إشكالية الواقع والتحولات الجديدة في الرواية العربية دراسة وعي مجادلة الواقع متغيراته، وتقنيات البنية - د.دريد يحيى الخواجة

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبد النبي حجازي سرد سوسيو - أيديولوجية: المسألة الفلاحية في رواية الصخرة(1) لـ عبد النبي حجازي

"1"‏

ماذا يجري في قرانا البعيدة؟ ما التجارب التي تطبع حياة الفلاح داخل المسألة الفلاحية؟ مانوع العلاقات السائدة التي توجه مصيره داخل هذه التجارب؟ مامقدار اهتمامنا بالفلاح، وبأرضه، وبمعاشه؟ مادور الثورة في تجهيزه بالأسلحة المادية والذهنية حيث يجد نفسه تائهاً في مستنقعات "لم يستطع - التاريخ- ولا - التحويل- الاشتراكي على مستويات أن يجففها تحت قدميه الغائصتين؟ أما زال فلاحونا يأبون الاجتماع على جانب واحد أمام ريح عاتية مازالت تهب؟. وبالتالي، أيبقى كل شيء لديهم - متفرقاً- على وهن تهيمن عليه أهوال الإنتاج الماضي في ظروف لاتملك - بسبب التخلف وضعف الإمكانيات أوغيابها- الوسائل البديلة؟..‏

من أعماق الإجابات عن هذه التساؤلات أو المساءلات التي تعكس، من جهة، الحالات الروحية والعلاقات الاجتماعية، والآفات النفسية المتوارثة، وشكل الارتباط بالأرض - وماعليها- ... والتي تؤدي، من جهة أخرى، وبالضرورة، إلى وجود أشكال استغلالية أخطبوطية، وانشغالات إحباطية على مستوى الفرد والجماعة، والتفافات مشعوذة: من أعماق هذه الإجابات التي تطلقها رواية "الصخرة" لعبد النبي حجازي داخل المستويات السابقة، تبرز - إدانة- المسألة الفلاحية!...‏

"2"‏

"ساعد الربابة يذوي على هيكلها ص8".. الأرض حوالي الصخرة واجفة، لم تبلّ ظمأها حتى الآن بقطرة مطر واحدة. يبست. الجوع يقصف أعمار المواشي. الرؤوس مخدرة. قاله: "ما العمل؟" تمزق صدور رجال الصخرة، تفتت قلوب نسائها. كلهم حائر معذب ص8- 9".‏

القحط ينعي المطر.. ينعي المواسم، ينعي النعاج ص11"... ثمة مصائب إذن!. فما هي أبنيتها؟ وما هي مستويات صدماتها؟ تفجراتها؟.. انهياراتها....؟ وعيها؟.‏

"3"‏

**بنية ثلاثية‏

أ- بنية التراكم الكمي:‏

سيكون التوجه النقدي نحو وعي الأرض في "المسألة الفلاحية" على الخصوص، مايداخله من ملابسات ومايمكن أن تفرزه الرواية، على الصعيد السيسولوجي وعلى الصعيد الأيديولوجي، من علاقات ومواقف وتصورات وقوى تلغيه أو تخلخله داخل المسألة الفلاحية، أو قد تؤدي إليه دون غفلة عما يرتبط بالأرض من إنتاج رعوي سائد، له أهميته القصوى - من حيث هذا الارتباط- في هذا النص الروائي. فضلاً عن مسارب إلى أحوال اجتماعية أخرى تدور في فلك المراكز الأساسية المتعلقة بقضية الأرض.‏

مع الإشارة إلى أن ثمة مجالاً في الرواية لدراسة أخرى ذات أهداف مختلفة، ترصد مظاهر الحياة الاجتماعية في القرية خارج البنية الروائية، من نواحي اللباس والانتماء القبلي والطبقي، والمهور، والأمثلة الشعبية، وإيقاع الحياة اليومية، ونظرة القرية إلى المدينة، وسلطة الزوج أو الأب ومستوياتهما، وأشكال توزيع العمل في العائلة، والقوى المهيمنة في القرية وانتماءاتهما وصراعاتهما القبلية ومدى تأثيرها، وأسلوب البيع والشراء، إلى غير ذلك مما ورد على الهامش الضيق من المشكل المركزي أو في إطار سرد الصخرة العام.‏

"الصخرة قرية يتجاوز عدد سكانها المائتين وخمسين رجالاً ونساء وأطفالاً، جميعهم من عرب الدليم، كانوا بدواً رحلاً ثم تحضروا بالتدريج وأخيراً وزعت الدولة عليهم الأراضي التي أخذت من الإقطاعيين في عملية الإصلاح الزراعي ص104". لكنهم: "أهملوا التفكير بالأرض لأنهم لايعبؤون إلا بتربية المواشي، بدافع عاداتهم البدوية المتوارثة ص104" وهم: "ينتظرون من السماء أن تمطر، وإن أمحلت هلكوا، وهلكت مواشيهم كما يحصل هذا العام ص105".‏

فما معطيات هذا الواقع في بنية التراكم الكمي؟...‏

ثمة مراكز في المسألة الفلاحية هنا، نَحَّت مواقف معينة بتأثيرات متباينة.‏

*مركز: محمد الجاسم وسميح الندار المزارع).‏

على أثر البلاء الذي أصاب الصخرة، فأدى إلى يبس الزرع وانعدام الكلأ، وتساقط المواشي، وما قد يجرّ على السكان الفلاحين من الخسائر ويترك انعكاسات سيئة على مجمل حياتهم وعلاقاتهم،... "جاء مزارع من القامشلي، يعرض عليهم أن يؤجروه أراضيهم مقابل مبالغ يرونها كبيرة ص105" فيجد له وكيلاً: محمد الجاسم يفاوض باسمه ويشهر مشاريعه وخططه ويغري الفلاحين بأن يوقعّوا عقوداً معه ليحقق توقه إلى الزعامة المطلقة" محمد الجاسم مقامه يعلو، في الصخرة في قرى الدليم الثماني، فوق المصائب فوق القحط ص19" تلك التي تيسر له الجاه، والمال، وتصفية الحسابات مع مراكز أخرى أو لجعلها تعمل لحسابه في خبث ولين وحنكة. إلى جانب مايلحقه من "إنقاذ" حالته المتضررة. وقد سخَّر في فلكه من يسهل له الأمور فايد العقل - حواس الزير..). فالعملية استغلال مفضوح: "سينشئ المزارع محركاً، ويحوّل من يريد العمل لديه إلى مجرد أجير عنده، مبتلعاً خيرات أراضيهم، ومن لايريد العمل معتمداً على أجرة أرضه إلى مجرد عاطل لانفع فيه، وقد اختار هذا المزارع في خبث رجلاً في الخامسة والأربعين يسمى محمد الجاسم ص105".‏

ومع ذلك فقد اتخذ الفلاحون حيثما وردت كلمة - الفلاحين- في الدراسة، يعني بها - الرعاة أيضاً لتداخل عملهم في الرواية) مواقف مختلفة تجاه هذا المركز وغيره من المراكز التي تتغاير أساليبها لكن تندرج في صف قوى الاستغلال والغبن إلا نادراً.‏

*موقف التأييد والمعارضة:‏

أخذه على عاتقه بوضوح، "حواس الزير"، الذي كان ينعت المعارضين لتأجير أراضيهم بـ "بالأغبياء ص10" وهو لايفتقر إلى مسوغ تواكلي مهزوم: "إن خانتنا الأغنام، نحتمي بالأرض نؤجرها ونستريح ص98". تصرخ أمه: "آه ياثرثار المضافات ص98" وتضرب يداً بيد. أمه لم تخطيء. لسانه هنا تدعيم وإرضاء وإعلان لما يبشر به محمد الجاسم: "أجره أرضك، وضع نقودك في جيبك.. واترك الشقا على من بقا ص11" أما فايد العقل) الذي كان يجوس بين الدور ويدعو الفلاحين إلى "فنجان قهوة" في المضافة بدأب وقحة، فليس لديه مايخسره سوى نفسه التي تقف مع الظلم والمكر والاستغلال وقد كاد يخسرها. "فايد العقل لا شأن له بشيء. الحكومة لم تعطه أرضاً، إنه كان مكتوماً أثناء التوزيع. ليس لديه مواشٍ يبكي عليها؛ بلغ الثامنة والعشرين، ولم يستطع أن يتزوج، لأن الآباء يتكالبون على بناتهم ص92"، وعده محمد الجاسم أن يدبِّر له عملاً في مشروع المزرعة الجديدة، وهو يأمل.‏

ثمة أيضاً "آل الجرو"، فعندما كان "المعلم نذير" يحاول إقناع "سليمان الجرو" حتى لايتعاقد مع المزارع قال له: "لماذا لا آخذ ألفين وخمسمائة ليرة، أصرف منها كما أشاء، وأجلس خلف قهوتي كالأمير".‏

وهكذا، كلما ازدادت الأرض قحطاً، والسماء قفراً تقوَّى هذا الموقف وأغتنم الفرص لنصب "فخاخه" التي يقع الفلاحون بها دون أن يدركوا "لعبة" سرقة أراضيهم في آخر المطاف. هذا "المركز" كبقية "المراكز" في بنية التراكم يحيا بتضرر الناس واستلاب الفلاحين، وتتكثف "قيمته" وتمتد كلما ارتفع "أنين المواشي الجائعة.. يمزق أوتار القلوب مستجلباً أشباح الكرب والكآبة ص23". حتى سقوط نعاج محمد الجاسم نفسه، تغدو شعاراً مناسباً: "أحمق ابن أحمق من لايعرف قيمة المزارع ص18" وبالطبع، فلاحون كثر ينجرفون في هذا التيار مع ريح الإغراء وضغط الحاجة حين يكون - الجهل- سائداً والبديل لايفكر أو لايريد أن يفكر به أحد بالإضافة إلى روح الخذلان وتفسخ نظام الإنتاج القائم الذي لم يمسّه التحويل الاشتراكي في الجوهر، وإلى وقوع الفلاحين تحت هيمنة مراكز في غاية الخطورة والحذق سيأتي سردها مع بقية الأبنية المتهالكة في "المسألة الفلاحية".‏

*موقف منجرف على الرغم منه:‏

هذا الموقف ليس معاضداً، ولا مقتنعاً، ولاداعية، ولاتمتد يده في لهفة إلى المزارع ليقبض النقود دون أن يعلم أو لايعبأ بما تجني هذه اليد. إنه لايصمد للمصائب طويلاً، و "ما باليد حيلة". ثم ينجرف مرغماً، مسلوب الاختيار. يمثل هذا الموقف: "عائلة الدلفي" التي نقرأ ابنها الأكبر محمداً) يخاطب ابنه دهاماً) "اذهب يادهام وأجّره مايريد من قيعان أخرى" فيحكي عن حاله وهو ينهض: "كأنني، أمضي إلى قطع رأسي ص31- 32".‏

*موقف متردد:‏

هذا الموقف تكتنفه كل الأسباب السابقة التي تدفع به إلى التهالك، وإلى الحد الذي يصل فيه منتظراً إشارة تشجيع للتعاقد. بخاصة عندما لم ينفع معهم صدق الوعي غير المدعوم والمتمثل بالحلول من قبل دحّام، والمعلم نذير)، وعندما لم يقعوا مباشرة تحت سطوة "مركز" - المختار حسين الشريف).‏

*موقف الرفض واللامبالاة:‏

يمارس موقف اللامبالاة "فالح المطلق" لأنه "الوحيد في الصخرة الذي يزرع القطن، وعلف المواشي لأنه يملك محركاً زراعياً ص34". لايدخل، بالتالي، في أفلاك المراكز: "لاينخرط في الأحلاف المحلية سواء تأججت الخلافات أم كانت الأحوال عادية ص33" ويقول عن "فاطمة الضحى": "هي مكانها وأنا مكاني ص35". إذن هو مكتف بذاته، ولا يرغب في صراع ضد أحد، وإذا ماطلب بعض العلف من المختار فإنه يترفق ولايلح في عنف كأنما لايخفي استقلاليته.. وعدم الاستعداد لأي تعهد كان، أو ثمن: "أما هداك اللّه، وتعطينا كيسين آخرين؟ ص46".‏

أما موقف الرفض فدوافعه ليست واحدة.‏

آل الدليمي، يرأسهم محمد سعيد الدليمي: "لايؤثر عنه أنه دخل مضافة أحد إلا في حالات نادرة ص81"، يتصفون بالعناد والشراسة. وكثيرون يحبون "رجولة" محمد سعيد هذا، واستهتاره بكل كبيرة. على ذلك نجد أن عليَّة زوجة محمود الدليمي) تخبر فايداً) الذي أقبل ليدعو أحداً من آل الدليمي ليشرب القهوة عند محمد الجاسم: "إذا شئت أن يصبح رأسك كرأس حمارة ابن معتوق أدخل وقل له ص79" ومن المتوقع أن تكون علاقة هذا الموقف مع مراكز الصخرة، تتصف بالمكابرة والمنافسة والتهديد بالعنف: عراقة في الأصل. غنى. صلابة). فالمختار وآل الشريف لايطيقون آل الدليمي الذين أخذوا أكثر مما يستحقون من بذور القطن المكسر. كما أن "فاطمة الضحى" تتحاشى محمد سعيد) وحده من دون سائر الدليم، ذاك الذي نقلوا على لسانه: "مجنونة بنت مجنونة ص81" وهي التي تكاد تُرْهب الجميع.‏

ودوافع الرفض لآل النمر الذين لم يتعاقدوا مع المزارع، تتبدى في اتخاذ عايد النمر) أكبرهم، سبيل الحياد من الخصومات الدائرة في الصخرة ص84" وقد عجز محمد الجاسم عن - استجلابه لكن موقف الحياد هنا لايشبه موقف الحياد- اللامبالاة عند فالح المطلق. من حيث "الغنى" أولاً و "الانشغال" بالمأساة ثانياً: "كأن رأسه يضرب في الجهات الأربع، يصطدم بالجدران"، لكن مع هذا ثمة "تصبر" مرجعه الاستسلام إلى القدر: "الرزق من اللّه يعطيه عندما يريد ويأخذه عندما يريد ص72" يرفض "العويل". فضلاً عن تسرب "التردد" في لحظات الانفعال الشديد في أن يفعل كما يفعل الآخرون على الرغم من أنه كان يزمجر في وجه - فايد العقل- أما مراكز القوى فلا قدرة لها عليه في تغيير موقفه الرافض الذي يظل متماسكاً متوازناً مع ماينطوي عليه من - قلق- أحياناً. بينما نجد المختار يكشف حقيقة "فالح" بقوله: "كل هذه المصائب لاتحرّك شعرة في لحيتك ص10".‏

أما موقف الرفض من قبل طلاع السايب)، فلأن بيت السايب مرتبط بولاء مركز فاطمة الضحى: "أفهمني لماذا رفض طلاع السايب، وكل بيت السايب أن يوقّعوا عقوداً مع المزارع ص17" هكذا خاطب حواس محمد الجاسم). لكن لابد أن يصيب هذا الموقف "اللين" بعد أن "لانت" فاطمة الضحى للهدايا.‏

آل العلي أيضاً رفضوا التعاقد مع المزارع بإشارة من "مركز" المختار، لأنهم لايحركون ساكناً إلا بوحي منه.‏

*مركز المختار: حسين الشريف:‏

آل الشريف يقفون على رأس "السلم الاجتماعي القبلي" يفخرون جميعاً بأنّ جدهم "صويلح" كان زعيم الدليم المطلق قبل "عسكر الدليم" الجد، والآن يتطلعون إلى إعادة مجدهم بشخص حسين الشريف الصلب ص49". تحرك مركز المختار في مثل هذا المناخ المتعفّن السلطوي، المطارد المحاصر، والقائم من ضمن مايقوم به على ترسيخ أيديولوجية إقطاعية عقارية عائلية. تركت لأعماق المختار سانحة كي تتوهج في ظروف المعطيات الجديدة في القرية شوقاً إلى إعادة مجد الأسرة: "عُيّن مختاراً للصخرة منذ أمد طويل ص55" والآن يفيض بالآمال الكبار في التحكم والجاه بين رجالات الدليم. يلجأ الفلاحون إليه. يمدون أياديهم أيضاً إلى "مركز" يضمن لهم علفاً من بذور القطن المكسر، "ولو أنه قليل لكنه أسعفنا" و "الكحل خير من العمى ص10". وهنا تظهر فئات. فئة لاتدخل في صراع الأحلاف كما مر سابقاً؟ لاتبرم عقود إيجار مع المزارع عن طريق محمد الجاسم، وترضى بما يقدمه لها المختار من حصة منقوصة دون مقايضات من أي نوع. آل النمر يملكون أربعمائة رأس من الغنم، أعطاهم المختار أربعة أكياس فقط. يقول "رافد النمر" "ولكنه أعطى غيرنا أكثر منا ص73" فيجيبه الأب: "ما الفائدة من الكلام ص73". وهكذا يغدو "الصمت المنفصل" وسيلة لتسويغ الوضع القائم والتصريح بشرعيته المزيفة. ثم فئة تعتمد على المختار وتواليه أو تدفع ثمناً ما فتحصل على ماتريد من العلف. منهم آل العلي: "قطيعهم يبلغ ثلاثمائة رأس.. أعطاهم المختار ثلاثة أكياس من بذور القطن علناً.. وفي هدأة إحدى الليالي السالفة القريبة أعطاهم كيسين آخرين ص82" ومنهم آل الخلف لهم مئتا رأس من الغنم. أعطاهم كيسين من العلف "ذهب إليه حسين متودداً متوسلاً ليزيدها دون فائدة و.... ينسل إليه عماش، ولا أحد يعرف ماذا قال له.. يظفر بكيسين آخرين ص90".. "عماش الخلف" لايتهرب من "محمد الجاسم" رغبة في تحالفه مع المختار والانتساب إلى بطانته، أو رفضاً لمشروعه، وإلا لما احتاج أن يتوسل أو يدفع ثمناً ما، لكن "المكان الذي اختاروه لإنشاء المحرك.. تحيط به أرضنا من جهتين ص90" وهو "ابن حرام أكثر منه ص90" ينتأ في هذا الموقف. تبادل المنافع، وحذق الألاعيب، وخاصة العلاقات التي لايهمها إلا ماتحرز ، دون أن يشغلها مايجري على أرض الواقع من تآمر واستغلال لمصير الآخرين الذي يشتمل على مصيره هو في نهاية التحليل. ثم فئة تعاقدت مع المزارع فلم تنل إلا نصف مايعطيه للفئة السابقة "لماذا إذاً لايعطي الذين تعاقدوا مع المزارع من العلف الذي جاء به من عند الحكومة إلا بمعدل نصف مايعطي جماعته، وأقل أيضاً؟. ص20". منهم آل الدلفي. يقول عبد العزيز بن دهام الدلفي للمختار: "كيف تعطي الآخرين كيساً عن كل مائة رأس، ونحن؟" يقول محمد الدلفي عنه: "حسين الشريف لايستحي، لايخجل ص29" ويكتفي هذا الموقف بالتجديف، وبـ "نحن لانحب المشاكل" على مستوى الواقع ككل. ثم فئة تضاهي عائلة الشريف قوة وشأناً وتتصف بالمواجهة والشراسة والتخريب فيحسب حسابهم إلى جانب قدرتهم على تحمل المصيبة بمكابرة، لكن بالتأكيد لن تستمر هذه - القدرة- مادامت تظل في حيز المكابرة أولاً كحل تظاهري، وكمواجهة فردية لاتأخذ بوعي "السنة الصعبة"، وبالتعاون لتذليلها وإلغاء تكرارها بانقلاب البنيات الإنتاجية وتغييرها، بل تأخذ بمواقف "الاستشهاد" العظيمة التي تتناسب مع ادعاءات أصالة خاوية ينقصها وعي التعامل مع الحياة الجديدة؛ إذن تحت ضغط مشاعر "المنافسة" يعدون المختار من ألد أعدائهم في الباطن، و "علاقته بهم ليست حسنة في الظاهر ص77" أما ماحصلوه بشرهم فلا يعرف عدّه.‏

*مركز الحكومة:‏

في بنية التراكم يطفو جانب من مركز الحكومة، يتمثل في البيروقراطية، والانتهازية، ولصوصية الشعارات، وارتجالية التحويل الاشتراكي ومسه مساً شكلياً لهياكل المسألة الفلاحية المطروحة وفي قوى جشعة تستغل كل الظروف وتتعاون مع مراكز "الصخرة" بثمن مناسب.‏

مادور هذا الجانب في عملية محمد الجاسم و "سميح الندار"؟‏

يقول محمد الجاسم "لكن السيد سميح ليس مزارعاً فقط. السيد سميح طلبه لايخيب عند الحكومة فوق". ويضيف حواس: "في عينيه، قوة رجال الحكومة ص10" إذن ثمة علاقة حكومية مشبوهة تدعم المشروع أو على الأقل تحمي موقفه الاستغلالي إذا ماتعرض للإدانة أو تقوي تحركه الابتزازي لضمان مساندة قائمة دائماً بقيام انتفاعات متشاركة مستمرة. ولايعقل لمثل هذا المرابي الخبيث أن يخاطر بعدم توافر هذه - العلاقة- ، التي بدا أن لها - دعامات- قوية في كل الدوائر، بُمكنتها أن تحاصر مصائر المتفهمين المعاندين لـ "اللعبة" غير المنطقية وأن ترفع بها إلى مدارك الفرح والفائدة إذ يعرفون "الأصول" فلا يحملون السلم بالعرض، وتبقى الأرض مسطحة. وبهذه العلاقة كان تهديد المعلم "نذير" قال أبو الجاسم: إذا كان الأستاذ لايحب أن ينقل فيعلمني حتى أطلب من السيد سميح الندار لأنه قادر على منع النقل بما له من صلات عند الحكومة ص107". ومرة أخرى ضيق عينيه: "صدقني أنه قادر على نقلك ص113".‏

وكصورة مماثلة ساقتها الرواية، انعسكت مثل هذه العلاقة في مرآة - الوضع- بقوة، حيث نعدها إسقاطاً) على شبكة واحدة)، فيها دلالة على الانتشار وتفشي ماقد يصيب كل شعار اشتراكي من برود، وتهاون، ثم طقوس مصلحية على مستوى الممارسة، حين يسود التكالب على منافع ذاتية تيسرها مواقع السلطة.. ففي فندق في القامشلي، التقى المعلم نذير بزميل سأله عن "رأسه" الذي دبره وعن زراعة القطن والقمح في القرية، ولما كان رأس نذير غير مدبر، وفارغاً وغفلاً وماشئت من نعوت تسقط مثل الحجارة على رأس من لايدبر نفسه، تفرزها بنية الاستغلال بشعار وبغير شعار في مجتمعنا العربي اليوم) ضحك الزميل ضحكة لها معنى ثم قطب سائلاً: "أنت اشتراكي؟ "ولما أجابه نذير بـ "نعم" ذات مرارة في جهة من سياق الواقع، قال الزميل: "كثير من أقطاب الاشتراكية هنا يشاركون المزارعين ويدبرون رؤوسهم" وكان على نذير أن يرد التهمة التي أرادها الزميل كمعطيات من الوضع الاشتراكي لابد من أن تكون منسحبة على أيديولوجية المبدأ: "ككل": "هؤلاء أقطاب الانتهازية واللصوصية" ص116- 117.‏

