|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
-1-
في ملحمة جلجامش وفي القصة
التي يُسميها كريمر (أول أيّوب)([i]) وفي سفر أيوب وكتب المراثي ومحن المدن
والرجال... الخ نجد الصراع الأزلي بين ثنائيات من نوع: الموت/الحياة، الخير/الشر،
الإنسان/القدر. الوجود/اللاوجود... الخ مجسّداً عبر خطايات ذات منحى تحليلي
-تركيبي لمشكلات الإنسان في الوجود. بحثاً عن الحقيقة في مسألة الوجود المنعدم، أو
محنة أن نكون ولانكون في آن واحد. ونخص، هنا بالذات، خطابين رئيسين في هذا
الموضوع. خطاب ملحمي تحليلي وصفي. وخطاب ذاتي- نبوئي: الأول يستغرق في مسألة
الكائن في الوجود. والثاني ينشغل في مسألة الوجود -اللاموجود، أو الذي هو في سبيل
أن يكون موجوداً. طبعاً، لايعني هذا أن
الخطابين منفصلان، انفصالاً كلياً عن بعضهما، أو أنها لايتداخلان مع بعضهما، كما
لايعني كذلك أننا معنيون بميتافيزيقيا الوجود، بل بما يمحي الوجود. أي بالمُنْزاح
من بُرَه الوجود، أو هذا "الشيء" الذي يشكل تاريخاً لهذا الوجود:
الإنسان. فالذي لاشك فيه، دائماً يجري تشطيب/ امحاء لهذا الوجود. ومحنة أو مهمة
الشعر "الآن" كما كانت منذ القديم فيما نعتقد، قراءة هذا الممحي- المنفي
عن المدن الفاضلة! المنسي، أبداً، بين الترحال والنسيان والمحْوِ ومجهول البيان،
وماوراء القراءة، وخلف الاستعارة! هذا "الشيء"
المُختبئ داخل الغابة المظلمة، وبين طيّات تراب الأرض، والعشب من قبل أن تلتهمه
البهائم لتحوله إلى روث. هذا الذي يراد تهميشه أو عدم الاعتراف به، والذي لايظهر
في الكلام الخطّي، لكن لايظهر بدونه. إنه الذي يأتي من الصمت ويعود إلى الصمت، كما
يقول ملارميه -أو أنه الصوت القادم تحمله رمال الصحاري والمجاهل، لكن البدويّ
يسمعه عندما يلصق أذنه بالأرض: أصواتٌ قادمة، مجهولة، تحمل له الفرح أو الخطر،
وصورٌ تُشكّل مالا يُرى على نحو ما نجد في قصص الخَلْق؛ والمعارج في المجهول حيث
تمّ تشكيل الخلق الأول: الكون، الإنسان، الجنّة والجحيم، السموات والأرضين.
المعرفة. الأغاني، الكتابة والأشعار.. لقد أنصتوا إلى صوت الطين، والريح، والشجر،
والماء، والطير، والقصب.. فأنشأوا.. شعراً، لغةً. وحضارة. فمنذ البدء كان يُنظر إلى
الشعر/ الكلام على أنه قادر على تحقيق استكشافات كثيرة. فبالشعر تأسس العالم،
وبدون الشعر، يبدو العالم جافاً ناقصاً، لأن الشعر -كما قال ورد زورت، (نَفَسُ
المعرفة وروحها المرهفة)([ii]) وقد جُعلت
الألفاظ هي ماتُسمّي الأشياء، وأن تُسمّي الأشياء يعني أن تدعها تُوجد. وبهذا يكون
الشعر هو (التسمية التأسيسية للكائن ولجوهر الأشياء)([iii])
فمن طبعاً، نحن نتحدث
"الآن" في نهاية قرن/ القرن العشرين/ والنهايات غالباً. ماتبعث شعوراً
بالزوال والتغيّر، والامتداد. وإذا كان المستقبل يتغذّى مما لم يتحقق في الماضي
والحاضر ومما هو غير متوقع، كما قال البيريس (ص8-9) فإن ما تعرّض له أواخر القرن
العشرين من هزات مدمّرة وأزمات ذات تحولات عميقة ومُعقدة على مستوى العلوم والآداب
والفنون أو السياسة والاقتصاد والقوى النافذة في العالم. وماتعرّض له الوطن العربي
على المستويات نفسها، كان خطيراً وكارثياً. حيث بات يصعب معه، التنبؤ بما سيكون
عليه الحال في القرن القادم. بل ثمة إحساس فاجع تجاه
الواقع (الحاضر) وخوف من فقدان القُدرة على امتلاك مصير القادم. لعدم امتلاك أي
إحساس تاريخي عنه. ومع أننا، بشكل عام وعلى
مستوى العالم. نرى أن الزمن القادم سيكون أكثر توجّهاً نحو حقول العلوم
والتكنولوجيا، لكننا، كعرب، لانعرف حظّنا من هذا. ولانعرف كيف موقع الشعر واتجاهه.
