الاختلاف والائتلاف في جدل الأشكال والأعراف - طراد الكبيسي

مقالات في الشعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:19 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قضية الشعر النسوي ( من... إلى نازك الملائكة)

(لن نختلف حول مصطلح الشعر النسوي إنه فقط انتساب الشعر إلى جنس كاتبه- المرأة)‏

-1-‏

كان بودي أن أملأ الفراغ الذي بعد (من...) باسم أقدم شاعرة عرفها تاريخ الشعر في العالم من الحضارات الأولى: عراقية أو مصرية، أو أغريقية، أو هندية.. لكني وجدت أن النصوص المروية للشاعرات الأقدم، أو ما يُظن كذلك، نصوص شاعرات مجهولات الاسم.‏

وحتى مع افتراض معرفة نصوص منسوبة لشاعرات، فمن يستطيع أن يجزم أنهنّ الأقدم!‏

وإنَّ كتاب Women posts - مثلاً، وهو أنطولوجيا شعرية نسوية(1). يبدأ بـ (قصائد حُبّ) لشاعرة مصرية قديمة مجهولة الاسم (يرجع تاريخها ما بين 1567 - 1085ق. م)(3) ولسنا ندري فيما إذا كانت محررات الكتاب يرونها أقدم شاعرة، أم أنها هي من وقع عليها الاختيار لمبتدأ الكتاب، لا سيما أن المحررات لم يكن معينات بمسألة الأقدم، قدر عنايتهن بالتمثيل.‏

كما تُلاحظ مقدَّمةُ الكتاب هذا، إنه دائماً كان هناك إعتذار في كلّ مرة يتمُّ فيها تحرير أنطولوجيا لشعر النساء على نحو من القول: (إنَّ هذه المجموعة من أشعار النساء ليست أقل شأناً من أية مجموعة مؤلَّفة من أشعار رجال).‏

وهذه إشارة واضحة إلى عوائق حقيقية كانت، وما تزال إلى حدّ تقف في طريق عملية إنتاج الأدب من قبل النساء، وفي المقدمة منها: المجتمع والسيكولوجيا، إذ دفعت ببعضهن لاتخاذ أسماء مستعارة، وأحياناً ذكورية، مثل: (جورج إليوت، الأخوات برونتي، جورج صاند، بنت الشاطئ...) الخ.‏

فمما لا شك فيه، وإلى وقت قريب، تدفع كلمة (شاعرة) إلى الذهن، دلالات: العاطفية والهواية، إضافة إلى الصورة الأنثوية. (وهناك ما يؤازر هذه الصورة في التراث الحضاري القديم للمنطقة، وفي إنتاج وسلوك بعض الشاعرات في العصرين العباسي والأندلسي خاصة.. مثال ذلك صورة الشاعرة سافو، والشاعرة السومرية التي تستدعي عريسها إلى بيتها، أو عشتار عندما تطلب من دموزي أن يكون زوجها، والشاعرة ولادة بنت المستكفي.. وغيرهنّ من الأماء والجواري الشواعر، حيث يتبدّى في شعرهنَّ المجون والمعابثات الشهويَّة..) وهذه ليست سوى نماذج للصورة الأنثوية المستدعاة إلى الذهن حالما تقع العين على لفظ (شاعرة).‏

وتؤكد النماذج العربية المختارة في (أشعار النساء) للمرزباني، و (الأماء الشواعر) للأصفهاني، و (نزهة الجلساء في أشعار النساء)، للسيوطي، و (الحدائق الغناء في أخبار النساء) للمالقي، وسواها مما هو مثبوت في كتب الموسوعات: (الأغاني) (الزهرة)، (المُغرب في حلى المغرب).. الخ. الصورة الدلالية للعاطفية والهواية في أشعار النساء، والصورة الأنثوية، وكما يُلاحظ من العناوين ذات الصفة التماثلية للمؤلّفات المذكورة، أنها تتجه بالذهن نحو إثارة المتعة والطرافة، ومؤكدة في الوقت نفسه، من خلال الاختيارات الشعرية لأبيات ومقطّعات وشيء من الأخبار والطُرف عنهن قول القائل: (أن شعر النساء الجيد لا تجتمع منه إلا صفحات!).‏

