|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:19 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
لغةٌ للصَحْوِ... لغةٌ للغيم!قراءة في (الأعمال الشعرية)، للشاعر: علي جعفر العلاق. -1- أبرزُ ما يُميّز عالم العلاق الشعري، هو اللغة، هذا العالم المكسوُّ باللغة، واللغةُ المكسوَّةُ بالغيم، والغيمُ المكسوُّ بالصحو، اقصد صَحْوَ الصور التي تتوالد من ذاتها، أو من بعضها، أو من عالمها الخاص. يدرك العلاق جيداً، أن أداة الشاعر وعالمه. هي اللغة. اللغةُ شبكةٌ يفرشها ويلقيها بعضُ الشعراء في سواقٍ جافّة، أو شبه جافة، ظنّاً منهم أنّ منهم أنّ فيها سمكاً أو قواقع، فتخرج خاوية أو ببعض الأشنات والأصداف. لكن عندما يلقيها الشاعر الماهر. أو الصانع الأمهر- كما وصف إليوت، عزراباوبد- فأنه، كأنّما يلقيها على الكون، يصطاد الكون، أي يحجز المساحات الشاسعة ويضمّها في بضعة أسطر-كما قال الشاعرالصيني لوتشي.(1). إن مشكلة الشاعر، كما قال شاعرآخر، هي هذه، أي كيف نقبض على المعاني الكثيرة، أو الأسئلة الكبيرة، أو المساحات التي لاحدَّ لها، ونحجزها في بضعة أبيات. لست أدري كيف وقف الإنسان الأول، أمام اللغة الأولى، وأيّةدهشة /أو صَعْقَةٍ/ أصابته. عندما وجد نفسه، يُمسك بالأشياء ويُجسّدها في صورة، مختزلاً الجُرْمَ الكبير في جُرْم صغير: المرأة في المثلث العاني والرَّجُل في والرِّجْلُ والمَشْيُ في تم حين انتقل من اللغة الصُورَية إلى الحروفيّة، مُحوِّلاً الكون والأشياء إلى رموز لاتمتُّ في شكلها إلى شكل الشيء الذي ترمز له بصلة: ثلاثةُ مسامير تدلُّ على الماء وبضعة أخرى تدلّ علىعملية الشُّرب وكأنّها كلّها في حوارٍ خفّي لا يُدركه إلاّ الحَجَرُ نفسه الذي كُتبت عليه، أو إلاّ الذي كتبَ على الطين!(2). إذن. اللغةُحوار بين الإنسان ونفسه، والإنسان والأشياء، لأن المفردة وحدها، لا قيمة لها، كما يقول الجرجاني، أو لا قيمة لها إلاَّ في نفسه، لكنها مع غيرها تؤسِّس وتجعل الحوار مُتّصلاً. واللغةُ بما هي صورٌ في الأصل. أي ظل الشيء أو مماثل له قائم في المُخيّلة: كلمة (شجرة) الشجرة، وكلمة (جبل) للجبل... الخ. وفق عملية تخييليّة معقدة ومركبّة، فقد ظلت متشبّثة بهذا الأصل- الصُوري- البِدْئي. وإذا ما حاولت الخروج أو الابتعاد عنه. فعلى الشاعر أن يُعيدها إليه: إلى الماء. لأنّ اللغة إذاما جفَّفْتَها الشمسُ، احترقت. وهذا يعني بشكل ما، إعادة الحلم، أو إيقاظ الحلم. وهو مايعني، بشكل ما، أيضاً، استيقاظ السر الكامن الغامض، منذ البدء، في وعي الإنسان للأشياء. هذا السرُّ الذي لا تكشف عنه إلاّ اللغة الشعرية. مثلما يكشف غيم عن