وفي ذلك الجانب من مركز الحكومة، الذي يعزل أبعاداً من البيروقراطية وغيرها، تطرح تجربة دحام المرة وهو يجهد من أجل عمل في أية شركة، فبعد معطيات الإحباط والخيبة التي ظلت تنهره على المستوى الشخصي لا أرض، لازوجة، لا استقرار، لامال، لاأمل لديه...) وعلى المستوى البيئي حيث يشقيه ماوصل إليه الفلاحون من قهر بتأثير قوى مراكز تمتص عقولهم وأحوالهم حتى الموت دون أن يعانوا من استلابهم إلا ضمن شبكة تآمر هذه القوى التي أحكمت إطباقها على تشكيلاتهم المثقلة بالأدران، فبعد المعطيات هاته، يحاول دحّام أن يتملص من نفسه وواقعه إلى عمل في المدينة، لكن صبره نفد وصاحبه يقول له: "لاتضجر‍!، لابد من الروتين و.. ص126" وأحس أنّه متسول لا طالب عمل، وأنه عاجز عن فهم "إجراءات!" هذا المركز؛ تعيين عامل يحتاج إلى كل هذا العذاب وعندئذ يطلق صرخة ضد كل قوى الانحطاط وما تنتجه في عالمه، كبيان مختصر حي: "الحياة من كل وجوهها شقاء ص126". حياته قاتمة لأنه لايريد أن يرتهن، أن يسكن ويثرثر فقط، أن يكون لعبة في دائرة الانحطاط الملعونة، ألا يقر بعياء روحي وطموحي نهائي غير متجاوز، لو أراد كل ذلك لوجد "العمل"، "قال السيد سميح الندّار إذا كان دحام العسكر يريد أن يعمل في الجبسة أو الرميلان بجدّ أنا أجعله يلتحق بالعمل منذ الغد، وإذا كان يريد البقاء في الصخرة فأنا مهّيء له عملاً لايفرح به أحد من كل الدليم، مارأيك أبا عسكر ص172؟ بهذا الكلام يستوقفه محمد الجاسم، يحتج ويتابع طريقه، فخيوط المزارع وحباله المتصلة بمركز الحكومة في شبكة الانحطاط أطول مما يحسب في العادة.‏

ويمكن أن ندرج في البنية التراكمية المتمثلة، هنا، في مايفضي إلى هاته الشبكة من مركز الحكومة، "تصرف" مدير التربية غير الجدي، وإن ظل موقفه) تجاه مايحاك ضد المعلم غير "مدان" على وجه الإجمال كما سيأتي. إذ نجده بعد أن يشرح نذير بالتفصيل كل شيء، يقول له مداعباً: "أحياناً لابدّ أن تكون الأرض مسطحة" فالعبارة هنا جاءت في سياق القنوط الذي بدأ يحسّ به المعلم، قوتّه أكثر، لأنها تحذير مفهوم من تحدي "المشاعر الاجتماعية ص118" التي تعني مراكز القرية الرجعية والمظلمة، ومن إثارة "القلاقل والمشاكل" التي تعني إلغاء - الفعل- في هذا المجتمع القديم. بدلاً من أن يتخذ من موقعه المؤثر والمسؤول أكثر، بحماسة ووضوح وحسم، ممارسات تثبت وتشجع الحركة المضادة التي يعتبر المعلم أحد المؤثرين فيها ودعامة منتجيها دون انسحاب من "القضية" وكأنها لا تعني مجالهما معاً. فضلاً عن إمكانية كتابة "تقرير" عن المسألة الفلاحية في القرية إلى الجهات المعنية، ودعم موقف المعلم نذير عند الحاجة، ومساندته، لأنهما يمثلان دفعاً ثورياً يجب ألا يداخله "التفتيت" و "المسايرة" و "التقهقر" لحسابات ليست من الممارسة الثورية وبناء الاشتراكية الذي لايؤسس على الانسحاب والتناقض بين النظر والعمل من أجل المصير. والظاهر أن مدير التربية واقع تحت ضغط الشبكة ويعاني من "نقطة الضعف" التي تمت بصلة إلى "نقطة الضعف" لدى المعلم نذير الذي يخاف النقل والتشتت وتسويد الصفحات التي يقدر عليها القادرون وأخذ يخلف الآن أيضاً "الفراغ" الذي يمكن أن يتكئ عليه من الخارج. على الأقل في لحظات معينة وفترات بالنسبة إلى حالته ذات الذبذبات النفسية الإشكالية.‏

كما أن الشرطي أبا فايز ينسحب هذا التناقض على جانب من موقفه الذي ينطوي على الإذعان، والاستسلام لسيسولوجية الوقائع المعاشية وأيديولوجية المراكز التي تحترف الكهانة والتضليل والاستغلال على الرغم من أنه يرفضها على مستوى النظر، مما يسلبه دوره كعامل تطهيري مهم في التحويل الاشتراكي الذي يدعم البنى الحية العاملة في صفوف التعاون والوعي وغرز أسس جديدة اشتراكية في الإنتاج والارتباط بالأرض وإعادة تقييم الموروث من المسلمات والممارسات والقيم، لا ككابح للطاقات حين يأخذ دور "المتفرج" أو "القانط" من أي أمل في التغيير لأنهم، في رأيه، يحتاجون إلى "صبر الجبال ص109" يسخر من "الحماسة" ويتبنى "الارتدادية" في الممارسة: "لو خضت قليلاً في المشاكل لانثنيت عنها مباشرة "فيبقى حائراً حيرة تميل إلى الاستسلام، وتجاهل حقيقة أن الأرض كروية فعلاً ولم تكف عن "الدوران" من خلال صراع تاريخي حتمي. وأن الممارسة وحدها هي التي تضع صحة "الأفكار" على المحك، هذه الممارسة التي يجب أن تستمر دون هوادة، لتفضي إلى - معرفة- جديرة متحركة دائماً إلى أعلى، منهما يخرج بناء نظام جديد.‏

ثم ما الدور الذي لعبه هذا الجانب من مركز الحكومة في ممارسة المختار؟‏

*دور المختار:‏

المختار يريد أن يجمع الحبال كلها في يده من خلال مايقدر على استغلاله والتصرف به و "الأمل بعد اللّه بالحكومة ص15" أية حكومة؟، بالطبع تلك التي يمثلها، ويوزع باسمها العلف للمواشي! لايخفي ذلك على فالح المطلق فيدغدغ قصده في التباهي كمركز يحيي ويميت "هذا حق، أنت رجل الصخرة وعقيدها" والغريب أنه في عهد اشتراكي، تُسلم عشرات الأكياس أو مئاتها إلى رجل واحد، يشغل مكاناً تقليدياً في استغلاله وتحالفه مع العقاريين والإقطاعيين ضد جموع الفلاحين الفقراء والمسخرين، دون أن تتشكل أية لجنة تشترك معه في الإشراف لأمانة التوزيع وعدله. كما أن دافع مصلحته في هذا المأرب، جرّه إلى أن يدين نفسه ويدين الجانب الحكومي المتحالف معه، حين كان يصرح بأحوال الدليم التسعة، ويسعى بإغراء الحكومة بالزيادة في العطاء، سيقول: "هذا الذي أعطيتمونا إياه من بذار القطن المكسر لايكفي ص48" وكيف يكفي، وهو يوزع بمزاجية في أوقات متباعدة، ونتيجة مقايضات وتأثيرات متنوعة، ولأهداف شخصية لم تقرر هذه المخصصات، أصلاً، من أجلها وذلك قبل أن تصل إلى أيد انتهازية في جانب من مركز حكومي ينتظر مثل هذه - المواسم- ، ولايعدم قوى في القرى المتضررة تتبادل معه المنافع مازالت مهيمنة بشكل أو بآخر.‏

فسعي المختار الدؤوب وهو يحث أبرز رجالات الدليم من أجل طرق أبواب المسؤولين ليس بدوافع إنسانية ومسؤولية، وإلا لما - ضحك- "على الناس ببذور القطن المكسر التي يأتي بها من عند الحكومة ص20" حواس من مركز معاد للمختار، ولكن من أين تُستقى الحقيقة أو بعضها إذا لم تتلمس من هذا المركز المعادي!)، ولما ظهرت حقيقته على سيمائه تحت لفح ضوء المصباح الكاشف بعد سقوط المطر واستغناء الناس عن خدماته!، تلك الحقيقة التي تنم عن "قهر عميق ص149" لايخفى على أخويه. يقول "جندل" هامساً في أذن "مجدول": "ماذا يضرهم أن يؤتى لهم بالعلف ولو أن السماء أمطرت؟ أليس زيادة الخير خيراً؟، لكن هذه التعزية) للمختار بعد أن قدم "فرح المطر"، كان "مجدول" يعرف بطلانها في بريق عيني أخيه الأكبر، كما فهم من حوله أسباب "انكباحه" وهو يشهد استنكار الناس لبذور القطن المكسر بعد أن دخلوا في حبال الشبكة) التي كادت تخنقهم بلا شفقة.. "لا أحد ممن حوله يجرؤ على التنفس من فمه ص168، ثم كيف يكفي بذر القطن مادامت مبادرة الحكومة تأخذ شكل الإحسان) فقط!.‏

*أصوات الفلاحين:‏

وفي بنية التراكم ينضوي تحت هذا الجانب من مركز الحكومة، كل أصوات الفلاحين الذين يعتبرون عمل الحكومة بالطريقة التي يوزع بها المختار العلف، عملاً أو حلاً للبلاء، وهم متواكلون، لايبادرون شيئاً لأنفسهم ولايستجيبون لبعض أصوات الوعي التي تحتاج إلى مؤازرتهم. فالكحل ليس أحسن من العمى، بل في وضعهم يؤدي حتماً إلى العمى.‏

*مركز الشعوذة الدينية والخرافة: فاطمة الضحى‏

... وأعلنت "فاطمة الضحى" لدليم الصخرة، والدليم قاطبة أن أخاها وشيخها المجلل "سينقذان الصخرة من ويلاتها ص11".... "ينزلان المطر،‏

ينبتان العشب، ينعشان الأغنام ص11 " يقول" طلاع السايب" صفيّها وحامل أسرارها ورسولها إلى قرى الدليم المجاورة: "أهل، والله أهل ص11".‏

فاطمة الضحى ماكرة، مركزها قوي جداً، المراكز الأخرى تستمد منها القوة، تتحاشاها أو تدفع ثمن "رضاها" حتى تمرر خططها وتسعى إلى أحلامها. ونتيجة لتعثر أية تحولات اجتماعية وثقافية عامة، جوهرية في الأساس، فإن هذا المركز يمارس "سيطرة" فائقة وعريضة بحيث يشكل "مصدر رعب" داخل مجتمع لم يعقلن بعد. يؤمن بالسحر والشعوذة، ويتوسل إليهما، بها، لتخليصه من أزماته بأنواعها. "فالح المطلق" "له عصا شهيرة يتوكأ عليها بدافع العادة، في منتصفها خيط صوفي أسود يقال إن فاطمة الضحى هي التي أعدته وربطته" .. و"عمشة" "أتنسى فضل فاطمة الضحى؟ في ظهرك يا سالف - قالت فاطمة الضحى- فجوة من الداخل. أنت لا يعيش لك أولاد، وإن تزوجت امرأة أخرى جلبت النحس والدمار لنفسك ص40" تضع عمشة كدسة من الليرات في يدها. في رأسها صورة من قوة الشخصية، والحيلة، والضمير الأسود، وحب المال والهدايا، ومجموعة من ملوك الجان خلفهم شياطينهم يأتمرون جميعاً بأوامرها، والمعرفة الدقيقة بأسرار البيوت. تلك الصورة راسخة أيضاً في جل الرؤوس وإن اختلفت نسب نعوتها منفردة ومجتمعة، لكن الجميع متفق على أنها "ماكرة" إذا ما استثيرت فإنها تحرق كالنار ذات لسع لا يرحم.‏

الخوف يملي عليهم أن يتحاشوها. آل الدلفي يعضدون دحاماً العسكر) في كل شيء. أما عندما يحدثهم في أمرها، فإنهم يصمّون آذانهم: "نحن لا نحب المشاكل ص26" والفلاحون، النسوة على الخصوص، صدقوا عندما اختفى دحام العسكر من القرية للبحث عن عمل، بأنها شردته ونفذت تهديدها، ريّحت الصخرة والدليم منه، وأنها ستفنيه" على يد واحد من شياطينها.. يتابعه أينما ذهب ص55" ومع أنه رجع بعد إخفاقه، ولم يمحق ولم تمح آثاره من على الأرض، إلا أن خبصة بنت سالم الجرو) الواقعة تحت تأثير كوامن اعتقادية مطلقة بما تقدر أن تقوم به فاطمة الضحى وبالطريقة التي تهدد بها، تقول بلسان هذه الكوامن التي تخنق الرؤية وتشوه الواقع: "كأن عينيه في غير محجريه. كأن أحداً بسم الله الرحمن الرحيم حل به ص 137". وهكذا تراه أيضاً: هدلة زوجة ذوقان العقل) وغيرها كثيرات، أو يصدقن بلا توان ما يقال، ويشتركن بالأحزان. فلا غرابة، إذن، أن تستغل فاطمة الضحى مركزها في الابتزاز المادي والمعنوي، وأن تبالغ في التهديد بقدراتها، وأن ترسخ توجيههم الغيبي)، وهي على ارتباط وتنقيب واستقصاء مستمر لكل ما يجري حولها. شمّة زوجة فالح المطلق الثانية تمدّ لفاطمة الضحى عشر ليرات، تتنشق دموعها: "استري عليّ كرامة لأخيك وشيخك". تعرف بأنها - تعلم- كل شيء، لقاءها مع محمد العلي) في غرفة المحرك المقفلة. الاستنطاق يضع فاطمة الضحى على حقيقتين "ذيبة بنت سلاف المطلق" تعرف بالأمر، دحام العسكر عدوها اللدود متورط مع حمدية ص39. تشحذ أسلحة جديدة تفيض بالقوة تمشي بين الناس بالسحر وادعاءات جبروته، تمزق أوصالاً) وتضم أوصالاً) وفي الحالين تدرك كيف تضع يدها على الأقفال، وتقطع الألسن، وتدفع الآخرين على أن يتلطفوها بالمال والهدايا والولاءات. وثمة اعتقاد سائد ثبته مركزها من خلال بنية التراكم التي كوّنها التأثر العام بالقحط والجوع، وهو قدرة فاطمة الضحى في أن تنعش كل شيء.. آل السايب "أملهم بأن زرعهم سينتعش مصدره فاطمة الضحى التي منحتهم بعض الرماد، وطلبت منهم أن يرشوه على حوافي الزرع ص66" تلجأ إلى التمثيل المجسد لقواها الغيبية التي تشير عليها بسلوك سبل معينة، وتمسرح الفكر الخرافي المخدر لوعيهم والمدعم بانحساراتهم في جو محبوك يغشي البصر "فاطمة الضحى تقفز إلى عينيه فايد) وقفت ترتجف بين الناس، تناشد شيخها، ترغي، تزبد، تترع القلوب رهبة. مشت شمالاً تعد خطواتها، جنوباً، شرقاً، غرباً.... هنا، أي والله هنا، أي والله هنا مقام الشيخ ص 93" الذي ستحل بركته على القرية، وعلى بقية قرى الدليم، فلا يصيبهم مكروه إلا وجدوا حله عند أعتاب هذا المقام الذي سيكون له طقوس غفرانه تصوغها سرحة خيالاتها التضليلية: "ترى قرى الدليم الثماني، كل قرية يمثلها أبرز رجالها، وشبانها، وشاباتها، ونسائها العجائز؛ الخيم ترتفع على نسق، محيطه بمقام الشيخ المجلل بالحجارة، القدور تطبخ الذبائح، الشيوخ من رجال الدليم يتصدرون المجالس، يمسدون لحاهم، يشربون قهوتهم المرة معتدين، الشبان ينهمكون بسباق الخيل، سباق الحمير، رمي الحجر، الدبكة، الرقص، المقام يبنى عالياً، الجميع يطأطئون لفاطمة الضحى كل شهر تقام فرجتها الكبرى، أعراس الدليم كافة، أفراحهم لا تقام إلا أيام الفرجة ص154" وليس عجباً أن يقف "الدين المدجن" إلى جانب المشعوذة متمثلاً بالشيخ محمد الحلبي الذي يكثف خيوط الدجل في عيون الفلاحين بدلاً من أن يمزقها كما فعل زميل له. ذلك لأن بينهما "اتصالات خفية. وهدايا ص110".‏

وهكذا مارس هذا المركز سلطانه، بلعب بشَرِّيَّة وخداع بمصير الأفراد فاطمة الضحى تسببت بموت الطفل) وبمصائر الجماعات حين تكسح فيهم قوى العمل والمبادرة والوعي، وتخمدهم تحت كابوسها متواكلين، مضللين، ينتجون بخيالهم الذي تبتدعه وترسمه لهم، في الوقت الذي تميد بهم الأرض. وبذلك تحقق حضورها، وتمتن بناءه، وتزيد من مكتسبات أحلامها المفسدة.‏

* مركز خارجي: المناخ الكاسد:‏

هذا المركز الذي استدعى تحرك المراكز الأخرى السالفة بصورة قوية، وغذى استغلالها باستمرار بقائه وديمومته، وغدا مظلة تخفي وتمرر كل النوايا الكالحة والأعمال المستغلة. كما أنه أدى إلى دفع الفلاحين إلى شبكة هذه المراكز ومفرزاتها، وسمّك بنية التراكم إلى الحد الذي كان يشي بانهيار هذه - الأرضية- التي تتراكّم فوقها لكن في حدود ضيقة جداً لا تدعو للتفاؤل، بينما أعطى أو عبَّر هذا السُّمك) عن حضور قوي، وتجذر لغاياته وأهدافه، يكاد ينفي أي - تدخل- لوقف هذا الاستنزاف الذي سيؤدي إلى ضياع الحرث والنسل، لحساب مراكز تبني خيالاتها المتضخمة على الخراب في غياب صراع قوي وغياب الوعي وإدراك المصلحة التي تخدم الجميع وتقهر أية ظروف صعبة قادمة تحل بالأرض والناس والماشية.‏

بضغط هذا المركز الخارجي، تتورم عاهة التواكل، التي تصيبهم بالشللية المثيرة لحركة المراكز الأخرى في هذه البنية التراكمية إذ تقوي إحساساً عاماً بأن الخلاص لابد قادم من خارجهم). لم يكن لهم يد في أحوالهم وظواهرهم الاجتماعية ومسلماتهم الروحية والفكرية" وما تضيق به الصدور من بلاء، كما لا يكون لهم يد في أي إنجاز أو تجاوز أو حل، ما دام السبب خارجاً- عن إرادتهم. وجدوا أنفسهم بما هم عليه، ويجدون دائماً هذه الأنفس بما هي عليه وما يحيط بها من ظروف غاشمة، لا دخل لهم فيها، كما لا قدرة لهم على حلها، على نسفها، على التصارع معها وضد مسببيها وخلق ظروف جديدة تفرز واقعاً جديداً ينتفي فيه التضليل والتواكل يستجيب لضرورات الفلاحين المسحوقين حيث يشكل مركز المناخ وتناقضاته عاملاً تدميرياً في حياتهم، في غياب أيديولوجية تقدمية راسخة تعطي وسائل الإنتاج اللازمة، وتمد الإنسان بقوى التفكير المحصنة بكسر الصاد) من كل ما يعوق مكتسباته من التشكل والتنامي الاشتراكي.‏

*صراع المراكز‏

في رواية الصخرة داخل بنية التراكم، نشهد صراعاً غير معلن بين هذه المراكز المذكورة من قبل لكنه صراع لا يصل إلى حد تعطيل فعالية المراكز في اتجاهاتها البشعة، بل على العكس من ذلك، يحاول جهده أن يعقد هدناً غير مباشرة ما دامت حرب مباشرة ليست موجودة أصلاً. الأمر الذي يوفر لهذه المراكز أن تشيد خططها وطموحاتها دون محاربة مكشوفة تفضح وتغلّ وتبدد القوة الموجهة بعنف إلى الحقل المنتكس الذي يضطرب فيه الفلاحون المتعبون، دون أن ينسى أبداً خصمه المراكزي ليغتنم الفرصة للانقضاض عليه والاستئثار الذاتي لمركزه هو بالسلطة والغنيمة معاً إذا تيسر له ذلك، ولم يُتخذ موقف استنهاضي يؤدي إلى التمازج والتوحد في الحقل المنتكس يصارع هذه المراكز مجتمعة برفض عملي لا مجاني، بنائي، جذري، يعمر طموحاته الموضوعية ويمشط الآثار الهجينة لهذه المراكز.‏

**- يقول فايد "أترى فاطمة الضحى راضية عن المزارع من كل قلبها؟ أم أنها.. "يرد محمد الجاسم في رزانة في المضافة: "فاطمة الضحى امرأة جيدة" والحقيقة أنها ليست كذلك، وهو أعرف بها من غيره، وقول فايد يدل على أن محاولة جرت لإرضائها دون التأكد من مدى فعاليتها.‏

لكن حواس) يدلل على نفي ذلك بصورة قاطعة: "أفهمني لماذا رفض طلاع السايب كل بيت السايب يوالون فاطمة الضحى ويأتمرون بأمرها) أن يوقعوا عقوداً مع المزارع؟ ".. فيفهمه محمد الجاسم في ثقة بتهيئة الظروف المناسبة وأن شيئاً يبذل في ذلك السبيل: "سيوقعون، سيوقعون ص19" وبالفعل"فاطمة الضحى رأسها لان لنا ص21" شياطينها لا تلين بسهولة.. طلاع يمد يده إلى جيبه، يخرج ورقة بيضاء، تلف قطعاً نقدية، حملها من سميح الندار المزارع" فاطمة الضحى تتناولها، تدسها في صدرها دون أن تنظر إليها، مؤكدة لطلاع أنها تثق به، تنهض، تحمل الهدايا، تضعها بكل عناية في صندوقها الخشبي.. ص153 "بالطبع كل هذا مكسب عارض، المكسب الأقوى بالنسبة إليها، أن تقدر على ممارسة طقوسها المشعوذة دون تردد أو وجل بعد أن حصلت "المقايضة"، وهادنت رجلاً له اتصالات عريضة مع مركز الحكومة الذي يُهدِّد ويُرَغِّب به دائماً، في الوقت الذي يستفيد مركز محمد الجاسم مع مركز الحكومة من تبادل المنافع وتحقيق مآربهما في الصخرة، دون أن ينسى كل "مركزيته" و"وصايته" و"التلويح بالقوة" كلما تخلخلت شروط الهدنة لأن هدفه النهائي هو الاستغلال المطلق لصالحه وأنه وحده يملك "مفاتيح البشر".‏

** وهذا ما حصل تماماً في قسمة المختار الداخلة في هذه "اللعبة". منذ البداية أرسل إلى محمد الجاسم أخاه "جندلاً الشريف" لتوقيع عقد مع المزارع واستلام النقود لقاء جزء يسير من أرضه. عقد هدنة واضحة لا يستطيع مركز محمد الجاسم والمزارع رفضها. لكن الإشعار بمركزيته ظل يوحي به فعلى الرغم من أنه تعاقد هو نفسه مع المزارع، إلا أنه لم يعط من العلف للمتعاقدين معه إلا نصف ما يعطي جماعته وأقل.‏