لكننا في الاختيارات الشعرية المبكرة والأنطولوجيات الجادة لا نكاد نجد شيئاً مهماً للنساء الشواعر. فابن سلام وضع الخنساء ضمن طبقة أصحاب المراثي، وذكر لها ثلاثة أبيات فقط في رثاء أخويها صخر ومعاوية. ولم يأت القرشي في (جمهرة أشعار العرب) على ذكر أية شاعرة ولا حتى في باب المراثي. وأورد الأصمعي في (الأصمعيات) قطعة لشاعرة واحدة هي (سُعدى بنت الشمرذل الجُهينة) ترثي أخاها. وهكذا فعل المفضل الضبي إذ أورد قطعة لـ (امرأة من بني حنيفة) ترثي شخصاً من قومها. ولم يذكر صاحب (الشعر والشعراء) سوى الخنساء وليلى الأخيلية، وفي مجال الرثاء حصراً. وقد جاء هذا كلُّه جرياً على نهجهم آنذاك /في العصر الأموي/ في أنهم لا يختارون لمن في شعره لينٌ ولا يرتضون إلا ما جرى مجرى الشعر الجزل، ولاعتقادهم بأن شعر المرأة، ضعيف. وأنها قد تُحسِنُ أيَّ ضرب من ضروب الفن إلاّ الشعر. وإذا ما جاء شيء خلاف هذا ففي موضوع الحزن أو ما يرد عادة في (باب التعازي والمراثي) لأنه من طبيعة المرأة(3). ولهذا قيل في الخنساء أنها بلغت أقصى مراتب الشهرة بسبب المرثاة الشعرية، وكان مبدأ شهرة ليلى الأخيلية هو مراثيها في توبة بن الحميّر. فلما ذاعت شهرتها وهبت نفسها لفن الشعر(4) ودخلت في المهاجاة والمعابثة ومدائح الرجال..الخ.‏

لكن في العصر العباسي وما تلاه، إذ تغيَّرت بنية المجتمع إلى حدٍ كبير بسبب الاختلاط العرقي والثقافي، وإذ برزت بشكل واضح بعض ملامح النظام العبودي، وكثر الأماء والجواري. وما صاحب ذلك من حرية في التعبير والتفكير والتأليف.. لم يعد ثمة حرج في التأليف والجمع عن أخبار النساء وأشعارهن وما يدور حولهن من القصص والمُلح والطرائف دون أي حرج جنسي أو لغوي. مما يهدف بالأساس إلى المتعة والأمتاع، والظرف والاستظراف، ومما يدور حول الإماء والجواري والمغنين والمغنيات(5).. الخ.‏

وهكذا باستثناء رابعة العدوية والفارغة بنت طريف المشاري وقلَّة من الحرائر اللاهيات من زوجات، وأخوات، وبنات بعض الخلفاء أو من عوائل ذات مكانة اجتماعية بارزة فإن جُلّ ما وصلنا في العصر العباسي من مُقطعات وأبيات لا يعدو كونه من جملة أشعار الأماء والجواري يقلنه في المداعبات والمعابثات والمجون(6).‏

أما في الأندلس فلعلَّ شعر المرأة يعطي صورة أكثر تعبيراً عن تفتّح المجتمع وحرية المرأة في إطار الطبقة الأرستقراطية. فأشعار ولادة بنت المستكفي ونزهون القلاعية وحفصة بنت الحاج وحمدة بنت زياد وغيرهن/ رغم أن هذه الأشعار في معظمها من المقطعات والأبيات المتفرقات، فإنها تُعبّر عما وصلت إليه الطبقة الأرستقراطية في مجتمع الرفاه والاختلاط والبيئة الخضراء والحرية الفكرية.. مما منح المرأة المدمجة في الطبقة/ حرةً كانت أم جارية/ فرصة أن تصبح جزءاً عضوياً في البنية التركيبية للطبقة(7).‏

***‏

ولعله من الغريب أن تُختتم فترة العصور المتأخرة، ويُفتتح ما سُمي بفجر النهضة العربية، بشاعرة تخفّت للتعبير عن حبها وأشواقها، تحت منطق ذكوري. وأن ما قالته من غزلٍ شغلَ ثلثي ديوانها (حلية الطراز) كان (في غير إنسان والقصد به تمرين اللسان). تلك هي عائشة التيمورية (1840- 1902) التي يصفها البعض بأنها (أول شاعرة عربية استطاعت أن تفتتح لها منفذاً في طبقات الظلام المتراكم وأن تُخرج نفسها من منطقة الظل التي طال أمدها. فكانت بذلك رائدة حقاً) على حد تعبير (بنت الشاطئ) المُتخفية هي الأخرى تحت اسم مستعار(8).‏

-2-‏

إن ندرة الشاعرات المتميزات في التاريخ العربي، حتى منتصف القرن العشرين (الخنساء في الجاهلية، وليلى الأخيلية في العصر الأموي، والفارعة ورابعة العدوية في العصر العباسي، وعائشة التيمورية في فترة العصور المتأخرة)(9) وغلبة الشواعر من الأماء والجواري وقلّة من الحرائر اللواتي لم يصلنا لهن سوى الأبيات والمقطعات(10)، سواء كان ذلك بسبب ندرة ما نَظَمْتْهُ من الأصول طبقاً لمبدأ الهواية، أو بسبب النظرة التقليدية لأدب المرأة على أنه ضعيف لا يُضاهي أدب الرجال(11)، فتم إهماله من قبل مؤرخي الأدب وجُماع الشعر(12) أو للسببين معاً.. فإن هذه الندرة تؤكد ما سبق أن قلناه، عن وجود معوقات تقف بين المرأة والإبداع الأدبي، يمكن حصرها في البنية الذهنية للمجتمع العربي، وربما الشرق أوسطية(13) وهي على أية حال، بنية ذكورية، قوامها: (الرجال قوامون على النساء) انعكست على وضع المرأة، وبالتالي على إنتاجها وحريتها في التعبير. ولا فرق كبيراً في ذلك، بين فترات مجتمع الرفاه وحرية الفكر والتعبير، وبين فترات التخلف والقمع.‏

ورغم اشتداد الدعوة الإصلاحية منذ أوائل القرن العشرين إلى تحرير المرأة ومنحها حقوقها كاملة في التعليم والتفكير والتعبير.. الخ إلاّ أن التربية الاجتماعية ظلت تعمل على كبح عواطف المرأة وحقها في التعبير عن ذلك. ويمكن القول -ولو بدرجات متفاوتة- ظلت المرأة حتى أكثرهن تحرراً -تُعبّر عن عواطفها، ترميزاً وباستحياء.‏

طبعاً، في النصف الثاني من القرن العشرين، حصل كثير من المتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية، واشتدت الحركات الداعية لتحرّر المرأة. فبرزت نساء قائدات، مناضلات، وكاتبات، وشاعرات.. ولكن رغم هذا ظلت النظرة الثنائية إلى: الرجل/ المرأة، قائمة. فالناقد التحليلي، مثلاً، ما يزال يفتش في الأدب النسوي عن الأدوات و (الأسلحة المدببة) كجذوع الشجر والقصب، بوصفها رموزاً تُمثل عضو الذكورة(14). أو (المعبد) و (المثلث) و (الليل) و (الشجرة).. الخ بوصفها رموزاً أو إحالاتٍ لرغباتٍ نسوية(15).‏

-3-‏

وجهت مجلة مغربية (عيون المقالات) السؤال التالي إلى عدد من الكاتبات العربيات المعاصرات: أيتها المرأة لماذا تكتبين؟ فكان من جملة الإجابات، إجابة الشاعرة والروائية الجزائرية، بالفرنسية، مريم بين، قالت:‏

( أكتب لأنني امرأة‏

أكتب لأن عليّ أن أقول صمتَ النساء)‏

طبعاً، هذا الجواب يمكن أن يقوله أي كاتب (رجل): إنه يكتب لأن عليه أن يكتب، وأن يقول: صمت نفسه أو صمت الرجال- في عالم يسوده قمع أنظمة توليتارية لا تفرِّق بين رجل وامرأة. ولكن عندما يصدر الجواب عن امرأة تحمل كل ثقل تاريخ المرأة المعروف، فإنه لا بد أن يعني شيئاً مختلفاً. حيث يبدو أن (صمت النساء) الطويل الذي أدى بهن إلى القتل الواحدة بعد الأخرى على يدي شهريار. هو نفسه الذي دفع شهرزاد لأن تحكي /تكسر الصمت/ وتواصل الحكي لألف ليلة وليلة لتنقذ نفسها وجنسها من الإبادة والقمع، ولتُعبر عن ذاتيتها الخاصة(16).‏

وها هي في الليلة الثانية بعد الألف تواصل الحكي في وضع لا يختلف عن وضع الرجل، فكلاهما يحكي قضايا عامة وخاصة، وتحت الظروف الاجتماعية والسياسية والفكرية نفسها من حيث توفر فرص التعبير أو افتقادها.‏

لقد تكاثر الشعراء والشواعر، وبات غير مقبول لدى الكثير، التفريق بين أدب رجالي وأدب نسائي، فالنظرة إلى الأدب، كبنية أو أنساق لغوية تركيبية، ألفت أهمية معرفة (جنس) المؤلف، بعد أن تمت إماتة المؤلف نفسه!‏

لكن السؤال، رغم كل ما تقدم: هل تستطيع المرأة، التعبير عن عواطفها بالقدر النسبي نفسه من الوضوح والحرية الذي يستطيعه الرجل دون أن تنالها مشارط النقاد الاجتماعيين والنفسانيين والمولعين بتحليل الرموز و (الأقنعة)؟ أو دون أن يقال لها ما قيل للخنساء يوماً: لو لم تكوني امرأة لفضلتك على كل ذي خصيتين (17)!.‏

الإشارات:‏

1- women pocis تحرير كارول كوسمان، جوان كييف، وكاثلين ديفر- بنكوين/ لندن 1983.‏

2- جدير بالذكر أن لدينا شاعرة عراقية معروفة الاسم ولعلها أقدم شاعرة يعرفها تاريخ الشعر في المنطقة على الأقل بالاسم. هي الشاعرة انخيدوانا ابنة سرجون الأكدي (2207- 3316 ق. م.) وهي كاهنة نصبها أبوها لتعمل في معبد إله القمر (ننا) في أور. والقصيدة التي تُذكر لها هي قصيدة (سيد جميع النواميس الإلهية) تمتدح بها الآلهة أنانا -عشتار التي قامت بطرد الجماعات السومرية المتمردة ضد الحكم السامي وساعدت في عودة انخيدوانا إلى مركزها الكهنوتي. وقد اشتهرت مؤلفات الشاعرة في العصور اللاحقة، وتركت أثراً عميقاً في نفوس الشعراء الذين جاؤوا بعدها، كما يعتقد علماء الأثار. ينظر كتاب (المرأة: دورها ومكانتها في حضارة وادي الرافدين) تأليف تلماستيان عقراوي- مشنورات وزارة الثقافة والفنون/ بغداد 1978 سلسلة دراسات- رقم 142/ ص 233. والقصيدة في ملاحق الكتاب/ ص 273- 283.‏

3- نقل السيد عبد اللطيف عاشور في مقدمة تحقيقه لكتاب السيوطي (نزهة الجلساء في أشعار النساء) عن العقاد، أن العقاد يرى: (إن المرأة قد تحسن القصص أو التمثيل أو الرقص وغيره من ضروب الفن، لكنها لا تحسن الشعر. ولّما يشتمل تاريخ الدنيا كله بعد على شاعرة عظيمة، لأن الأنوثة من حيث هي أنوثة ليست مُعبرةً عن عواطفها، ولا هي غلاّبة تستولي على شخصية الأخرى التي تقابلها، بل هي أدنى إلى كتمان العاطفة وإخفائها، وأدنى إلى تسليم وجودها لمن يستولي عليه من زوج أو حبيب.. ومتى فقدت الشخصية، صدق التعبير وصدق الرغبة فما الذي يبقى لها من عظمة الشاعرية إلا القليل).. ويستثني العقاد من هذا حالات الحزن لأنه من طبيعة المرأة. ولهذا نبغت الخنساء في الرثاء. (ص17)‏

وفي السياق نفسه ذهب صاحب (بلاغات النساء) إلى: (كانوا يقولون: أجود أشعار النساء، أشعار الموتورات الحاضات على الطلب والمُعيّرات والثاكلات المؤبِّنات وأشعر النساء في الجاهلية والإسلام، خنساء..) (ص 257 -ابن طيفور- دار الحداثة- بيروت 1987).‏

4- بروكلمان: الأدب العربي: 1/164، 234.‏

5- ذكر الدكتور صلاح الدين المنجد أن هناك أكثر من سبعين كتاباً تقع تحت عنوان (أخبار النساء) أو (كتاب النساء) أو تحت عناوين: المتظرفات، القيان والجواري، ومعظم الأشعار المنسوية للنساء في هذه الكتب تعبر عن مساهمتهن في مجالس الأنس والعبث والمجون.‏

بل إن بعض المحدثين المعاصرين أنفسهم عبروا عن المنحى نفسه عندما أصدروا دواوين ومجاميع في أشعار النساء. فمثلاً طُبع ديوان الخنساء في بيروت عام 1988 بعنوان (أنيس الجلساء في ديوان الخنساء) وطُبعت في بيروت أيضاً عام 1896 مجموعة من المراثي تحت عنوان (رياض الأدب في مراثي شواعر العرب) (بروكلمان/ 165- 166م) ولا ندري وجه الصلة بين (الأنس) وشعر الخنساء! ولا بين (الرياض) والمراثي!‏

اللهم إلا الرغبة في السجع، ممتزجة باستشعار المتعة في شعر النساء حتى لو كان مراثي.‏

6- في كتاب (القيان..) للأصبهاني الذي هو (مُشتمل على لطائف مُستحسنة، وأبخار مستظرفة من أخبار القيان..) كما قال المؤلف. قال المحقق جليل العطية: (كان للقيان الأثر في توجيه حياة المجتمع عموماً، والظرفاء والشعراء خصوصاً من جهة عابثة وجهة الحس بالجمال والفن.. غير أننا لا يمكننا أن نتجاهل فضلهن في نهضة الأدب عموماً والشعر بشكل خاص.. في ظهور ألوان أدبية جديدة تقوم على المساجلة..) (ص10)‏

7- ومع ذلك فإن أميليوغارسيه غومس في كتابه (الشعر الأندلسي، ترجمة د. حسين مؤنس -مكتبة النهضة العربية- سلسلة الألف كتاب- رقم 95) لم يأت بنماذج من شعر الشاعرات، ولم يذكر منهن إلا حفصة الركونية وولادة ونزهون بشكل عرضي، رغم أنه قال (وتألقت في سماء غرناطة ثُريّا باهرة من الشواعر نذكر منهن حفصة الركونية التي أعادت إلى الأذهان ذكر الرميكية (اعتماد) والمعتمد بما كان بينها وبين أبي جعفر بن سعيد من هوى موصول) ص 68، ووصف ولادة بأنها (كانت أميرة من صُلب ملوك، ولكنها امرأة رجلة بالغة الظرف والأناقة..) ص 49. وجاء على ذكر نزهون القلاعية في مجال المجون والتبذل مشبهاً إياها بابن حجاج -في علاقتها بالشاعر أبي بكر المخزومي الأعمى خاص، ص 63.‏

وهكذا فعل ابن بسام في (الذخيرة..) الذي قال عن ولادة (وكانت -زعموا- تقرض أبياتاً من الشعر، وقد قرأت أشياء منه.. أضربت عن ذكره.. الخ).‏

8- ينظر كتابها: (الشاعرة العربية المعاصرة) والطريف في الأمر أني لاحظت في كتاب (أمتاع السامر بتكملة متعة الناظر) لمؤلفه (شعيب بن عبد الحميد بن سالم الدوسري) (دار النصر للطباعة الإسلامية- مصر 1987)، أنه ذكر ثلاث شواعر عشن في الجزيرة العربية ما بين القرنين الثاني والثالث عشر الهجري من بيت (آل عائض) قد أسهمن في الشعر والحركة الأدبية والثقافية النسوية، كما شاركن بالنضال ضد الاحتلال العثماني.‏

وقد أسر بعضهن وسيق إلى أستانبول حيث قضّين فترة هناك قبل أن يعدن إلى ديارهن ( ص 137، 139، 184).‏

9- ينظر إلى أولاء على أنهن شاعرات قضايا، لكل واحدة قضيتها، ولعل شهرة رابعة تأتي من جهة التصوف أكثر من كونها شاعرة.‏

10- تنبغي الإشارة إلى أن أبا تمام في (الحماسة) ذكر لـ (26) شاعرة أغلبهن من الجاهلية وصدر الإسلام أبياتاً ومقطعات معظمها في الرثاء والافتخار. وكذلك فعل ابن طيفور في (بلاغات النساء) حيث أورد لعدد من الشاعرات، أشعاراً قلنها في الرثاء والفخر أو الحض على الثأر، وفي النسيب والشوق وأغلبها أبيات ومقطعات.‏

11- روي عن بشار بن برد قوله: (لم تقل امرأة قط شعراً ألا تبين الضعف فيه، إلا الخنساء فإنها فوق الرجال). وربما كان يقصد تفوقها في المراثي.‏

13- تشير مصادر المجاميع الشعرية النسوية إلى أن ابن الطراح قد أعد كتاباً في عدة مجلدات عن أشعار النساء منذ الجاهلية إلى القرن الثامن الهجري حيث عاش. ولكن لم يصل منه سوى ما التقطه أصحاب الاختيارات من مجلده السادس كما قال السيوطي.‏

وهكذا لم يصل من المرزباني (أشعار النساء) الذي يقع في ستمائة ورقة، سوى تسع وخمسين ورقة أي عُشر الكتاب.‏

13- يُنظر كتاب يوسف حوراني (البنية الذهنية الحضارية في الشرق المتوسطي الأسيوي القديم) دار النهار للنشر- بيروت 1978. حيث تُبرز العلاقات الاجتماعية والدينية والجنسية كما في عقيدة الخصب التي لها طقوسها المقدسة، تفوق الرجل على المرأة، مُمثلاً بـ (عضوه الجنسي) وقدرته على ممارسة الجنس والتناسل واحداث الخصب في الزرع والماء والحيوان والبشر. بل في بعض النصوص القديمة، كان شرط اكتمال الرجل قدرته على الجنس. وفي ملاحم أوغاريت إذا ضعفت قدرة الملك الجنسية، فقد أهليته للمُلك، وبات من حق ابنه، خلعه وتنصيب نفسه ملكاً بدلاً منه.‏

وفي النصوص العاطفية والطقوس الدينية الجنسية، يرد دائماً ذكر فرج الآلهة بأنه مهيأ للتلقي، بينما عضو الذكورة للآله منتصب يقذف البذور حيث الأنهار وتخصب الأرض والأرحام... الخ.‏

14- جورج طرابيشي: (شرق وغرب، رجولة وأنوثة) ص7.‏

15- ينظر مثلاً كتاب (نازك الملائكة) لعبد الجبار البصري.‏

16- طبعاً، لا يُنكر أن هناك في التاريخ، نساء سيدات كُنّ يقلن ما في صدورهن كليلى الأخيلية والخنساء وعلية بنت المهدي وولادة.. الخ. لكن هناك، أيضاً، دائماً قمع.‏

فليلى لم تتزوج من توبة الذي أحبّت لممانعة أهلها. وعلية حذرها الرشيد من قول الشعر في (طل) وولادة أخ لها بوصفها المرأة اللاهية العابثة بعقول وقلوب عشااقها.. وكان هناك دائماً انتقاص من الصورة الأنثوية. سواء جاء في صيغة القول المأثور: (النساء ناقصات عقل ودين) أو جاء في سياق الهجاء الفاحش للشاعرة كأنثى. والغريب أن بعض الشاعرات ممن مارسن الهجاء الفاحش تجاه الرجال، جاء هجاؤهن انتفاضاً من فحولة الرجل إزاء أنوثة المرأة!‏

17- لعله من المناسب أن نشير إلى قضيتين أثارتا مؤخراً (فحولة) بعض الرجال، هما (1) إنشاء جائزة أدبية مخصصة للأدب النسائي في بريطانيا. (2)صدور مجلات متخصصة بالأدب النسائي، فضلاً عن ندوات وتسهيلات في وسائل النشر للأدب النسائي لم يسبق لها مثيل..‏

ومع أن مبررات منشئي ومؤيدي مثل ههذ الأنشطة ذات الطابع الخصومي -الجنسي- لا تبدو مقنعة ومن السهولة الرد عليها ودحضها: فالظلم مثلاً لا يقع على المرأة وحدها، كما أن الأجناس الأدبية لا يتم تمييزها وتقييمها على أساس الجنس (ذكر وأنثى). والنجاحات التي حققتها المرأة في ميدان المنافسة في الإبداع الأدبي، كبيرة.‏

ويمكن ذكر قائمة طويلة من الشواعر والروائيات اللواتي حصلن على شهرة واسعة وعلى أعلى الجوائز في مجال المنافسة الأدبية/ جائزة نوبل مثلاً/ وأن كثرة الأسماء النسوية في السجل الأدبي -بأية وسيلة حصلت: (مجلات، جوائز، إتاحة فرص نشر سهلة.. الخ) لا يعني -بالضرورة- تحقيق مكاسب سياسية أو اجتماعية أو ثقافية.. وأن قراءة النص ونقده لا تتم باعتبار الجنس، العرق، اللون، الأيديولوجيا، العمر.. الخ.‏

أقول بالرغم من أن مبررات ناشطي (الأدب النسوي) هؤلاء، تبدو غير مقنعة وقد تمّ الردّ عليها ودحضها، لكن المثير للغرابة تلك (الهيجة) الرجالية التي استخدمت فيها كل الأسلحة الأيديولوجية والأدبية والأساليب البلاغية، وكأن (مجتمع الرجال الأدبي) أمام غزو نسوي يُهدد بـ (المساواة) أو (التفوّق) أو (الانفصال) عنه!‏

والمفارقة في المعارضة الرجالية -هناك بالطبع معارضة نسوية أيضاً -لقيام نشاط أدبي نسوي مخصوص، أن نجد حماساً وتشجيعاً- ودون أية معارضة على الاطلاق- للنشاطات المخصوصة على هيئة منظمات سياسية واجتماعية وثقافية أيضاً (مجلات خاصة بالأزياء، والصحة والرشاقة.. ومجلات المنظمات النسوية (المرأة).. الخ) وكان الأدب هو الحقل الوحيد الذي لا ينبغي أن يكون فيه للمرأة بعض الانفرادات المستقلة!‏

حيث ستتُهم بالشللية، والعنصرية والوقوع في فخ (الخصوصية) لأبعادها عن النص الثقافي ليظل ذكورياً خاصاً.. الخ! مع إقرارنا بأن الحقيقة التي تشترك فيها المرأة مع الرجل، ليست (حقيقة أدبية) حسب، بل حقيقة وجودية بكل أبعادها البيولوجية والاجتماعية والثقافية والسياسية والفلسفية.. الخ.‏

( يُنظر حول القضية أعلاه، مثلاً: (1) تقرير (الأدب النسائي في بريطانيا) حول الجائزة المخصصة للأدب النسائي- كتبه إبراهيم درويش ونشرته جريدة (الدستور) الأردنية في يوم الجمعة (14/ 10/ 1994). وكذلك، (2) مقال (الخدعة الكبرى في الترويج للأدب النسوي) كتبه السيد يوسف بزي، ونشرته مجلة (الناقد) اللندنية بعددها (76) تشرين الأول/ أكتوبر 1994).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244