غيم وصحو عن صحو، أومثلما يكشف غموض عن غموض، أو حدس عن حدس، أو ظلمة عن ظلمة... وهكذا. قال ابن عربي: قال لي: كل موجود دونك خلقته من نور إلاّ أنتَ فأنك مخلوق من الظلمة.. فأنت الأقرب إلي لأنك الأشد نوراً، مثل الألق المنبعث عن ظلمة الماس. وأريد أن أقول من هذا، إنّ مايكشف (غموض) صور العلاّق، ليس هو الوضوح، بل الغموض نفسه! يقول -مثلاً- في قصيدة (أغنية المرآة): ما الذي يبتهلُ الآنَ قميص النوم؟ أم جمرُ الجسدْ؟ أيُّ عُرْيٍ غامضٍ يندلعُ الليلةَ في تيّاركِ الغامضِ...؟ قامتْ دَخلتْ في فضّة المرآةِ، هذي فِضَّةُ المرآةِ؟ لا بل فضَّةُ المرأةِ بل ماءٌ، وجمرٌ، وزَبَدْ. ما الذي يندلعُ الليلةَ: عطرُ الروحِ؟ أم ضوءُ الجسدْ؟ مَسَحتْ حوَّاءُ عُشْبَ الموجِ: تصفو فضَّةُ المرآةِ، عُرْيٌ يتنامى، جسدٌ يأخذُ شكل النرجسةْ داعبتْ تفَّاحَها الهائجَ: عُرْيٌ تتشهَّاهُ، شبابٌ فائحٌ من خشب المرآةِ، ماءٌ، شهوةُ مفترسةْ تتخطَّى خشبَ المرآةِ، يغدو ذَهَبُ الموقدِ مرآةً، سريرُ النومِ مرآةً، وحوّاءُ تُغنّي: جسدي، مرآةُ هذي النشوة المفترسةْ"(ص20-22). إن القصيدة هنا، تنظر إلى المرأةِ عبر المرآة نحو ما تنظر المرأةُ، إلىنفسها عبر المرآة. وعلى نحو ما روى صلاح استيتية، عمَّا يُسمَّى (مرآة المخطوبين) في إيران القديمة(3)، ومثلما تكتشف المرأة عبر المرآة، تكتشفنا المرأة بمرآتها. أي يتعرَّفُ الرجل والمرأة. الواحد منهما على الآخر عبر الآخر. ثم نكتشف، جميعاً، أخيراً حقيقتنا في هذا العالم. "حيث عاش الزمنُ الغائم بالروح وأزهار الجسد"، ورحنا كلُّنا نجفل من مرآتنا" ونردد ملتاعين منطفئين: "آه، لا نيرانَ في المرآةِ، يافاكهةَ الروحِ، ويا رملَ الجسدْ."(ص27). وفي قصيدة (أيام آدم)، وعبر التداخل أو المماهاة بين حواء وآدم، وشهرزاد وشهريار، تتدافع وتتداخل الصور لتكشف عن أن العلاقة بين الرجل والمرأة ليست مجرد علاقة جنس، بل علاقة وجود بكل ما ينطوي عليه هذا الوجود من لذّة وذبول وموت في كل شيء. وحيث دائماً يسعى الرجل للتعرُّف على نفسه من خلال المرأة، حوّاء تدلُّ آدمَ على شجرة المعرفة وموطن اللّذّة. وشهرزاد بالقطن تُعرِّف شهريار على أشياء كثيرة غائبة عنه، وتُنير ظلمة نفسه تجاهها، تجاه المرأة، ولكنها -أي المرأة- بالتالي هي التي تُدمِّر الرجل (تخلع أظفاره). أو تدفعه لأن يدمِّر نفسه عبر معرفته نفسه والكون، وتطلُّعه نحو المزيد من المعرفة، حتى المعرفة المحرَّم عليه الوصول إليها: (ضوء تفاحة). فيكون مآله النفي إلى الجهل أو المعرفة الناقصة. وإلى المشقَّة، شأنه في أيامهِ: (مثل قطيع حزينٍ)، وخاصة بعد أن أهبط به من الملكوت الأعلى إلى الحضيض الأسفل، وصفدت يداه الإلهيتان في (عبودية من حجر)!