لماذا؟ يقول حوّاس: "أتعرف لماذا يعارض؟ لأنه يرفض أي خبر يأتي للصخرة عن غير طريقه ص19" لكن محمد الجاسم الخبيث يراجعه: لا، المختار رجل طيب؟ إنه يعرف أن إثارة الخلاف بينهما ليس لصالحهما معاً على الأقل في هذه المرحلة التي تحتاج إلى تثبيت دعائم المشروع بخاصة وأن المختار تظاهر بحسن نيته، لكنه يدرك ما تنطوي عليه سريرته، وأن أفكاراً دنيئة تعشّش في رأس كل منهما تجاه الآخر، تأخذ طريقها كلما حانت فرصة. المختار له نصيبه في هذا الجانب من مركز الحكومة ذي المدار المضارب أو المختفي المختلس ويبدو أن من يتراخى معه في هذا الجانب لا يريد أن يتورط أكثر مما دفع المختار إلى أن يدفع، بعد هذا التلكؤ، برجال الدليم ليطالبوا بزيادة مخصصات الدليم من العلف. ويريد أن يَرِد إليه في تظاهرة قوية فخور، وحتى إذا لم يكن هذا التراضي وارداً مع تحفظنا لملابسات الاستلام والتوزيع وغياب أية محاسبة، فإن مسلكه لا يرفع عنه الإدانة، لأن طلب المزيد من العلف، غايته الاحتفاظ بوصايته، ودعم مركزيته في ظروف حرجة تمر بها الصخرة برزت له خلالها مراكز أخرى منافسة مما يجعله يحث الخطا في سبيل ذلك ليضمن قوته في اللعبة المتصارعة كما بينت من قبل. و"سميح الندار" يدرك هواجسه تلك، يزهو وهو يرى "المصيبة المترسخة جعلت المؤيدين أكثر رسوخاً... والمترددين ينتظرون كلمة ليمدوا أيديهم للتعاقد ص156". يشعر بمركزه الموطد، يلوح بذكاء بعصا القوة وهو يمد يده للمصافحة. بعد أن اضطربت حسابات المختار، بتماطل مركز الحكومة وتدهور مركزه بنقصان العلف أو فقدانه كلياً، الشيء الذي دفعه إلى أن يصرح: "لا معنى لجفاء المختار ص175 "بيد أن المختار لا يريد أن يجاهر بالعداء التام في وقت غير مناسب ولا يريد أن يبدو بضعفه قبل أن تظهر نتيجة اتصاله مع مركز الحكومة وهو من هو! "له معارف في القامشلي، والحسكة من أصحاب الشأن في الدولة.. والشرطة لا تؤم في الصخرة إلا مضافته ص50" واضعاً في حسابه أيضاً، الذراع الطويلة لسميح الندار في مركز الحكومة، التي قد تفوق ذراعه كما يبدو وتبز وسائله "القديمة". ألم يكن المزارع يعي كل ذلك وهو يصرح في خيلاء وفي ثقة من مركزيته: "أنا شخصياً مستعد أن أذهب إلى المختار بنفسي "وأريده أن يعرف - يجأر بصوته- أنني قادر على مساعدته، ومساعدة رجال الدليم غداً عندما يذهبون لإحضار العلف.. ص159".‏

*** - لا يختلف المختار مع فاطمة الضحى علناً، "يكرهها ضمناً ويصمت علناً ص111". خوفاً من قوة مركزها، لكن الصراع قائم بينهما في الخفاء، فكل من المراكز يريد أن ينفذ خططه داخل "الجفاف" وهي لها مشروعها الذي تعمل له وتود تنفيذه، حتى يكون الإنقاذ، عن طريقها وحدها، ويتعلق الناس بأعتاب مركزها وحدها وتغدو الحاكمة بأمرها المتسلطة على الناس تمتص ما تبقى من أرواحهم ومعاشهم على شكل هدايا ونذور وأضحيات." ومنذ أسابيع جمعت أهل الصخرة في الجهة الغربية، وحل بها أخوها أمام الحضور، وخاطبهم، طلب منهم أن يحترموها، ويطيعوها، وينفذوا ما تطلب منهم، ودعاهم لبناء مقام للشيخ المجلل، وهو ملك من ملوك الجان الإنسيين الذين ماتوا، وما تزال روحه ترفرف فوق الدليم. خطا وهو يحلّ بها في الجهات الأربع وحدد المكان وطلب من الناس أن يضعوا رجماً من الحجارة، فوضعوا وحثّهم على بناء مقام، واختفى ص122".‏

سيكون للمختار معها موقف تشفٍ وتباهٍ بمركزه بعد ذلك ص122.‏

مما مرّ نجد أن الفلاحين يعيشون حياتهم داخل المسألة الفلاحية، في صورةٍ مغلولة مستلبة على مستويات عدة: الروحية، والفكرية، والاجتماعية، والعملية، والتاريخية.‏

تتحكم فيهم وبأرضهم مراكز قوى مختلفة، بينها صراع خفي في سباقها من أجل تحقيق كامل أهدافها، لكن عندما تلحظ بداية سقوطها تتكاتف مجتمعة كما سنرى) وفي أثناء ذلك يقع المتضررون من الفلاحين في طاحونة) الوصاية والولاءات الهجينة ذات الأهداف النفعية الضيقة، في ظل بنيات اجتماعية متفاوتة طبقياً وعائلياً وقبلياً وعقارياً، تتأبد فيها وسائل إنتاج وعلاقات غير اقتصادية وغير اشتراكية محجوزة بالانقسامات على المستويات المذكورة سابقاً. إنها محكومة بمراكز تستغل الواقع وتغيراته باتجاه السوء، ذات أيديولوجية إقطاعية وانتهازية تدعمها بيروقراطية المدينة وارتدادية الشعارات، وعقارية المستفيدين من تضحيل الواقع وتسطيحه.‏

ونجد في المسألة الفلاحية داخل الرواية، تعطيل رهيب لقوى الفلاح العقلية والروحية والسلوكية والنفسية رفض العلم رفض الطب، الاستسلام للغيب، تدخل الخرافة والشعوذة في حياته اليومية ومصيره، التواكل، تهميش حياته، جاهزية العادات والأعراف والتقاليد وربقتها العبودية، قوقعيته داخل اهتمامات ضيقة جداً، يكاد لا يعرف شيئاً خارج قريته. المدينة بالنسبة إليه تشبه "الحلم" وتقترب من "الخيال" لا يعي ذاته، ولا أرضه، ولا عالمه، ولا القوى التي تحاول إحكام قبضتها عليه، تمزقه آلام نفسية وعاطفية كتعبير عن الضياع وعدم الفهم وانتفاء الفعل - كصوت وزان- نورة بسبب سلطة الأدب التي تود المتاجرة بها، وكثيرات مثلها بحيث نجد غلاء المهور يغطي ميراث النظرة للمرأة كسلعة، وحمدية وشمّة بسبب تعدد الأزواج والزوج المسن، فايد، بسبب طبقي، سليمة بسبب عرفي... الخ.. الخ).‏

إن ارتباط الفلاحين المصلحي الضيق من جهة، واستكانتهم لضغط الظروف ومعطيات المراكز بدافع الخمول وعدم وعي مصائرهم، يعطي خلفية عدم ارتباط الفلاح بأرضه ارتباطاً وثيقاً، لا تكون بالنسبة إليه - إذ يتخلى عنها- كمن يبيع وجوده" إن خانتنا الأغنام، نحتمي بالأرض نؤجرها ونستريح" وهنا يبرز صوت التقريع- الأم قوياً متفجراً بالمرارة: "آه يا ثرثار المضافات.. تؤجر الأرض، وتضع النقود في جيبك تصرفها لأنك خامل ص98" وهناك أمثلة كثيرة مشابهة تفرز مثل هذا الصوت القميء من صوت الفلاح الحقيقي الذي يفدي بدمه وعرقه ونبضه كل ذرة فيها؟ فهل الفلاح وحده المسئول عن هذا الشعور اللامبالي والتفكير الأرعن؟ هل يعني أن فلاحنا، حقيقة، قد ملّ في أن يكون وحده دائماً عبر سياق تاريخي صراعي طويل في وجه الريح؟ أليست أيديولوجية الإنتاج الإقطاعي مازالت سائدة؟ ثمة طلاء اشتراكي تبدّى في توزيع الأراضي المشمولة بقانون الإصلاح الزراعي كما ورد في الرواية، لكن لم تكن داخل إطار تنظيمي اشتراكي مكتمل الجوانب، يساعد على إنشاء وحدات مادية انقلابية مؤسسة على ممارسات اشتراكية في مستوى العلاقات والإنتاج).‏

إن قوة الضغط، المحدثة في بنية التراكم التي كانت تهب شعوراً بتدهور الأحوال نحو الأسوأ، كانت تمد جانباً من تسويغ منطق الاستسلام والسقوط.‏

فثمة غياب لأيّة أرضية سياسية/ أيديولوجية مواجهة، تضمن لهم مفاهيم طبقية واعية، تؤدي إلى التجانس والتماسك فيما بينهم في تشكيلة اجتماعية متفاوتة تحبط الاستغلال خارج أية عبودية عائلية أو قبلية بائدة.يلاحظ في الرواية بروز المشاعر العائلية كسطح بلا تعاريج يمثل مستوى واحداً، تنعدم فيه أية أفكار خاصة داخل الفكرة المتبناة السائدة، كما تنعدم فيه أية محاولات لاتخاذ مواقف لو تعددت لكان بالإمكان خلق فعالية فئة مضادة خارج الموقف العائلي الراقد الذي يتمثل عادة بسلطة كبيرة العائلة: مما يضيق بصورة عفنة أنماط الوعي) مما سهل اقتناصهم في شبكة المراكز- الأوكار، وسلب أي أمل لهم. لهذا نجد الفلاح المفرغ سياسياً/ وأيديولوجياً والذي لم تُحّلَّ "إشكاليته" بعد فيما يتعلق بضرورة العلاقة) بين البنيات السياسية فوق، وبين بنياته الاقتصادية المعبرة عنها، والتي يجب أن تمارس إنتاجه داخلها- نجد هذا الفلاح يتعامل مع الأرض من خلال ما شرحته عن علاقته بالمراكز، وتأثير "أيديولوجيتها" فيه كلية، كتعامله مع المرأة هذا يمثل جانباً من التعامل فقط) يتخلى عنها بقسوة حين تتوقف عن الإنجاب والتوالد أو العطاء بأي معنى.‏

ما هي بنية التراكم على المستوى التعبيري؟‏

وأنواع من السرد في بنية التراكم‏

** بنية مفتتة‏

إنها بنية مفتتة، تجميعية، غير متجانسة أحياناً، تركيبية على الأغلب، تكدّس أكثر مما تركب.‏

هي سرد لشتات الواقع الناجم عن "الجفاف" يسعى إلى أن يتوجه إلى كل الصراعات، والبنى، والعلاقات داخل التشكيلات الاجتماعية من خلال سرد مرئيات مشتتة لا تمثل متابعة ما بعد الحلقة الأولى من سلسلة أفقية، بل تسعى سعياً تسجيلياً لنقل كل ما يتحرك في واقع الصخرة من أفكار وناس وحيوانات، وما هي عليه من أرض وزرائب ومنازل وسماء.. وفق نسق ليس حيادياً بمعنى العفوية، بل يحاول جهده أن تكون عينه المفتوحة) عين آلة التصوير السارحة في أرجاء القرية، في أزقتها، وداخل مضافاتها ومن هنا تتحدد قيمة هذا الأسلوب من حيث إيصال الرؤية، وإمكاناتها على التأثير والعمل، حين نتعرف إلى مدى القدرة على هذه الإيصالية.‏

يكشف السرد ذو البنية المفتتة عن محاولة إبراز "لون" معين داخل ألوان الصورة- الواقع. ليس على مستوى "صباغي" فقط حيث يأخذ سطحاً عريضاً بل على مستوى "الدلالة" باتجاه عمقي في آن يتمدد هذا اللون بشكل بقع لونية تأخذ أحجاماً مختلفة كل حجم يمثل عائلة من العائلات التي تسكن الصخرة من عرب الدليم دون أن ينسى أن يضغط اللون في هذا الحجم أو ذاك، مستعملاً عطاءات أدق التدرجات اللونية داخل اللون الواحد الذي يراد إبرازه كطابع يطبع مجتمع الصخرة كله والذي تتبع به رؤية الكاتب لواقعها. وفي آن آخر يوزع السرد أجزاء ذات ألوان متغايرة تتصل بنسب متفاوتة إلى رؤية اللون المركزي وأحياناً لا تعود تمت إليه بصلة.فإذا عددنا بنيات مجتمع الفلاحين بما هي عليه عبارة عن دوائر ذات أحجام مختلفة، لكل دائرة منها مركز أساس يدور عليه محيط الدائرة الذي يشكل أجزاء صغيرة وكبيرة، فإن للصخرة هي بالتالي دائرة كبيرة تسع فضاءها الزماني والمكاني، نضع أيدينا على مركزها الأساسي الذي عمقته الرواية منذ الأسطر الأولى، تدخلنا فيه بقوة بعربة" وزان "شاعر الصخرة وهو عائد من قرية" جب القصب" إلى قلب "الصخرة" .."الأرض ما تزال جرداء، تغطيها في بعض المناطق بقع خضراء متغلسة، تلسع القلب "هذا المركز الأساس تدور حوله بالتالي بقية مراكز الدوائر الأخرى تقترب منه وتبتعد، كما يدور بعضها حول مراكز بعضها مقتربة ومبتعدة، وهي في اقترابها وابتعادها في هذه الحالة أيضاً، تكون على مسافات متفاوتة من هذا المركز الرئيسي لدائرة الصخرة: البنية الكلية) المشحونة بحدث مأساة القحط الذي يتبادل- المجاذبة- مع ما حوله.‏

من هذا كله تبرز لعبة) الألوان في السرد المذكورة سابقاً، والتي تشير إلى طابع معين لهذه الجزئيات المفتتة التي تنتظمها الحركة الدائرة في مجالاتها المتعددة. وكذلك تبرز تلك المجاورة بين تلك الألوان واللون المفجّر للرؤيا داخل الرواية، إذ تعكس ظلالها على هذا اللون، بعلاقة تحركها نحوه أو تفصلها عنه، والتي تفهم - أي هذه المجاورة- على مستوى تقنية "التركيب" ومدى توفيقه، ودلالاته، عندما يتوافر.‏

يحاول الكاتب أن يعكس "التوحيد" بين بنية التفتت في الشكل وبين رؤيا سوسيو إديولوجية بنية مجتمع الصخرة. فالتهتيك في بنية التعبير هنا محاولة لاستنطاق جزئيات واقع متناثر) في داخله.. لا يكفي سرد ملامحه العامة، بل تُكشف جوانبه الدقيقة إفرازاته الناتئة باستنفار إضاءة مستمر متقلبة لإزاحة كل تكلس فيها. وهذا التهتيك في الرؤيا داخل واقع الصخرة، لا يؤدي إلى رؤيا روائية مفتتة بمعنى عدم التماسك في المحتوى وإنتاج وعي ما لهذا الواقع، بل على العكس؛ إن الرغبة لا في رصد الواقع، ونقله ورؤيته فقط بل في استكشافه في أثناء تفتيته، والرغبة في تملي ما قد ينطوي عليه من التخطي والتجاوز. فكانت أنواع من السرد داخل بنية التفتيت، حتى لا يضمر الوعي المستقى. فما هي هذه الأنواع، وإلى أي حد حققت التقنية عملية الكشف في بنية التراكم؟، ودفعت إلى تحريض القارئ ومشاركته ووعيه؟‏

** السرد بالتقطيع السينمائي‏

** الفصل الأول: إثارة القلق‏

الفصل الأول يكون بتقديم شخوص الرواية الذي يشكل معظمهم بؤراً مهمة تدور فيها الأحداث، وتتبادل قوة الجذب مع معطيات المركز الرئيس المتوتر ومثير التوجهات في الصخرة وهو: "الموسم" فيأخذ السرد شكل تأسيس انطباعات سريعة مكثفة، تضع القارئ في معترك المناخ الساخن في القرية، فمن "وزان" الذي ينعى وتره الموسم، وزوجته التي تختبيء عينيها من أشباح الجن وهما خارج الصخرة، إلى أطفال الصخرة يتلاحقون بين الدور ودخان المواقد والتنانير يتفشى في الجو و "عقيد" الصخرة في مضافته حوله أخوه وفالح المطلق في حديث عن العلف، إلى محمد الجاسم وحواس الزير وفايد العقل وهم منكفئون إلى جانب المضافة يذكرون المزارع ومشروعه العظيم، إلى فاطمة الضحى في صورة ممسرحة تخاطب أخاها ملك الجان ليسقط المطر، إلى غرفة دحام العسكر الموصودة بعد أن شرد لأسباب لا نعرفها ونظرة الفلاحين إلى المعلم نذير، إلى حمدية ذات الشفتين المغريتين، وسليمة الشقراء المحتدتين اللتين تتنازعان عشق دحام العسكر مع كشف بأوراق كل منهما. إنه يتوسل إلى هذه الانطباعات بطريقة "التقطيع السينمائي" ذي الانتقالات اللماحة التي تثوي في داخلها أبعاداً اجتماعية خاطفة يكون لها أثرها في تدفق السرد الروائي وحيويته بعد ذلك. وقد وفق هذا السرد إلى إثارة "القلق" لدينا، وهو يفتت تعريات جزئية تنم عن دائرة "التمفصل" الرئيس لكل تعرية...‏

** وظيفة جديدة لبنية التفتيت‏

وحتى الفصل 18: قوة الجذب بين المركز الرئيس‏

أما الفصول الأخرى التالية حتى بداية الفصل الثامن عشر، فقد أخذت اتجاهات أخرى في السرد، له غايات مختلفة. يبدأ بدخول الدوائر التي تشكل بنيات اجتماعية عائلية في الصخرة، ليفضح التفتيت حركة الجذب حول مركزها وحركة الجذب حول مراكز القرية الأخرى المتأثرتين في محورهما الرئيس بقوة الجذب الكبيرة في مركز دائرة بنية الصخرة الكلية المتوتر والمتفجع، والذي "تولدت" مجاذبته العاتية بضغط مستمر متوغل من المركز الخارجي) الذي يقوي المأساة ومجاهيلها.‏

* السرد الوصفي الأنثربولوجي‏

فثمة في هذه الدوائر سرد وصفي تقليدي بأسلوب التقارير الصحفية السريعة) الذي "يكرس" معلومات تريد أن تعطي "تعريفات"، تمت بصلة إلى نطاق "الأنتربولوجيا". هذا السرد أساء بحيث برز كعائق، مطوّل في أحيان كثيرة السرد الأنتروبولوجي لعائلة الدلفي مثلاً) في طريق النمو الفني الداخلي للرواية نحو قناعة حكائية صميمية تزداد معطياتها في التناول الدائري الذي عولت عليه الرؤية التي تتداخل فيه نصوص صغيرة داخل النص الروائي المركب بحيث تتحول الرواية، كالقصيدة التركيبية الحديثة، إلى نصوص داخل النص في مستويات عدة. "دار فالح المطلق الواسعة وسط القرية... فالح في السبعين، مظهره الخارجي يوهم بالبؤس والإشفاق، له عصا شهيرة يتوكأ عليها بدافع العادة... آل المطلق عيونهم واسعة، لكن رموشهم خفيفة... أقدامهم كبيرة.. سلاف هو الأخ الثاني يبلغ الخمسين، أعور، .. الأخ الثالث محمود يعمل راعياً عند فالح... يداه مشلولة من الرسغ... فالح من مدمني السهر في بيت المختار، لم يسمع أحد في داره صوت مهباج القهوة... لا يتكلم في غياب أحد خيراً أو شراً..‏

فالح المطلق الوحيد في الصخرة الذي يزرع القطن.. وسبب شهرته في الصخرة إضافة إلى ذلك زوجته الأخيرة حمدية.... الخ ص34". وهكذا نتعرف بالخطاب التقريري في هذا السرد على العادات، والطبائع، والأشكال، والأعمال، ظواهر المعيشة، والممتلكات "آل الجرو عريقون باقتناء المواشي لقطيعهم يبلغ ثمانمائة رأس.." "زرائب حيواناتهم الواسعة وسط البقعة الشمالية من الصخرة ص53"، ولا ينسى هذا السرد الوصفي أن يسهب على الخصوص في إعطاء معلومات وافرة عن كبير العائلة، وتكديسها، دون إيقاع حكائي يشد القارئ ويبعده عن الملل.‏

** السرد الاستقصائي‏

وثمة أيضاً في هذه الدوائر التي تتداخل فيها حركات الجذب كما هو مبين سابقاً، "سرد استقصائي"، يعتمد على ملاحقة المشاهد وعلى جزئياتها في كل دائرة، قد تتفتت المشاهد إلى أصغر دوائر التفتت، يستبين المرء فيها حركات الجذب التي تدوم حول مركز الدائرة كبنية اجتماعية قائمة بذاتها، لها علاقات مع مراكز دوائر أخرى تختلف في قوة الجذب والأهمية، ولها علاقات أيضاً دائرة حول مركز الصخرة الكلي الذي تدور الدوائر كلها حوله، والذي ينبع فيه الفعل الدرامي لكن هذا السرد الاستقصائي لم يعتمد النقل فقط، وإحضار هذه المرئيات المفتتة بشكل مباشر بحيث تبدو نوعاً من الإثارة الظاهرية بل داخلها وأنقذها معاً حوار حيّ ينجر أحياناً بانزلاقات "المراجعة" الكلامية الممتدة التي يمكن الاستغناء عنها... أمثلة ص8- 37- 95) أين الهر؟ - يقول حمدان /ما بك؟- تقول هدلة/ سرق لنا قطعة لحم كبيرة/ أكلما فقدّتم شيئاً تتهمون هرنا، لولا أنك امرأة /ماذا/ لكنت /إذا كان هرنا يسرق/ حطمت رأسك/ فهو حيوان يا لصوص يا أولاد اللصوص. وحتى لا يتحول هذا السرد الاستقصائي إلى ما يشبه التقريرات دائماً على سطح مستقيم تسير باتجاه واحد، "تعمل على أن تخبر" أكثر مما "تري" وتحضَّ على المشاركة والتأمل وحقن الرؤيا، نجده يعمق لحظة الالتقاط في المشهد عن طريق "الاستدعاء" أو ما يسمى فلاش باك)، فيرجع بشخصية ما إلى أفكار أو صور أو حوارات معينة تضيء جوانب المشهد من وجوهه الضرورية، وتعمق لونه الخاص، وتوحي بدلالاته وترفد زخم حركة الدوائر نحو بناء صميمية الرؤيا في الرواية التي يشكل القارئ طرفاً مهماً في صوغها. ولهذا بالذات نجد أن مثل هذه "الاستدعاءات" التي تندرج في النص المفتت وهي تسترجع الذكريات والمواقف والتعابير، لا "تسرح عبثاً" بل تُوظّف توظيفاً ضمن الحدود المراد الوقوف عندها للكشف، مما حرك هذه النصوص المجزأة ذات الاسترخاء المرضي. وترك للتفتيت أن يأخذ دوره في الاستلهام والخصوبة وهو يبعث التأمل ويتحرك في زوايا مختلفة عندما يداخل ذلك الاستخدام نسيج السرد الاستقصائي" حمدية تدير ظهرها لكجّة... تلج غرفتها... [حمدية تندس في غرفة دحام. لسان المصباح يرتجف، ظلام. ذراعا دحّام يهجرانها... دحام أضع روحي بين يديك. أنقذني.. والله لو كان بيني وبينك سباع ضارية ما خشيتها يا حمدية. لكنك متزوجة. متزوجة. متزوجة ص32] يلفظها الحلم فوق أرض غرفتها، تغادر الغرفة مضطربة، تحمل صفيحة الماء... الخ.‏

