الاختلاف والائتلاف في جدل الأشكال والأعراف - طراد الكبيسي

مقالات في الشعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
المماثلة الأيقونية في نونيّة المعري:

عليها قلائدٌ منْ جُمَانِ"

 

"ليلتي هذه عروسٌ من الزِّنْج

عند حافة النص:(1)

قال التبريزي: كان المعري يكرهُ أنْ يقرأَ عليه شِعرهُ في صباه، المُلقّبُ بـ (سقط الزند). وكان يُغيِّرُ الكلمةَ إذا قرأْتُ عليه شعره، ويقولُ معتذراً: "مدحتُ فيه نفسي فأنا أكرهُ سماعه". وكان لَقَّبَ هذا الديوان بـ (سقط الزند) لأَن السَّقْطَ أوّلُ ما يخرجُ من النار من الزند. وإلى هذا ذهب الخوارزمي، قال: سمَّاه بـ (سقط الزند): لأنَّ السَّقطَ ما يسقطُ من الزَّنْدِ عند القَدْح. والزَّنْدُ مجازٌ عن الطبْع. لأنَّ هذا أوَّلُ شِعْرٍ، لفظه طَبْعُه في غُرَّةِ عمره، وهو قليل مُتكَلَّفٌ بالإضافة إلى بقية شعرهِ. وهو -لَعَمْري- قال البطليوسي: شعرٌ قويُّ المباني، خفيُّ المعاني.. أكثرَ فيه من الغريب والبديع. ومَزَجَ المطبوعَ بالمصنوع.. مع إنطوائه على كلِّ نكتةٍ من العلوم، ولُمْعَةٍ هي كالسرِّ المكتوم.(1)

في النص: (2)

مُنْذُ البداية يُقيم المعري، توازياً /موازاة/ بين البياض والسواد، حيث تشكل الأبياتُ، وحسب تسلسلها هذا التوازي:

فَنِيَتْ والظلامُ ليس بِفَانِ

 

1- عَلِّلاني فأنّ بيضَ الأَماني

* الأماني /بيضٌ/ لأنَّ العربَ تُعبِّرُ عن الحَسَنِ بالبياض/

* أمَّا الظلامُ/ فأسود.

فأجْعَلاني من بعضِ مَنْ تَذْكراني

 

إنْ تَنَاسَيْتُما ودادَ أُناسٍ

* تناسي الوداد /أسود/ لأنَه قبيح. والعرب تُعبّر عن القُبحِ بالسواد.

* أمَّا تذكُّر الوداد /فأبيضُ. لأنّه حسنٌ.

وإِنْ كانَ أَسْوَدَ الطيلسانِ

 

3- رُبَّ ليلٍ كأنَّهُ الصُّبْحُ في الحُسْنِ

* الليلُ إذا ما بلغ الإنسانُ فيه ما تمنَّاهُ فهو نهارٌ مضيءٌ/أبيضُ.

* ولكنه -الليلُ- بما هو ليلٌ، في طيلسانٍ/ أسود.

وقفَ النجمُ وِقْفَةِ الحيرانِ

 

قدْ رَكَضْنَا فيه إلى اللَّهْوِ لمَّا

 * اللَّهْوُ في ذاك الليل كأنَّه الصُّبحُ/ لذَّةٌ ومُتْعةٌ بريئة فهي/ بيضاء. ثم أنَّهُ ليلٌ أبيضُ مضاءٌ بالنجوم (الثُّريَّا)

* لكنه بما هو ليل/ وإِنْ كان لحُسْنِه عنده كالنهار/ فهو أسود.

فَشُغِلْنا بذمِّ هذا الزمانِ

 

5- كم أَردْنَا ذاكَ الزمانَ بمدحٍ

* مدحُ ذاك الزمان /أبيضُ/ لأنه حسنٌ. وكلُّ حسنٍ: أَبيضُ.

* ذمُّ هذا الزمان /أَسودُ/ لأَنَّه قاسٍ. وكلُّ قاسٍ: أسود.