ز -2- إنَّ العلاق وهو يأخذ لغته من أشياء الوجود: الشجر الغيم، الشمس، المطر، الرذاذ، الظل... الخ، من الألفاظ أو الأشياء المحبَّبة إليه والمألوفة للجميع، ليجعل منها، وكأنها تظهر إلى الوجود، أو كأننا نسمعها ونراها لأول مرَّة. بمعنى أن قدرة لغة العلاق وصوره على الإدهاش، قدرة فذة قلّضما يمتلكها شاعر آخر، فهو لا يجلوها ويزيل عنها صدأ الاستعمال حسب، كما يفعل بعض الشعراء، بل يعيد خلقها، أو كأنه يبدئ خلقها أول مرة، فـ(شجرة) العلاق، و(غيومه) و(شمسه) و(مطره)...الخ. هي غير ما نعرفه ويعرفه الناس من أشجار وغيوم وشموس وأمطار... إنها كائنات مضمخة بعطرها وألوانها وحيواتها الخاصة، ولها توتراتها وشبقها وبكارتها التي لم يبلها استعمال الآخرين، أو هي مثل قاصرات الطرف لم يطمثهن من قبله، إنسٌ ولا جان! إن لغة العلاق هي اختراق للغة. هي دائماً اللغة ألماوراء. لغة الظلال، وائتلاف المتناقضات: الماء ظل النار، والنار ظل الماء... ولغة الشفافيَّة التي ترينا ما وراءها... أي لغة المرئي في اللامرئي. وهذا يعني من جهة أخرى، أن العلاق يعود باللغة إلى بدئها: اللغة المجسدة لجسديّة العالم والأشياء. ولغةُ جَمْعَ اللَّذَّةِ والألم معاً. وهي في الوقت نفسه، اللغةُ التي تُخرج النورَ/المعنى/ من الظلمة. والصورةَ (التشكُّل) من الهيولى، والماءَ /الينبوعَ/ من الصخرِ... أي أنها لغة على قدرٍ من الطهارة من لوثات الآخرين. ذاك أنه. حتى عندما يستلهم، أو تهبط عليه من أعماق الباطن، عبارةٌ من التراث، فهو يغسلها بمطره، ويشحنها بحساسيته، ويضفي عليها من تقنيته وخالقيته بما يجعلها من ممتلكاته. ومثلاً على ذلك قصيدة (المشي بين أرضين)، (ص298)، التي هي (تداعيات ابن زريق الواسطي- العلاق) على (تداعيات ابن زريق البغدادي). في حدود ائتلاف التجربة واختلاف الأداء. أي تجربة معاناة الوقوع بين أرضين، أو امرأتين، أواختيارين، وزمنين: ماضٍّ مايزال حيّاً متحركاً، وحاضر غائم يتشمُّمُه. إن العلاق يُقدم صورة بانورامية لتوزع الأنا وتجرُّحها بين عالمين، سماءين، منطقتين: المنطقة الأصلية الأولى: أرض الطفولة والشباب (واسط)، بكل ما تختزنه الذاكرة من ذكريات وأخيلة. وأرض أخرى يتقرّاها بخوف ورهبة. وكلاهما مؤلم: "أعبرُ، الآنَ، مابين ليلٍ وآخرَ، كان الندى يشبهُ الدمعَ، كان الأنينُ القديمُ، يُعاودني. - يالهذا العناء الذي عاشر الروحَ عامينِ، كيف اهتدى؟ نشَّرَ الآنَ قمصانَهُ فوق بيتي، بلَّ بالقشِّ، والندم المُرِّ صوتي... "(ص299). والشاعر يستفيد من بعض أغاني الأمهات. أو الأغاني الشعبية الشائعة، لكنه -كما قلنا- يُعيد غسلها. وتفصيحها، مثلاً، قوله: "هاهيَ الآنَ، أُمُّ تُعلِّم أبناءَها كيف يجتمعون على صَحْنٍ واحدٍ، كيف يَغفُونَ في غَطْوةٍ باردةٍ، وتُغنّي: حديثُكَ أم مَطْرَةُ الصيفِ، ما بلَّلتْ عُشبةً واحدة"(ص303). وهو من أُغنيه تقول: "حجبك (كلامك) مَطَرْ صيفْ ما بلَّل اليمشون". -3- ومن جهة أخرى، ومع أن العلاق - شأن غيره من الشعراء العرب المعاصرين، مرتبط بقضايا وطنه وأمته، إلاّ أنّ الشعر عنده لا يتوسَّل بالقضية حسب، كما هي الحال لدى كثير من الشعراء، بل بالجوهر منه، أي باللغة والصورة والتعبير عن (القضية)، على مستوى إنساني، كوني، لا على سبيل الحدث العابر. ومثال هذا، القصائد: (زفاف علوان الحويزي) في الحرب العراقية- الإيرانية، و(الملاذ الأخير) عن عدوان التحالف الدولي ضد العراق عام 1991، و(يقظة الرماد) عن انتفاضة أطفال الحجارة في فلسطين. و(فاكهة الماضي)، عن غرناطة. و(مرثية جديدة إلى قرطبة)، حيث تُبنى كل قصيدة على استعارة مناسبة. في (الملاذ الأخير): (شجر النوم)، حيث يعتمد لقطة من إغارة الطائرات المعادية في الليل، وكأنها تُغير على النوم) فتحرق (شجر النوم). وفي (يقظة الرماد) يعتمد أرموزة انبعاث الفينيق من رماده في الدلالة على استيقاظ الانتفاضة من جديد ضد المحتل: "ثمَّ انطفأنا، واشتعلْنا، وها نوقظ في رماد آبائنا، شراسةً، وفي عروق الشجرْ، ناراً تُغنّي: كيف فاح المطرْ؟ كيف انحنى هذا المدى فجأةً؟ وشبَّ في رمادنا فجأةً، دمٌ يُغنّي، هائجاً، كالحجرْ"(ص87). وفي (مرثية جديدة إلى قرطبة) يستخدم إيقونة الطلل مماثلاً بين : الأنا -وهي: - "جسدي طلل". - "حشدٌ من الأنبياءِ ينوحون في طللٍ" "طلل" يقف بين "أُمَّةٍ ضائعةٍ"، و"نواحُ الكتابةِ بين الحجر"، أي بين الذاكرة والنسيان. ومجاهدة أن تضيع، ألاَّ تضيع!. -4- العلاق كثيرة الأسئلة، ويطرح باستمرار أسئلة غامضة، وهو يعلم أن الإجابة، أو محاولة الإجابة عنها، ستكون أشدُّ غموضاً. ذاك أنه في أسئلته، يعود باستمرار إلى البدايات، إلى مناطق الدهشة والاستسرار: إلى الطفولة، طفولة الإنسان، وطفولة الكون، وهذه كلها تقع في منطقة الظلمة. ومن هنا تجيء اللغة والصور، مرأةً عاكسة لتلك الأشياء التي لا يظهر منها، لنا، سوى ظلالها، أو تجيء أشبه بإيقاظ اللحظة الهاربة/ لحظة كشف-كما يقول المتصوفة- أيْ انبثاق من أعماق الداخل/ ظلمة النفس/ بهيئة إشارات إلى أشياء لا نلمسها، لكننا نحسّ المعاني المختبئة وراءها. وهنا ينبغي أن نتنبه إلى كثرة تردّد / تكرار/ كلمات مثل: الشجر، الماء، الغيوم، المطر، المرأة، الشمس،.. الخ. وكل مايتعلق بالماء والندى، والطراوة.. ولعلّ هذا لا يتصل بالبيئة حسب، بل وبأرثٍ تراثي يتعلّق بأساطير الخصب/ خصوبة الأرض والأرحام/ وبالكلام العربي نفسه المبلل بالغيث والندى كوصف الممدوح وأندى العالمين بطون راح... وهكذا في الدعاء: جادك الغيث إذا الغيث هما.. والقول: سقياً لتلك الأيام... .وللميت: سقى اللّه ثراه... الخ. ومع وفرة الماء ومشتقاته من ندى، ومطر، ورذاذ، وغيم... في شعر العلاق إلى جانب الماء/ الأنهار/ مضاداته: الصحراء إلا أنه نادراً ما يوازي الماء بالصحراء. ولعلّ هذا هو ما يفسر، أن العلاق معني بالخصوبة بالدرجة الأولى: خصوبة المرأة. الأرض، السماء، (الغيوم والنجوم)، وخصوبة الأشجار، من ثمار وأزهار... ومعني أيضاً بفتق أسرار الأشياء والمرأة نفسه. الصحراء عالم شاسع، مجهول، ومجرد... أويكاد يكون مجرداً بينما عالم الطبيعة الخصب يمكن العلاق من لمس المادة باليد، أو بلونها أو بعطرها.. وتلك أدواته في التعبير والرؤيا. وإذا صحّ القول، يمكن أن نقول أن العلاقَ: صنوُ نفسهِ، وأعني بهذا أنه لا ينظر إلى ثروة الآخرين ليلتقط منها أو يأتي بمثلها.. إنه ينظر داخل نفسه، وما تمتلئ له من صور الأشياء وألوانها وتناقضاتها. ولا نشك في أن لما يدعوها باشلار بالمنطقة الأصلية، دورٌ مهم في تلون هذا العالم وخضرته داخل العلاق، ولست أدري ما إذا كان من شاهد بتمعن منطقة الفرات الأوسط (واسط) في والغراف بالذات، يتفق معي في انعكاس هذا العالم وحضوره في عالم العلاق الشعري. يقول في (المشي بين أرضين) مثلاً: "آهِ . واسطُ أذكرُ، هذي العشيَّة، كلَّ روازبنها أتذكَّرُ دهْلَتها ليلةَ الفيضانِ، عصافيرَها حين تعترضُ الريحَ، (ها إنها، الآنَ، مخبوءة في قميصي، كما الوشمُ في وجه أمي) وواسطٌ قد بلل الماء أذيالها"(ص302). -5- وتلعب المرأة: جسداً أو رمزاً. دوراً أساسياً في مخيّلة العلاق فقد تكون: أُمّاً، أو زوجة، أو حبيبة، وقد تكون رمزاً للخصب واللذة وقد تكون رمزاً للموت والتدمير. في قصيدة (وردة للحلم وردة للحب) (ص32): المرأة (مُتَعُ الكون وسريرها: (فاكهةٌ من أغاني الجسد). وفي قصيدة (امرأة) (ص57): رمز للخصب: (أورق، أنمو، أتشظى، عائداً منّي إلي، ودخان امرأة ممطرة بين يدي)، وفي قصيدة(مرايا الروح) (احتراق ورماد) (ص 46)، وفي (زفاف علوان الحويزي): رمز للموت والانبعاث. وفي (امرأتان): الأم والزوجة.... وقد تكون المرأة نفياً للوجود. وفي كل الأحوال -المرأة- عند العلاق، هي دائماً: الوعد غير المنجز، كما ينقل عن بول كلوديل. أو الذي يستحيل إنجازه، إنه العالم الذي لا نهاية له.(4). وفي كل الأحوال -أيضاً- المرأة- الشجرة: شجرة إيزيس، أو شجرة المعرفة والجنس بجذعها المرتفع المنتصب... الشجرة التي تمطرها الأمطار فتطّهرها وترويها وتثبّت جذورها في الأرض، بينما يصعد نبعها إلى السماء، مضيئة بثمرها.... إنها، أيضاً، المرأة/ الكائن/ التي تحمل ظلمة الوجود بيدٍ، وتحمل نوره باليد الأخرى. وهذا يعني، أنها بهذا: رمز الخصب والعقم، ورمز الحب والحرب، ورمز المعرفة (البراءة) والخطيئة، ورمز الرغبة المشتعلة والانطفاء... -6- إن العلاَّق في لغته، أشبه بمن يصهر عدّة مواد في مصهر واحد لتخرج بالناتج سبيكة ذات ألوان خضراء وحمراء وفيروزية، وأحياناً، رمادية.... تبعاً لطبيعة ونوع التجربة: عاطفية (زاهية أم محبطة). اجتماعية أو سياسية... وبمعنى آخر، إنّ لغته، لغة الأسئلة، واختراق الأشياء، والإنسان والوجود، يكشف عمَّا في داخلها من علاقات نَفْيٍ أو تمزقّ. أو حرمان، أو ظلمة أو نور... خُذْ -مثلاً- هذه (المقاطع) من (مريتة جديدة إلى قرطبة): "نهضتْ غيمةٌ غادرت خيمةَ النوم: حشدٌ من الأنبياءِ ينوحونَ في طللٍ، ويُغَطّونَ بالدمعِ مئذنةً شاحبةْ ورأيتُ بلاداً تُجاهدُ أَلاّ تضيعَ شمَمْتُ أريجَ منائرها المُتْرِبةْ وتملَّكني هاجسٌ: تلك بيروتُ أم قرطبةْ؟ وغزالُ صبايَ المُشرَّدُ أَمْ تلك خمرتُهُ الطيّبةْ؟" حيث حشد الأسئلة والألوان والصور الرمادية، ثم تتدفق: خضرةُ الغيم، وخضرةُ النوم لتصبغ حتى الطريق وضجيج الهواجس: "ثم أَسْرَتْ بنا خضرةُ الغيمِ، أَسْرَتْ بنا خضرةُ النومِ قافلةً من نجوم مُكدَّرةٍ، الطريقُ يئنُّ، وكان ضجيجُ ...؟.. كضجيج خُطانا: ..." (ص130-131) وينبغي أن نلاحظ، أن العلاّف، غالباً، ما يبني قصائده بناءاً حكائياً، بحيث تصبح القصيدة: أرموزة/ أليجوريا Allegory لا تكشف عن دلالتها (معناها) إلا عَبْرَ سلسلة من الصور المتولِّدة عن بعضها- كما يتوالد السرد وفق قانونٍ مُنظِّمٍ عفوي. ونضرب مثلاً- بالقصيدة الجميلة الثَّرة: لغة وصوراً: (وجه الثُّريَّا كتاب) حين الموازاةُ عبر خطابين: الأَنا- ولـ: هي/ والموازاة في اسم (الثريا): كاسمٍ لامرأة، والنجم المعروف بهذا الاسم. قال الخوارزمي: "الثُّريّا من الثروة، بمعنى كثرة العَدَد، وهي سِتّةُ أَنجم ظاهرة، في ظلّها نجوم مستترة خفيَّة، وهي أَشْهَرُ المنازل، تظهر من أول الليل في المشرق عند ابتداء البرد، ثم ترتفعُ في كلِّ ليلةٍ حتى تتوسَّط السماء مع غروب الشمس... الخ."5" وهذا ما نجدُه في المقطع الأخير، أي المماهاة بين الثريا: إمرأة./ والثريا: النجم. قال: حين تقتربُ الأرضُ، أَدفُنُ ثوبيَ في رملها، وأُغنّي: "الثُّريّا، الثُّريّا، متى ستجيءْ رغم هذي الليالي البطيئةِ تحملُ للرمل ماءً، وللأرضِ هذا البهاءَ المضيءْ؟" وبشأن الصور وتوالدها، يكفي أن نذكر الصور التي ترد بها "الثريا" ودلالة كل صور: (1)- "الثريا رغيفْ/ أبيضُ الوجهِ/ سقفٌ يقي، الآنَ، عُشَّاقَهُ/ رملَ هذا الزمان المخيفْ.." (2)- "الثُّريّا بلادٌ مهاجرةٌ" (3)- "وجهُ الثريا كتابْ/ سيُدثِّرُ نوميَ بالماءِ، يُوقِظُ في جسدي/ بلدةً للتسكّعِ، مرسومة بالندى والترابْ." (4)- "الثريا الحزينةُ تُغري العصافيرَ بالهَجْر،.." (5)- ".. والثريّا سماءْ لن تُبدِّدَ قهوتها، أو تُخلِّفَ قمصانَ عُشَّاقها، في العراءْ." (6)- "الثُّريّا.. تحملُ للرملِ ماءً، وللأرضِ هذا البهاء المضيءْ" إنّ هذا التوالد للصُور التجسيدية لا يجعل من القصيدة (ثريّا): أي عنقوداً من الأيقونات المضيئة الملوّنة حسب، بل يمنح القصيدةَ رموزاً ودلالات متكاثرة، تندرج معظمها فيما قلناه عن رموز الخصب والجنس والوَفْرة. فضلاً عن تردّد الصور فيما يماثل التردّد في الموجات الصوتية: من المُخيّلة إلى الواقع، ومن الواقع إلى المُخيّلة. بمعنى أنه في الوقت الذي تكون الصورةُ المُخيّلةُ المنعكسةُ ظلَّ الواقع، يكون الواقعُ ظلَّ الصورة، وعلى نحو ما حكى القرطاجني عن انعكاس الأشجار والأَضوية في صفحة الماء، فلا تدري أيّهما الظل والحقيقة: الأشجار أم صُورها المرتسمة في الماء. -7- قلنا إن الألفاظ والصور التي يكثر تردّدها، والتي تُشكّل وتملأ حيز النص عند العلاّق هي: الشجر، الشمس، الجسد، المرأة، الغيم، المطر، المرآة، السرير، الفضّ، حُلم، عُرْي، خمر.. الخ. وكأنّها تُشكّل نشيداً متصلاً يُمجِّدُ الحياة، ورموز الخصب- كما في أساطير الخصب السومرية والبابلية: خصب الأرحام وخصب الأرض. وقد أجرينا إحصاءً محدوداً للألفاظ المُتكثِّرة في بعض القصائد. فلاحظنا: (1)- في قصيدة: (وردة للحلم.. وردة للجسد): حلم (13 مرَّة). جسد(11). خيل(6). فاكهة، تفاحة (5). غموض (4). سرير، فراش (3). امرأة، سيدة، ملكة (9). نار، جمر، ملتهبة(5). غيم، يغيم، مطر(11). (2)- في قصيدة: (أُغنية المرايا): جسد(10)، عُري(7). غامض(3). تفاحة، فاكهة(4). المرآة، مرايا(16). المرأة، حواء(8). فضّة(6). ماء(8). نار، نيران، لظى، جمر(9). هذا، إضافة إلى كثرة استخدام الأفعال: (اشتعلْنا، يشتعل، يندلعُ، تتشَّهاه، أَتشّهاه، يجتاح، مائج.. الخ من أفعال الاندفاع والشهوة. ثم الصفات: (شهوة مفترسة) (النشوة المفترسة) و: (بهجة فظَّة) (خُضرة فظَّة). و: (خضرة فوّاحة في الليل) (رغبة فوَّاحة في الريح). (قُرى فوّاحة في الريح). و: (تفّاحها الهائج) (3 مرات). ثم خُذْ أوصاف الجسد هذه: (جمر الجسد/ جسد تجتاحه الفضّة؟/ ضوء الجسد/ جسدٌ يأخذ شكل النرجسة/ جسدي مرآة هذه النشوة المفترسة/ أَجسادنا الخضراء/ ذكرى جسد../ ليل الجسد/ أزهار الجسد/ رمل الجسد/ جسدي موج/ يتنامى جسدي/ جسد يحتضن الصحراء/ جسدٌ من رماد/ بكاء الجسد/ شمس الجسد/ ثم استعارت السرير: (نار في سرير/ النومُ سريرٌ شائك/ سريرٌ من حنين وحجر/ غيوم السرير/ يشحذ شهوته للسرير/ يُضيء سريرُك/ رماد السرير/ سماء السرير/... وهكذا في استخدام الخُضرة والخضراء والشجر: (شجر الغيم/ شجر النوم/ الريح خضراء/ الروح خضراء/ خُضرةٌ فظَّة/ خُضرةٌ فوّاحة../ -8- ما أُريد أن أصل إليه من هذا، أخيراً، هو: إذا كان الاستخدام الخاص للغة، ونوع اللغة هو ما يشكل رؤيا الشاعر الخاصة للعالم والأشياء- كما قال مُؤلِّفا كتاب (الحداثة)(6) فإن تجربة العلاّق الشعرية، تنطلق من فهمه الخاص للغة، وما يدهشنا في لغة الشاعر. قال في مقدمة (الأعمال الشعرية): "أشدُّ ما يُدهشنا في لغةِ شاعرٍ ما نبرته الشخصية أعني حين تكون لغته فردية متميّزة، تعكس منحىً خاصاً في اختياراته لمعجمه أو أبنيته أو صياغاته. أي أنها تُجسِّد مزاجاً لغوياً وجمالياً، لا يُذكّر بالآخرين، ولا يختلط بهوائهم اللغوي الشائع، والعام، والمشترك. بل يظل فيضاً من حيوية داخلية، ومسعى حميماً إلى مناخ كتابي فردي." (ص15-16). فالشعر فنّ، والفنّ شكل -كما قال جان كوهين- والشكل هو سعي الشاعر المتواصل للوصول إلى أُسلوبٍ فردي مُتميّز."(7) الأشارات: (1) الشعر والتجربة: لأرشيبالد مالكش، ترجمة: سلمى الخضراء الجيوسي، دار اليقظة العربية، بيروت 1963- ص17 (2) هذه الصور والحروف تعود إلى الكتابة السومرية في مرحلتيها: الصُورية والحروفيَّة. (3) قال صلاح ستيتيّه: من العادات القديمة في إيران أن الخاطب عندما يلتقي بخطيبته للمرة الأولى فهو لا ينظر إليها مباشرة، بل يجلس، ووجهه متجه نحو الباب الخارجي، حاملاً بيد مرآة تعكس صورة الباب الذي تدخل منه الخطيبة، ونظرته الأولى إلى الخطيبة تكون عبر المرآة. وهذا يعني أن الجمال ليس سوى انعكاس لمثله الأعلى.. ومثل تلك المرآة الفضية التي تعكس صورة الجمال لا حقيقته.." -انظر "ليل المعنى" حوارات أجراها معه جواد صيداوي- دار الفارابي- بيروت 1990- ص57-58. (4) ليل المعنى- نفسه: ص155 (5) شروح "سقط الزند" للمعري /القسم الأول/ لجنة من المحققين بأشراف د. طه حسين/ الهيئة المصرية العامة للكتاب -ط3- 1986 ص430 (6) كتاب (الحداثة البرادبري وماكفارلن، ترجمة: مؤيد حسن فوزي، دار المأمون، بغداد 1987- ص29. (7) وينظر المصدر نفسه: ص19- و(بنية اللغة الشعرية) لجان كوهن: ترجمة: محمد الولي ومحمد العمري- دار توبقال- المغرب- 1986- ص46. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |