفها، ومديرها، ومساعد مديرها...الخ. وخلال التداعيات عن حياة الطفولة، تبرز بعض الشخصيات التي لحسين علاقة بها مثل عشيقته:"ساسا فندا"، وعمه: "البوحفصي"، وأمه:"عيشة المنورة". تكشف الإشارات خلال البحث عن قصة موت المهدي التي تغدو في الرواية رمزاً للقبض على الحقيقة، وعلى طبيعة المآل الذي وصل إليه الواقع، حيث استبعاده لا يعنيه شخصياً، بل يعني فكرة أو جماعة تؤمن بفكرة ما لا تريد للوطن أن يسير على أشواك أخطائه، ولا تريد أن يدخل التجربة المرة، أن توفر عليه البداية غير السليمة، وألم اليقظة أمام الشاهدين غير الغائبين. ومن خلال الحس الفجائعي، وما رمز إليه بإنذار الكسوف القادم الذي قد يغمر المدينة في أية لحظة، تكشف بعض الإشارات عن أخبار تناقلتها بعض الجرائد العربية عن سقوط والده في ظروف غامضة، فيلجأ في حواراته المستحضرة إلى كشف المزيد من عمق الحالة الغامضة وملابسات الشهادة والقوة الشعبية المشاركة في حرب الثورة الجزائرية فتتبدى رغبة الثورة المركزية آنذاك في منع هذه القوة التي كان لها صفة خاصة غير مرضية. تتوضح بعض جوانب الحادثة: يجري إيقاع دنيء بالقائد المهدي عبر عملية حربية مدبرة ضد المحتل، كانت النية، بسبب دراسة ظروف الهجوم، أن يقتل فيها المهدي، لكن الأخير ينجو مع قلة من رفاقه في حين يستشهد الكثيرون، فيتهم بقتل جنوده دون مسوغ وبرفض الأوامر ثم يصدر الأمر بذبحه في مكان ما رطب بين الغابات مع امرأة متهمة على علاقة معه بعد أن دفع إلى حفر قبريهما بنفسه. وبذلك ينتهي الفصل الأول. ** ذاكرة المدينة وخيانة أمانة القيم: أما الفصل الثاني فمعنون بـ "بداية الرحلة" وفيه أجزاء (الوجوه الغامضة.....، عودة إلى الحكايات القديمة، تفاصيل يومية، أسوار المستشفى التجميلي)، وتظهر فيه متابعة الصحفي الحثيثة وهو يحمل آلامه وأسراره وخلال ذلك يلتقي ما أسمته الرواية: - الوجوه الغامضة من سلالة بني كلبون- منهم (بعض المسؤولين في البلديات) ومرة وهو يسير في أحد شوارع المدينة، يقبض عليه مع سكير ثم يطلق سراحه بتهمة أخلاقية مدبرة بدلاً من تهمة سياسية تود الأنساق المرعبة إلحاقها به، وبعد مشاعر تعاطف كاذبة من قبل رئيس المخفر،ومن خلال تفاصيل يومية تظهر معاناة "الحسين" من معوقات كثيرة توضع في طريقه حتى لا يصل إلى الحقيقة، وتتعمق البنية الدرامية حين يتعثر فتح ملف التحقيق إلى نهايته، وحين يظهر الصراع بين التخلي عما سعى إليه فيكسب الاستقرار ويخسر نفسه في مثل حقيقة خسارة دم الشهداء الضائع الذي لم يُنصف كما يرى أو يبقى مستمراً إلى النهاية ويدفع ثمناً لذلك روحه دون أن يكشف مايجب كشفه وعبر تداعيات ونجوى ذاتية تبدو صورة:"مريم" حبيبته رمز النقاء والإخلاص والتضحية والأمل المشنوق، تلك التي اغتالتها المدينة والتي لم يحب غيرها حباً حقيقياً خالصاً، إلى الحد الذي لم تستطع معه معشوقته: "ساسا فندا" أن تعوضه عنها، لأن الأخيرة لا تذكره إلا بجدران المدينة المتهدمة. ويتم الترميز بالكسوف من جديد الذي سيحل بالمدينة، ويكون لقاء بينه و"ساسا فندا"، التي تصر على تسمية نفسها بـ "شهرزاد"، ويجري حوار متكرر بينهما تحاول فيه أن تثنيه عن مشروعه وأن تعيش معه مثل خلق الله، ثم يتدبر أمر مرور (المستشفى التجميلي)، فيرى فيها العجب: خلقاً ذوي عيون زرق وفسفورية... آلات تنصت وكشف عن النفس، عيون ملاحقة دقيقة، أجهزة غريبة من أجل خنق الروح والجسد... هنا تتبدل الأنوف، والأمخاخ، والآذان، أما الذين لا يصلح فيهم شيء من الفاسدين فيجري عجنهم وتحويلهم إلى بالوعة المدينة. وتم - الاستبدال- أحياناً بين أنوف الناس وأنوف المدينة، هؤلاء الناس الذين يخرجون - بعد عمليات التجميل المناسبة!