وشَبابُ الظلماءِ في العُنْفوانِ

 

6- فكأنَّي ما قُلْتُ والبدرُ طِفْلٌ

* البدرُ طفلٌ، في أَوّل الشهر/ أبيض.

* وشبابُ الظلماء- أَوَّلُ الليل/ أسود.

عليها قلائدٌ مِنْ جُمانِ

 

7- ليلتي هذه عروسٌ من الزِّنْجِ

وهنا -بعد التدرُّج في الأبيات الست السابقة، يكون المعري قد وصل إلى ذروة التمثيل الإيقوني لتلك الليلة: عروسٌ من الزنج /دُمْيَةٌ/ شابَّةٌ سوداء/ مُكلَّلةٌ بعناقيد من الأضواء: (قلائد من جُمان). ولعلّها (الثُّريَّا) -كما سيأتي. حيث ينصرف المعري في سياق الموازاة نفسه: (البياض/ السواد) إلى وصف ما تتحلَّى به عروسُ الزنج /الليلة/ من قلائد مضيئة، وحركة الاثنين: البياض/ السواد. وحركة صَحْبهِ أيضاً، في لُجَّتَيْنِ من الظلام، والبيد.

يعني، وبتعبير النقاد العرب /القرطاجنّي مثلاً/، يُقيم المعري، هنا، نوعاً من التمثيل الأيقوني، أو ما يُطلق عليه بالمحاكاة.

وأفضلُ المحاكاة /حسب القرطاجنيّ/: المحاكاةُ المُسْتَغْرَبة. أيْ غَيْر المُعتادة. وتقوم هذه في مُخيَّلة الشاعر، عبر ثلاث حركات: (أولاً): إدراك الشيء المُحاكى أو الصورة في العِيان.

(ثانياً): تشكيل هذا الشيء في الذهن: أيْ أنْ تكون له صورةٌ في مُخيَّلة الشاعر. (ثالثاً): توصيل الشيء المُحاكى إلى المُتلقّي شِفاهاً أو كتابةً. وهو ما تقومُ به الهَيْأَةُ أو الصورة، المُحاكيةُ المُتشكِّلةُ بواسطة الألفاظ(2). وهو ما ذهب إليه الناقد الأمريكي W. WIMSATT حول مصطلح الأيقونة اللفظية، بتجسيد الفعل الشعري ماديَّاً. بمعنى أنَّ اللغة الأدبية تكون شبيهةً بلغة الموضوع الطبيعي الذي يصفه الشاعر(3).

أما القوّة الأساسية الفاعلة في هذا التجسيد /المحاكاة/ حسب القرطاجني/ فهي قوةُ التشبيه حيث يُحاكى الشيء بصفاتِه، أو يُحاكى بصفات شيء آخر يُحاكيه على جهة من المجاز التمثيلي، أو بالاثنين معاً. على نحو ما في تمثيل المعري (ليلتَهُ) بـ (عروس من الزنج).

والملاحظُ أنَّ المعري لم يُمثِّل (لَيْلتَهُ) بعروس من الزنج، على سبيل اللَّون /الأسود/ حسب. بل وعلى سبيل الطرب والسرور. قال الخوارزمي: (والزنجُ من بين سائر الأمم مخصوصون بشدّة الطرب وحُبِّ الملاهي.. وقال الثعالبي: ويُحكى من طيب عرسهم وبلوغهم فيه كلّ مبلغ من الأَخذ بأطراف القَصْفِ والعَزْفِ، وإثارة الرَّهَجِ في اللَّعبِ والرقصِ، ما تمثَّل به ابنُ طباطبا في قوله:

فخِلْتُني في عُرُس الزِّنجِ.

 

وليلةٍ أَطربني جُنْحُها

بل إنَّ المعري نفسه، يصف (ليلته) تلك. بأنها ليلة ساحرة، ساهرة:

هَرَبَ الأَمْنِ عن فؤاد الجبانِ

 

هَرَبَ النومُ عن جُفُونَي فيها

(3)

واحتفاء، أو تتميماً للبنية الأيقونية /إكسسوارات- كما يقال في السينما والمسرح/ يواصل المعري رسم الصور التمثيلية. فَهاهُما الهلال والثُّريَّا مُعْتنقان، وكأنهما في موقف وداع:

فَهُما للوداعِ مُعْتَنِقَانِ

 

9- وكأنَّ الهلالَ يَهْوى الثُّريَّا

قال الخوارزمي: الثُّريَّا.. سِتَّةُ أَنجُم ظاهرة، في ظلها نجوم مستترة خفيَّة، وهي أشهرُ المنازل، تظهر من أول الليل في المشرق عند ابتداء البرد، ثم ترتفعُ في كلّ ليلةٍ حتى تتوسط السماءِ مع غروب الشمس.. ثم تنحدر عن وسط السماء فتكون كلَّ ليلة أقرب من أفق المغرب وأبعَدُ من وسط السماء، إلى أن يهلّ معها الهلال لأَوّل ليلة، فتمكثُ شيئاً يسيراً ثم تغيب، فلا تظهر نَيّفاً وخمسين ليلةً، وهذا المغيب استسرارُها."

وها هو (الحِنْدِسُ): (الليل شديد الظلمة). والبيد، معاً، مثل لُجج البحر، غارق فيها: الصَّحْبُ، والنجمان/ الفرقدان:

والبيدِ إذْ بَدا الفَرْقَدانِ

 

10- قال صَحْبي في لُجَّتَيْنِ من الحِنْدِسِ

في حومةِ الدُّجى غَرقانِ

 

11- نحن غَرْقى فكيف يُنْقِدُنا نجمانِ

هذا غارق في البيد. وذاك غارق في الظلام. أيْ أنَّ ثمة تداخلاً، أو تماهياً بين النور والظلمة/ البياضُ والسواد/ خاصةً وأنَّ الفَرْقدين: نجمان لا يغيبان طوال الليل أمَّا سُهَيْل:

وقلبِ المُحبِّ في الخفقانِ

 

12- وسُهَيْلٌ كَوَجْنةِ الحِبِّ في اللّوْنِ

فهو دائم الخفقان، وذاك لقُربه من الأُفق، يُرى كالمضطرب، ووجنتُه تضربُ إلى الحُمرة، شأن المُحبّ إذا رأى الحبيب، قلبُه يخفق، وإذا استحيا احمرَّتْ وجنته.

والطريف في الأمر أنَّ (الثُّريَّا) التي تظهر أوّل الليل في المشرق -كما مرَّ- هي عند العرب: شاميَّةٌ، أما سُهَيْلٌ فهو يماني. وفي هذا قال عمر بن أبي ربيعة عندما بلغه تزوَّج سُهيل بن عبد الرحمن بن عوف من (الثُّريَّا) التي كان يُشبِّب بها، قال:

عَمْرُكَ اللَّه كيف يلتقيانِ

 

أيُّها المُنكحُ الثُّريَّا سُهَيْلاً

وسهيلٌ إذا استقلَّ يماني

 

هي شاميَّةٌ إذا ما استقلَّتْ

وإلى ما يشبه هذا. ذهب الخوارزمي في تفسيرهِ بيت المعري:

(وكأنَّ الهلال يهوى الثريا... الخ). حيث قال: (وفي هذا البيت إِيهامٌ مليحٌ، وذلك لأن  (هلالاً) من أسماء الرجال. وقد جعله مُحبَّاً. والثريَّا من أسماء النساء، وقد جعلها حبيبة.)

وفي هذا نكون قد حصلنا على: أولاً: مُفارقة. مثَّلتها أبيات عمر بن أبي ربيعة. خاصة وأنّ (سُهيْلاً) في أبيات المعري (12-16) يُوصف بأنه: مُضطرب، مُنعزل، سريع اللمعان، مُنفردٌ عن الكواكب أحمرُ كأنه قتيل مُضرَّج بدمه، بينما أختاه (الشِّعرَيان) تبكيانه.

وهو عاجز عن الحركة لا يبرح مكانه: كساعٍ ليست له قدمان ‍(4)

يبدو مُعَارِضَ الفُرْسَانِ

 

13- مُسْتَبدّاً كأنّه الفارسُ المُعْلَمُ

كما تُسْرِعُ في اللَّمْحِ مُقْلَةُ الغضبانِ

 

14- يُسْرِعُ اللَّمْحُ في إِحمرارٍ

فبكت رحمةً له الشِّعْرَيانِ

 

15- ضَرَّجَتْهُ دماً سوفُ الأعادي

كساعٍ ليستْ له قَدَمانِ

 

16- قَدَماهُ وراءَهُ وَهْوَ في العَجْزِ

وحصلنا: ثانياً: على مُماهاة تمثيلية في بيت المعري بين "أنْسَنة" الهلال والثُّريَّا، من جهة. وكونهما (البياض) في موازاة السواد في (ليلتي هذه عروس من الزنج) باعتبارهما، معاً، من حَلْيها: (قلائد من جُمان).

(4)

وأخيراً. ولمَّا كان -كما يقال- من المُحال دوام الحال في حركة الزمن. وهو الذي يدحو الليل في النهار، ويدحو النهار في الليل. كما يخرج الليل من النهار، ويخرج النهار من الليل، أي يستلُّه كما يسلُّ السيفَ من غمد الظلام، على حدّ تعبير الشاعر البُسْتي.. كان لا بد لتلك (الليلة) أن تدخل عباءةَ النهار (البياض). ويخلع الليلُ عباءةَ الليل. فكأَنّهما: (الليل والنهار) جسدٌ وظلٌّ: النهارُ ظلُّ الليل، والليلُ ظلُّ النهار، لا وجود لأحدهما دون الآخر، فهما مؤتلفان في إختلاف مختلفان في إئتلاف:

فَغَطَّى المشيبَ بالزعفرانِ

 

17- ثمَّ شابَ الدُّجى وخافَ من الهَجْرِ

إنَّ المعري يُصوِّر لحظة التحوّل هذه، حيث يبدأ تبيُّنُ الخيط الأبيض من الخيط الأسود، بالعاشق (الليل) الذي بدأ المشيبُ: (البياض/ طلوع ضياء الفجر) يغزوه. فخاف هَجْرَ الأَحبَّة. فراح يُغطّي مَشيَبهُ بخضابٍ من الزعفران. ذاك: (أنَّ أُفق المشرق بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، يشوبه شيءٌ من الحُمرة).

ولَّما كان -يقول الخوارزمي: (الليلُ يعشقُ زَهْرَ الكواكب، فلَّما شابَ وخاف من هجْر الحبائب، دَلَّسَ شَيْبَهُ بالكتمان. وذلك أنْ خَضَبَهُ بالزعفران).

وهنا، أيضاً، يشتغلُ الفعل الشعريّ على الموضوع الطبيعي، حيث تتمُّ المماثلة /الأيقونية/ بين التلفُّظ الأدبي والمنظور الفيزياوي/ الطبيعي.

الإشارات:

1- اعتمدنا: "شروح سقط الزند"- القسم الأول- تحقيق: (مصطفى السقا، وعبد الرحيم محمود، عبد السلام هارون، ابراهيم الأبياري، وحامد عبد المجيد) بإشراف: د. طه حسين. الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986 -ط3- نسخة مُصوَّرة عن نسخة دار الكتب 1945.

    وتتضمن: شروح التبريزي والخوارزمي والبلطيوسي على سقط الزند.

2- منهاج البلغاء وسراج الأدباء" د. محمد الحبيب الخوجة- دار الغرب الإسلامي -بيروت ط3- 1986/ ص 16.

    ويُنظر مقالنا عن المنهاج -في المجلة الثقافيّة) للجامعة الأردنية العدد /40/ 1996/ ص 153.

3- يُنظر كتاب (العمى والبصيرة) تأليف: بول دي مان- ترجمة: لسعيد الغانمي -منشورات المجمع الثقافي- أبو ظبي /1995/ ص 55.

4- قال الخوارزمي: أسفلَ من سهيلٍ كوكبان يُقال لهما: قد ما سُهبل

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244