ومن هنا، حين أستعيد الظروف المولّدة للحداثة ومقوّماتها على جميع المستويات، أشعر
بأننا اليوم. ربما بحاجة لأن نبدأ من حيث بدأت أو حيث بدأت. فالشعور بجدب اللغة
والخيال، والقلق حول موقع الشعر في محيط تطورات العلم والتكنولوجيا، والمتغيّرات
السياسية والاجتماعية والفكرية والأيديولوجية والشعور بتحطم كل شيء في عالم لم يعد
يقوى الشعر فيه على الاعتماد على أيّ مبدأ يقع خارج ذاته.. كلّ هذا وسواه، يدفع
باتجاه القلق والعزلة([v]). إن الشعر الحديث الذي ظهر في
وسط ثقافي برجوازي، أوربي، ثم في عالم ثالثي عربي يواجه اليوم وسطاً طفيلياً
معادياً لكل ماهو جوهري في الثقافة. فاللغة أصيبت بالتشويه، والتفسّخ، والكتابة مثل
زقاق غير نافذ في مجتمع مسدود، على حدّ تعبير، رولان بارت، وبات الشعر/ المثقف
مُغربّاً عن نفسه ومجتمعه وثقافته([vi]).
ولا أحد يدري ماستؤول إليه الحال نهاية هذا القرن. إلا إذا كانت نهاية تهكميّة،
كما ذهب ريجارد هولسنْبك Richard Huelsenbeck في قصيدته (نهاية العام) -1916 التي تبدأ: (هذا ماآلت إليه الأشياء في
هذا العالم تجلس الأبقار على أعمدة
التلغراف تلعب الشطرنج، والببغاء ذات العُرْف تحت
تنورة الراقصة الإسبانية، تنشد بحزن كحزن
بُوقي مقر القيادة والمدفعية، وهو
يندب طوال النهار)([vii]). بمعنى، مطلوب من الشعر
والشاعر في المناخ الاجتماعي والسياسي والثقافي والاقتصادي العربي والعالمي
الراهن، أن يعيد وضع نفسه، أو يستعيد ظروف الحرب العالمية الثانية وما أعقبها، حيث
انطلقت حركة الحداثة- متأخّرة خمسين عاماً في الأقل عن أوربا -في الشعر والقصة
والرسم والنحت وإعادة قراءة الموروث العربي الثقافي في منهجيات جديدة، إضافة إلى
اشتداد حركة التحرر من المستعمر الغربي. والاستفادة في الوقت نفسه، من الموروث
والثقافة الغربية المعاصرة. ألا يجد المثقف والمواطن
العربي نفسه، ومنذ أوائل التسعينيات، يعيش ظروفاً سياسية واقتصادية وثقافية
واجتماعية، مماثلة إلى حدّ كبير، لتلك الظروف، حيث عودة الهيمنة الامبراطورية
والتبعية الثقافية والتمزق الاجتماعي والثقافي وانهيار وتدمير معظم القيم الفكرية
والجمالية والأخلاقية وعدم جدوى الكثير مما هو سائد.. وأنه بحاجة إلى
"انتفاضة" جديدة تعيد للمواطن كرامته، وللمثقف حريته، وللمؤسسة الثقافية
دورها، وللأمة العربية "جغرافيتها" في حضارة أو حداثة العالم في القرن
القادم! -2-
إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما
يمر به العالم، والعالم العربي خاصة، في هذه المرحلة مما يمكن تسميته بـ (أزمة
أخلاقية) تماثل إلى حد كبير، الأزمة التي عاشتها أوربا إبان وبعد الحرب العالمية
الثانية، حيث الإحساس بضياع كل شيء، وحيث البؤس والتعاسة يهددان مستقبل الإنسان.
فالسؤال نفسه الذي طرحه كُتّاب، أمثال: مالرو، سارتر، كامو، سيمون دي بوفوار،
فيركور، جان آنوي، هنري ميللر، أراغون.. الخ: كيف يُعبر الإنسان عن مسؤوليته في عالم
عبثي. يواجه الكاتب العربي اليوم. وأظن أن الإجابة نفسها هي ماينبغي أن تكون. أي:
رغم كل الشر والقلق والدناءة والقبح والخراب والقمع الذي يسود حياة المجتمع
العربي، يظل التمسك بالشرط الإنساني في الحفاظ على ماتبقّى، مسؤولية الكاتب([viii]). حقاً إن الطفيليات نمت وتنمو
بشكل خطير، والتمييز بين أدب حقيقي، وأدب زائف، بات أمراً صعباً ومُحيراً، لكن
لابد من مواجهة الواقع بتنشيط الخيال، وتفعيل الصور، وتعميق أبعاد الرؤية، والجرأة
في طرح الأسئلة، ومعاناة البحث عن الإجابة. أي من الضروري مواصلة أن نكون مُحدثين
بصورة مطلقة، كما قال رامبو. لقد كان لمعظم الشعراء
والجماعات الشعرية التي ظهرت في القرن العشرين، مشروعها الشعري، قد نتفق أو نختلف
حول منطلقاته أو مقدار ماتحقق أولم يتحقق، وليس هذا هو المهم، بقدر ما المهم أنه
كان لكل شاعر أو فئة مشروعها أو رؤيتها التي تُعبّر عن وعيها وعالمها -وليس هنا
بالطبع مجال فحص هذا، ولانريد تكرار الكلام في الماضي -لكن السؤال: مامشروع الشاعر
العربي اليوم؟ وإلى أين يتجه هذا الكم الهائل الذي يملأ الصحافة الأدبية تحت لافتة
الشعر([ix]) حتى بتنا
لانميز بعضاً عن بعض: لغةً، وأسلوباً، وصوراً، وموضوعاً.. الخ؟. وكأن مايُنشر يصدر
عن ذات تشظّت ذواتاً راحت كل واحدة منها، تنأى بنفسها إلى درجة الصفر من التاريخ
والجغرافيا واللغة والفكر والحضور الإنساني! ويؤسفنا أن نقول: إن القارئ لم يعد
الشّعر في جملة مايُنشر في الساحة العربية على أنه شعر، بقدر مايحس له إزاء تمارين
للصغار، وإثبات وجود للكبار! بمعنى أن القارئ لايحس قوة التدمير والإنشاء بقدر
مايحس اللعب اللامجدي على فُسحة متاحة من الحياة الاجتماعية /الثقافية/ أو على
أطراسٍ مغسولة بالماء! حسناً. سنتفق مع القائل بأن
الماضي والحاضر يسهل وصفهما، لكن ماذا بشأن المستقبل؟ أي ما الذي يمكن تحقيقه مما
لم يتحقق، أو مما هو غير متوقع؟ إنه سؤال تهكمي دون شك،
بالنسبة للقائلين بأننا نعيش في الرُبع الأخير من الساعة الخامسة والعشرين! لكنه
سؤال تراجيدي بالفعل لمن يُفكّر بما بعد النهايات الفاجعة: يقول الفاتح في (أسطورة
سيزيف): (في اختياري بين التاريخ والأبدية، اخترْتُ التاريخ لأنني أميل إلى ماهو
يقين، فأنا، في الأقل، موقنٌ منه، وكيف أستطيع أن أنكر هذه القوة التي تسحقني)([x]). فإذا كان صحيحاً أن التاريخ
لانهاية له بالنسبة للأمم الحيّة، في الأقل، وبالتالي، الإبداع، أيضاً، لايتوقف،
والنهايات موصلة بالبدايات عادة، والشعر لغة، واللغة تأسيس لكينونة وإفصاح عن
كينونة، والشاعر موهبة ينبغي تثقيفها باستمرار بشتى المعارف والعلوم الإنسانية. أقول، إذا كان هذا صحيحاً،
وسواه مما يمكن إضافته فلابد أن يُساور القلق، الشاعر والناقد والقارئ والباحث،
فالإحساس والمعرفة باللغة، يتدنّى في جُلّ الكتابات الشعرية المعاصرة، كما أن
الثقافة أو المعرفة تكاد تغيب أوهي غائبة، لأن الكتابة السهلة تفتقد، عادة،
لبُعْدين جوهريين: بُعْد اللغة، والبُعْد المعرفي، والسائد في المجتمع العربي،
ومنذ سنوات، هو مايُعرف بالشعر الجماهيري. أي الشعر الذي يسعى لكسب جمهور واسع
بقصد الشهرة أو المنفعة على حساب الحقيقة الشعرية ولسنا بحاجة لأن نعرّف بخصائص
هذا الشعر. فهي معروفة وشائعة. لكننا بالتأكيد بحاجة لأن نؤكد "الآن".
أن الشعر الذي لايكشف عن مرجعيّته، جغرافيته، وعيه التاريخي، حسّه الإنساني، فضلاً
عن بُعد اللغة. أقصد ملاحظة الأصل في الاستخدام الاستعاري للغة بتعبير الجرجاني..