** التفتيت التراكمي‏

* مثال آخر:‏

عمشة ينتهبها البكاء. تذكر عدداً من الأطفال ضمتهم إلى صدرها، أشبعتهم من حليب ثدييها، جميعهم تساقطوا... يهيج إحساسها بالأمومة.... أبا حسين... نداء يأتي من نحو باب الدار، عمشة تمسح دموعها... سالف يمضي إلى الباب، الأيام أحنت ظهره.... أتنسى عمشة فضل فاطمة الضحى [في ظهرك يا سالف.. فجوة من الداخل] سالف أقلع نهائياً عن فكرة الزواج [عمشة العسكر تضع كدسة من الليرات في يد فاطمة الضحى..] الماكرة الكذابة. دحام لا يقول إلا الحقيقة... الخ.‏

وهذا الاستخدام في استحضار الماضي وإسقاطه على الحاضر، استعمل على أفضل وجه في الفصل المهم (18) ليس على مستوى التقنية فقط بل على مستوى المضمون، فقد تخلص من كثير من التفتيت الإضافي) الذي لا يعني الكثير بالنسبة إلى الرؤيا ولا يجد له محلاً، في عملية التركيب، الشيء الذي يؤدي إلى الحشر والتجميع وفقدان النسق قدرته التداخلية المنتظمة التي تكثف تواشج الفكرة. بحيث يجعلنا نظنّ أحياناً أن هذه التفتيتات تريد أن تخدم بنية التراكم من حيث هي تراكم فقط لا على مستوى "العلاقة" المنفرزة والتي تجد مكانها من الحلقات الدائرة على أنساق معينة أو أنها توهم بأنها تعويض عن ضياع لغة السياق المعنوي عند كتابة الرواية. وقبل أن أعطي أمثلة، تطرح المساءلة الآتية: هل هذا العمل الأدبي مبني، في الأصل، على سرد الصخرة ككل، كاتساع تسجيلي ينطوي على بؤر توتر متعددة، لا على فعل درامي معين داخلها؟..‏

أو أن الفعل الدرامي، كموضوع، يأتي في الدرجة الثانية من أجل تأسيس رؤيا داخل إشكالية عامة هي "الصخرة"، بحيث يغدو التوازن بين الصخرة) كوحدة متكاملة وبين الحدث، وليس بين ذلك الحدث) والفعل الدرامي) الذي تتركز فيه شخوصه.. الجواب نعثر عليه في كل الصفحات التي تبدأ منذ الفصل(18) وحتى النهاية، حيث نعثر على بنيات جديدة، وعلى تركيز على الفعل الدرامي الذي تتوجه إليه الرواية، والذي وشت به في الفصل الأول على مستوى الشكل أو المضمون من خلال شخصيات معينة بذاتها تمثل الصراع الحقيقي وتعطيه آماده وفوراته داخل الذات والواقع، ومن هنا فقط، تتكون مجادلة تكثيف إشكالية محيط "الصخرة"، ذلك الاسم الذي سجل كعنوان وحيد تنضوي تحته كل صفحات الرواية.‏

** عجز التفتيت في بنية التراكم: الفصل الثاني عشر‏

* مرئيات غير فاعلة في تفاعلات الصراع‏

وكمثال على عجز التفتيت في أن يأخذ دوره في بنية التراكم، أحياناً، في المنظار السابق، وفي إطار الإجابة عن السؤال المطروح... يساق الفصل الثاني عشر، في المرئية الأولى: وزان يحاول رشوة نواف من آل الدليمي)، وهذه صورة هامشية.‏

في المرئيّة الثانية حوار حول سقوط ثلاث نعاج لآل الدليمي، وهذه صورة تدخل في تركيب حركات الجذب كجزء من التجربة الواحدة في المرئية الثالثة تسجيلات تقريرية عن كبير آل الدليمي وعن أملاكهم وغير ذلك مما ورد الحديث عنه في السابق بصدد السرد الأنتربولوجي وهذه صورة تفرز معلومات سلطوية، كسول، لا تدخل في بنائية حكائية داخل تركيب المرئيات التي تشكل نص الدائرة العائلة.‏

في المرئية الرابعة: تصوير على مدى صفحتين، ممتع لكنه مجاني، لمحمد سعيد الدليمي وهو يقلع ضرسه على طريقة الأجداد!- فإذا تركنا هذه المرئية تتكلم بصوتها داخل المرئيات السابقة واللاحقة وضمن حركات الجذب مع الدوائر الأخرى ومع مركز الدائرة الأساسي في الصخرة لما أسعفنا الاستنتاج بشيء سوى أنها دلالة على التخلف ومحاربة الطب والعلم وهي لا تساعد على التركيب من أجل تعميق الصراع وقراءة ارتباط ما يجري في هذه البيئة الاجتماعية التي هي جزء من فضاء زماني ومكاني واحد، له معطيات الوقائع داخل هذا الفضاء.‏

أما انتسابها هنا فهو الانتماء إلى الدائرة العائلية التي يمكن الحكي عنها بكل شيء، وعلى هذا فالصورة تدخل في نطاق التجميع والتكديس لإعطاء دلالات متفرقة عن أحوال المسألة الفلاحية في حدودها العامة المقطوعة عن اللحظة والصراع كعمق في السياق الروائي الذي يتوهّج بتفاعلات بنائية محكمة تمسك به جيداً على مستويات، من خلال ما يتجلى في العلاقات التي تفجّرها شخوص الفعل الروائي والتي تكون مدرجة في داخله حيث يكون هذا السرد رمزاً لغياب الوعي لدى الفلاح والذي يصنع مواقف مهمة في رواية بنية التراكم، لكن مثل هذا الرمز يجب ألاّ ينفصل مضمونه عن الشكل، وأن يكون عنصراً مثيراً داخل السياق الروائي، فضلاً عن أن هذا الرمز استعمل في دوائر أخرى عائلية الطفل محمد المصاب بالعين- ص16) كما أن الفصل الثامن عشر يعطي مثالاً جيداً على إمكانية تضمين كل هذه الرموز داخل سياق متماسك وداخل بنية تركيبية متسقة الطفل الذي تسبب فاطمة الضحى قتله- رفض الآباء تعليم بناتهم..) بحيث نجد أن هذه الرموز لم تحشر حشراً، لم تهمش، بل جاءت ضمن علاقات شخوص أساسية في الرواية. وداخل النسق الفكري والتركيبي في السرد، ثمة إشارات مقحمة على جانب المرئية الرابعة تتعلق بـ فايد وفاطمة الضحى) في الخامسة والسادسة يعود إلى النسغ الروائي الدائري داخل بنية التراكم الذي يبدأ وينتهي في دوائر متجاذبة لا تضيف شيئاً جديداً مهماً يؤدي إلى اختلال قوى التجاذب في هذه البنية، وإنما يسعى إلى أن يُجذر الشخصيات ويهبها المزيد من قوتها داخل مجتمعها وبيئتها على السواء، ويخصب العلاقات الناشئة والسابقة بين الأفراد والمراكز) والبنيات في تفرعاتها وأصولها مما يساعد على ملء خصوصيات هذه التجربة التراكمية، لكن ظَلَّ "الإخبار" يحشو تضاعيف نسيج السرد.‏

وهكذا نجد هنا أن محاولة التفتيت ليست بذات بال ولا تقدم كثيراً، فيمكن مثلاً ربط السرد بين المرئية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة فلا تحتاج إلى إشارات التفتيت دون أن يتغير في الأمر شيء، أو يؤثر في السياق، لأن ما بدا في هذه المرئيات المذكورة هو التجميع، لا "التركيب"‏

** التركيب الدائري‏

كان يمكن لهذه الفصول جميعاً من الثاني حتى نهاية الفصل السابع عشر منضافاً إليها التاسع عشر في القسم الأول أن تسرد في معمار حكائي واحد ينسج هذه العلاقات الاجتماعية ويروي) هذه البنيات العائلية من خلال وعي الرواية ذاته في التناول والذي استطاع أن يبرز على الرغم من إخفاقه بنسب متفاوتة في هذه الفصول التي عرفنا فيها كثيراً من البنيات الاجتماعية التي تعيش في محيط القرية، وعن مراكزها، عن طريق الإخبار) أكثر مما قد يثيره فينا التركيب الدائري) من غواية ومشاركة واستدرار للتأمل والوشاية إذا ما أحكم سبكه في سياق روائي يُمثّل) الأخبار والأفكار والعلاقات والشخوص لا أن يحكي) عنها كما حصل في غالبية هذه الفصول. والواقع فإن حجازي حين يمارس خطابه الروائي الذي ظهرت تقنياته بوضوح وحذق بخاصة في القسم الثاني) من الرواية - فإنه كان يوحي بذلك العطش الذي يحمله كل مبدع وهو بسبيل ترسيخ كتابته. إن كتابة روائية عن فاطمة الضحى في علاقتها مع دحام باستخدام الاستحضار في أثناء اقتراب الباص الذي يركب فيه نحو الصخرة ف20 ج ص123- 124، وصياغة هذا المشهد الرائع من خلال حوار تخفق فيه الحياة بأعمق نبضاتها واتجاهاتها لجدير بأن يفجر استيعاباً وانشغالاً وتأثيراً ما لا تقدر عليه أطنان التعاريف والأخبار المشتتة عنهما: ماكرة.. نصابة... الخ..) بالطبع لا أحد ينكر أهمية الإخبار والسرد الوصفي في أية رواية، لكن المنكر أن يحل محل السياق الروائي ويختزل الحكاية بمعناها التكويني كبنية لا كإفراز معرفي ف19- ص121) إن أسر الكاتب لحرّيته أن يحصرها وهو يكتب عن كل عائلة من العائلات، كل شيء، جعله يقع بهذا المنزلق الذي سبقته "هيكلة" للرواية على مستوى الهمّ النظري في اتجاه التركيب الدائري بالحل والربط ومدار الجدية والذي تبدى واضحاً على نحو نمطي وناجح في الفصل الأول. وعلى نحو أقل وأحياناً تكديسي في الفصول الأخرى المشار إليها سابقاً في بنية التراكم... ثم فاجأنا الفصل الثامن عشر) ومتعنا معاً بالمقارنة مع ما سبقه بحيوية السرد وطرائقه التي كانت تتقصد التركيب وتجذير الأحداث وبلورة الشخصيات وفتح بؤر جديدة في الهم المركزي في الرواية وحتى دون أن يصنع هذه الإشارات النجومية التي يراد لها أن توحي بالتفتيت تماماً كما في الفصل العشرين أيضاً- كما عرفنا مع فصول لاحقة بوجود بنية مواجهة على مستوى الممارسة المومأ إليها إيماء من قبل.. وهي:‏

ب/ بنية التراكم الكيفي‏

اتخذ التراكم الكيفي عدة محاور:‏

1- محور وعي الفلاحين يمثله في وضوح وجدّة دحّام‏

"دحام العسكر معارض صلب، لا يعجبه شيء. يرفض آراء المختار في اللجوء إلى الحكومة، يرفض حل محمد الجاسم في اللجوء إلى المزارع، يفنّد أباطيل فاطمة الضحى.. ص12" ليس هذا فقط، بل هو يستهجن سلوكات الفلاحين وهم واقعون تحت سيطرة المراكز بكيفية تدعو إلى الغضب والإدانة، يكاد يتفجر، ألهذه الدرجة تسيطر فاطمة الضحى على هذا الأبله. فايد)؟ قال له فايد: "أتوسل إليك يا دحام، لا تقل شيئاً عنها ص128" دحام يعرف أنه يكرهها في أعماقه: "ويلها، أية نجسة! ص128" لكنه منجرف بتأثير منَّة لها عليه، إلى تصالح ظاهري معها ترسخه أحلام مصلحة ذاتية: "لولا أنها همست في أذن أمي قائلة: لا مانع عندي أن يعمل فايد مع محمد الجاسم لما كنت دخلت داره ولا تفوهت معه بكلمة" لكن، مع ذلك، فإن تشابه وضع فايد مع دحام في كثير من الأحوال باستثناء "الوعي" الذي جعل هذا الأخير يتألم وهو يعاني من إشكالياته على صعيد الذات والموضوع وبما لعلاقة كل منهما بالآخر، والألفة التي ولدت منذ سنوات الطفولة بينهما، وشكاية دحام الدائمة من كل شيء، وصلابته وعناد مواقفه ضد مراكز فاطمة الضحى، ومحمد الجاسم، والمختار) وشخصيته الرافضة على وجه الإجمال- كل ذلك بالإضافة إلى معطيات أخرى جديدة على مستوى الحدث الروائي والأحلام، كان له فاعلية محدودة في أعماق فايد، لكنها كافية لتتعاون مع إحساسات أخرى مستجدة وبوادر وعي مجهول بالنفس وبالآخرين، ولكي تحقق له موقفاً محارباً فيما بعد.‏

وحين بدأ المعلم نذير الاتصال بالأشخاص الذين يتوسم فيهم الكفاءة من أبناء الصخرة، لم يعثر إلا على دحام العسكر، ذلك الذي أعلن له منذ الأساس أنه: "يرفض خرافات فاطمة الضحى ويضيق بها ص111" ويعدها رأس المصائب، كما أعلن أيضاً أنه "يستنكر قدوم المزارع ص111" الرفض ينبع من عينيه الحاقدتين أبداً، لذا فهو محور معرّض لهجوم شرس ويعد عائقاً) شائكاً في طريق أحلام "المراكز" وكثيراً ما ترد إشارات تشفٍ" من مصير تشرده المزعوم، ومحاولات تهديده أو استمالته دون جدوى. وكان أيضاً ذا وضع ملتبس بين الفلاحين، مما حدّ تحرك فعله فيهم:‏

** وعد دحام العسكر‏

* إشكالية الانتماء إلى مجتمع الصخرة‏

"والحقيقة أن فيه نقطة ضعف أساسية تحدّ من تحركه لأنه غير منتفع بالإصلاح الزراعي بسبب بعض الملابسات فلا يرى الناس أنه واحد منهم، ولا يملك ماشية تجعلهم يرون أنه يصاب بالضرر كما يصابون. إنهم يحبونه، يحترمونه، لكنهم لا يثقون ضمناً بإخلاصه ص110" لكنه لا يعبأ بهذا كله ويحاول دائماً أن يقفز فوق: "نقطة الضعف "هذه" دون حساب الإخفاق دون أن يترك معاناتها كهّم ذاتي ملح، طالما نظر إلى ما يجري وما هو معطى في محيط الصخرة من خلاله. وعودة إلى بداية حياته وتكوينه تتوضح شخصيته: دحام العسكر جار آل الدلفي الأغنياء الأقوياء يحترمونه، عرضوا عليه الزواج بفتاة منهم دون مهر، لكنه رفض بحجة أن كل بنات الدلفي أخواته، أما الحقيقة، فلأنه يأبى "أن يظهر بمظهر العاجز في الصخرة ص25" فهو يرفض أن يكون غير نفسه، لا تغريه مزايا غيره من جاه ومال، له توقات) نحو الأعلى يريد أن تكون من صنعه هو، ثمة معوقات داخلية وأخرى خارجية. إنه يحارب على جبهتين، تتوتر أعصابه وهو يعاني من إشكاليته التي تتضخم كلما انهارت أمامه الآمال وازداد واقع الصخرة قتاماً وانحسر فعله في فراغ قاتل وغمضت الأهداف في هذا المكان الصعب من العالم: الصخرة.. وخارجها حيث الريبة في النجاح في إيجاد عمل ما يملأ عليه حياته، ويحقق وجوده، وينفذ مشروعاته، لكن كل شيء كان ضده منذ البداية، فهل سيستسلم؟.. الأب الأكبر علي الدلفي" حمل وصية عسكر الدليم أبي دحام عندما مات.فاحتضن دحاماً، وربّاه، ووقف إلى جانبه عندما تزوج فالح المطلق من أمه فضيلة المنشار قرابة السنتين، وابتلع كل أموالها استطاع علي الدلفي أن يحصّل له بعض الأموال أنفقت عليه حتى مطلع شبابه؟ ص126" لقد عاش يتيماً، محروماً مادياً معنوياً، مستغلاً، معذباً، "ويرجع عذابه أساساً إلى وصيّة أبيه ص119 "لعلي الدلفي، وكان دحام طفلاً، كي يتعلم مما تركه له من مال، لكن تعليمه لم يتجاوز المرحلة الإعدادية بسبب ضياع المال وعدم حماسة آل الدلفي للتعليم، كل هذه المصادرات، كان من الممكن أن تنقضي، أن يعوض بعضها بشكل ما، لولا إحساسه بذاته على نحو جاد، يريد أن يعوّض، رغائب ذاته التي لم تُملأ عن طريق قواه هو. همه الداخلي يمزقه حين يجد محيطه الاجتماعي ينغل بالجهل والأباطيل، ويتفجر بالأزمات وعدم الأمل فتزيده إحباطاته ألماً ولوعة "يدخل غرفته يوصد الباب خلفه، ينكب على الأرض، من كانت له أرض ينشغل بها، يغرس صفاً من أشجار الحور على محيطها. يقسمها إلى أجزاء، يزرع قسماً كرمة، وعلى حوافيها الرمان. يضرب الأرض بقبضتيه. ص131" لكن لولا وعيه لما تخلفت إشكاليته على مثل هذا العنف واللوبان ومحاولة الانصهار في مجتمع ليس له فيه مكان، يريد قلبه) وبناءه من جديد، ومحاولة الارتباط بأرض الصخرة، التي أبت وتأبى أن تفسح له حيزاً يقدر أن يحقق عليه ولعه وعشقه بها ويغرس فيها أشواق الحياة بسبب معطياته ومعطياتها على السواء.. من أين تأتى وعيه؟. "ومما كوّن وعي دحام أيضاً سفره خارج الصخرة، واختلاطه الواسع بعدد كبير من الناس، وخدمة العسكرية وبعض المطالعة، كل هذا ميزه من أبناء جيله فايد العقل وغيره- وعذاب دحام ناتج عن هذا الوعي ص120 "دحام يدرك أن حل تناقضاته وتناقضات "الصخرة" لا يكون إلا بالانتصار على المراكز والوسائل التي تريد أن تنسفهما معاً. هل يأخذ دور الشهيد في صراعه هذا؟.‏

** أبعاد الصراع لدى دحام العسكر‏

كلامه يفجر في أعماقهم بعض الحقيقة وهم متخاذلون مطوقون: "كلام دحام زين.. لكن الحالة صعبة والعسر لا يحله الكلام" ص26 في رأي بعضهم هو مسؤول من حالته تلك من العناء والتشتت والشكوى والضيق بكل شيء.. "دحام دحام. أكلتم رؤسنا. ماذا نعمل؟ ألف مرة نصحته أن يترك فاطمة الضحى وشأنها ص27.. ويمكن أن نذكر هنا موقف محمد سعيد الدليمي الرافض مركز فاطمة الضحى: .. "مجنونة بنت مجنونة 27" لكنه يظل في حيز الشتائم دون عمل لتخريبه، حتى عندما يسمع بأنها تسببت في تشريده وابتعاده، فإنه يهددها بباعث عائلي قبلي: "سعيد أقسم بالله إن كان صحيحاً ما فعلته فاطمة الضحى بدحام فسيقطع عنقها بالرفش، تصوري، الآن أصبحت علاقتهم بابن عمهم دحّام طيبة ص80" كما أن الباعث نفسه في منافسة المختار بعراقة الأصل وقوة آل الدليمي ومراسهم لتحقيق مآربهم الذاتية الضيقة هي التي جعلتهم يأخذون أكثر مما يستحقون من العلف، وكذلك في رفضهم لمركز محمد الجاسم والمزارع وحتى للمركز الخارجي.. وهكذا يبقى دحام العسكر تائهاً، ناقماً في دائرته وحده، لا أحد يستطيع أن يمد له العون إلا نفسه، تلك التي تحيا - التناقض- بين ما يطمح إليه وبين ما هو عليه.. "كل شيء فيها وفيه، يختلف، يزداد اختلافاً لحظة عن لحظة، يطوّقه فراغ قاتل كالأعمى في الصمت، لا هدف، لاشيء ص129." إن اللاهدف /و/ اللاشيء/ لايعنيان عدم انشغاله بـ - هدف- أو - شيء- وإلاّ لما أحس بهذا الطوق من عدم التحقق الذي لا يجده في كل شيء حوله يأمل فيه أو يحلم. الكل متقوقع على ذاته وعلى جماعته يتراكم فيه الاستلاب، وينهشه استغلال المراكز ويعشش فيه الجهل والأباطيل والمرض، مستقبله مؤرجح على كف الغيب والتواكل وسيطرة المراكز تشد على خناقه وتتدخل في حياته ومصيره دون أن يفعل أي شيء أو يترك الآخرين يساعدونه على هذا الفعل.. ها هي ذي فاطمة الضحى حاربها بلا هوادة منذ البداية، يتحداها، يكذب قوى جانها وشيخها المجلل ويسخر منها، يصرخ، "كل مصائب الصخرة من هذه المرأة الكاذبة النصابة.. لكنها صرخة في واد) لا يتزحزح عن موقفه، يشتد صراعه ضد هذه الشعوذة، كلما ازداد خط التراكم الكيفي تكثيفاً وعناداً وأخذ حجماً) يخيف المراكز ويهددها.. فاطمة الضحى تسترضيه، تعرف خصوصياته: ..أنا أعرف التي تحبها، مفتاحك بيدي ودورانك بالليل أسراره عندي، دحام طاوعني ص125ثمة انشغالات عشقية لديه: حمدية، نورة، سليمة لكل واحدة منهن على الرغم من "غرامها" به معوقات تقف على طريق زواجه منها) تظهر أمامه بمظهر البلهاء وتكشف عن حقيقتها ضارعة: "يا ولدي، أريد أن أعيش ص124"‏

يطردها دحام فتهرب متوجسة، وهو أيضاً، يعي دوره في العمل) الذي يفتقده "الاستقرار لا يأتي إلا عن طريق العمل ص" وقد حاول كثيراً مع بيروقراطية بعض مراكز الحكومة لكن دون جدوى 61. لم يعد يحتمل عذاب "اللعبة".‏

هل ينحدر إلى السقوط - التام؟ أصحاب كثيرون له وعدوه بتدبير عمل له ثم خفت حماستهم.‏

صاحب آخر ابتسم في وجهه: "لا تضجر" "لابد من الروتين والـ.. "أية حياة شقية تحوله إلى متسول" وهو يطلب عملاً.. ألم يفهم اللعبة؟ أم يريد أن يطفر فوقها في إباء نفس وصلابة لا يتيسر لها امتصاصه وهو يطلب حقاً!؟.. تماماً كما تأبى أن يُشفق عليه الآخرون ويعيروه بمالهم وجاههم بعد أن يزوجوه - بنتاً- "سيمارس أي عمل: بناء، حفريات، حمل أمتعة.. لن يموت" ص176 لن يقنط. ويأمل. محمد الجاسم يستغل هاجسه ليتقي، صوته، المعارض، يخبره بأن السيد سميح الندار يمكن أن يدّبر له عملاً في الجبسة أو الرميلان أو في الصخرة، لكن عليه أن يفهم ويطاوع ويترك اللعبة لأصحابها. دحام يمضي في طريقه بإباء ساخراً منه بعد أن خاب ظنه، محمد الجاسم عند دحام حين قال:‏