- إلى الشوارع تلتهمهم أزقة المدينة ليمارسوا أعمالهم تحت هيمنة مطلقة من قوى غاشمة، وأنساق متحكمة مستفيدة ذوي ارتباطات مشبوهة ونوايا مرعبة. لعبة المتابعة ومطاردة "الحسين" تتكشف عن ظهور عنصر جديد ومفاجئ، وهو: عشيقته الخائنة التي تنفذ أوامر العسس والجهات المعنية، فخسرت نفسها، تمَّ رصد كل تحركاته، وكانت وراء كشف أوراقه، ونواياه، والإيقاع به في النهاية. *** ظلام المحاكمة والشاهدون النجوم: في الفصل الثالث أقسام هي: (انهيار المدينة- أقبية المدينة- آخر الحوارات- المحاكمة التي سبقت الكسوف).... ماذا حل "بالحسين"؟ لم تستطع الأقبية أن تحرق ذاكرة الحسين، ولا الذعر أن يكسر العظام التي بقيت صحيحة تضم الحقيقة، الثورة على زمن متعجرف، ولا جلسات التعذيب أن تنسيه وعده للمهدي في كشف المشبوهين والأسرار التي تدور حولهم. الحسين مرَّ بلحظات أقبل فيها على الانتحار، لكنه تراجع بإرادة الصمود والتحدي التي يقويها دائماً حواره المستحضر مع المهدي الشهيد صاحب الرأي فيما جرى ويجري، حيث تتعمق النظرة بقوة وحرارة إلى جوهر الحياة السائدة في المدينة التي تزيف شهداءها وتعيش على حسابهم وتنطق ضد رغباتهم وسط ظلمات تتعب القلب والذاكرة. ثم تجري محاكمة غريبة من نوعها تذكرنا في بعض جوانبها بمحاكمة "كافكا"، من حيث تعدد مستويات الإحالة، والجو الكابوسي، وما ينوس بين الحقيقة والخيال الذي يمتد بدلالاته فيها. حسين يقف أمام المحكمة عارياً، سمح له بجلب ثيابه بعد أن خبأ في داخلها إطار صورة أبيه الشهيد. ويتبين القارئ أن رئيس المحكمة، وطاقم المحكمة، والجمهور الحضور والمحامي كلهم صنيعة المستشفى التجميلي وبإمرة الدليل ذي العيون الزرقاء الفوسفورية الذي لقيه خلال زيارته لها. وعبر حركات بهلوانية ذات دلالة، وأفعال غرائبية تستبطن سخرية الحالة وعبثها وتومئ إلى عدم جدوى تصنيعها تتبدى بعض التجليات التي تتركز في زيف الواقع وغشه... القاضي يأكل البصل لفتح شهية الكلام، والمحامي يغطس في أكياس التبن ويلتهمه... ويتصدى المهدي للدفاع عن الشهداء ثم يتحول إلى كتلة نار متفجرة حارقة تخرج من النوافذ، وتنتهي المحاكمة إلى نتيجة مفادها ضرورة استئصال كل الأشياء الزائدة من الشاهد على الحقيقة: الحسين، ويكلف الدليل بأخذ المتهم الصحفي الذي لم يرعو إلى المستشفى التجميلي، لقد تحول المهدي إلى "نجمة" في السماء، أما الحسين الذي أرادته الأنساق المخفية أن يكون الشاهد الأخير على اغتيال الحياة والواقع فقد اختار أن ينضم إلى فريق النجوم الشاهدين الذين ليس لهم آخر، يضيئون ويشهدون، على الرغم من رغبة مدمرة في إخفائه واختفائه. *** ** رواية من أجل الذات والأمة معاً: على الرغم من أن الرواية تنطلق من دافع ذاتي يبحث عن توضيح شخصي، إلا أن هذا المنطلق ماهو إلا شرارة لكشف جماعي، إنساني. تريد أن تحفر في بنية الواقع في العمق، وتقلب الأوراق، وتمنع حيفاً وقع، أو يقع هنا أو هناك، أو قد يقع. وأن تنتصر لكل القوى المجاهدة من أجل الحق وجمال الحياة. وترغب الرواية أن تنسب التمجيد إلى من يستحقه من فئات الثورة دون حجب أو مصادرة لآخر، وأن تقبض على اليد التي اغتالت الشهادة وزيفت بيانات الواقع، واستمرت تمتد في أشكال عديدة من التشويه والتعويض وزرع الحزن والبؤس والفقر في شجرة السنين التي انتظرت فرجاً كبيراً ثمناً للدم الذي قدمه الناس... فقراء دَرَسْنا فقراء عشقنا فقراء كبرنا... حاولت الرواية أن تكون شيئاً من أصوات المسحوقين والفقراء والمطاردين والمتبعين هؤلاء الذين كسبوا النصر ضد المحتل، والذين ضاع بعضهم في القرى المهملة أو في شوارع المدينة المعطلة عن الحياة الكريمة، والتي ينتهك عرضها كل يوم بصور عديدة غير إنسانية دون أن يستطيع النسق الجدير بهذه الحياة أن يفعل شيئاً ضد أنساق مخفية تطغى على كل شيء، وتكشف كل صوت. لذلك فهي دعوة إلى حرية الرأي، وحفظ أمانة القيم التي ضحى من أجلها السلف، وتدين كل القوى الهامشية المستفيدة الرغيدة المحكومة بأطماعها وأطماع - الخارج- الأكثر منها رعباً لأنه يمتلك أدواته وقوته الغاشية، وتبرز في هذا السياق مقولة مفادها: لو استمرت "المدينة" العربية في معاني الاستلاب الحضاري، والإنساني، والاجتماعي، والطبقي، فإن الواقعة قائمة لا محالة. وقد حافظت الرواية على هذا التوازن بين قتامة الأفكار ودلالات الأسى ورؤية مفعمة بحب الحياة واستنكار الظلم وإمكانية التغيير، مشدودة بقوة الشهادة التي لا يبخل بها المرء، حين يجد كل شيء باطلاً ينبني على باطل. إن ضياع صوت الحقيقة، يعني غيابها وعدم كشفها. والتقصير في السعي إليها، مهما كانت السبل والمعترضات، ضياع لإرادة الإنسان، وفناء آماله وأحلامه في التغيير والتجديد الثوري، ومن هنا يقوى صوت اللهفة في هذه الرواية على المصير الإنساني، وخصوصية ثقافتنا العربية وطموحاتها التي آن لها أن تتحقق. على هذا انطوت بعض تجليات الرواية على هجوم حاد على المستوردات الأجنبية الفاقعة التي تخدم مصالح الأجنبي حين استعملناها ضدنا مثل التلفزيون، والأفلام، والمسلسلات، والتقنيات التي تكمم الأفواه، وتدجن، وتلقن تلقيناً يخدم الهيمنة الفكرية الأجنبية، وتعتم على النسق الخاص الطالع الذي لم يلوث، والذي يمكن أن تتمخض عنه الثورة وهي تبحث عن طريقة خلاصها الأكيد. إن بعض ما طرحته الرواية من توق إلى التغيير والتطهير قد تحقق فعلاً في الواقع، ويكفي الرواية أنها صدقت واقعها، وأنها تبقى بتجلياتها تشارك في خلق مزيد من بذور هذا السعي الحثيث الذي لا يتراجع من أجل إنسان المدينة العربي الذي يبدو أنه اشتد عوده بما مرَّ عليه من أحداث وأزمات وما ناله من تقصير وضغط على مستويات عديدة، وصار قادراً على الفعل من أجل الذات والأمة معاً. سعت الرواية منذ البداية، وفي جانب منها، أن تهتم بـ "معنى" حياة الفرد في المدينة، وهو ما اهتمت به الرواية الفرنسية على يد سارتر. وعلى الرغم من أن الرواية تتحدث عن همٍّ إقليمي، إلا أنها ملغومة بالدلالة الفسيحة، العميقة على المدينة العربية، وكأنها مأساة تتكرر هنا، أو هناك على نحو ما. ** البناء الدرامي: أكثر ما أفلحت فيه الرواية:"ضمير الغائب/ الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر"، هو البناء الدرامي الذي قام على المأزق الإنساني في صراعه ضد قوى مخفية، وفي بحثه عن الحقيقة المغطاة، وفي معنى وجوده في المدينة/ الواقع، وفي مجهودات التنقيب في الأماكن المغلقة في النفس الإنسانية، وفي التقاط العلاقة بين مايجري في شوارعنا وبيوتنا ونتعسف به إنساننا ويد الأجنبي التي تبدو أنها محافظة على طولها ووحشية أظفارها وما تتدبره من حلول لما يُعد مشكلات بالنسبة إلى من هم في موقع التحكم بالمصائر والأحوال. كما تتدفق بالموقف العذابي الدرامي في هذا الإصرار على الكفاح من أجل الحياة الكريمة، وإنصاف الناس، وكشف الأوضاع، مهما كان الثمن غالياً، لذلك نحا البناء الدرامي منحىً آلياً جعل البطل - صائراً- ، وبقي يتنامى في اتجاه رئيس ضد معوقات التحقيق في أبعاد الذات والواقع