شعر مغرّب، مغيب الوعي والدلالة. أو أنه من الكلام الذي يمكن أن يقال، في كل زمان
ومكان. والنظرة العامة تبيّن أن الهيمنة إن جاز القول، تتمثّل، اليوم، في التقلّص
المتزايد للأساليب التعبيرية، والتكاثر الواضح للأساليب التجريدية، الأمر الذي
يؤدي أو أدّى إلى لون من "تغريب الشّعر"([xi]). -3-
ونصل "أخيراً"، إلى
مايمكن تصوره حول: (الشعرية الحضارية) وأول ماتجب ملاحظته هو مراجعة سجلاّت
الشعرية. بمعنى: نشوء الظاهرة ثم مايصيبها فيما بعد /مع مرور الزمن/ من تحولات. أي
نظام السلسلة أو المُتتابعة كما عبّر عنها جورج كوبلر في (نشأة الفنون الإنسانية)([xii])
في إطار عوامل لغوية وتاريخية وثقافية واجتماعية، مركزين على البنى. فإذا أخذنا،
مثلاً، الشعر العربي في نشأته وتطوره منذ أن كان نثراً فتيّاً أو نثراً مسجّعاً ثم
رجزاً فقصيداً إلى التحولات الأخيرة في القرن العشرين: (شعر مرسل، منثور، شعر
تفعيلة، قصيدة النثر... الخ) نجد أن هناك سمات قارّة، هي مايُطلق عليها (الشعرية)
أو قوانين علم الشعر، التي بدونها لايُعدّ الكلام شعراً، بينما هناك سمات متغيّرة
متطورة، كتلك التي تلحق الشعر من أجناس أدبية أخرى، أو تفرزها الموهبة الفردية، أو
عوامل بيئية أو ثقافية، أو تحوّلات تاريخية. ويرجع لهذه، في الواقع
"مرحلة" الانتقالات في سيرورة الجنس الأدبي. فعندما وصف النقادُ، الشعر،
في العهد العباسي، على يدي بشار ومسلم بن الوليد وسلم الخاسر وأبي نواس وأبي
تمام.. بالمحدث ومايزوا بينه وبين القديم، تلمّسوا هذه الفروقات، لا في البنى
الجوهرية التي لايُسمّى بدونها الشعرُ، شعراً؛ وهي: (الوزن أو الإيقاع، التعبير
الاستعاري أو المجازي، المعاني.. الخ) بل في تحوّلات ثانوية تطرأ نتيجة عوامل
جديدة دخلت على الشعر بسبب متغيّرات في الثقافة والمجتمع واللغة والرؤى..
كالاستعارات البعيدة والمعاني المولّدة. أي (الميل إلى الصنعة والمعاني الغامضة
التي تستخرج بكدّ الفكر. فبشار وأبو نواس ومسلم ومن تقيلهم على حد تعبير ابن
المعتز، لم يسبقوا إلى فنّ البديع، الاستعارة والتجنيس والمطابقة، لكنه كثر في
أشعارهم فعرف في زمانهم، ثم إن الطائي أبا تمام تفرّغ فيه([xiii]). وهكذا يمكن القول في تمرحل
حركة الشعر العربي الحديث (شعر التفعيلة) في أواخر الأبعينيات حيث سمات البنية
الشعرية، قارّة. والذي طرأ تغييرات على البنية الإيقاعية (إعادة ترتيب نظام الوزن
والتقفية) والتشكيل المكاني للقصيدة وغير ذلك مما يتصل بالبنى التركيبية
والصوريّة. إذن وبإيجاز إذا كان الشعر من
حيث الجوهر، واحداً في العصور والأمكنة. فإنّ مايمايز شعراً عن شعر لدى الشعوب
والأمم، والمراحل التاريخية- والحضارية لشعب أو أمة بعينها، هو: الوعي بمشكلات
الإنسان وخصائصها وخصائص هذا الإنسان في الإطار المحلّي والإنساني. والتعبير عن
هذا الوعي أو الرؤيا في لغة طبيعة خاصة /استعاريّة/ وبُنى تشكيلية في إطار شبكة
التعالقات المكوّنة للنص. وبعبارة أخرى، الشعر في جوهره
الأصلي الإنساني، هو مواجهة للموت والذل والبؤس والتعاسة والكراهية.. الخ مما يحيط
بالفرد والمجتمع والإنسانية. كان هذا بداية الخليقة. تعبيراً عن وجع الإنسان
المعذّب، المحروم، المعرض للموت والخراب. في لغة مشرقة، جميلة، نديّة، تجمع بين
قدسيّة الجمال وقدسيّة الإنسان. هذا ما يؤكده ماجاءنا من الشعر عن أوائل الحضارات
وماجاء به الرُّسل والأنبياء: هؤلاء الشعراء الأفذاذ المتعالون عن
"الأنا" ليكشفوا ويصرعوا الشقاء الإنساني. ويرفعوا (العُقب الحديدية) عن
أعناق البشر! لقد عاشوا في خطر، ونحن نعيش اليوم في خطر. والشعر أحد الوسائل
المهمة الضرورية لمواجهة هذا الخطر. ولكن ليس شعر الشعارات والتهويمات والكلمات
الجوف. إنه الشعر/ الإبداع الذي يمتلك طاقته الحقيقية في التأسيس لمفاهيم جديدة في
الحياة والفكر والجمال من خلال رؤيا كونية يتوحد فيها الشاعر، والنص، والعالم. إنّ السعي لتأسيس تجربة
ثقافية حضارية جديدة، في الوقت الذي يتطلب معاينة وفحص التجارب والمفاهيم الثقافية
والاجتماعية السائدة، يتطلب نزوعاً "انقلابياً" على الأطر والاتجاهات
والبنى الاجتماعية والثقافية والجمالية التي قادت إلى الهزائم والإحباطات
والانكسار في مجال السياسة والاجتماع والثقافة والأنطولوجيا. والشاعر -الشاعر الحقيقي،
فيما نرى، ليس بحاجة إلى "وصايا" تدلّه كيف يحلم -يهدم ويبني- ليحقق
حلمه في عالم جميل معافى حُرّ، آمن: لا الذئب فيه يفترس الحمل، ولا الغراب ينعب في
الخرائب والأزبال.. كما تقول قصيدة النشأة الأولى للخلق الأول. حقاً، إن مايهمنا القصيدة
وليس ماتقوله القصيدة، كما قال رتشاردز([xiv])
-لكن، وكما قال أيضاً، إن الكلمات التي تشكل القصيدة، حين تتّحد معاً، هي مايستجلب
وينسق التجربة ويضبطها. فالكلمات كمفردات بحد ذاتها لاقيمة لها إلاّ بقدر ماتدلّ
على شيء أو مكان أو زمان... لكن حين تتّحد الكلمات معاً، أي تصبح تعبيرات، تصبح
شيئاً آخر مختلفاً. عالماً آخر. فمن حيث أن الخطاب الشعري هو ممارسة متميّزة لها
استقلالها الخاص، لكنه من جانب آخر، جزء من التكوين الاجتماعي/ الثقافي المُحدّد
تاريخياً، أي خطاب أيديولوجي. على أن نفهم من هذا: أن مايجعل الشعر شعراً هو
مايجعل الشعر أيديولوجيّة([xv]). أي أيديولوجيا، من نوع
مايسميها البعض بالخفيّة hidden ldeology تتحدد حالما يتحدّد شكل الخطاب لغوياً. ويأخذ النصُّ سمته من
الأنظمة الشفريّة، حيث تحمل هذه الأنظمة، كما قال بارت، في طياتها اتفاقاً ضمنيّاً
بين النص والقارئ حول الفرضيات الأيديولوجية([xvi]). وباختصار، "إن مانؤكد
عليه ليس انعزالية الفن، وإنما استقلالية الوظيفة الجمالية([xvii])
فالعمل الأدبي، كما ذهب تودوروف- تعبير عن "شيء ما" والغاية هي الوصول
إلى هذا "الشيء" عبر القانون الشعري([xviii]).
فما لم تكن لقصيدة مادلالة، فلن تعتبر قصيدة، لأنها لم تعد لغة..([xix]) هوامش
وأسئلة حول:
|
|
وفيكَ انطوى العالمُ الأكبرُ |
|
وتحسبُ أَنّكَ جُرْمٌ صغيرٌ |
وباختصار، (الأصيل) هو هذا المختلف عن
الأصول الطالع منها. مثل الماس الذي أصله فحم أسود، أو كاربونٌ منتثرٌ في الفضاء.
والأصيل: اختراقٌ سجن العالم -ولو بالحلم عبر الكلام- متحدياً نفاق العوام، وزهوَ
الحُكّام، صارخاً: ولكنّ الامبراطور.. لايلبس شيئاً!
9-حسناً.. هل رأيت امبراطوراً
ليس له شكل؟
الشعر /القصيدة/ هو هذا الامبراطور.
يولد من أعماق الظلمة. شفّافاً، يبحث في الفراغ عن فراغ يتجوْهَرُ داخله. والفراغ
هو هذا اللامرئي من الوجود الذي لايدركُ، أو لايُعرف معناه إلاّ بالظنّ والحدس
-كما قال الآمدي في شعر أبي تمام- أو بالتخييل -كما ذهب آخرون. ومن هنا يحصل اللَّبس
المولّد، في الوقت نفسه، لمعانٍ متكاثرة تكاثر القرّاء النموذجيّين.
10-حين يبحث أو يحرث القراء
والنقاد في تراثهم أو تراث الإنسانية عموماً. يكتشفون أن معظم ماتمّ التعبير عنه
من أفكار ورؤى وتجارب إنسانية عبر مئات أو آلاف السنين، يعبّر عنه اليوم. ولكن
بلغةٍ أو استخدام جديد للغة نفسها -كلُّ قومٍ بلغتهم طبعاً- ما ينتج رؤى جديدة
ودلالات مختلفة. فما ترك القدماء من متردّم! حسب عنترة/ وذلك بحسب "ترتيب
الألفاظ وتواليها على النظم الخاص "حتى" تؤلّف وحدات اللغة" أو
وحدات النص "ضرباً خاصّاً من التأليف"- كما ذهب الجرجاني.
وهذا يعني أن الحداثة، و مابعد الحداثة،
ومابعد، بعد الحداثة... متتابعة في الفكر والإبداع والتطور الحضاري: في كلّ نصٍّ
تتموضع نصوص /حسب سولير/ وكل تعبير يقترح تعبيراً آخر، فلا وجود لما يتولّد من
ذاته. بل من تواجد أصوات متسلسلة ومتتابعة /حسب فوكو/ وميزة أيّ أثرٍ أدبي حقيقي
أنه يفتح آفاقاً لنصوص أخرى /حسب رولان بارت/ والمنجزات الحضارية: الفنية
والأدبية، هي أشبه بمتتابعة مفتوحة تتولّد كل واحدة عن السابقة لتنداح في
اللاحقة.. وهكذا. حسب جورج كوبلر(9).
ولست أدري لماذا يُعادي بعض كُتّابنا،
تراثهم، أو يخشون أن ينسبوا إليه /في الجانب الفني/ وهم يغترفون منه دون توقُّفٍ:
مادةً وصيغاً، وأشكالاً. مؤكّدين فيها خلود أجدادهم الموتى في أكثر أجزاء العمل
فرديّة -كما ذهب إليوت. ألسنا نراهم يكادون يجمعون على أن من أبرز ملامح الحداثة
الشعرية العربية، أنها أعادت اكتشاف رموز الخصب والموت والبعث، وبعثها من ظلمة
التاريخ إلى نور الوجود المشعّ، كما هي لدى السيّاب والبياتي وخليل حاوي وأدونيس..
مثلاً!
11-يصف بعضهم، شعراء الحداثة
العرب، بأنهم: "سارقو النار" أو "حملة النار" رمزاً للهدم
والبناء. تبديد الظلمة وإشاعة النور. لكن في كل ظلمةٍ، نورٌ. وداخل كلّ نورٍ.
ظلمةٌ. ولذا لا يصحُّ القول؛ بإحراق الماضي. أو أنّ الماضي كلّه ظلمة. كما ليس
صحيحاً أنّ "الجديد" أو "الحديث" كلّه نور. فنحن إزاء حالة من
الجدل بين النور والظلمة. بين المعنى والمبنى. بين المادة والصورة. بين الحلم والواقع.
بين المدنّس والمقدس.. حيث تتواصل حركة الأشياء وكأنّها "شدّة ائتلاف في شدّة
اختلاف". ودائماً هناك اللاكمال. وطموح المبدع -دون شكّ- الوصول إلى الكمال.
لكنه لن يبلغه. لأنه متى ماظنَّ أنه بلغ الكمال، كان هذا الكمال نقصاً فيه -كما
يذهب المتصوفة(10).
12-يعيش بعض دعاة الحداثة -مع
الأسف- على التزوير. فهم يزعمون -مثلاً- أنّ كلّ الشعر العربي، من امرئ القيس إلى
الجواهري: باطل! إنّه مجرد كلام موزون مقفّى! صناعة كلام، أو نظام لغة! وبذلك
يجهلون، أو يتجاهلون أنّ اللغة، في النهاية، هي مشروع من جهة. وهتكٌ للظلمة التي
تحجب عنا أسرار الكون والكائنات من جهة ثانية. فاللغة، كمشروع، علاقة سريّة تربط
بين البشر من جهة، وبين الإنسان والأشياء من جهة ثانية.
نقول: إنها علاقة سرّيّة مثل علاقة
الأنبياء بالربّ: (وما ينطق عن الهوى): وحيٌ وإلهام. ومثل علاقة الصوفيّ /الإنسان
الكامل/ باللّه والأشياء: تأمّلٌ واستغراق واتّحاد حدّ الامّحاء بالمطلق والوجود:
(ليت الفتى حَجَرُ...) إنها نوع من (ميتافيزيقا يتعذّر الدفاع عنها) حيث (يفضُّ
سرُّ الحياة فضّاً ملغزاً). وهذا مايحقق أمنية هُولْدَرْلنْ: (أن تكون إقامتنا على
الأرض إقامةً شعريّة)(11).
بمعنى أن الواقع/ الأشياء واللغة
لايوجدان معاً. فأمّا أن يستلب الواقع، اللغة. فتصبح نثرية تقريرية. وإمّا أن
ينصهر الواقع والأشياء في اللغة. فيصبح الكلام شعريّاً. إنها: (كيمياء الكلمات).
وإلاّ كيف تكون.. (..الوردة والنار.. شيء واحد) -كما يقول إليوت. أو كيف يجتمع
الثلج والنار معاً، دون أن تذيب النار، الثلج. ولاالثلج يطفئ النار -كما جاء في
المعراج!
13-حين نستذكر كيف ينبجس
الكلام/ الشعر عن الشاعر العربي القديم، لحظة وقوفه على طللٍ أو موقد نارٍ منطفئة،
أو أيّ أثر من آثار حبٍّ غائر في أعماق النفس... نفهم كيف أنّ الشعر هو انفجار
الذاكرة لحظة التقائها بالأشياء واللغة معاً، في لحظة خاطفة... بمعنى استحضار
عالمٍ مفقود، عالمٍ من الرماد، أو الدّمى، أو الحجارة.. لكن كلّ شيء فيه مفعم
بالحياة. وبمقدور مخيّلة خلاّقة، بعثه وتركيبه من جديد. إنها لعبة الوجود والعدم
هذه التي يلعبها الشاعر. وهي مايربط الشاعر بالمكان/الوجود. ولكنه، أي الشعر، إذ
يرتبط بالأشياء، إنّما ليكشف ماوراء هذه الأشياء. يكشف الممحيّ -المنفيّ عن المدن
الفاضلة! المنسيّ أبداً. بين الترحال والمحو ومجهول البيان. وماوراء القراءة،
وخلف الاستعارة! أقول: حين نستذكر كيف ينبجس الكلام الشعري عن الشاعر العربي
القديم، نفهم أنّ القصيدة هكذا تأتي مرّةً واحدة، ومايتبقّى بعض الفراغات التي يجب
ملؤها، والاستطالات التي ينبغي قضمها. وهذا يعني -في رأينا- أن الشعر ليكون شعراً،
لايحتاج إلى نظريات: الخلق لايحتاج إلى نظرية. إنه ينطلق هكذا عفوياً. فجائياً،
وكأنّ الأمر: كن.. فيكون! وقد جعلت الألفاظ هي ماتُسمّي الأشياء. وأن تسمّي
الأشياء يعني أن تدعها توجد. وبهذا يكون الشعر هو: (التسمية التأسيسيّة للكائن
ولجوهر الأشياء)(12). فمن خلال السيطرة المذهلة للشاعر على الكلمات، يؤسّس ويوجد،
ويستشكف "المخفي" في المرئيّ(13). ولكن -بالطبع- ينبغي السيطرة على
العملية بمجملها: (ألم يخلق اللّه الكون بكلمة (وفي البدء كانت الكلمة) ثمّ وضع
القوانين المُنظّمة والمسيطرة بعد ذلك. لأن الشعر في كل زمان ومكان، وفي أية لغة
أو شكل جاء، هو: شعر -أو- لاشعر. أما النظريات في الشعر. فإنما توضع لتساعد في فهم
الشعر وتذوّقه. وفهم تحولاته ومتغيّراته التركيبية والبنيوية والدلالية. ثم منزلته
في نسق البنية الثقافية حين يكون فاعلاً في هذه البنية.
14-ونعود إلى حداثتنا التي
تقتات بزادها اللغوي. فنقول مع هايدغر، إنّ الشاعر تأسيس باللغة. اللغة التي هي
أهم مقتنيات الإنسان -بمعنى أنها ليست المقتنى الوحيد- لكنها مايؤسّس "أرضيّة
حقيقية للثقافة".
ونقول: "ثقافة":
ذاك أنّ الموضوع الفني مدينٌ بتعبيريّته إلى كونه يقدّم عملية تنافذ تام وشامل
لمواد متصلة باللحظة المنقضية واللحظة الفاعلة. حيث تكون الأخيرة إعادة تشكيل كامل
للمواد المخزونة من تجربتنا السابقة..). (والنتيجة أنّ التشكّل في صيغةٍ، معناه
طريقة في التصوّر، وفي الإحساس، وفي عرض المادة المستخدمة على نحو يجعل منها وسائل
جاهزة وفاعلة لتشكيل تجربة مماثلة لدى من هم دون موهبة المبدع الأصيل)(14).
1-ينظر أدونيس: (بيان
الحداثة) كتاب (البيانات) -إصدار أسرة الأدباء والكتاب في البحرين -1993-ص56-57.
لا2-ينظر مقال فوزي كريم:
(المرايا الخادعة لحداثة الشكل) مجلة (نزوى) العدد 17-يناير 1999- ص96-97.
3-ينظر مقال إيهاب حسن: (نحو
مفهوم لما بعد الحداثة) مجلة (الكرمل) العدد (51) ربيع 1997-ص15-16.
4-ينظر مقال فوزي كريم -مصدر
سابق- ص95.
5-ينظر مقال إيهاب حسن -مصدر
سابق- ص18- ويمكن مراجعة الجدول الذي وضعه إيهاب حسن للتمييز بين الحداثة ومابعد
الحداثة عبر فوارق تخصصّية من علوم مختلفة: أدبية وعلمية واجتماعية ونفسيّة
ولاهوتيّة.
6-ينظر مقال صبحي حديدي:
(الحديث، الحداثة، مابعد الحداثة) مجلة (الكرمل) -مصدر سابق- ص59.
7-ينظر مقال فيصل درّاج:
(مابعد الحداثة في عالم بلا حداثة) مجلة الكرمل -مصدر سابق- ص64.
8-ينظر مقال محمد برادة:
(الأدب وبويطيقا المجهول) مجلة (الكرمل) -مصدر سابق- ص295.
9-نشأة الفنون الإنسانية
-ترجمة عبد الكريم الناشف- بيروت 1965.
10-ينظر ابن عربي في
(الفتوحات المكية) وعبد الكريم الجيلي في: "الإنسان الكامل في معرفة الأواخر
والأوائل).
11-ينظر كتاب (ليل المعنى)
لصلاح ستيتيّة- حاوره جواد صيداوي: الصفحات: (210/211/208) كما جرى استيحاء
ومناقشة بعض آرائه في أكثر من موضع.
12-هايدغر. عن كتاب (متاهات):
نصوص وحوارات في الفلسفة والأدب -ترجمة حسونة المصباحي- بغداد- 1990/ص27.
13-رتشاردز- عن كتاب (أسس
النقد الأدبي) ترجمة هيفاء هاشم -دمشق 1967- ص118.
14-امبرتكو
إيكو- مقال: (تحليل اللغة الشعرية) مجلة (الحياة الثقافية) تونس -ع- 79/1996-ص72.
([i]) القصيدة التي يسميها كريمر
(أول أيوب) معتبراً إياها (أول مقالة تعالج مسألة عذاب الإنسان وخضوعه) دون أن
يستحق ماحلّ به. تحكي قصة رجل سومري موسر حكيم وصالح.. لمّا حلّ به ماحلّ، أكثر من
التضرع لربّه. فتقبل ضراعته وأجاب ملتمسه وخلّصه من مصائبه. منها:
-"أنا
الحكيم العاقل لماذا أقيد مع الأحداث الجهلة؟
أنا
المدرك العاقل لماذا أحسب مع الجهال
الطعام
وفير في كل مكان، ولكن طعامي الجوع.
في
اليوم الذي قُسمت فيه الأنصبة، كانت حصتي المخصصة لي، العذاب، والألم".
-"لقد
قالوا -أي الحكماء البارعون- كلمة صدق وحق:
لم
يولد لأم طفلٌ بلا خطيئة.
إنّ
الطفل البريء لم يكن في الوحود منذ القدم"
[انظر:
من الواح سومر -ترجمة طه باقر/ منشورات مكتبة المثنى ببغداد ومؤسسة الخانجي
بالقاهرة وبالاشتراك مع مؤسسة فرانكلين/ مطبعة مصر. بلا تاريخ] ص111-112.
([ii]) عن مقال ماثيو أرنولد:
(دراسة الشعر) في كتاب (أسس النقد الأدبي الحديث) ترجمة هيفاء هاشم- دمشق
(1967-ص58).
([iii]) هايدغر، عن كتاب (متاهات)
(نصوص وحوارات في الفلسفة والأدب) ترجمة حسونة المصباحي- بغداد 1990/ص27.
([v]) الحداثة- تحرير مالكم
برادبري وجيمس ماكفارين- ترجمة مؤيد حسن فوزي دار المأمون-بغداد 1987-ط2 ص20.
([vii]) عن كتاب جاكوب كورك: (اللغة
في الأدب الحديث: الحداثة والتجريب) ترجمة ليون يوسف وعزيز عمانوئيل- دار المأمون
-بغداد ص232.
([viii]) البيريس: الاتجاهات الأدبية
في القرن العشرين- ترجمة جورج طرابيشي- منشورات عويدات- بيروت 1965-ص81-87.
([ix]) وينظر د.علي جعفر العلاق:
(النص الشعري: دراسات نقدية) -دار الشؤون الثقافية- بغداد 1990-ص21-22.
([xiii]) الموازنة للأمدي: 1/5و18
وينظر: ( الشعرية العربية) لأدونيس في الكلام عن بشار وسلم وأبي تمام... ص51-52.
([xv]) ينظر مقال (الخطاب الشعري
بوصفه أيديولوجيا) لانتوني أيستوب- ترجمة حسن البنا- مجلة (فصول) ع3-1985-ص99.
([xvi]) مقال: (التفسير، والتفكيك
والأيديولوجية) لكريستوفر بطلر- ترجمة نهاد صليحة- مجلة (فصول) ع3-1985-285.