"دحام العسكر انتهينا منه "كعنصر وعي لا يتراجع، وكشخصية شديدة القوة والجرأة إلى حدّ الغرور، أضلت سهمه الآن!. ودحام لا يرضيه ما يجري على يد المختار.. الغضب يفجر عينيه الحادتين أبداً وهو يراه يلجأ إلى الحكومة التي لا يكفيهم إحسانها".. يخدر الداء ولا يستأصله، بل يؤدي بالطريقة) التي يوزع فيها المختار العلف ويحرك بها آل الدليم جميعاً إلى أن يستنجد بهم للمزيد من أجل الإحسان ذلك الذي يوفر مجالاً إضافياً للابتلاع من قبل جانب البيروقراطية والانتهازية، ومن ثم يصحو الناس في كل صباح على البلاء، المتفاقم وعلى المراكز التي تنفذ مآربها في الكمود وعطل الحياة، يسأله الناس: ما الحل؟ "إذن، فيجيب ننشئ جمعية تعاونية!.. التعاون هو بديل التفتت القائم على تلك الأرض البور التي لم ترحمكم حين لم ترحموها، وبديل تلك العلاقات المنخورة التي ما تزال تقطع أوصالها ديما غوجيه حلول المراكز، يعتقد الناس أن هذا الحل ليس منه، بل من المعلم نذير.‏

** اللقاء بين المعلم نذير ودحام العسكر‏

* والفعل المضاد‏

إن لقاء نذير مع دحام في بنية تراكم الكيف على غاية من الخطورة، ليس مصادفة، بل لقاء بالضرورة، فالمعلم نذير وجد الوعي المفقود في الصخرة مجسداً في شخصية دحام المتوقدة، وبهما ولدت إمكانية فعل المضاد لبنية التراكم الكمي دحام، عندئذ، وجد في المعلم الأفق الظامئ المختلج بالمعرفة والكشف وأحلام التشييد بـ "قلب" المجتمع لمجتمع مقلوب، يمكن لدحام أن ينضوي فيه ويعيش التغيير. لكن ما إنتاج - هذا اللقاء الذي تحول في مستوى من المستويات) إلى - تصادم- . مصادمة بين النظرية: نذير، واقتراحات التطبيق: دحام، وما مدى النقل الذي مورس على مراكز بنية التراكم، وما هي- الوقائع- التي تولدت عن ذلك...‏

بعض هذه الإجابات عن الأسئلة السابقة تكتمل خلال الحديث عن محاور التراكم الكيفي الأخرى... ما دام هؤلاء الرعاة والفلاحون يعوزهم العنصر الأساسي الذي هو - الوعي- والمتوافر في دحام.‏

لقد لجأ المعلم إلى أن يجعله، أداة اتصال" معهم، يحثهم على الانتفاع بالبدائل عما هم عليه..‏

** مشروعات وحلول تعاونية لدى محاور الكيف‏

اقتراح جمعية تعاونية عوامل الإنتاج فيها تقسم إلى قسمين، وتقدر بالأسهم.. القسم الأول: رأس المال ويضم الأرض والأموال النقدية وغيرها.. والقسم الثاني: ويضم اليد العاملة.. إن توزيع الإنتاج سيكون بحسب الأسهم، والمواشي سيكون لها حل مناسب لأنها أساسية في حياة الدليم فتدخل في التعاونية على أنها رأس مال.. فما النتيجة؟.. لم تصمد الحلول: المشاريع: الأفكار السليمة.. تراجعت النظرية في مجتمع حسير يجب أن تقوم النظرية على يديه.. لم يفهم دحام ذلك، لابد من الصمود أكثر.. وجد أن المثقفين لا يجيدون إلا الكلام ص113" وقاطع المعلم، وكانت المحاولة الثانية في مشروع ثان، ساعدت الظروف على نضارته وينشط نذير ودحام يجتمعان يومياً بالناس يفصلان لهم مزايا المشروع، لكن علاقات عدم الائتمان القائمة على الأَثَرَة والمواقف العائلية السلطوية المتناحرة، وعدم التكافؤ، ذات مضمرات عقارية وإقطاعية ورائحة بضغوط المراكز- كل ذلك حطم المشروع الثاني. هنا، لا يستطيع المعلم إلا أن يكشف لدحام عن نقطة ضعفه: "أنا مستعد أن أخطط معك لكن عليك التنفيذ".. الفلاحون يحبون دحاماً) لكن لا يثقون به أيضاً.. لا يملك شيئاً.. لم يعش بؤر علاقاتهم. ليس لديه ما يخسره.. يرتابون به.. دحام لا يفهم هذا، يظل يتقيأ علاقات القرية المنخورة، بصلابة الذي يجد نفسه في الساحة وحيداً يهز قبضته "سأخطط وحدي سأعمل وحدي.." .. لكن ماذا يفيد عمل "الوحيد" في عاهة ظلامية تسدّ كل درب.. هل تغلبه الخيبة؟.. هل الحل "في اللجوء إلى المدينة" ثمة محاولات ظهرت في أول الرواية لإيجاد عمل في المدينة خارج الصخرة ازدادت تكثيفاً على الرغم من إخفاقها مع ما يرافقها من أحلام اليقظة في الخلاص. لكنه لم يستطيع أن ينحِّي - الصخرة- نهائياً من رؤاه وتفكيره، إنها وصل سحري لا يقدر على التملص منه، هي قدره وصوته "مجموعة من الأصوات المختلطة كالغمغمة ترشف أحاسيسه" .. لكأن المدينة تغدو رمز خلاص "القرية"، يريد أن يمتلك القوة) منها، من خارج الصخرة التي أعيته، ليعود يستعملها داخل القرية التي لم ينسها.. "عبث. عندما تبتعد عن الصخرة سوف تنساها" و"يجب أن تضحي".‏

لكن دحام يصر على أنه لن ينساها، غاب عنها مرات وعاد في كل مرة، لكن، من أين لي أن أعيش؟.. وما معنى التضحية داخل كل هذا؟ هل تفيد في النهاية؟.. أم يجب عليه ألا يهرب من قدره؟ أن يظل يتدحرج) على صخورها؟.. أسئلة كثيرة من أمثال ما سبق، يمكن أن تُستسقى في بنية تراكم الكيف من خلال دحام. لكن لا أحد يقدر أن يعرف ما سيفعله، دحام" في آخر لحظة. الكل يعرف حالة التمزق التي يعيشها، يعتقد أنه على وشك "التحطم" أو" الخروج".‏

ها هو ذا المختار) توشّي سيمياءه ابتسامة سخر، وهو يسمع "أبا فايز" يطلب مناداة دحام العسكر للمضافة، ومحمد الجاسم يعود ليقول هامساً في أذن سميح الندار: "دحام العسكر انتهى أمره تقريباً" فهل انتهى فعلاً؟‏

المحور الإيديولوجي: المعلم نذير..‏

** إيدلوجية مضادة‏

المعلم نذير يحس تفاهة الحياة، بمنتهى تفاهتها، بمرارتها، "الجزيرة هذا البحر من الخيرات يعاني أهلها البؤس والفقر، الجزيرة التي يفترض أنها مصدر الثروة الوطنية لا تكاد تحتمل من يعيش فيها، صوت المعلم نذير الكيفي تردد منذ بداية الرواية أيضاً، نظرت إليه المراكز، كمحور مشاغب يجب كبته وإلغاؤه إنه يشوش - المسلمات- لدى الفلاحين ويثير الوعي، ويعمل من أجل نشره بقوة وحزم، ويسعى إلى تشكيل جبهة معارضة، يقلقل العلاقات، ويقلب البنيات: يشرح ويفسر، ويأمل.‏

الفلاحون في القرية ينطقون بكلمات من يستغلهم وينفخ فيهم الإشاعات المغرضة: "معلم المدرسة نذير هو الذي ينفخ في رأس دحام... المعلم يحاول أن يطرد الأوهام من رأس عمشة: ذهب دحام "إلى الحسكة يراجع من أجل العمل" لم يشرد بشياطين فاطمة الضحى، التي لا وجود لها: كلهم كذابون".. وقف موقفاً أيديولوجياً يدين أصابع القذارة التي تلعب بأقدار الفلاحين. إنه موقف حزب البعث العربي الاشتراكي" من المسألة الفلاحية التي تحمل شعار: - الأرض لمن يعمل بها- تجعله يتعذب بنقاء ثوري يدعو إلى التهكم) حين يجد نفسه ضمن دوائر عاتية متلبسة تقذف به دائماً خارج الشعارات الإيديولوجية التي تفجّر سلوكه. لكن ما يجري على الواقع، يحولها إلى مجرد كلمات جوفاء، ففي الفصل (18) الذي تبرز فيه بنية تراكم الكيف قوية، نعرف بأن نذيراً لم يمض على وجوده في الصخرة إلا سبعة أشهر، فهو ما يزال يرى الأشياء جديدة متناقضة، وهو في نظر الفلاحين يمثل قشرة سرعان ما تسقط بعيداً، عاجلاً أم آجلاً، عن هموم الصخرة، الناس يعاملونه بحذر).. ثمة حادثة لزميل سبقه إذ أمسك به الفلاحون مع فتاة في غرفته.. والمعلم ماذا يهمه، ابن حكومة، له راتب آخر كل شهر. وهو غريب سيأتي يوم يغادر فيه الصخرة إلى غير رجعة، يحذّرهم أيضاً، لكن لا يوافقهم على قشريته، هذه المأساة التي تكويهم هي مأساته، عليه بمواجهتها بطريقته التي تنبع من أيديولوجيته المضادة، لم تكن لتنقصه الحماسة، لكنه حائر، ماذا يعمل؟. فاطمة الضحى جعلت الناس متخاذلين ينتظرون معجزة عن طريقها، تسقمه الأرض المهملة: "أهملوا التفكير بالأرض لأنهم لا يعبؤون إلا بتربية المواشي بدافع عاداتهم اليومية المتوارثة.. وإن أمحلت هلكوا، وهلكت مواشيهم كما يحصل هذا العام.." رصف مثل هذا الكلام في السرد على أنه في رسالة)، رمز مهم يعني التوثيق) على الحالة المتردية التي تعيشها هذه المناطق، وكبعد مكاني" غدت تنفع معه الرسائل وحدها ما دام أولو الأمر قد لا يعرفون شيئاً عما يجري هناك وكشريحة من الواقع تجدر الكتابة عنها، حتى تكون مصدر كشف لفعل الثورة الذي لم يكتمل بعد وكـ حاشية" مهمة على الشعارات التي كرّستها الثورة من أجل التغيير الجذري في واقع مظلم..‏

** الثوري المحبط‏

والصراع مع مراكز الصخرة‏

"كان نذير يقول في نفسه نحن ثورة، والثورة تعني التغيير الجذري، كان توقه للتغيير الجذري آنذاك أشبه بتوق من يرتدي ثياباً وسخة ويود لو يبدلها بأخرى نظيفة، عرف العلّة، لكنه عجز عن التماس وسيلة للقضاء عليها، يعرف بأن سميحاً الندار) المزارع القادم من القامشلي يعرض عليهم أن يؤجروه أراضيهم مقابل مبالغ يرونها كبيرة، لكنها في الحق عملية استغلال مفضوحة، سينشئ المزارع محركاً، ويحوّل من يريد العمل لديه إلى مجرد أجير عنده، مبتلعاً خيرات أراضيهم، ومن لا يريد العمل معتمداً على أجرة أرضه إلى مجرد عاطل لا نفع فيه وقد اختار هذا المزارع في خبث رجلاً في الخامسة والأربعين..." إذن العملية خطيرة: أين الاشتراكية؟ من يحيي هؤلاء. من ينير لهم السبيل؟.. أتعرفون ما معنى الاشتراكية؟.. أن يعمل الإنسان في أرضه، أن يأكل ثمرها، وينفع وطنه ".. لا أجراء في الاشتراكية، لا استغلال، لا مرابين، لا مشعوذين..‏

سميح الندار حاول تهديده بالنقل.. هل يمكن أن يعاقب لأنه تحدث عن هذا كله في عهد اشتراكي؟.. البيروقراطية في الحكومة قالت له: "الأرض مسطحة أحياناً! ".. إذن عليه أن يكون حذقاً!. ما يحتاجه هو الوعي من داخل الفلاحين.. اتصل بـ "دحام" لم يفلح أي من مشروعيهما كما مرّ، لابد من نسف المراكز" فاطمة الضحى تسببت بموت طفل.. عَرَّاها في أفهامهم.. الشيخ محمد الحلبي إمام الدليم عاضدها، وكانت تصله منها - هدايا- وبينهما اتصالات خفية.. صرخ الشيخ: "أنت عدو الله".. أهانه باسم الدين- الذي جعله أعداء الدين يعمي الأبصار والبصائر، ويحقق المصالح، ويساند الابتزاز.. في حين بقي الدين دعوة للخير والتعاون والعلم والعمل... يكذب التنجيم والشعوذة ويحارب الخرافة، ويدعو إلى هتك اللوابس ويستنكر الدور الهدام المتواكل. وهكذا شهد الفلاحون تحولات زراعية هشة، ظلت - خارجية- بينما انعدمت التحولات الاجتماعية الجذرية التي تمنع وقوعهم في "فخاخ" شتى، وتمنح فرص الاستغلال... محمد الجاسم راح يحلل له وضعه) الذي لا يحسد عليه وهو مهدد بالنقل على يد المزارع.. الأرض مسطحة".. هل اندحر نذير؟ أية قوة يجب أن يمتلكها الثوري وهو يضع الشعار الثوري في قامة التطبيق دون أن يكبو؟ هل هي أثَرة الذات ومصلحتها؟.. هل نسي - التضحية- التي تشدق بها ذات يوم في وجه دحام؟.. يحس بالوحدة الآن.. المثقفون لا يجيدون إلا الكلام.. ليقرّ بنقطة ضعفه.. نظرة "الاستصغار" من قبل دحام كانت في مكانها.. هو لا يستحق الثقة.. دحام على حق وهو يصبو إلى "المدينة" بعد أن سَدَّت الحواجز كل أمل في خلاصه.. هل أدرك المعلم أيضاً أن "نقله" سيترك الأمور تتفاقم، وأن عليه أن يمارس "كموناً" مؤقتاً حتى يجد الظروف المناسبة.. هذا غير صحيح ما دام لم يُقل في الرواية.. لكن المؤكد أن اندحار نذير كان ضغطاً، وسقوطاً، مما جعل بعض المراكز تشير بوضوح إلى تهدم محوره.. لكن صدق المعلم ونقاوة طويته وتصديه على المستوى النظري والعملي ترك عندنا انطباعاً بإمكانية ما "تنبثق عنه، تعود به إلى المواجهة، وأن ما حصل له يشبه ضربة على الرأس، عطلت مبادرته وتفكيره وقواه.. لكن أليس في تهالك نذير إشارة إدانية خفية إلى مركز الحكومة في جانبه الذي يتبنى الديماغوجيه على يد مدير التربية) أو أيّ غيره كان من الممكن أن يؤثر فيها مركز المزارع.. وجد نفسه "وحيداً" الجميع ضده أو بسيبيلهم إلى ذلك.. وأن شيئاً مراً بطعم العلقم يسكن حلقه وهو يمدّ يده.. لم يخف قلقه على الثورة وهو يقحم مديرية التربية ويدخل غرفة المدير.. "أصحيح أنني سأنقل من الصخرة؟" في هذا العهد الثوري الذي أمارس فيه شعار الثورة: الأرض لمن يحرثها..)" أحياناً لابد أن تكون الأرض مسطحة".. تعني، مما تعنيه، الحث على أخذ الحيطة من عواقب الأمور فلا "أحد" ينقذه إذا لم يأخذ جانب الابتعاد عما لا يعنيه، والتعامي، والاهتمام بشأنه وحده.. كما تعني - المسايرة- و- النفاق- و- التملق الاجتماعي، في حين تتجذر المشكلات وتتزايد التناقضات في الواقع. لا ثورة بلا ثوار.. فكيف هو في موقع المسؤولية أن "يرتد" ويحذر؟، وكم هي المواقف المسطحة التي اتخذها مدير التربية في عمله دون حساب للمبادئ؟! تبقى "الارتدادية" لا تفعل شيئاً حاسماً لنقل الواقع من طور إلى طور، وإلى تحرير الفلاحين من التبعية والرهان والمصالح الضيقة ودفعهم لامتلاك مؤسسات تعاونية جماعية جدية وتأطيرها ودعمها بالإيديولوجية الثورية اللازمة.. مع هذا، فالنقل لم يحدث، و"الكشف" في تلك النقطة لم يسر إلى آخره!، وسارع الكاتب إلى تعطيل "نذير" لفض العلاقة التي تدفع السياق الروائي في هذا الاتجاه!، فهل تم دفن محور نذير أيضاً؟..‏

ثمة ملاحظة على موقف نذير من المختار)، تجلت في مغالطته وفي تردده في أخذ رأي حاسم تجاهه... وهذا ناتج عن تشتت الرسم الذي تكونت فيه هذه الشخصية في الرواية لا من غموض الأفكار وانسحابها أحياناً من بين يدي الكاتب وهو يعمق هذه الشخصية، فتغدو الإضافات خلخلة لها، أو تسطيحاً في جانب واحد...‏

ظهر ذلك في "حسن الظن" الذي اعتقده المعلم تجاه المختار، عند لقائه بـ "إمام الدليم" محمد الحلبي. فجعله يتأثر ويغضب لسلوك الشيخ... مع أن المتوقع أن يكون ثمة تحالف بينهما لشبك خيوط التصرف الشائن، ومسايرته بالتملق الذي عهد عن المختار، لبقاء علاقته مع فاطمة الضحى ولو ظاهرياً، غير مشوبة.. ألا يكون قد روجع مثل هذا الحديث قبل دعوة المعلم الذي خصص بالدعوة؟ وهل يمكن أن يأخذ المختار موقفاً إيجابياً يوحي به إلى الشيخ من أجل "مطلق" معلم غريب ومشاكس على حساب قوى يعايشها وتعايشه من منطق حسابات دقيقة، في الوقت الذي يعرف محور المعلم المحتج والكاشف والحاث. السياق يفضي إلى أن "المختار" يكره - الملعونة- كما يكره محمداً الحلبي) ضمن رؤية المصالح... فأدرك أنه ضرب من الملف الاجتماعي المصوغ بشكل ما. يكرهها ضمناً، ويصمت علناً "فما دام الأمر كذلك، أفلا يدفعه ملقه، أن ينافقه، وأن يتآمر ضده؟...".‏

ثمة سرد عن المختار يقول: همة المختار في إعادة مجد الأسرة تفتر وهو يرى الناس يتكالبون على المصالح، والأنانية تشتعل بالنفوس يوماً عن يوم لكن الأمل ما يزال يتوهج في أعماقه: "الدنيا مختلط بعضها في بعض هذه الأيام" يقول دائماً "مات التقدير في النفوس"... أليس ما ينعي عليه ينطق بأنانيته هو.. واختلاط الدنيا الذي يراه أليس من رغبته المتجذرة في الحفاظ على - الهياكل العتيقة- وإدانة كل تحرك يعقبه الفرز لصالح قوى ظلت طويلاً وهي تُقدّر)،.. إنه يريد أن يكون - محور- كل شيء.. ويحقق - أمله- على حساب المقاييس) التي - يفتقدها- في غيره... فلا يرى إلا - الغيمة- التي تظلل أرضه) أما إذا كان - المطر- عاماً، سيكون - هذا المطر- لعنة، ويغدو به - منكبحاً- ما دام بوسيلته، فهل يكون الفلاحون طعانين - وغير مقدرين- آنذاك.." ليمض المختار ورجال الدليم إلى القامشلي أو إلى الجحيم"... ورقصت قلوبهم، كما فاض قلب "نذير" بالفرح، لذلك - الضيف- الجديد الأخضر.. فهل ثمة بشارة في عينيه، ويده؟...‏

3- محور الحكومة: أبو فايز‏

* الشرطة وقوى الاستلاب‏

الشرطي أبو فايز أداة من أدوات الحكومة في القرية. لا يبدو، في الرواية، كأداة "مسخرة" وغبية، وتضرب بتسلط بأيد أخرى، بل "أداة وعي" لم تدخل أبداً حيز التنفيذ ليس هو مع قوى الظلام، وعنده حماسة) ما من أجل النضال والتغيير والأفكار الثورية، لكنه لا يملك الفعل)، أو يتوهم عدم امتلاكه لذرائع تملي عليه انسحابه العملي، وتقريظ من يحاول القيام بهذا الفعل فقط "أنت مناضل حقيقي يا أستاذ نذير..." ... ضمن هذا المجال يُفهم موقفه الكيفي. والمعلم يقول عن: أبو فايز شاب واع ص 103) رغب في أن يتعاون معه.. إنه تحالف طبيعي بين قوى أية ممارسات ثورية.. لكن هذه الرغبة) بدت لأبي فايز على الرغم من ثقته بقوة مسوغاتها، حماسة حلوة) أي عملاً غير مجد... "لكنك لو خضت قليلاً في المشاكل لا نثنيت عنها مباشرة".. المعلم نذير يرى فيه "الضيق" لا "اليأس" عندما يستمع إلى حيثياته.. القانون ضد فاطمة الضحى... لكن لو قدمت للمحاكمة بشهود من أبناء القرية، فلن يشهد أحد ضدها... مشروع محمد الجاسم والمزارع. يمارس استغلاله دون أن يناله القانون؛ أين هو من شعار: الأرض لمن يحرثها).. من يحمي الأرض من أن تكون سلعة رخيصة تباع وتشرى ويتاجر بها مع مصائر ما عليها..‏

أبو فايز يرى الاشتراكية لا تطبقها الشرطة، بل يطبقها الاشتراكيون... والتغيير ينبعث من داخل الفلاح من أعماقه وإيمانه بالاشتراكية لا من قوة خارجة عنه.. شيء من ذلك صحيح، والمغالطة في أن نستعمل هذه المقولات الصعبة في قناعات غير مراجعة.. فباسم هذه نفتح باب الاستغلال الفاحش يستشري مثل وباء بحجة انتظار - وعي- قد يبدو مستحيلاً؟...‏

ونترك هؤلاء الفلاحين الذين - أحبهم- أبو فايز نفسه تغوص أرجلهم بالوحل حتى الاختناق حين يتحولوا إلى مجرد أجراء وفعالة، بحجة - طور قادم- قد لا يأتي بعد ازدياد النفوس والعقول والمصائر اسوداداً وتهافتاً..‏

الرواية ذاتها تعطي مثالاً.." أعرف بعض القرى التي أجر أهلها أراضيهم لمزارعين من هذا النوع، اكتفوا بأجرة الأرض، وتركوا الفلاحة نهائياً وقعدوا في بيوتهم ص 105"... فلا أقل من أن تعطل "الشرطة"... هنا قوى الاستلاب، فبمحاسبتها وتجريمها تثير لديهم الوعي، وتثير سبل الفهم، وتتيح فرص الإدراك بالكشف القانوني والتعرية بالجزاء. الوضع الاشتراكي قائم، ويد الإقطاع والعقاريين لن تملّ من شد الحبل لمصالحها واهتبال الفرص، فما موقف أو دور القانون في حماية الوضع الاشتراكي وترسيخ أبنيته بقطع اليد المخربة)؟ من يمثل هذا القانون؟ ألا يسمح فعلاً بالتدخل؟.. "القانون لا يخولني بذلك"!.‏

لا يكفي أن نعطي الفلاح، الأرض المشمولة بقانون الإصلاح الزراعي دون أن نعضده - بقانون- ، فلا يترك لمصيره، ولا يكفي أن يكون لدى الفلاحين حسن التعاون) وهو متوفر حتماً عند كثيرين من الفقراء منهم وأصحاب الملكيات الضيقة، بل تجب مراقبة العمل في هذه الأراضي باستمرار، وصياغة الحس التعاوني المتنامي بمكاسبهم الجديدة في أشكال مشروعات جمعية مدعومة بالأدوات اللازمة على المستوى المعنوي والمادي حتى تتحول قراناً إلى مجمعات زراعية تعاونية حقيقية مفيدة تحبس الغبن والاستغلال. وترسخ إيديولوجية علاقات إنتاج جديدة، تبني الوعي من خلال الممارسة والشعار معاً، ولا أعتقد قيام ذلك دون تدخل القانون ضد من لا يريد أن يعرف أو يعرقل قيامه.‏

* زوايا المعلم نذير الميتة‏

يؤخذ على المعلم نذير، أنه لبد في زواياه الميتة)، ولم يستغل نيّة "أبي فايز" الصادقة ودفعه إلى مواقع وعي عملية كانت تفيده جداً في تحركاته الإيجابية التي أحبطت. بينما أسقط أبو فايز تخاذله، على الرغم من وعيه على المستوى النظري، على تشجيع المعلم للعمل والنضال فقط، تركه وحيداً يتفرج عليه باسم القانون الذي لا يستطيع شيئاً.. "أنت جبهة شريفة يجب أن تأخذ دورك ص 106".. بالطبع دوره كمعلم مناضل، لكن ألا يُمارَسُ النضال من أي موقع يكون الإنسان فيه؟ أم يجب أن يتبادل الناس المواقع، حتى يمارسوا نضالاتهم!؟. مهما يكن، فأبو فايز لم يقف ضد المعلم، أو ضد مشروعاته ولم يسع من أجل نقله متحالفاً مع القوة المهيمنة، وهذا ساعد على أن يُبذل الجهد من قبل المعلم بقوة ضمن الظروف والملابسات المشروعة سابقاً.‏

4- المحور الديني:‏

أريد بهذا المحور تلك المواقف الدينية التي تدحض المشعوذة وتدينها، على يد رجال الدين الذين يمثلونه كقوة دفعية ثورية، لا كأداة تخاذل وتغطية وغيبيات لا يقرها الدين.." واللَّه كان عندنا في الصخرة إمام فقير للَّه، صاحب أخلاق فاضلة، وعفة نفس، نفرته الملعونة.. ص 110..‏

وخلف محمد الحلبي) أيضاً في وقت مناسب شيخ جديد أعلن صراحة بأن ما تقوم به فاطمة الضحى من أعمال خرافة) و مروق) على الدين ص 114.‏

هذا المحور كان - هزيلاً- في الرواية وجاء على شكل اتكائي، لم يكن له ضغط قوي، بارز، لكن مما لاشك فيه، أنه لعب دوراً في إعادة الأسئلة والأجوبة لدى أفهام بعض الفلاحين، التي تنتعش بوضوح إذ يسقط المطر إذ لم ينفع فاطمة الضحى إدعاء قدرتها هي على تلك الدفقات من المطر.‏

5- المحور الخارجي:‏

- دفقات المطر والقوة النابذة‏

يمثل هذا المحور بـ "دفقات المطر" المباغتة، مما أدى إلى تحرك:‏

بنية التراكم الكيفي "بعد أن كادت تخمد وتهرسها بقوة وثقل بنية تراكم الكم.. وإلى حقن رئتها بأنفاس جديدة، حيث ستتحول إلى قيام بنية أخرى متولدة من عطاءاتها التي أخذت اتجاهات فعالة على درب الوعي المعمق من أجل حياة شرعية تنطبع فيها تطلعاتهم الجماعية في توازٍ وتضامن. لكن المتغيرات في المواقف والشخوص في بنية تراكم الكيف من خلال هذا المحور بالذات، ظلت في حدود "الرفض" للمراكز والتهديد بنسفها دون بديل، دون ركائز وعي عميق أحياناً تسوغ الرفض، بل كانت ردود فعل حارة تجاه هذا المركز الخارجي و "مشجباً" يعلقون عليه مأساتهم "إلى حين. بغض النظر عن التفكير في "ضمانات" قوة هذا الشجب وثباته!‏

لكن مما لا شك فيه، أن بهرة التفتح على الأرض والمطر يبلل قشرتها، ساعدت على استطالة مُشعات في تراكم كيفي. في وقت اشتدت قوة الجذب حتى أقصاها لصالح التراكم الكمي، ولقد خرج التراكم الكيفي بسقوط المطر، من قوة الجذب هذه، - كقوة نابذة- لم يعد التراكم الكمي الدائر، على الرغم من قوته الهائلة، بقادر على حبس جاذبية أقوى دعمت هذه القوة النابذة، التي أخرجت التراكم الكيفي من إسار دائرته، لينطلق في فضاء في مهوى بدا ضائعاً حين لم يحدد مساراً محدداً يجنبه إمكانية التعرض للاحتراق بإنعدام قوة جاذبية المركز الخارجي غير المستقر، ويبعده بالتالي من أن يصطدم مرة أخرى بكل دوائر مراكز بنية الكم فيتدحرج، وهو أكثر انزلاقاً وتشققاً، ليطويه جذب المركز الكبير الأساسي لدائرة: "القحط المرجح".‏

** نقاط قوة متبلورة في تراكم الكيف‏

يتأتى في تراكم الكيف بعض نقاط متبلورة في مايلي:‏

* إن محاولة تغيير واقع الفلاح في مجتمعنا السوري بقلب الأوضاع المتخلفة أولاً، وإرساء بنيات بديلة سوسيو - إديولوجية، لم تتحقق بعد جوهرياً، كان ثمة طرح - أسئلة- ومعطيات أجوبة تقدمية، داخل الرؤية النظرية في المسألة الفلاحية، وشيئاً ما داخل الممارسة، وإلا فما معنى أن توجد بنيات متراجعة أو مستغلَّة أو مستغِلة أو جاهلة أو غير مستفيدة، على تلك الصورة المركبة التعسة..‏

** ثمة "اختيار: واع ونظيف يدعو إلى توحد الإيديولوجية الاشتراكة مع تجربة الجماهير يعري "الانتكاصية" التي تعاني "الازدواجية" على صعيد النظر الثوري وعلى صعيد الممارسة. وإن كان هذا الفضح في رواية الصخرة يسكت عند الكلام - غير المباح!..، ويأخذ دلالات عامة غير حيّة وغير تمثيلية مركزة.‏

** انزواء الوعي أو إفلاسه داخل إطارين عامين: الفرد - في العائلة أو المجتمع.. الفرد - في مصيره الجماعي الواحد.‏

ثمة معادلة يفرزها "الوعي" في بنية تراكم الكيف محاولاً تلقينها وتطبيقها على مستويين:‏

فلاحون + تعاونهم مع المزارع واستلابهم تجاه بقية المراكز = ضد أنفسهم وتدهور واقعهم. فلاحون + تعاون بعضهم مع بعض والانتصاب خارج العاهات بأنواعها = تغيير الواقع المفروض بالحرب ضد المراكز.‏

*- إرادة المناضل والمسألة الفلاحية‏

إن إرادة المناضل الحقيقي قد يصيب حركتها الانحدار، لكن لا يمكن أن تتلاشى، وقد تتعرض لإجهاض، لكن التصدي للذين صنعوه، يعطيها الفرصة مرة أخرى، لأن تُصعِّدَ الصراع حتى تحقق في الواقع ما ترغب به على مستوى المقولة والشعار. لكن هذه الإرادة كما هي في الرواية كانت تمارس أدوارها فردية، أو في محاور غير متعانقة، وحتى في بعض الأوقات التي التقت فيها بعض هذه المحاور، فقد لاقت الإخفاق والتراجع، نتيجة عدم مساندة المحاور الأخرى لها، وضآلتها، في حين يقوم على عاتقها عبء عملية مزدوجة: التنوير العام على المستوى الإديولوجي والسوسيولوجي ورسم المشروعات التي تحتاج إلى تفسير للقيام بها من جهة ومحاربة المراكز والرد على سهامها من جهة أخرى.‏

ظهر في المسألة الفلاحية أن الطرح الإيديولوجي من أجل التغيير يجب أن يواكبه طرح سوسيولوجي في قامته، نفتقده بذلك المستوى.‏

بنية تفجيرية‏

*- إيقاع بطيء.. إيقاع عنيف‏

بنية تفجيرية بمعنى صوت ارتطام قوي من الأفكار المضادة لسكونية صمت التآمر والغش والاستغلال، واندفاعات معاكسة ثاقبة تحاول أن تمزق نسيج السلمية) الذي يزداد طولاً وتكثفاً كما لو أنه لا سبيل إلى فضّه واستبداله، وتلغيمات تفقأ عين دمامل التخلف وتنسف بؤر المسلمات والسلوكات والمفاهيم المحنطة.‏

بذلك الاتجاه كان التعبير الفني الذي سُخّر في نسق بنية تراكم الكيف داخل الكم في القسم الأول وفي الثاني من الرواية. والبنية التفجيرية، لم تكن بذات القوة في كل عملياتها، لكنها في كل مرة، على الرغم مما تحدثه من بعض الخراب في النسيج، ومن زلزلة في أرضيات المراكز، وتضرم الحرارة في استرخاءات نفسية وموقفية هنا وهناك، إلا أنها سرعان ما يزول أثرها المختلف، ويعود ما كان هدفاً للتفجير إلى سابق عهده من الصفة، كأن شيئاً لم يحدث. وهذا تبدى في ما قاله أو فعله دحام ضد فاطمة الضحى، والمختار، ومحمد الجاسم، والحكومة، واستلاب الفلاحين، ومن أجلهم، أو في ما فعله أو قاله المعلم نذير، وفيما أعلنه المحور الديني ضد الهرطقة... على أن هذه البنية التفجيرية بقيت ذات إيقاع بطيء حتى سقوط المطر في القسم الثاني، يسخن أحياناً تجربة المشروع الثاني بخاصة.. صدام دحام المباشر مع فاطمة الضحى وإصراره على إهانتها وفضح أكاذيبها...) بينما أخذت هذه البنية تتوافر على إيقاع عنيف ذي قوة تدميرية في القسم الثاني من الرواية أثناء سقوط المطر، حيث تشكلت البنية التفجيرية في أسلوبية جديدة عمقت الزمن في السياق الروائي. كان الزمن في القسم الأول متداخلاً يتجذر ويتعمق إلى مراكز الدوائر كلها، ويتلاحق في الوقت ذاته كضرورة حتمية في استمراره وديمومته من خلال البناء الروائي ومعطياته في "الصخرة" يكشف عن الأعماق، كما ينير التواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، أما في القسم الثاني، فإن الزمن كان يدخل تضاعيف دوائر معينة في لحظتين متناقضتين: لحظة تسبق العلم بالمطر ونظره، ولحظة المطر الهاطل "حيث العيون معلقة بالسحاب"، أما التتابع ففي مسافة ضيقة هيكل الزمن الظاهري المتلاحق في الرواية لا يتعدى يوماً واحداً). في اللحظة الأولى يكمن الكاتب في زوايا الدوائر أو مراكزها ليلاحق رؤيته، يدخلنا معه، يرينا أكثر مما يخبرنا كما حدث في القسم الأول على مستوى البنيتين في تراكم الكم والكيف، تمتد هذه اللحظة وتتسع في عمقها وهي تطوي في السرد قطاعات مختلفة ذات شخوص متعددة في حالات متنوعة عن طريق الحوار الذي أخذ دوره في الكشف عن النزعات والعواطف والهموم ومتح ما يختفي في أعماق الشخصيات ليؤدي إلى امتلاك الرؤيا المصنوعة أيضاً من قبل استخدامات أسلوبية أخرى، كالتحليل الذي يحل كل الحوار أحياناً، والوصف الذي يعد مهمشاً في السرد الحكائي، واستعمال المونولوج الداخلي في حدود ضيقة، والإيقاع الذي بدأ في هذه اللحظة حيوياً، لكنه ليس شديد السرعة والسخونة كما هي اللحظة التي تلي، وبذلك أعطى معنى قوياً وتأثيراً حاداً، حين تفجر مثل ألسنة اللهب من النار التي اشتعلت في الساحة الصغيرة التي تطل عليها دُوْرُ آل الجرو وآل النمر وآل العلي، أو مثل طلقات الرصاص من البنادق والمسدسات المتحدة مع زغردات النساء والضراعات اللاهبة وهي تلاطم) قطرات المطر القوية الحقيقية. في اللحظة الأولى دلَ الشريط على أن الدوائر ماتزال على انغلاقها الذي تطوي فيه مفرزات حيواتها الفردية والعائلية والاجتماعية على دائرة ماتني في حركة التجاذب المتوازنة مع بقية مراكز الدوائر والمشدودة كلها إلى قوة الجذب في المركز العام الناتج من التجربة الكلية الواحدة والذي يحفظ قوة جذب المراكز، هذه اللحظة الأولى إذن، هي من بنية التراكم الكمي "تتبعها بشكل فجائي يغاير سلمية اللحظة الثانية التفجيرية من بنية تراكم الكيف"، فتحدث هرجاً وشرخاً قوياً في الانغلاق "الدائري" تهتك قشرتها وتحاول أن تقذف بـ النواة - المركز "بعيداً" وبذلك يتعطل التوازن ويضطرب ويؤدي إلى الاختلاط والتداخل، الأمر الذي يطلق "القوة النابذة" خارج قوة الجذب الأساسية في المركز العام وخارج قوة جذب المراكز التي كانت تستمد طاقتها واستمرارها من القوة السابقة. وهكذا مارست قوة التفجير في بنية الكيف دورها في دخول كل دائرة لتحدث نوعاً من العطب، ثم تنتقل بسرعة إلى دائرة أخرى لتمزق، حتى يحدث الخلل والتعطيل في كل الدوائر، ثم تعود مرة أخرى لتحقق نوعاً أعمق وأوسع من التخريب، على الخصوص، في دوائر "مراكز" بنية التراكم، في محاولة لفرقعة قلوب هذه المراكز نفسها وبؤرها العفنة، ووضع الرؤية على مدى القلقلة والاختلاط التي أصابها بمصادمة الدوائر العائلية التي تبددت حركة مجاذبتها أو كما يبدو في طريقها إلى ذلك التبدد، بمزيد من قوى التفجير داخل بنية تراكم الكيف، التي ظهرت أيضاً ليس من خلال ارتطام اللحظتين الأولى والثانية، اللتين تتسرب فيهما البنيات المتضادة، بل بصراع تصفية الحسابات بين المراكز، وتكشف عن أطماعها المتصادمة ذات النوايا والغايات المختلفة في انحطاطاتها.. لكنه صراع سرعان ما تجري تغطيته مرة أخرى كما أوحت الرواية، لأنهم "بعد أن انهزموا جميعاً ص 181 يدركون أن الخراب لاحق بهم جميعاً، إذا لم يجدوا صيغة تعاون جديدة ويقفوا ضد "العوائق، كل العوائق ص 189" ويظهر أن المختار سيتزعم جبهتهم المنتكسة- .." أنا الذي أعرف الصخرة.. أنا الذي أعرف الدليم ص 145 "أما نتيجة هذا الصراع فمتوقف على طاقة قوة التفجير في بنية تراكم الكيف أولاً وعلى فعل القوة النابذة" المتولدة عن التفجير في قدرتها على إيجاد فلكها الخاص المتحرر والمتوافق مع طموحاتها التي قد تنتج مغايرة بتأثير معطيات التفجير الإيجابية إذا وعت ذلك ومدعومة بالمحاور الكيفية التي ستجد فرصة كبيرة لتوحيد الفعل الموضوعي معها.‏

*سرد بنية التفجير‏

والتركيب الدائري‏

أما سرد هذا الصدام على أنواعه، فقد حقق ما أراد من تطلع إلى الوصول إلى المتلقي، في تحقيق عمليات الأخذ، والمشاركة، وصنع "الرؤيا" مما تطبعه وتقوله المشاهد، ومعايشة همّ جديد في ما يمكن أن تحققه - القوة النابذة- التي ظلت "ضائعة" حتى الآن في بنية تراكم الكيف تشي بالتفلت من الإسار، لكن لا تعد بشيء حاسم، فأي مدار ستنشد إليه مرة أخرى؟. هذا التطلع" المحقق، على المستوى التعبيري، في القسم الثاني، يكاد لا يقارن بما حققه من نجاح وما ميزه من ضبط السياق، بالنسبة إلى القسم الأول، بعضه، على وجه الدقة كما مرّ، فهيكله الأسلوبي بدا هنا متماسكاً، في عمليات التفكيك داخل كل فصل وإلا فسيؤدي هذا "الحل" الذي يكون عنده على مستويات عدة على أصغر حالات التفتيت- أحياناً- إلى الانهيار بفعل انتفاء عملية التركيب المتينة أصلاً. كما يقوم البناء عند إعادة التركيب من قبل المتلقي والذي هو محسوب في معمارية الصورة والرؤيا داخل الفصل أولاً وداخل الفصول ثانياً عندما يثقل بإضافات وذيول وتهميشات لا أهمية لها. كما كانت انتقالاته غير محصورة في نطاق ضيق، سريعة، خاطفة أحياناً، في جل الدوائر يحل مقطعاً من مشهد، يمرره أمام عيوننا، يطبعه، يوقفه، ينسحب وقد خلف وراءه قهقهة نشاركه إياها، أو مرارة، أو سخرية، أو استطلاعاً وفضولاً لم يشبع يبحث عن بقية، يعود إلى تتمة مقطع من مشهد ليعرفنا على ملتهباته.. وهكذا حتى تتكون فكرة شمولية عما يجري خلال هذا التركيب/ الدائرة، وكأنه في سباق مع زمن قصير، يريد أن يستقطب كل حوادث الحياة في القرية خلاله، بحيث أمكنه أن يعرفنا على كل ما يخفق) فيها خلال لحظة المصادمة في بنية التفجير في تراكم الكيف، ولو لم يكن هذا التركيب الدائري، لما استطاع أن يحقق هذه الشمولية وأن يعمق الزمن إلى درجة استيعاب كل الحياة فيه مما دفع إثارتنا إلى المتعة وحرك حدسنا ونحن نستخرج أو نحاول أن نستخرج نتيجة ما. والواقع أن هذه الطريقة قد مهد لها الكاتب جيداً في الفصل الأول من القسم الأول، لكنه لم يتابعها، ومما زاده في البنية التفجيرية هنا، هو تشابك الدوائر حيث رحنا نرى في مقطع واحد مفتت يعرض أمامنا اجتماعاً من عدة دوائر بعد أن تكدست محيطات هذه الدوائر "في البقعة الجنوبية الغربية تندلع أصوات الأطفال: مطر.. مطر.. نواف بن محمد سعيد الدليمي يقود جمهرة الأولاد... عيد أصغر أولاد ماجد الخلف... يتوسط الأولاد... أولاد آل العقل ينضمون إليها.. صبحة زوجة متعب النمر تضع يدها على فمها... وردة زوجة هزال، سعيد بن محمد سعيد الدليمي لا يتمالك نفسه... طراف المشعل... سالم الجرو.. ذوقان العقل... هدية أم محمد العلي... حماد ابن المختار وخلاف... الخ ص 43- 144".‏

* التداخل في الدوائر وملامح التعبير‏

لكن هذا التداخل في الدوائر، ظهر بصورة جلية، في دوائر المركز حيث تغدو مسرحاً للصدام، عند سقوط المطر، في حين تكون قبل اللحظة التفجيرية، شبكة حقيرة للاصطياد والتسخير، وقد بدت براعة هذا التداخل على الخصوص في الفصل السادس، المتواشج داخل الفصل كما هو متضامن أيضاً مع تداخلات الفصول الأخرى، التي يربط بعضها ببعض، وشائج تراكبية عدة بشكلها الدائري.‏

أما سرد دحام في البنية التفجيرية، فقد رصد انفجاراته الداخلية في اتجاهات عدة المرأة، العمل، الاستقرار، المصير الذاتي،...) عن طريق بعض الاستخدامات الأسلوبية المتبعة في الفصل الثامن عشر والعشرين من القسم الأول. وقد اتسم سرد دحام في هذه البنية بالحرارة واللهفة على المصير يتمزق بين الكلمات ظل باك لكنه مشحون بالغيظ والحقد والإصرار على تحقيق الذات داخل اختيار صعب وحيد هو: الخروج من الصخرة، كما أن التدفق كان يميز العبارة، ويلون الحوار داخل صفحات هذا السرد بالحدة والغنائية والعذاب والعصبية التي تسبق الإقدام على شيء مجهول أو غير مضمون. هذه الغنائية ليست غير مسوغة، بل هي نتيجة المضمون والمواقف، وصدق السرد.‏

كما تجب الإشارة هنا إلى وصف المطر في هذه البنية التفجيرية التي كان يختار فيها اللحظة برقة حتى تعطي دلالاتها حتى كنا لا نعدم احتجاج المراكز الذي- يقبله- السياق)، "ألم يعرف المطر أن ينزل إلا في هذه الساعة؟ ص 159 "يقول سميح محدثاً نفسه. كما أن هذا الوصف لم يكن إخبارياً بل غدا يزحم نفس المتلقي بمشاعر عدة قوية، يدخله في العواطف المتفجرة فيه، يصوغ موسيقي خلفية فيها أمل الأعماق الساغبة وهي تقدس انتصار الحياة. هذا الوصف لا يتيسر إلا بتجربة واقعية صادقة في المستوى الذي جاءت به، عرفت الأرض، وعرفت عضاتها، وعرفت كيف تمسح الدموعُ الفرحةَ بعد مطر في موسم جدب، يغسل جبين الفلاح المعصوب بالألم والجفاف.‏

بنية الحلم:‏

والحلقات الأخيرة‏

هذه البنية تمثل الحلقات الأخيرة من بنية تراكم الكيف، هي متصلة بها ونتيجة لها في الوقت ذاته اتسمت بسمات جماعية معبرة، بعد أن ظلت محاولات تراكم الكيف حتى الأخير فردية تنزلق عن قوة الجذب بفعل القوة النابذة، لكنها تظل المحاولة تدور ضائعة، أما هنا فقد تجمعت هذه المحاولات داخل القوة النابذة ترسم مجالها الذي ستدور فيه من جديد.‏

* هل تحقق بنية الحلم إحلال بناء آخر؟‏

فعلى هذا، فثمة حد رقيق يفصل هذه البنية "الحلم" عن بنية التراكم الكيفي الذي أرهص بمعطياته وكون إمكانية انبعاثها إذ لم تقم. لكنه ظل حتى الكلمات الأخيرة ويمكننا أن نقول ذلك) تتداخله، تسري في نُسْغه على التحديد في الفصل ما قبل الأخير)، بكيفية لا تبعث على الثقة التامة بثباتها ومقاومتها وجديتها ما دامت تفقد محوراً مهماً هو: دحام الذي ستكون مواجهته، هذه المرة، مع جماعة "القوة النابذة" شرسة إلى أبعد حدود بعد تجربة نضالية طويلة مع المراكز، وبعد الظرف الجديد الملائم، وبعد الاختيار الذي لا رجعة فيه باستقراره، وبزواجه من سليمة، وبناء حياته التي يحلم بها، وتحقيق هذه الحياة - الحلم، بالكفاحية الجماعية، حيث يرهن حياته للأرض التي أحبها، للصخرة المطهرة من الاستغلال، والانحطاط بأنواعه.‏

بنية الحلم تنفصل وتتصل. تنفصل عنه عند الحدود التي طفقت تُبْرِزُ تَخَلُّقَ كيان ذي اتجاه جديد لا يعني التفجير، والانسحاب من دوائر المراكز، والتجديف على الغش وحبائله، والمجابهات الغاضبة المؤقتة أو المتشفية دون هدف، لا يعني كل هذا أن الذي يستند على - مركز خارجي- قد لا يدوم، وعندئذ يمكن للتراكم الكمي من العودة لينبني في تشتتهم وضياعهم أقوى مما كان عليه. ولكن يعني إحلال بناء آخر مغاير، أحجاره من تلك المعادن الصلبة في التراكم الكيفي التي تتجوهر حقيقتها بعد أن تكشف عنها التراب الذي كاد يئدها.‏

وتتصل به في كون بنية الصحوة والحلم، أخذت تسود أكثر فأكثر في القسم الثاني من الرواية بعد سقوط المطر، وبعد أن كان التراكم الكيفي يبحث للوصول إلى ذروة. فخلف الأحجار المتهاوية، والتهديدات، والانسحابات، والجرأة على المراكز وشتم بعضها بطريق مباشر أو غير مباشر، والانفلاتات المعلقة، والتهديدات، كانت تنشأ - صحوة- داخل رحم التراكم الكيفي، لم تر النور، وإن كان يمكن توقعها، لكن يظل هذا التوقع غير مضمون مخافة أن يكون جنين الصحوة مشوهاً لا يستقيم أمره في هذه الحياة الصعبة، ولا يقدر على ممارسة نشاطه المجدي، بل سيكون من الضعف بحيث يسهل تسخيره، مما ترك شعور الخوف لدينا من "سقوطه" على هذه الصورة الجنينية المشوهة، ومرارة من تلك الإشارات التي كانت تدرجها الرواية بين الحين والآخر، في أن دفقة من المطر فعلت ما فعلت، والسماء راحت تصفو، والإفادة من هذا الظرف المناسب لم تتحقق. غير أن في الفصل الثامن من القسم الثاني يبدأ ضوء الحياة يكشف شيئاً فشيئاً عن ملامح الجنين- بين الصحوة والحلم، ونتعرف على إمكانية جدارته في العيش، والنمو القوي، فمن هؤلاء الذين شاركوا في صنعه؟...‏

فايد العقل: المستغَل‏

من المُظْلِمين‏

فايد العقل من طبقة مسحوقة، ضائع، يتشبث بوعود محمد الجاسم، في أن يجد له عملاً مناسباً في المشروع، وفجأة غدا ناطوراً بلا زرع. بكاؤه، الآن، يحرق قلب نذير وهو يعرف أنها ستطهره بعد أن خدع طويلاً.‏

نذير يعرفه، لايشك أنها حرقة من أجل الآخرين أيضاً، من أجل - بعضهم- على الأقل، إنهم جميعاً مُظْلِمُون). مثله ذرة ضائعة تبحث دون جدوى عن أرضية تقف عليها لأنه معزول ومبتز داخل هيكل اجتماعي واقتصادي قديم ومغتصب... قشرة مهترأة على سطحه. مثله يحاول أن يبحث عن - إجارة ما- ، عن - مركز ما- فيبقى مسحوقاً يعيش مصائر غيره)... معلقاً في ترقب ومرارة وخوف، لا يصنع مصيره وحده ويرعاه، بل ينتظر كل شيء من الآخرين الذين يحيون على امتصاص حياة أمثاله. وهكذا، كان بعض شأنه مع فاطمة الضحى ومحمد الجاسم، والذي أوصله إلى أن يطرده الفلاحون من دورهم، ككلب. بل إن هذا الهيكل القبلي الطبقي العائلي، لا يجد لمثل فايد مكاناً من أي مستوى إلا إذا كان مستغلاً بما فيه الكفاية، ليلحق إلحاقاً "فايد العقل ليس له أرض، ولا يملك نعجة واحدة ص8" فهل مثله يجد زوجة و "عشرة آلاف لا يرضى أبوها مهراً ص 96. وعندما تتحطم آماله ذات الرابط الهش بخطة محمد الجاسم، يدرك أنه لا يملك مصيره أبداً، وأنه معلق بالآخرين الذين لم يعرف اختيارهم. بدأت أفكار جديدة نقية تحفزه إلى فعل ما، صحوة تؤمله بحلم ما. يتوجه إلى المعلم نذير متألماً دامعاً. إنه فقد كل شيء دون أن يملك شيئاً حقيقياً في الأصل، لكن حتى بؤسه الذي كان يحتمله داخل حلم غثٍ، غدا فراغاً، تفاهة رآها تزيد من خلال دموعه من أجل نفسه أو من أجل الآخرين فمثله تختلط لديه الأمور إذ نسي نفسه واحتواه غيره. وما دام الأمر كذلك، فعليه أن يختار من يحتويه من جديد، لا كإمعة، بل كشريك مؤثر فعال، له كيانه وقدره وهو ينضم إلى الفئة التي تحلم بأحلامه على حد سواء، من أجل التغيير ونصرة المسحوقين والمخدوعين والمتلبسين بالجهل والضغوط والانعزال.. ها هو ذا "نذير" يؤكد له كيانه وقدره: "سيتعاونون ويقفون ضدكم يا أستاذ/ - ضدنا؟ وأنت ما أنت؟/ - أنا؟.. ماذا أنا؟ /ص181" وبداية السؤال عن الأنا) في طرح جديد، ستضعه داخل أسئلة أخرى جديدة، وداخل "فعل الإجابات".. وهكذا يجد مكانه وهو يسأل!.يرفع غبشة عينيه وهو يسعى إلى "دحام" ويطرق عليه الباب حتى يكاد يكسره، يريد أن يدخل "وعيه" الذي حرم منه، لكنه: - اختفى! - نذير لا يعرف أين هو أيضاً. "هيا معي فايد، لعله عاد إلى غرفته". هما في مواجهته. فايد له موقف الآن، يدخل أسئلته الجديدة المحاربة وهو يسأل دحاماً) الذي أراد مغادرة الصخرة: "لماذا يا دحام؟ ص 185" وبعد حوار لم ينفع، فايد العقل يختلج أسفاً وغيظاً، تلوح مبادرته على التصميم وعدم التراجع واقتناعه باختياره وتقوية جبهته، يتلهف على الإجابة) مع دحام وبه..." سأتبعه، سأوقفه، سأمنعه ص 186 "نذير لا يقبل" لا خير فيه إن لم يعد من تلقاء نفسه" وهذا ما فعله "فايد" نفسه: هو لا يفقد الأمل الحقيقي، هو لا يريد أن يهرب الحلم منه بفعل جبهته الناجز... "يجب أن يعود"...‏

حواس الزير:‏

ومصائر الآخرين:‏

حواس الزير من آل الزير الذين كانوا يعملون رعاة عند خالهم "سالف الحسين"، ثم كونوا كياناً مستقلاً بقيادته. لهم قطيع مناسب. المصيبة جعلته يوالي محمد الجاسم). ذكاؤه يؤهله للاندفاع نحو "نذير" في صحوة من الهذيان الذي أصاب الجميع بالمصيبة، بعد أن دفعته أثرته الضيقة على الارتماء في - الشبكة- ، وخموله أن يفرط بالأرض. حواس يدرك القوى العائلية وأثر الإمكانيات المادية في تحكم علاقات الصخرة وتسلطها "أتظن أنني أخشى آل السايب يا طائش. ألا تعرف أن أخوالهم آل الدلفي؟ وأخوال أبيهم آل النمر؟ ص 97". لا بد من استبدال هذه العلاقات، بأخرى تقوم على التعاون، وعندئذ فالقوة تنبع من الجميع الذي يشترك في صنعها وتهبه القدرة على مجابهة العوائق القائمة والمفترضة دون استغلال، وقهر، وانتظار الإنقاذ. دون رهان على الأرض والنسل، ودون الإحساس بالضعف في وحدته، أمام مصير لا ينفك أبداً عن مصائر الآخرين الذين يجب أن يعوا ما حولهم، هؤلاء الذين يجب أن يدركوا، ألا أمل لهم إلا بالتساند ليؤلفوا نواة صلبة ضد قوى إما مكتفية بذاتها ومدعومة بالمال والجاه ويجب أن تنسف بنياتها وتنخرط في هذه النواة، وإما قوى مصادرة بكسر الدال) داخلية وخارجية تستغل تشتت أهل الصخرة في التصدي لمشكلاتهم، تلك التي لا يحلها إلا هم، هؤلاء الذين يعنيهم الأمر في الدرجة الأولى. ليس بالزحف، نحوها، ببطء.. ولا باستجرار غيبي أو انتظاري لولادات إعجازية قد تأتي بعد فوات الأوان، قد تنفع نفعاً مؤقتاً ولكن لاتبرئ.‏

* على المشعل..‏

والصحوة على الواقع والمصير.‏

آل المشعل من ذوي الذكر الخامل، "علي المشعل" يعمل في الزراعة، يملك مع أخيه "خمسين رأساً" من الماشية، كان من أعوان فاطمة الضحى، مهيأ بحالته الاجتماعية والمادية للدخول في بنية الصحوة والحلم، كما أن اصطدامه بمركز فاطمة الضحى، ولو أنه جاء مصادفة، أظهر زوال تلك الأبهة التي كانت تمسح بها الناس. وكان صوته الهازئ "بَلِّطي الزرقا" و "أنا أضربك بالحجارة يا أم شداق ص 174" هو صوت جماعي أخذ يتنافى في بنية تراكم الكيف بعد سقوط المطر.. يقولون: "بدأت تصاب بالجنون" وهذا كثير، زاد نحفاً ص 174 "لكن عندما يتعلق الأمر هنا بـ "خديم" لها وهو علي المشعل، فإن الاستخفاف يومئ إلى عمق الهوة التي طفقت تفصل قوة سيطرة المركز عن الفلاحين، ومدى الحالة التي وصلوا إليها، بتحطم حتى ولاءاتهم، التي أخذ أصحابها يستذلون بها، أو ينسفونها كما هي الحال عند علي المشعل الذي بدأ صحوته في اختياره العمل مع المعلم نذير ومن معه، ليحقق حلمه في الحياة الكريمة داخل حلم جمعي ينتفي فيه حساب التباعد الطبقي الذي يدفع أمثاله إلى الالتجاء والتبعية والولاء الساقط الذي ظهر له سخافته بما كان ينطوي عليه من هراء وشعوذة وتسلط واستغلال، كما ينتفي فيه أي خوف من مصير غير مضمون أو ربقة ما من أحد.‏

وبالطبع، فإن التراكم الكيفي يومى إلى إمكانية دخول الكثير في بنية الصحوة والحلم ولا بد أن تقويهم وتجذبهم القدرة التي كونت بذرة شقت عتمة الأرض وبدأت الاخضرار فوقها، ولهذا نجد أن المراكز كانوا يوحون كثيراً إلى هذه الأصوات الجماعية المستنكرة والمتخلية وإن ظلت ضائعة موزعة - بواو الجماعة. "ليموتوا قهراً ص 168": المختار - و "أتركهم يموتون ص 169": المزارع- "سترون ماذا سيحل بكم على يدي ص 174": فاطمة الضحى- . فضلاً عن أن أكثرهم من المشمولين بعملية الإصلاح الزراعي، وإمكانية صحوتهم بعد تجربة مرة مع المراكز التي مازالت تهدد، سيمكنهم من التعاون مع المشروعات البديلة لجبهة التضاد والإنقاذ، توفر لهم الوعي اللازم باستنبات أراضيهم والاستفادة من خيراتها بدل إهمالها والاكتفاء بتربية المواشي، كما يتيسر لهم الاعتماد على التقنيات الحديثة في سقي أراضيهم والاعتناء بها، يقول نذير: "أتعرفون ما معنى الاشتراكية؟ أن يعمل الإنسان في أرضه، أن يأكل ثمرها، وينفع وطنه...‏

والواقع، فإن صوت نذير الواعي والمبشر والفاعل والذي قام مرة أخرى ليعمل، لا يهمنا قدر ما يهم صوت دحام، لأنه ابن الصخرة، وفيه صلابة إن امتلك الإرادة على تحقق أهدافه، وعنده الوعي الذي يجنبه عثرات الطريق ويعدي به المتعاونين معه، كما أن معاناته من المراكز، خاصة مركز فاطمة الضحى، برفضه لهم، ومحاولاته مع المعلم نذير من أجل الإنقاذ أكثر من مرة، وتعاطفنا مع شخصيته بكبريائها، وتطلعاتها، ونزقها، وعذابها من أجل الخلاص الفردي والجماعي - كل ذلك وأشياء أخرى من ضياعه تدعم استحقاقه في جني ثمار أي انتصار لا يمكن توقعه قائماً مستمراً في مستوى التحديات التي سيواجهونها من دونه.‏

* دحام العسكر‏

وبنية الصحوة والحلم‏

دحام العسكر يدخل بنية الصحوة والحلم في الصفحة الأخيرة من سرد الصخرة.. نوازع شتى انتابته من قبل وأفكار. في فراشه فكر في إخفاقه: "فشلك ناتج من إيمانك بأنك جزء من المجتمع الذي تعيش فيه، ستبقى فاشلاً ما دام المجتمع فاشلاً. "هكذا قال له نذير. رفض قوله: "سخف هراء، يضرب الفراش بقبضته ص160 "لو أنه استقر لتحسن حاله، طلب الاستقرار عن طريق الزواج. راح يفكر بهن. كل واحدة بينه وبينها عائق.. وعن طريق العمل، أي عمل؟‏

- ارتباطات وخلفيات‏

قارن نفسه بالآخرين، بفالح المطلق الغني، كرهه دائماً، تمزق، طالما يسعى إلى الانتقام منه بمشاركته فراش زوجته الثالثة: حمدية.."‏

يُفسر تهالك دحام على النساء، بالإضافة إلى ما قد تنتهز شخصيته الآسرة من فرص، بتكوينه النفسي الحاد والقلق، وبطاقة حيوية هائلة تدفعه للبحث والتأكيد على الذات في ظروف قاهرة تحاربه على مختلف الأصعدة اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً، فيجد متنفساً لها في الجنس يداه متشنّجتان، تهفوان إلى صدر نابض يجمع فيه كل مصائبه، يطرحها ص 164" إلى جانب إشكاليته المتمثلة في عدم قدرته على العيش في واقع لا يجد له مكاناً مناسباً، نجد أيضاً فقدانه الحنان الأبوي أبوه مات أمه تزوجت) وهو صغير، يتبدى بعض من ذلك على شكل إشارات عابرة وهو يمايز بين الصفات - التي تعجبه ويهفو إليها- فيمن عرفهن "نورة" صوتها يملأ القلب حناناً ص 161" و "سليمة تحيط به كما يحيط الظل بالمتعب ص 176").. تلك من حقه "فالح يستطيع أن يتزوج كل سنة امرأة، وأمثال دحام يعيشون حول البيوت كالكلاب ص162"، وتجدر الإشارة هنا إلى تقصير الكاتب في تعميق إنساني ونفسي لهذا الجانب في شخصية دحام في علاقته بالمرأة كجنس، وكارتباط سليمة مثلاً) له خلفية اجتماعية ونفسية وموقفية، كان لها أكبر الأثر) في جرّ واختيار دحام للدخول في بنية الصحوة والحلم بصلابة وعنف، واتسم سرد مشاعره تجاه - سليمة- ببعض العمومية لا تعدم التدفق والإشراقات العاطفية والإيقاع الملتاع نوعاً ما.‏

* الصفحات الأخيرة ذات مذاق خاص‏

إلا أن هناك تفسيرات يمكن الاعتماد عليها في التحليل، داخل ذلك المذاق الخاص، الذي صنعته لنا الصفحات الأخيرة، ونحن نمتص - صدى- محاولات دحام وطريقته لطلب يد سليمة والتي بدت "مستغربة" ولهاث ودموع واختناق السر في صدر وعيون سليمة.. تلك التي أراد أن يتحد بها لا أن ينتقم بها كما جرى الحديث عن حمدية. أما نورة فقد كان يخمد ناره في شفتيها... "ليست غبية، أبوها يكرسها كموسم عام، ليتمّ بمهرها تكاليف محرك زراعي يحلم به ويزرع القطن ص 56" سليمة شيء آخر.وجه من ظلم اجتماعي يطويه.. "جميعهم يحاولون استغلال غلطتها ليسطوا عليها في الخفاء ص 61" وعيه بظلمه جعله يرفض انتسابه الطبقي حين أبى الزواج من آل الدلفي حتى لا يرسخ هذا الظلم ويقبل به وهو يغطيه بـ "التبعية" واستلهام القوة من غيره.) رأى في قدرها شيئاً من قدره.. هديبان أبوها "مات منذ سنوات طويلة مخلفاً سليمة" وأمها عمياء. ينكأ قرحته في مأساتها "ما أقسى أن تكون الأسرة دون رجل ص164"، يفكر بها داخل نقلات أحلام اليقظة التي تنسيه بعض حرمانه إلى حين" وسليمة تهيء له الطعام ص 165 "يغور صدره بالتوق إلى أن يسند رأسه على صدرها، يشعر بالحنان الذي يهفو إليه في الأنثى.. "سليمة دفء، حنان، طمأنينة ص 189 "وهي تحيط به "كما يحيط الظل بالمتعب". هي تحتاج إليه" ما أروع الرجل عندما يكون شديد القوة، شديد الجرأة، شديد الحياء" ولا "تطمح أن ترى من يحبها... إلا دحام العسكر ص 61".. إنه يريد أن يحميها، أن يتحد بظلمها، ليجد كل منهما في الآخر خلاصه وقوته النابعة من الحب) الخالص القادر وحده على "الإنقاذ.." يحسّ بقدرة عارمة على إنقاذها ص 184 "والحنين" يحيله إلى ريح عاصفة قادرة على اقتلاع الأشجار، وتمزيق الصخر ص 189 لكن من يقدر أن يغفل الآخرين/ الجحيم حين يبلغ ظلمهم حداً لا يطاق، تدفعهم رغباتهم الآسنة لاستغلال غلطتها إلى ما لانهاية، ويشغلون فراغهم القميء، بتصعيد الألم والحزن.ينكب هؤلاء الآخرون حول أفكاره، هل يمتصون حنينه؟، "سليمة بلا أخلاق، متلاعبة ص 165" "سليمة متعفنة ص 161" أيتزوجها؟.."الناس يتجمعون، يبصقون عليه - سليمة يا دحام؟- / - أنت يا دحام؟ ص 160" ومن هو؟" فقير مغرور ص60". الناس يبالغون. وتعود سليمة.‏

* دحام والمحبوبة والصخرة.. وآفاق الاختيار‏

تحيط به كما يحيط الظل بالمتعب هو يحتاج إليها كما تحتاج إليه.يطلب سليمة من أمها. يخلص في خطبها: "ماذا أقول حتى تصدقيني؟ أريد أن آخذ سليمة، أخلصها من الصخرة، وأمضي بها بعيداً إلى القامشلي، إلى الحسكة، إلى الدير، إلى أي مكان نعيش فيه بعيداً عن كل الدليم ص 179" لكن الأم أبعدته في حرقة، وسليمة تدفقت باكية. كل منهما تدرك "الحالة" في مجتمع شهادته، أحكامه، أقسى من الموت، يمكن أن "يميّع أية علاقة إنسانية لا تمر عبره يصبح مثل هذا الطلب غير جدي، مجرد لعبة، أو إقداماً أخرق، لأنه محكوم على طالبه بالمهانة سلفاً. وفي مجتمع سرعان ما يتحول "الاتهام" فيه إلى حكم ثابت يعدي من "يتصل به"، حين يقدم مثل دحام بن عسكر الذي كان فارس الدليم الأول وزعيمها الذي يتوافر لديه المال والجاه، والذي مازالت بقية الأسرة آل الدليمي) التي ينتسب إليها، تمارس قوتها من رأس الهرم الاجتماعي ويحسب حسابها - عندئذ يغدو الأمر لا يصدق، ويبدو من خلال الحسابات السابقة، محاولة للسخرية "اذهب واتركنا في أسانا، في همنا، اللَّه يرضى عليك، اللَّه يستر عليك ص 178" أو ضرباً من الجنون يهتك في حدة حقيقة الوضعية المؤلمة: "الآن يا دحام؟ يا أسفي على شبابك، لو كنت في عقلك لما جئتني تطلب يد سليمة لابن عسكر الدليم ص 198" هو نفسه يطبق هذا المعيار) في غضبه بعد أن أراد أن يدوس عليه ولا يأبه بمن يلوذون به ففسّر جانباً كبيراً من موقفها) دون أن يحدده ويدركه مما دفعه إلى أن يقع في الإدانة حتى سليمة المعتوق ص 189" "أيتركه أهل الصخرة دون أن يمحقوه بألسنتهم؟ ص 179". ولكن لماذا الزواج - الآن- ؟) و لماذا سليمة الآن)...‏

حقيقة هو ينوي "الهرب" من الصخرة، ولكنه هرب منها بها- . ومن هنا جاءت أو تبدت تلك الكآبة العميقة المعتمة التي لم يكن ليستطيع دفعها، والتي استطاع الكاتب أن يفجرها في إيقاع السطور، كلما خطر لدحام أن يفارق الصخرة أو حتى وهو يجزم صائحاً في مبالغة مفتعلة تكشف - ضعفه- في الوله بها حتى العبادة، وعجزه عن أن ينفذ عزمه "سأمضي الآن، ولن أتراجع لو وقف أهل الأرض في وجهي ص 184"... وفي كلمات أسيانة "سأغادر الصخرة إلى الأبد ص 185" إنه يعرف من البداية، أعماقه، وهو في لُغُوب يبحث عن عمل ثابت لم يجده في الصخرة ولا في خارجها، في أنه مهما ابتعد عن الصخرة فلن ينساها "تركتها ست سنوات من طفولتي أثناء المدرسة، وثلاث سنوات في شبابي في أثناء العسكرية، وبين كل فترة وأخرى أغادرها شهرين وثلاثاً لأعمل هنا وهناك، ولم أنسها مرة واحدة ص 119 "كانت" تملأ عينيه الضائعتين ص 126 "دائماً..." حبل متين يربطه بالصخرة ص 165 "كأنها" جسم لحمي كبير، وهو قطعة من هذا الجسم، ولكي يستخلص جسمه منها عليه أن يحزه بسكين.. ص 183" ولهذا كان عليه أن يخفي دموعه وهو يرميها بنظرة ترمي قلبه وهو يغور في المجهول هارباً منها، يسلط عينيه إلى الصخرة: وداعاً... وداعاً؟ ص 187"... كل هذا العشق المحفور في الجسم والنفس، يجعله يدرك مدى العذاب الذي سينتظره عندما يغادر الصخرة، ومدى الهجانة والخواء والعبث الذي سيدمر شخصه وحياته عندما يباين مقامه عن تلك الأرض التي نمت عظامه وأشواقه عليها، وحلم أبداً في جزء منها يكمل عليها مسيرة وجوده الذي تمثله بحب وصدق وتبعده عن الطريق "المجهولة".. "العابثة"... "الهجينة" والتي قد لا يقدر الاستمرار فيها إلى ما لا نهاية إذا أراد أن يعيش حياته المسوغة، ومن هنا فإن تقلبه) و اختلافه) بين لحظة وأخرى متقاربتين حتى يتحدا أو متباعدتين... ص 165/166) وحتى في اللحظة الأخيرة التي صمم فيها على الهروب وأقفل محفظته على - العالم المكتوم داخل خيبته- عاد ليصرح بعد نفي قاطع "سأغادر الصخرة إلى الأبد" فيكشف عن نفسه: " لا أدري ما إذا كنت سأرجع إلى الصخرة أم لا") فإن منبعه ليس الصخرة والدليم) اللذين يربطه بهما - حبل متين ص 165- لكن بما - هما عليه- وبما- هو عليه- فيهما. فالصخرة/ الأرض: منيته، حميمية قديمة تعشش فيه، عروقه من صنعها، لكنها لم تعترف به، تنكرت له، لم تسمح له أبداً، على الرغم من جهوده، في أن يتواصل عليها، بعد كل رحلة تعب خارجها، يعود إليها مكدوداً دون أمل يتعجل الباص القادم إليها، لم يعد يحتمل تجنيها، لماذا تتركه يمرغ أنفه بتراب غيرها، هنا الأمل، يتمسح بها" ينكب على الأرض. من كانت له أرض ينشغل بها، يغرس صفاً من أشجار الحور على محيطها، يقسمها إلى أجزاء يزرع قسماً كرمة وعلى حوافها الرمان "يضرب الأرض بقبضته ص 131 "والدليم/ المجتمع: أهله، جزء منهم، لم تستطع شعلة الانشغال بواقعهم، على الرغم من تشككهم فيه وجهلهم الذي أعماهم عن حقيقته وأثرتهم والبنيات المنحطة التي تقوم عليها ممارساتهم ونكرانهم لأمثاله، إلا أن تتفجر العواطف في قلبه بعد المطر... "يكاد يقفز عن الأرض، يرقص، يغني ص 164"، ومع أنه ليس لديه "زرع يحيي أملاً ضائعاً ص 165"، فإنه "يحس بالبهجة تقتحمه ص 165". إنه يدرك وضعه في هذا المجتمع، "كأنه حبة رمل في قاع عكر ص 128 "وقد أخفق في أن ينقذ نفسه، أو مجتمعه... أو توهم ذلك، وعلى الرغم من أنه لم يترك شيئاً إلا "فرّط" فيه، قبل أن يعزم على السفر الذي أصر أمام الجميع على أن يبدو - نهائياً لا رجعة فيه- فإنه لم يخف اضطرابه وتردده: "إلى أي مكان في الدنيا تراه يذهب؟ ص 183 "ولم يخف حبّه الكبير للصخرة التي يقتطع شخصه منها بسكين، ولا العواطف المختلطة من الحب والنقمة معاً تجاه مجتمع الصخرة، والاشفاق حتى على أولئك الذين يستحقون القتل لأنه يعرف أن ولادة الحياة الجديدة هي الأساس والكفيلة بنسفهم "يخطر له أن يقتل إنساناً ما قبل أن يغادر الصخرة.. يفكر بمن يستحق هذا القتل؟ فاطمة الضحى؟. امرأة.. فالح المطلق؟.. ينبجس في عينيه منظر الدم شنيعاً مقززاً، ينفضه، يغلي به ص 183"، وحتى الرغبة في القتل، تشير إلى أسباب هروبه القسري من وجهة نظره. هذا الهروب الذي بدا حلاً غير مقنع له وللقارئ بسبب معطياته النفسية السابقة، والفرصة المتوافرة له في الظروف داخل بنية الصحوة والحلم، وما تركه هذا الهروب من أثر قاس على المتلقي وهو يشهد تشتته، ووصوله إلى الدرجة المعتمة المدانة، ومن خوف على تهافت بنية الصحوة والحلم في القاع العكر) لذلك فزواجه الآن)؛ فلأنه يريد أن يحمل الصخرة) معه، أن ينقلها حيثما حلّ، حتى لا تخمد الأيام والجهات الضالة حنينه إلى الجذور، بخاصة وأن المعلم "نذيراً" حذره ناصحاً" لكنك إذا قمت خارجها بشكل مستمر لا بد أن تنساها يا دحام ص119". إنه يعرف أنها صليبه الذي سيأتي يوم يتعب من حمله مشرداً في المجهول. زواجه الآن؛ لأنه قد يهبه القوة) على الهروب بعد أن يفارقها، يجد شيئاً منها يواسي به نفسه، يعيش فيها انتماءه في البعيد.‏

بزواجه من سليمة الآن؛ فإلى جانب معطيات مسوغات الشروح السابقة لاختيار "سليمة" فإنه وجده "ميسوراً" كما ظن - لتنفيذ فكرته في الهروب لا مهر.. لا حساب لمن يسأل ويحلل ويعتبر أسلوبه في الزواج توريطاً ومقامرة سيئة العواقب لا ينفع معها الصدق!.. ثم ثقته بوله سليمة به، واعتبار وضعها خاطئة أو كخاطئة). كما أنه اكتشف حبه العميق لسليمة دون غيرها، ودفعه إلى تحقيق فكرة الإنقاذ) المنشغل بها على مستويين: نفسه، مجتمعه. فكيف يتخلى عن معشوقته وهو يعرف أي مصير أسود يترصد لها، وأي مجتمع سوف تواجه.. وأي لون يصبغ أجفانها التي يلهبه منظرها بعد كل معاناة قائلة: إنها ضائعة، متألمة، مطاردة، مبتوتة مثله؛ فرغبته تعدت خلاصها إلى خلاصه هو. لكن ظنه خاب في قبول أمها أو قبولها. لم ينفع صدقه الذي بناه دون تبصر لم يستطع أن يفهم حتى عندما لحقته سليمة إلى غرفته التي يجمع فيها أمتعته، لم يكفها منه أنه خلق بها من جديد)، وحتى عندما لحقته في المرة الثانية إلى الطريق العام. إنه نسي في غمرة خيبته الكالحة، أنه عندما أراد أن يهرّب بتشديد الراء) الصخرة/ سليمة معه، فإنه يهرب لا معها بل - منها- ، وعندما لم يستطع مواجهة المجتمع في الصخرة من أجل نفسه وآماله التي انهزم مدحوراً في صياغتها داخل الوعي المنشود في هذا المجتمع، فإنه يفعل الأمر ذاته من أجلها هي. ذليلان أسقطا حقيهما، لم يعندا، مهما كلفت الظروف، في الدفاع عنه. ليس أحدنا جديراً بالآخر الذي يحبه، ويهرب منه إن الحب لا يعرف التراجع والهروب وظلام المجتمع بل يصنع الحياة اللائقة به. لا يفقد الثقة بهذه الحياة، ويهب القوة الرائعة على سلوك دربها المضني الجدير بالإنسان. إن تحقيق السعادة والأحلام والاستقرار لا يكون بالهروب بمن نحب أو ممن نحبّ، بل أن نعيش مع من نحب، دون حساب للعوائق مهما عظمت، وإلا فسوف يجد كل منا نفسه وحيداً، ضائعاً، هارباً إلى ما لانهاية وعندئذ بنا تتحطم الحياة. وهكذا، شيء) من ذلك كله، أومأت إليه سليمة في الحوار الممتع المتقن في آخر الرواية، حين لبست سليمة ثياب الأرض) المطعونة الصارخة التي تحتاج إلى الرعاية والحماية، بحيث غدت الصخرة وسليمة تتناوبان أمكنتهما ويشي كل منهما بالآخر وغدوا نداء واحداً حاراً يهفو إلى الإنقاذ والمواجهة دون هروب متخاذل، وإلى الولادة، والخصب، والانبعاث.. والحبل الإيجابي المبهر..‏

* حوار له مذاق الحب العميق‏

- الصخرة والمرأة والحقيقة المستنبطة فيهما‏

دحام: "كيف جئت؟" سليمة: "أما زلت مصراً على السفر؟".‏

دحام: "ألديك حل آخر؟"‏

سليمة: "أترضى أن يقال عنك هارب؟.‏

دحام: لماذا تبعتني؟"‏

سليمة: " ليس في نيتي أن أتركك إلا إذا..."‏

دحام: "سافرت؟"‏

سليمة: "تركتني"‏

دحام: "لن أتخلى عنك ولو سُلَّت روحي من جسدي"‏

سليمة: هيا نعود إلى الصخرة إذن".‏

دحام: "والناس.. تعرفين يا سليمة.."‏

سليمة: "دحام إذا كنت تريدني حقاً، لا ينبغي عليك أن تجعلني أعيش ذليلة.. إذا كنت تحبني ارجع وانقذني"‏

دحام ينهزم أمام سليمة. ينهزم... لا يدري ماذا يقول، يغدو أخرس.. تقول سليمة: "وإذا كنت تحب الصخرة هيا ارجع إليها فهي تحبك".‏

ينساب على كلماتها كما تنساب المياه من غدير دفاق.. أصحيح أنها بهذا الوعي؟.‏

دحام: "سليمة.." يقول، لا يستطيع أن يتكلم أكثر... ويتجه بها إلى الصخرة.‏

وهكذا يفجر وعي سليمة المرأة، بالحب، وعي دحام الكامد الذي كادت تعصف به رياح شتى، فملأ وعيها فراغاً في بنية الصحوة والحلم، ممثلاً لأصوات النساء التي لم تسمع إلا في الندب، وفي الزغاريد كمعلقات هامشيات على خضم الواقع. أو في أحوال شجارات تافهة. أو في معاناتهن تحت سلطة أبوية مطلقة، أو عدم تمكنهن من اختيار مصائرهن، أو وهن مخدوعات أو مسلوبات الإرادة والعقل أمام واحدة منهن أتقنت الشعوذة والسحر والتلاعب بالناس، ضارعات عند أقدامها للستر عليهن. أو في خلافاتهن وهن مكدسات لدى رجل واحد. أو مصعوقات لعين حاسرة أو مسحوقات في أرذل عمر ومحيط غير آمن. أو مطرودات داخل المجتمع، متعيرات في الجهر، ملاحقات في السر. أو في ولههن وأحلامهن الذاتية الضيقة. أو في اشتمامهن الأخبار والأقاويل وتصديقها وملاحقتها.واندراجهن مذعنات باستسلام لضغط عرف سائر.. كما غدا هذا الوعي رمزاً للتصدي والتغيير للمعايير السوسيولوجية القائمة. وإمكانية انعكاساته على مجمل القيم الاجتماعية وتحريك اتجاهات جديدة في الأصوات النسوية في إطار التغييرات الفكرية والإنتاجية التي ستضعها بنية الصحوة والحلم وتهاوي مركز فاطمة الضحى وتعريته والتي لم تعد تنفع أسلحته في نصب الشراك الخادعة والاستغلال الروحي والعقلي المشين بخاصة حين يتبنى ويمارس هذا الوعي دحام الذي لم تهدأ معركته الضارية ضدها والتي سيدخلها بعنف لا تراجع فيه هذه المرة. معركة ستأخذ أبعادها السوسيو ايديولوجية على المستوى النظري والتطبيقي يقوم بها رجال ونساء في بنية الصحوة والحلم في واقع انحطاطي يعبث بكل شيء، بعد أن بدأ "توارد الخواطر" والأفكار الواعية المغايرة التي بشرت بها وحاولت ممارستها بنية تراكم الكيف داخل بنية الكم، تشحن الرؤوس، وتدفعهم إلى المعلم نذير وإلى دحام وهم يستذكرون كلمات سمعوها، وحتى هؤلاء الذين ما زالوا - كامدين- راحوا يعون انسحاقهم) بشكل غامض، وهم ينظرون إلى السماء التي بدت نظيفة، والذي عوّل خمولهم وتخاذلهم على المزيد من شآبيبها دون أن يفعلوا شيئاً لأنفسهم، ذلك - الشيء- الذي ينتظرونه من الغيب أو من الآخرين الذين انفضحت خبائثهم وفتحت نواياهم، كما أخذوا يستشعرون اللعبة) التي يفرزها الواقع وهو يقبض على مصائرهم الفردية والجماعية التي تشتبك تحت هذا الواقع اشتباكاً كثيفاً وتبلغ الاتحاد في أكثر من جانب. وهنا يتجلى دور بنية الصحوة والحلم في تحريك هذا "الاستشعار" في طريق الوعي والإنجاز، لأن هذا الطريق، حرصاً من أن يؤدي إلى لا شيء، إلى عبث أو تجديف، يتطلب غاية يسعى إليها بالتضحية والصمود ومواجهة كل ما يعوق.. قد يكون طويلاً، وصعباً لكن الطرق الصعبة كلها بدأت بالخطوة الأولى للتغيير، وذلك الذي يولد فيه الإنسان الجديد في واقع يساعد على الإحساس بالمسؤولية ويدفع إلى التفتح الدائم.‏

*بنية تأسيسية:‏

وحركة الانبعاث في الواقع‏

كانت اتسامات سرد بنية الصحوة والحلم المتصلة بتراكم الكيف، هي ما تمّ التعبير عنها في البنية السابقة. أما المنفصلة، فإيقاعها ذو شحنة موسيقية مفاجئة أحياناً وهي تنفصل عن بنية تراكم الكيف، فكأنها ضربات دلالية تنبه مشاعرنا وأفكارنا إلى حدث هام ينفرز عن التردد الموسيقي الذي يسبقها. مما يترك صدى انبعاثياً في الواقع. ويؤسس لعملية إدراك جديدة فيه، وفي الرؤيا المتشكلة. ظهر ذلك عندما ميز السرد سلوك شبان الصخرة الجديد: فايد العقل، حواس الزير وعلي المشعل ص 145. أو في أثناء الحوار بين سليمة ودحام، الذي أبانت فيه سليمة عن وعي تتأجّح فيه عاطفة عميقة لاهفة مع منطق صلب، وهي تثني حبيبها من أن يسقطا معاً، أو يسقط أحدهما، وتؤسس لحياتهما في بنية الصحوة والحلم ص 88- 198. كما أن هذا الإيقاع المفاجئ كان يجسد تسارع النفس لدى المتلقي الذي يرغب في مداخلة لوقف ممارسات دحام باتجاه الهروب على الرغم من عذابه وقلقه، ويهب السرد فاصلة حادة فيها إمكانية الإنقاذ بعد إيقاع سريع ونزق وغنائي يتغلغل في صورة دحام الموطن النفس على السفر، وذلك كلما برزت سليمة أمامه في اللحظة المناسبة لكي تؤسس اتجاهاً جديداً نلهف إليه في الحوار، بخاصة عندما سقط معنى "إنقاذها" على الصخرة - التي غدت كرمز لها في اتجاه الخلاص من شللها ص 184- 188. وفي البنية التأسيسية أيضاً حركة إيقاع هادئ، دافئ، حميمي، يؤدي إلى إيصال المواقف الراسخة "يدخل حواس الزيد وعلي المشعل، يلقيان السلام، يطلبان السماح بالجلوس، نذير يستبشر بهما، يبدوان وهما يتحدثان أن كلاً منهما غدا صافياً نقياً وصل إلى قناعة راسخة أن مشاكل الصخرة لا يحلها إلا أهل الصخرة، وأن التعاون وحده سينقذ الناس.. نذير يعد الشاي، يحس خلال هذه اللحظات أنه حقق... الخ.. ص 181" كان يتموج في هذه الحركة أصوات تبكيت أو تبريح تقابلها مشاركة لهفى من قبل نذير وهو يكشف المفارقة بين خيرات الجزيرة وبؤس أهلها ص 180 وحيث كانت تقطع السياق بين حين وحين فواصل مبهورة تستثير الخوف على مصير دحام واستطلاع موقفه النهائي، وبما أن هذه البنية تأسيسية، فقد شغل الحوار امتداداً في نسيج السرد، أحياناً في تبادل وديّ يحرص على بث الثقة في بنية الصحوة والحلم، وعلى فهم الأرضية التي تتحرك عليها.وأحياناً أخرى في شكل صدام تهربي لا يريد التفسير أو التسويغ أو الإصغاء من قبل دحام، مع مواجهة مهتاجة تصل إلى حد محاولة التدخل العنيف ترغب أن يتمّ بطريقها في قناعة غير مشوبة، تنوير يعتمد على اتخاذ موقف غير فردي.. وغير معزول عن وعي ذات المجموع المتمثلة في المعلم نذير ورفاقه، بحيث لم يعد مقبولاً أي سلوك لا يضع في حسابه المصير الجماعي الذي غدت هذه البنية مسؤولة عن تأسيسه ص 185- 186. وثمة أيضاً هذا الحوار الذي جرى بين دحام وسليمة، في مستوى عاطفي نابض يستبطن الحقيقة، والقلب ممتلئ بدم الحب، وفي مستوى دلالي يسقيه العقل وهو يطرح النفس باختيارها في مواجهة صادقة مع الواقع دون تهرب أو تأويل، والذي أفضى إلى استصدار موقف الوعي اللازم، وقامت هذه البنية أيضاً، على حوار ذاتي وحديث نفسي، مع بعض الاستحضارات التي كانت تزيد في تلوين الاضطراب الداخلي من دحام.‏

* الطرح المتحدد داخل القوة النابذة‏

أما مفهوم الزمن في هذه البنية، فلم يتحدد بمسافة معينة جرت عليها أحداث في شريط أراده الكاتب ألا ينقضي، لأنه من البداية لم يأخذ اتجاهاً أفقياً، بل دفعه إلى امتدادات أخرى متصلة بالبداية في هيئة دائرية، فالمسألة الفلاحية هنا ليست قضية أو حدثاً تاريخياً مرّ، بل هي طرح متجدد، أعطته الرواية داخل القوة النابذة، محوراً مغايراً ومركزاً جديداً في العمق، سيكون له فضاء جاذبية قوية، بعد أن هُتكت الدوائر الأخرى، وانفطرت قوة مراكز الجذب الأخرى.‏

(4)

** خاتمة‏

- الشخصيات‏

إن كثرة الشخصيات في بنية تراكم الكم، منعته من ملاحقتها الكافية، وذلك ينطبق على مجموعة ثانوية وافرة. أما التي أراد السياق أن يميزها في السرد، سواء هي ثانوية متقدمة أم أساسية متعددة أيضاً، فإن ضغط التعدد من جهة والانشغال بما يجب قوله ولو كان خاطفاً وأحياناً في الحد الأدنى- عن هذه الشخصيات الثانونية، أدى به إلى أن يقصر في تعميق بعض الشخصيات الأساسية في هذه البنية، فلم تبرز بشكل كاف نتوءاتها على المستوى الإنساني والنفسي، وظهرت أحياناً أشبه بالرسوم المتحركة محمد الجاسم، المختار، المزارع، فايد العقل...) لكنه برع وبقوة أحياناً في سرد البعض الآخر، الأساسي منها والثانوي.. بحيث انطبعت شخصية فاطمة الضحى ككيان، وكبعد، لا تخوننا الذاكرة في استحضارها، وغدت من تلك الشخصيات التي لا تنسى، وتمكنت بضعة سطور تروي ولا تخبر بأن تكوّن سمات بارزة لشخصيات ثانوية أمثال عمشة، عماش عزاب الأعمى، حمدية، أم حسبان المشعل، أما في بنية تراكم الكيف، وفي بنية الصحوة والحلم، فقد بذل جهداً في رسم شخصية "دحام" كانت تصل أحياناً إلى درجة آسرة من العفوية والصدق والدقة لكنه أهمل تعميقاً استبطانياً لعلاقته مع حمدية التي تزوج زوجها فالح المطلق أمه. فبدا السرد مضطرباً بين رغبته الصادقة في زواجه منها لولا أنها متزوجة، وبين ما يدفعه من مسوغات لها اتصال بفالح المطلق نفسه الذي لم يكثف: لرؤيتها الشيء الذي يساعد على استكشافه، من الداخل "أكثر" كما أن أحاسيسه وأفكاره تجاه" سليمة" التي كان لها دور مهم فيما بعد، لم - تعش- في السياق قدر ما- تحدث عنها. أما المعلم نذير فقد استفرغ الكاتب في شخصيته محتويات الوعي التي أرادها في بنية تراكم الكيف، وكانت مقنعة، جسدت الوعي الإيديولوجي) وبخاصة في المستوى النظري. فيما جسد دحام وسليمة في الأخير الوعي الاجتماعي) بخاصة في المستوى العلمي. ويؤخذ على الكاتب هروبه من أن يترك المعلم نذير يعكس دلالات صدامه مع الجانب الانتكاصي مع مركز الحكومة المسيء لقوة التقدم والتغيير الحقيقية، كلما اقترب من - اللحظة الإرهابية- في الكتابة العربية. كما تقلص تحليل انبثاقه) في بنية الصحوة والحلم.‏

* اللغة الروائية‏

- لغة الصخرة "أصيلة" برهنت على يناعة اللغة العربية في التعامل مع العبارات الشعبية المتداولة والألفاظ الدارجة لواقع "غير فصيح" له معجمه الخاص المتقوقع، فجاء وعي الرواية المعرفي لذلك في الواقع في مستوى الترابط مع أدوات اللغة اليومية المعبرة عن ذهنيات وممارسات محيط معين دون تسلط أو إبهام واقعي تقمصي، ذلك الشيء الذي نراه في محاولات أدبية كثيرة لتوهم بإقامة جسر الواقعية في المضمون، وأعتقد أن الكتابة العربية على مستوى اللغة، تحتاج إلى تنبه جاد، يباينها عن تلك الجاهزية الصياغية التقليدية أو المثاقفة دون خلق لغة العصر، داخل فذاذات أو إمكانيات خصوصية متعددة توالت في تاريخنا الأدبي للذات المضيء. فوعي اللغة جزء من وعي المعرفة التي تُبنى، وتشمل الرؤيا للذات الفردية والاجتماعية داخل هذا البناء الذي يؤسس إبداع الحياة، وأشير إلى أن الكاتب كان كسولاً، على العكس من المستوى الأول، في تحريك كوامن اللغة والمغايرة فيها، في أماكن غير قليلة، كلما تدخل ليسرد الشخوص بواسطته هو أو يخبر عنها، ولم يكن يمثل هذا الكسل في أثناء الوصف حين يبدو موظفاً بقوة داخل السياق الروائي على الخصوص. كما أن "يقول" خلال الحوار والتي كانت ترد بعد جملة القول كانت هجينة وأدت إلى "الإرباك".‏

* جواجز على طريق وعي الواقع‏

الرواية تدلل في النهاية على وجود حواجز سوسيو- إيديولوجية في طريق الوعي، وهي تزعم ذلك بكل صدق، لكنها في الوقت نفسه تومئ - بقوة غنائية- إلى أن الحتمية التاريخية بفعل ذلك الإنسان الذي لا يملك بعدُ، إلا حق إحساساته الأولية في الحياة، إحساساته في الجوع والعطش والألم من أجل التحقق - ستهدم هذه الحواجز. الأمر الذي سوّغ اللجوء إلى التبنين الدائري للزمن. - وأدى كما سيؤدي في استمرار- إلى مقاد تقحمي عنيف اعتبار دينامية جدل الوعي والواقع) ارتقى محتواه على مستوى الوعي والممارسة درجة أعلى - كما سيرتقي دائماً عند كل دورة له في الممارسة). فثمة وحدة لا تنفصم بين المعرفة والممارسة حتى لا تتحول تنظيرات الثورة للواقع إلى مجرد إفراغات مثالية، وحسب ماوتسي تونغ" من أين ترد الأفكار الصائبة؟).. "لكي تكتمل الحركة التي تفضي إلى معرفة صحيحة يجب أن تتكرر مراراً عملية الانتقال أو المرور من المادة إلى العقل، ومن العقل إلى المادة أي من الممارسة إلى المعرفة ثم من المعرفة إلى الممارسة.‏

(1) عبد النبي حجازي: "الصخرة - رواية" دمشق منشورات اتحاد الكتاب العرب 1978م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244