والأمة وهي تتناسج في أبعاد مقتل المهدي وما يكمن وراءه من دوافع وما يرتسم حوله من دوائر يتيح لها البناء الدرامي أن تكبر وتترك الفرصة للمتلقي في أن يقوم بعملية الربط والاتصال، بأمور تجربته ورؤيته في مايطرح ويُكتشف. والموقف الدرامي كان يشتد ويشحن بدفقات جديدة حين معاناة الذات تتخارج مع حقائق الشخوص، التي يعرفها أو يتعرفها، وحين تصطدم أحياناً مع أفكار المهدي إذ يستحضره من إطار صورته، أو من خلال إحساس النفس باليأس من المتابعة والوصول إلى حدود خفية من لا وعيه والتحرك من جديد في الاتجاه الذي جند نفسه من أجله. ** شكل الرواية: شكل الرواية مرن الحركة يقبل أن يستخدم طرائق فنية عدة في السياق الروائي، وقد أخذ تيار الوعي حيزاً واسعاً، وأعان على استدعاء الذكريات والنجوى الذاتية وتوظيف الحكايات وتفجر اللاوعي بأحداث وأزمات تتحرك في أمكنة عدة أفقياً وعمقاً وطرح أشياء غامضة تقوّي الصراع وتمدّ من مغزاه، لكن كل ذلك لم يؤد، على الغالب، إلى ضياع خيط الحبكة الذي ظلَّ مشدوداً. والترجمة الذاتية في عرض الحبكة ساعد على توظيف الاعترافات أحياناً توظيفاً مناسباً سواء حين تصدر من النفس التي تغدو في كثير من الأحايين مايعتلج في نفوس القراء أنفسهم أو تنعكس من المهدي على النفس فتأخذ شكل ردود أفعال وتقدم اعترافات إضافية تزيد من تنامي الصراع ضد كل ماهو مناقض. تميزت الرواية أيضاً باستدعاءات الخيال وموثبات الغرابة كما في المحكمة التي لعب فيها الترميز دوراً خطيراً، وشحن بعض مومئاتها بكثافة الدلالات. وأدى إلى امتزاج الاتجاه الواقعي بالاتجاه الرمزي امتزاجاً لا يخلو من حس صوفي بالحياة، والحب، والأمل فيهما، كما ترك الفرصة للعناية بالموقف، والشخصية من زوايا عدة، وحفر مثارات التساؤل، وأخضع الرواية إلى منطقها الخاص. لكن ثمة مبالغات أحياناً في عرض الغريب، وطبيعة الشكل الفضفاض في الرواية ومرونة الحركة فيه كما أسلفت ساعد في أحيان قليلة على التراكم والإلحاح والتكرار في الاتجاهين الواقعي والرمزي، مما يؤدي إلى سياحات إنشائية، ولغة مستنسخة. وما عدا ذلك فقد سار كل شيء مثيراً، مبدعاً، وامتلكت اللغة طاقة موحية أبرزت مومئات الصراع، وخاضت بدلالاتها مساحات إيمائية زمانية ومكانية شاملة يمكن إسقاطها على كثير من مساحات عربية أخرى. *** إن مرور التجربة الاجتماعية والتاريخية للأمة عبر التجربة الذاتية، هو ما تقوم به الفنون وحدها، لذلك بقدرماهي لا تستهدف المستوى الخارجي لتجربة الاجتماع والتاريخ، فإنهاتعبر عنهما أعمق تعبير وبأسلوب مؤثر له مغزاه لا يقدر عليه إلا الإبداع الذي يستطيع وحده، حصر عالم رؤيته المتشابك التفسير والخلق في كتاب. من هنا يظهر بعض مكامن الإبداع في النشاط الإنساني، وأداة لا تضاهى في التغيير. إن الأمثلة، بين أيدينا، على ذلك، لا تحصى. *** رواية: "ضمير الغائب/ الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر"- "لواسيني الأعرج"، وسيلة من وسائل التعبير الجديد برؤية نافذة، التي تبحث بجرأة، وصدق، ومسؤولية عن الهوية العربية، والمصير العربي، تتحرك بثقة فوق تراكمات تشويه الحياة العربية، والإنسان العربي، تناجي التغيير، وتصنفه، تكشف الحجب عن الواقع المقموع، وترى الآتي جميلاً،لأن الحياة ترتفع بأبنائها الخلصاء دائماً.. فعليها شاهدون ولا يغيبون. (i) واسيني الأعرج: "رواية: ضمير الغائب/ الشاهد الأخير على اغتيال البحر"، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، ط1، 1990/م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |