الاختلاف والائتلاف في جدل الأشكال والأعراف - طراد الكبيسي

مقالات في الشعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

خــلاصات في الشــــعـر "الآن"من أجل كسر الصمت:قصيدة النثر: بين التوهّم والحقيقة

تهيمن في الساحة الشعرية العربية، ظاهرة القصيدة النثرية- وتحت أسماء مختلفة، وتروّج تحت عنوان الظاهرة هذه، مفاهيم، وأدوات، وتعابير ملتبسة غالباً. وتنسب منجزات وخصائص، وتعلّق آمال، في الغالب، غير حقيقية. بل هناك من يسعى لأحداث "قناعة" لدى القارئ، أن الكتابة هذه هي الممثّل الشعري- الفرد لروح آخر العصر، والفاتحة المانحة لمستقبله.‏

في الملاحظات -الخلاصات التالية، نحاول أن نضع الأمور في سياقها الحقيقي، أو المقارب للحقيقة الشعرية، دون أن نفترض ولاندّعي احتكار "الحقيقة". إننا نجتهد -قدر العزم!- في مقاربة الأشياء، من خلال تبيّن أبعاده ومواضعها الواقعية.‏

أولاً: الكتابة النثرية، تحت أيّة تسمية جاءت (قصيدة نثر. نثر شعري. شعر منثور. نص. كتابة جديدة.. الخ.) ليست هي البديل الجنيني للشعر. كما لايمكن لأية كتابة أخرى أن تدعي ذلك. فليست هي التعبير الشعري- الفرد. ولا الأفضل، ولا الأكثر معاصرةً أو استجابة لروح آخر العصر (القرن 20) كما يُروّج البعض، فالعصر (القرن20) موشك على الزوال، أولاً، وتاريخها يؤكد أنها ليست وليدة هذا العصر، ثانياً(1). وينبغي أن ننزع من أذهاننا منهج المفاضلة أو الموازنة بين النظم والأشكال الشعرية، ثالثاً. لأنّ مثل هذا المنهج لم يعد مقبولاً ولامناسباً، والنقاد القدماء أنفسهم كانت لديهم عليه اعتراضات، ووضعوا شروطاً تكاد تكون تعجيزية في استخدامه(2). إنه منهج في جوهره، ينتمي، بشكل ما، إلى أساليب المفاخرة بشجرة العائلة والقبيلة، بينما تتجه المناهج المعاصرة نحو مقاربة النصوص: شعرية أونثرية. مع ملاحظة بينونة النص بذاته، باعتباره كياناً منصرفاً لذاته، بائناً لغيره من حيث مكوّناته وبناه الحاضنة للمعنى أو الكاشفة للدلالة.‏

إن المباني التي تكوّن مايعرف بـ (الشكل) ليست هي مايقترح التجربة (المعنى والدلالة) بل هي التي تقوم بتجسيدها وإبرازها. فعندما أقوم [بترتيب النص بكيفية معينة](3) يعني أني أقوم بتجسيد تجربة أو إبراز دلالة بطريقة ما... لكنّ الشيء الأكيد أن الشكل هذا "ليس قفصاً مقفلاً على الدلالة. فدائماً هناك فضاء مفتوح، أو ثغرات تسمح للقارئ أن يغوص في العمق، ويتقرّى الامتداد، مستنطقاً مايمكن أن يبوح به النص في صورتيه: صورة القراءة، والصورة المعاينة.‏

إنّ الشكل لايقيّد المحتوى أو الدلالة إلاّ في نوع محدّد من الكتابة: (الآلية). أي تلك التي تنطلق من (بياض) الذهن -إذا جاز القول- لترتسم على (بياض) الورقة: (سواداً): كتابةً أو أيّة خربشاتٍ أخرى. تدلّ بنفسها، أوتترك للمتلقّي مايتأوّله بنفسه.‏

ثانياً: وبناء على ماتقدّم، فإن حرية التجريب حقٌّ مشروع للجميع في إطار حرية الفنان قبل كل شيء. ولكنّ التجريب، كما نفهمه، وكما هو مفترضٌ، ينبع من الداخل، لايستعار من الخارج. بمعنى أن (أجرّب) بدافع وحاجة ذاتيّة ومتطلّبات تعبيرية وجمالية، لا أن (أجرّب) بدافع المغايرة لذاتها. أو استمناءً لتجريب آخر بدافع المجاراة أو المجايلة.‏

إنّ الأشكال الشعرية، هي خلاصة تجارب في الكتابة الإبداعية. والكتابة تخلق تقاليدها في محيط ثقافي -تاريخي. وتتطور أو تتغيّر هذه (التقاليد) حسب المتغيّرات في الأزمنة الثقافية والتاريخية.‏

وعليه، إنّ حقّ المبدع في أن يكتب (نصّه) بمواصفاته هو، يظل حقاً ذاتياً تاريخياً. ولكن من اشتراطات اللعب، أن يعرف اللاعب (قواعد) أو (حدود) اللعبة -كما يقال- كما تجسّدت في الموروث القومي والإنساني. وتلك هي الحرية الحقيقية. أي حينما تظهر على خلفيّة من القيود التي تنطوي عليها الصنعة. كما قال إليوت في مقالته: (تأملات في الشعر الحر)(4).‏

يعني -وهو مايكاد يتفق عليه الجميع - أن (القانون) في الكتابات الشعرية- النثرية، هو الحرية. إلاّ أن هذه الحرية ينبغي أن تفهم في (قوانين) منظّمة -لها- إن جاز القول. إنّ الفوضى التي تعمُّ شعرنا اليوم تكمن في جزء أساسيّ منها في توهُّم البعض، أن الحرية تعني الفوضى والهدم حسب.‏

نعم. قد ينتج عن الفوضى، نصوصٌ إبداعية مهمة، لكن الفوضى لاتخلق ثقافةً. ومعلوم أنه لا(فنّ) دون أعراف. أو أنه يخلق أعرافاً. فكل معمار فني لايمكن أن يقوم، دون شك، دون تآلق بين عناصر، مهما بدت متنافرة في الظاهر، لكنها لابد أن تكون متماسكة، متكاملة، أو متساندة في الداخل. وإلاّ تعرّض للانهيار أو فقد طموحه في التأسيس والانتماء.‏

إنّ قصيدة النثر، مثلاً، التي تطمح لأن تضمن لها مكاناً بين الأنواع الأدبية- وهذه إحدى تناقضاتها المشخّصة بين الطموح إلى النوع والتمرد على النوع- كيف لها أن تحقّق "نوعها" دون أن تتشبّث بخصائصها المحدّدة- أي: القصر، الكثافة، التوهج- السردية، الدلالية.. الخ.. كما يشخّصها كتّابها ونقّادها.‏

ثالثاً: إن قصيدة النثر ليست إقصاءً للشعر. كما يعتقد البعض، لأنها ببساطة نثر يبحث عن مكانة في قارة الشعر.‏

وبعبارة أخرى، إنها نثر يعمل على اكتساب صفة الشعر دون التقيّد بالتزامات الشعر: الوزن، والقافية، والتشطير على الورق. فهي، إذن، تأخذ من الشعر أبرز مقوّماته: فهي تملك إيقاعاً ملفوظاً، وتأثيراً مصوّتاً، ولغة مجازية وكثافة في التعبير، وقد تنطوي على قافية ظاهرة أو داخلية وتعاقب موزون أحياناً. إنها بإيجاز: (تأليف يتّخذ كل أشكال الغنائية باستثناء أنها توضع على الورق كنثر..)(5) وتترك الباقي. ليس لأنّ الباقي (الوزن والقافية) ليس شعريّاً، أو ليس مفيداً للشعر، بل لأنها جعلت من صفتها (الانفرادية) التضادّية: (شعر -نثر) خاصيّة مميّز لها.‏

رابعاً: ولا أعتقد أن قصيدة النثر وسائر الكتابات النثرية -الشعرية، بإهمالها الوزن والقافية، ترمي إلى الدخول في (التنافر الصوتي) لإيقاعات العصر: إيقاع الآلة- على الأقل في معظم دول العالم الثالث- ذات الواقع البدائي، أو يشبهه:‏

أولاً : لأن الآلات المعنية: (قطارات، طائرات، بواخر، معامل، سيارات.. الخ) لا تؤلّف إيقاعاً سمفونياً‍.‏

ثانياً : ولأن الآلات ليست حكراً على هذا العصر حسب، لا في أوربا، ولا في غيرها. فلا ينبغي أن ننسى، مثلاً، مايسمّى: بـ (تكنولوجيا العالم القديم) ومنها نواعير الفرات في العراق وسوريا، ومحال الحدّادين والصفّارين والبنائين والفخّارين.. إلى غير ذلك من الآلات تنتج عنها ضوضاء أو تنافر صوتي!‏

ثالثاً : ولأن الأشياء كلّما داخلها الاضطراب، كلّما كانت في حاجة ماسة إلى "ضابط". فهذا هو مبدأ الخلق والتكوين، من الفوضى يتولّد النظام الكوني. والوزن في الشعر، في رأي البعض، مهما كان نوعه: كيفيّاً أو كميّاً، هو ضابط يعين الشاعر على استعادة سيطرته على موضوعه. والخيار، بالطبع، متروك للشاعر نفسه(6).‏

رابعاً : ولأنّ زمننا العربي، اليوم، أبطأ من سلحفاة. ولايعاني من (التنافر الصوتي) الذي تسببه الآلات كما في أوربا وأميركا، مثلاً، فإن القول بإسقاط الوزن والقافية للسبب المذكور -إن صحَّ! يصبح المبرّر لكتابه- القصيدة النثرية في العربية، باطلاً، ولسببين:‏

أولهما: أن الغالبية من شعراء الدول الصناعية مايزالون يكتبون الشعر بالوزن -كلُّ حسب طبيعة لغته وبناها الإيقاعية وأنماطها الشعرية التقليدية منذ مئات السنين. وعلى سبيل المثال: الهايكو والتانكا في الشعر الياباني.‏

ثانيهما: أن واقعنا العربي الراهن لها يعاني من (التنافر الصوتي) بسبب الآلة. بل يعاني من تنافر وتبلبل في الأذهان والأصوات بسبب أن جميع طرق الحداثة والتحرر، مسدودة أمامه. فضلاً عن أنه لم يعد يملك خياره في الطريق الذي يريد. وكلّنا سمع بحكاية الغراب الذي أضاع المشيتين!‏

خامساً: ولأنّ الكتابة النثرية -الشعرية قديمة جداً. تؤكدها جميع الكتابات التي وصلتنا عن الحضارات القديمة: (حضارات العراق القديم، مصر، والشام (حضارة أوغاريت)...) ثم القرآن والتوراة، وكذلك الكتابات النثرية العربية ذات الطابع الشعري والتي أطلق عليها النقاد العرب مصطلح: (القول الشعري) تمييزاً لها عن (الشعر) الموزون المقفّى. وهو مايفنّد الزعم القائل، إن النقاد العرب لم يميّزوا بين القصيدة الموزونة والقصيدة النثرية.‏

لقد أدرك العرب منذ وقت مبكر أنّ في الشعر، قدراً من النثر، وفي النثر قدرٌ من الشعر، وميّزوا بين (الشعر الموزون) و (القول الشعري) الخالي من الوزن والتقفية. ولأن الأمر هذا، معروف وفيه كتابات كثيرة، نكتفي بالإشارات التالية:‏

1-عن أبي سليمان المنطقي، وهو يعبّر عن أهمية الإيقاع وكونه العامل الذي تشترك فيه كل فنون القول، قال: (ومع ذلك ففي النثر ظلٌّ من النظم. ولولا ذلك ماخفّ ولا حلا، ولا طاب ولاتحلاّ. وفي النظم ظل من النثر، ولولا ذلك ماتميّزت أشكاله، ولاعذبت موارده ومصادره، ولا بحوره وطرائقه، ولا ائتلفت وصائله وعلائقه).‏

2-وعن ابن هند الكاتب قال: (إذا نظر في النظم والنثر على استيعاب أحوالهما وشرائطهما، والاطلاع على هواديهما وتواليهما، كان أنّ المنظوم فيه نثرٌ من وجهٍ. والمنثور فيه نظمٌ من وجهٍ. ولولا أنّهما يستهمان هذا النعت لما ائتلفا ولا اختلفا) (7).‏

3-وعرّف ابن سينا، الشعر بأنه مخيّل.. (وقد تكون أقاويل منثورة مخيّلة. وقد تكون أوزان غير مخيّلة(8).‏

4-وعرّف ابن رشد، الشعر بأنه: (إخراج القول غير مخرج العادة). أي: مغيّراً عن القول الحقيقي، فإذا غيّر القول الحقيقيُّ سمي شعراً أو قولاً شعرياً. ووجد له فعل الشعر(9).‏

5-أما الفارابي فقد رأى أنّ عنصر الوزن أقلّ شأناً من عنصري المحاكاة ومادتها في الشعر. لكنه شرط الوزن في الشعر. وماخلا منه يسمّى قول شعري(10).‏

وهكذا ميّزوا بين:‏

الشعر: الكلام المخيّل الموزون المقفّى‏

القول الشعري: وهو كلّ مااشتمل على جميع خصائص الشعر باستثناء الوزن والقافية. علماً أن ابن رشد ساوى بين الشعر والقول الشعري إذا ماتحقق المجاز أو تحقق انزياح القول عن معناه الحقيقي- الاصطلاحي إلى مجازي أو استعاري.‏

خامساً: ليس صحيحاً أن "الغموض" مطلقاً، شرط لازم للشعر. وإنْ كان من خاصيّاته الطبيعية لأسباب تتعلّق بالطبيعة المجازية للغة التعبير الشعري.‏

في الشعر هناك "غموضان": غموض متأتٍّ من طبيعة التعبير الاستعاري -كما قلنا- وغموض متأتٍّ من (مرجعيّات) الشعر. ولابد للقارئ والناقد من الوصول إليها لاستيعاب موحيات التجربة أو اتجاه الدلالة. وهذه (المرجعيّات) قد تعود إلى أسماء أماكن... أو وقائع حصلت للشاعر أو لأهله ولأصدقائه، أو أية إشارات أخرى تتصل بلغات وقراءات على نحو مانجد، مثلاً، في قصيدة (الأرض اليباب) لإليوت. مما ينبغي الوصول إليها، لأنها، غالباً، هي مفاتيح القارئ إلى القصيدة (التجربة الشعرية). وخاصة فيما يدعى بالشعر الاعترافي. أي الذي ينحو منحى بيوغرافياً. وتتجلّى أهمية معرفة هذه المصادر، لمترجم الشعر إلى لغات أخرى. فهي التي تمكّنه من فهم النص وتجلية غوامضه، أو مايبدو هكذا.‏

على أن مايدعى (غموض الضرورة) يأتي في الأساس من طبيعة البنية المجازية للتعبير الشعري في عمقها أو امتداداتها.‏

أما "الغموض" الذي يتباهى به البعض باعتباره دليلاً على "العبقرية"! فقد بات يدعو للرثاء في أهون ما يمكن أن يوصف به، هو أنه إرباكٌ متقصّد للعلاقات اللغوية- لا انتهاكٌ منتظم لقانون اللغة- المعياريّة، حيث هو الذي يجعل الاستخدام الشعري للغة، ممكناً، وحيث تشكل اللغة المعيارية، الخلفيّة التي تنعكس عليها بنية العمل الشعري(11).‏

وبتعبير الجرجاني: الألفاظ لاتراد لأنفسها، وإنما تراد لتجعل أدلّةً على المعاني. ذاك أن علاقة الشاعر بألفاظ اللغة ومواصفاتها، أشبه بعلاقة الصانع بمادته الخام. إنه لايصنع المادة، لكنه يعيد تشكيلها. وهكذا الشاعر ليس هو من يحدّد دلالة الألفاظ أو مواصفاتها، بل هو من يعيد تشكليها في علاقات جديدة لتنتج شكلاً يؤثر بدوره على دلالتها... ومدار هذا الأمر على الكناية والاستعارة والتمثيل.. الخ. مما ينتج دلالة ثانيةً، أو مايسميّه الجرجاني: (معنى المعنى)(12).‏

سادساً: لقد شاع منذ زمن، ومايزال، في الأوساط الأدبية، تصوّرٌ فحواه أن المساحة، شاسعةٌ بين مايسمّى بالإيقاع الخارجي، والإيقاع الداخلي في الشعر. لدرجة أن توهم البعض، أن أحدها منفصل عن الآخر، أو أنه يمكن أن يوجد أحدهما ولايوجد الآخر.‏

والحقيقة أن هذا مجرد وهمٍ من أوهام كثيرة شائعة في الوسط الأدبي، مثلما هو وهمٌ أن تخصَّ قصيدة التفعيلة بالإيقاع الخارجي -(وقبلها قيل الشيء نفسه عن القصيدة ذات الشكل التقليدي (العمودي) في المواجهة بينها وبين قصيدة التفعيلة الجديدة)- بينما تخصُّ قصيدة النثر أو القصيدة النثرية بالإيقاع الداخلي! ذاك أنه لاشعر حقيقياً، مهما كان نوعه أو تسميته، يخلو من الإيقاعين، وإن تفاوتت نِسب تواجدهما فيه. لأنه إذا خلا الشعر من إيقاع الوزن والقافية، هناك إيقاع النثر -النَّبرُ أو سواه. فالشيء الأكيد أنّ لقصيدة النثر، ولأيّة كتابة شعرية، إيقاعها الخاص، أو عليها أن تبتكره، وإلاّ فقدت شعريَّتها أو أنقصتها.‏

أما بالنسبة للإيقاع الداخلي فهو من خاصيّات الشعر، مهما كان نوعه وبأية صيغة جاء، لأنه متأتٍ من التفاعل العضوي بين الأفكار واللغة وصور التعبير عنها في مجازات واستعارات، وموازاةٍ وتشبيهٍ وقوافٍ داخلية وجناساتٍ.. الخ. وبين هذه وإيقاعات التفاعيل والقوافي في الشعر الموزون المقفّى. لأن التفاعيل والقوافي ليست ألفاظاً مجرّدة معزولة عن السياق: لغةً وتعبيراً وأفكاراً.. بل هي أزمانٌ صوتيّة لتراكيب لغوية لها معانٍ ودلالات، فنحن لانستخدم تفعيلة المتقارب (فعولنْ) -مثلاً- مجردةً. فهي هنا لامعنى لها. إنها مجرد (عددٍ إيقاعي) على رأي ابن سينا. لكننا نستخدمها -أي (فعولن) في كلام له معنى وفيه صورة على نحو قول السيّاب:‏

(وتلتفُّ حولي دروبُ المدينة)‏

وهكذا بالنسبة للقافية، فهي: (لفظٌ مثل لفظ سائر البيت في الشعر، ولها دلالة على المعنى -كما لذلك اللفظ أيضاً. كما قال قدامة بن جعفر في (نقد الشعر)(13).‏

سابعاً: وينبغي الحذر الشديد من أولئك الذين ينتزعون مقاطع من روايات وقصص غربية أوعربية على أنها: قصائد نثر -بحجة أنها تنطوي على تيّار هادر من الصور، والعواطف، والمجازات.. الخ.. فهذا كلام خادع. لأن معنى هذا، أننا سنحيل جميع أو معظم الإنتاج الأدبي السردي: (قصة قصيرة، مقالة أدبية، رواية، مقامة، ملحمة نثرية، خواطر، رسائل غرام.. الخ إلى قصائد نثر، باعتباره ينطوي على قدرٍ ما من "الأدبيّة". متناسين في الوقت نفسه، أن الأدب بجميع فنونه المعروفة: نثرية وشعرية، ينطوي على "الأدبية". بمقادير متفاوتة. ومن أجل هذا سمي: "أدباً". ومن أجل هذا أيضاً، يوصف سردٌ ما.. بالشعرية أو الشاعرية، دون أن يعني ذلك أنه: شعر. بالمعنى الذي نتكلم فيه.‏

ثامناً: وينبغي الحذر أيضاً، من المضيِّ في الماضي. فنحن نشاهد في الساحة الثقافية العربية اليوم. من يبحث عن مبررات لكتاباته في الماضي: السوريالي يبحث عن جذر لسورياليّته عن النفّري وسواه من المتصوفة. والبنيوي يبحث عن أصل في (بنية) نظرية النظم عند الجرجاني. وكاتب قصيدة النثر يبحث عن تأصيل لها في النثر القرآني ونظرية (القول الشعري) عند النقاد الفلاسفة العرب.‏

طبعاً. لا اعتراض على إعادة قراءة وتأويل الماضي. وخاصة إذا كانت (نصوص) الماضي من نوع مايسمّى: النصوص المفتوحة لقراءة مفتوحة. لكن الذي ننبّه إليه هو أن يكون القصد من البحث عن "مماثلات لكتاباتنا المعاصرة في الماضي، من قبيل التبرير، كمن ارتكب "جنحةً" أو "خطيئة" ويحاول تأصيلها في "سابقة" مباحة!‏

إن من "يرتكب" أو "يحدث حدثاً" عليه أن يقدّم تبريره من داخل "الحدث" /النص نفسه. وفي حال وجود "مماثلات، في الماضي (الموروث) علينا إيضاح، وجوه الائتلاف والاختلاف على مستوى البنية والمحفّزات التعبيرية والانحراف في الدلالة.‏

تاسعاً: إلى أيّ مدى يمكن لنا أن نصدّق الذين يتحدّثون عن (إبداع دون نموذج)؟ إذن. أين يذهب كلُّ مااحتوته ذاكرتنا مما عشناه وعانيناه وحلُمنا به وقرأناه في كتب الأوّلين والمعاصرين من تاريخ وجغرافيا، وفلسفة وشعر وأدب وسير وتجارب شخصيات وفنّ وعلوم.. الخ.‏

أقادرٌ هؤلاء الذين يقولون بـ (إبداع دون نموذج) أن يغسلوا ذاكرتهم من كل ذك! وكيف يمكن تمييز "إبداع دون نموذج" بمعزل عن ذاكرة تملؤها "النماذج" مما شاهدنا وقرأنا؟‏

بالتأكيد لانعني هنا أن نضع المبدع أمام خيار "نموذج" من "نماذج" يحتذيه ويقع عليه وقع الحافر على الحافر -كما يقال- ولكن إذا كانت القصيدة لاتجيء (خارج آلية الكتابة والوعي الذي ينتجها- كما يقول فاضل العزاوي، مثلاً -فهل "آلية الكتابة" غير "نماذج" وتيّار من الوعي -وعي هذه النماذج وغيرها، حتى لو تمّ نسيانها. إنها خزين الذاكرة .)‏

إن "الأزمنة" التي يتحدث عنها البعض في الشعر العربي، ويظنها في "الشكل" ويرى حلّها في الانتقال من الشعر إلى النثر الشعري باعتباره "الإبداع دون نموذج"! تطرح، في الحقيقة، لا أزمة الشعر بقدر ماتطرح "أزمة" المبدع نفسه. لأنه هو (خالق) الأشكال. وهو المسؤول، أولاً، عن توسيع وابتكار خطاباته لتستوعب الرؤية المتّسعة.‏

لقد كان المشكل، دائماً، في الأدب: في التعبير -فالمعاني مطروحة في الطريق- قال الجاحظ- ولم يكن التعبير- الشكل يوماً، مسؤولاً عن جميع الأفكار والرؤى. فالمبدع الحقيقي بموهبته وخبرته واشتعال الروح بمزيد من التطلّع والأسئلة، كان دائماً هو الباحث والمجترح لأشكال وأساليب تعبيرية مبتدعة أو مطوّرة عن الموروث أو السائد في عصره.‏

المبدع الحقيقي -في رأينا- لايتحدث عن أزمة من هذا النوع.. يمكن له أن يتحدث عن أزمة نثر، حرية تعبير، مثلاً، لكن عن أزمة في أشكال وأساليب التعبير، فهذه مشكلته ومسؤوليته.‏

عاشراً: تبقى مسألة محيّرة بشقين، لن نطيل الوقوف عندها.. وأعني: أولاً: تخاصم غير قليل من الكتّاب والشعراء العرب حول تقنين الحدود بين قصيدة النثر، والقصيدة الحرّة (النثرية) أو قصيدة التفعيلة. ذاك أننا إذا استثنينا الوزن في قصيدة التفعيلة، نجد أن الخلاف ينحصر في (شكل) الكتابة. أي: بين امتلاء الصفحة في قصيدة النثر، وبين تقطيع القصيدة إلى أبيات (أشطر) في قصيدة التفعيلة -. هو خلاف كما يبدو، شكلي، ولا يستحق الخصام والضجيج. علماً أن معظم الكتابات الشعرية النثرية، بما فيها قصيدة النثر، غالباً مايجري توزيعها على أشطار، وليس كما يكتب النثر -بامتلاء الصفحة.‏

ثانياً: والمسألة الثانية تتعلّق بمستقبل الكتابة، وأعني ادعاء البعض أن (الشكل) أو (القصيدة) التي يكتبها اليوم، هي قصيدة المستقبل. وهذا ادعاء من قبيل محاولة فرض رغباتنا على مستقبل نجهل ماسوف تؤول إليه الأشياء. وأعتقد يكفينا أن ندرك روح عصرنا، فنجلّي أعماقه، ونكشف عن آفاقه وإرهاصاته.. ونترك للقادمين، حقّهم في أن يكون لهم زمنهم ومشروعهم وفق خياراتهم في الشعر والحداثة والحياة!.‏

خلاصة/ خاتمة:‏

إن مشكل الشعرية، اليوم، مثل مشكل الحداثة، يأخذ منحى عالمياً وهو بذلك، يوفر فرصة هامة لإعادة قراءة الموروث الشعري، قراءة أو قراءات جديدة في ضوء المناهج النقدية والألسنية الحديثة، وبالذات مفهوم الدلالة والعلامة. هذه ملاحظة.‏

وملاحظة أخرى، لقد رأينا جلّ الدارسين ومنظّري الشعرية، يتفقون مع رومان جاكوبسن في أن موضوع الشعرية، بالتحديد، هو محاولتها الإجابة على السؤال: ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنيّاً؟ أو ما الذي يجعل عبارتين: الأولى شعرية، والثانية نثرية. رغم أنها تصفان حالة واحدة، أو تعبّران عن مدلول واحد، أو تحملان المحتوى نفسه(14).‏

باختصار، وباعتبار الشعر فنٌ لفظي، ويستلزم قبل كل شيء، استعمالاً خاصاً للغة، يرى جاكوبسن أن على الشعرية التي تؤول الشعر من خلال موشور اللغة، أن تنظر إلى القصيدة على أنها "مجموع مركب وغير قابل للتجزئة" من جهة. وأنّ القول الشعري، قول غير عادي. أي أنه يمثل الانحراف النادر والثابت في استخدام اللغة وتطوّرها منذ آلاف السنين. من جهة ثانية.‏

وهذا يعني، حسب تودوروف، أن النص هو تجلّ لبنيةٍ مجرّدة. وبذا لايصبح العمل الأدبي هو موضوع الشعرية في حدّ ذاته، بل ماتستنطقه خصائص الخطاب النوعي الذي هو الخطاب الأدبي. أي الخصائص المجرّدة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي.‏

ومعنى هذا أيضاً، أن اختصاص الشعرية ليس الشعر وحده، بل الأدب كله، منظوماً أم غير منظوم. وبذا فهي تسهم في توحيد كل الاتجاهات التي تكون "البنى المجرّدة" فيها أساس العمل الأدبي. وبهذا المعنى لن يصبح الأدب، أجناساً، بل "تقاطع مستويات". والشعرية "كاشفاً" للخطابات(15).‏

يعني، أن هدف الشعرية لم يعد البحث في "الشعر" -مصطلحاً- وحسب، بل البحث عن السمات الحاضرة فيما نصنّفه ضمن الشعر أو الشعري، وما نصنّفه ضمن النثر. ومانصنّفه بينهما. وهذا البحث يقتضيها البحث فيما يعرف "بالأسلوب" الذي هو الكاتب أو الشاعر، أو الشعر. والذي يهمنا من الأسلوب في الشعر. ليس ماهو مطابقاً لمعيار العام المألوف، بل مقدار الانزياح في الاستخدام غير العادي للغة. وبتعبير ابن رشد: القول المغيّر عن القول الحقيقي. وبهذا يصح وصف (الشعرية) بأنها (علم الأسلوب الشعري) بكل ماينطوي عليه هذا الأسلوب من فرادة في الاستخدام الخاص للغة، وحيث ينتفي الحديث عن شكل ومادة، أو دالٍ ومدلول.. بل: (شكل). فالشكل هو هذه المادة كما تُبَنْينها العبارة، لسبب مهم، هو أنك لن تقول "المعنى" مرتين. فأيّ تغيير في صيغة العبارة، يؤدي إلى تغيير في المعنى. كما قال الجرجاني.‏

وبناء على تقدم، يصبح البحث عن الشعرية على أساس الظاهرة المفردة: الوزن وحدة، أو القافية، أو الإيقاع، أو الرؤيا، أو الصورة.. الخ، بحثاً لاطائل وراءه. فهذه العناصر وغيرها جميعاً مندرجة ضمن شبكة من العلاقات المتشكّلة في بنية كلية. هي ماتكوّن الشعر. وقد أدرك الجرجاني وغيره من النقاد والبلاغيين العرب هذه الحقيقة، حين أكّدوا أن الشعرية ليست سوى مباينة التعبير باللغة للاستعمال العادي المألوف لها في النثر العادي.‏

الإرشادات:‏

1-ينظر كتاب: (قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا) لسوزان برنارد -ترجمة د.زهير مجيد مغاس -إصدار دار المأمون- بغداد- 1993.‏

2-قال الآمدي في وصف منهجه: (ثم أوزان من شعريهما بين قصيدة وقصيدة إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية ثم بين معنى ومعنى. فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك وتنكشف) [الموازنة: 1/57].‏

أما القرطاجني فكاد يجعل المفاضلة بني الشعراء، مستحيلة نظراً لأن الشعر يختلف في نفسه بحسب اختلاف أنماطه وطرقه. وبحسب اختلاف الأزمان والأمكنة وتفاوت الغايات وتباين المذاهب واختلاف أحوال القائلين.. الخ [المنهاج: ص374-377).‏

3-ينظر (بنية الخطاب النقدي) د.حسين خمري- دار الشؤون الثقافية /بغداد- 1990-ص6.‏

4-مجلة (الشعر) المصرية- العدد- يونية 1964/ص105-106 -ترجمة: ماهر شفيق فريد.‏

5-مجلة (اللحظة الشعرية)- لندن/العدد (1) -1992/ص48 [خواطر حول الشعر والموسيقى- قصيدة النثر- ترجمة عن كتاب الشعر والشعرية تحرير ألكس بريمنغر /لم تذكر المترجم.‏

6-مجلة (اللحظة الشعرية) العدد: 5/6-1994/ص56- رأي الناقد حاستس عن فوزي كريم.‏

7-الإمتاع والمؤانسة: 2/135 ومابعدها.‏

8-ضمن كتاب (فن الشعر) لأرسطو -ترجمة عبد الرحمن بردي- دار الثقافة- بيروت 1973/ص161.‏

9-نفسه: ص242.‏

10-عن كتاب (تاريخ النقد الأدبي عند العرب) د.إحسان عباس /بيروت، 1971/ص219.‏

11-ينظر (اللغة المعيارية واللغة الشعرية). ليان موكاروفسكي. ترجمة وتقديم ألفت كمال الروبي -مجلة (فصول) المصرية/العدد (1)- 1994/ص45.‏

12-دلائل الإعجاز: ت: د.محمد رضوان الداية ود. فايز الداية- مكتبة سعد الدين -دمشق- 1987 ط2/ ص258.‏

13-ت: كمال مصطفى -مكتبة الخانجي بمصر 1963-ص23.‏

14-قضايا الشعرية -ترجمة محمد الولي ومبارك حنون -دار توبقال- الدار البيضاء- المغرب- 1988-ص24.‏

15-تودوروف: الشعرية: ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة- دار توبقال، الدار البيضاء -المغرب- 1987/ص22-23.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244