الاختلاف والائتلاف في جدل الأشكال والأعراف - طراد الكبيسي

مقالات في الشعر- من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:20 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
نزار قبّاني:

نستعير هذا العنوان عن كتاب للشاعر الراحل صلاح عبد الصبور. ذاك أننا كثيراً، ما نلاحظ، عندما يموت شاعراً أو مفكر، أو حتى مواطن عادي، وفي الأيام الأولى، يكثر النّدْبُ والإشادة بفضائله -التي قد تكون غير موجودة -ثم بعد انتهاء الأسبوع الأول، أو أيام العزاء، تبدأ مرحلة التقزيم حتى يصلون به أحياناً إلى حجم لا يكاد يرى بالعين المُجرّدة!

وهنا أذكر عندما رحل الشاعر نزار قباني، ندب النقاد والصحفّيون والناس جميعاً، ليس الراحل حسب، وإنّما الشعر أيضاً، مُعْوِلين: إنّ الشعر مات بموت نزار! ومَنْ للشعر بعدك يا نزار! شُغل النّدابات! وبعد مضيّ بعض الوقت على رحيل نزار، سمعت بأُم أُذني مَنْ يقول: إنّ نزار ليس أكثر من شاعر غزل، وشأنه في هذا شأن عمر بن أبي ربيعة الذي كان يطوف حول الكعبة، لا من أجل الحج، ولكن للتعرّض للنساء الحاجّات أو المُعتمرات، وفضح المحُصنات!

أما شعره السياسي، فليس أكثر من بيانات.. هكذا!! على أية حال.. أبغض ما أراه من الحلال والحرام، أَنْ يُوضع الإنسانُ المُبدع في سرير بروكروست: نُطوّله أو نُقزّمه: حيّاً أو ميتاً.

لأن فعلاً كهذا، ليس من فعل التاريخ، بل من شأن الانفعال (العاطفة الآنيّة). لكن التاريخ سرعان ما يسكب ماءًه على مثل هذه العاطفيّة فيُطفئها، ويُعيد الإنسان إلى حجمه الطبيعي: كبيراً أم صغيراً. جميلاً أم دميماً.

**

نزار قباني -في رأينا- سليل مدرسة قديمة في الشعر، أطلق عليها بعض الباحثين: (الشعبيّة) أو التيار الشعبي، ومن أبرز مُمثّليه الوليد بن يزيد، وأبي العتاهية والعباس بن الأحنف.. وبعنوان بهذا الشعر الشعبي، السهل الممتنع -إن جاز القول- أي الشعر الذي ينطلق عن عفوية أقرب إلى الفطرية، وبلغة ليّنة سهلة قريبة من فهم الناس ومن مشاعرهم وواقعهم الحياتي، بالقياس، بالطبع إلى شعر الشعراء أبي نواس وابن الرومي وأبي تمام ودعبل الخزاعي... الخ. شعر على السجيّة وفيض الخاطر أو الموهبة، لا تحيك ولا تنقيح ولا إعادة صياغة ولا غوص في المعاني والأفكار والصور البعيدة.. إنه -إن جاز القول- أقرب إلى الكلام المحكي القريب التناول، والبعيد عن الصنعة، والذي يبثّه المُحبّ إلى المحبوبة، أو الصديق إلى صديقه، أو المكلوح إلى مَنْ يُحْسنَ الاستماع إلى حكايته(1).

لكنّ نزاراً في الوقت نفسه، وبحكم تجاربه ومقدرته الكبيرة في أَن يجعل كلّ كلامه شعراً -لو شاء- كما كان يقول أبو العتاهية عن نفسه.

أقول: إن نزاراً بحكم تجاربه وغناها، ومعرفته العميقة بواقع المجتمع العربي، عِرفَ أين يكمن الداء، كما عرفَ أن الكيّ - آخر الدواء! ومن هنا كان يضرب أو يعزف- حسب طبيعة الموضوع- على الأوتار الحسّاسة، والجروح الموجعة، وأذكر على سبيل المثال، في الخمسينات، قصيدته الرائعة: (خبز وحشيش وقمر) التي أثارت زوبعةً من الانتقادات، وأوجعت فئات من المجتمع كان يريد نزارُ نفسه، أَنْ يغرزَ مِبْضَعَهُ في جوارحها المطمئنّة، وأن ينشر غسيلها على الملأ. ومنها:

"في ليالي الشرق لمّا..

يبلغُ البدر تمامَهْ

يتعرّى الشرق من كلّ كرامهْ..

ونضالِ..

فالملايين التي تركضُ من غير نعالِ..

والتي تؤمنُ في أربع زوجاتٍ..

وفي يوم القيامَهْ..

الملايينُ التي لا تلتقي الخبزَ..

إلاّ في الخيالِ..

والتي تسكنُ في الليل بيوتاً من سُعالِ..

أبداً.. ما عرفت بشكلَ الدواءْ..

تتردّى جُثثاً تحت الضياءْ..

في بلادي.. حيث يبكي الأغبياءْ

ويموتون بكاءْ..

كلّما طالعهم وَجْهُ الهلالِ

ويريدون بكاء.."

***

لم يكن نزار -كما ظنّ البعض، شاعر فئة: لا حزبيّة، ولا طبقة اجتماعية (قد يمكن تصنيفه في فئة المثقفين البرجوازيين من حيث مستوى  معيشته وحياته الاجتماعية، لكن هذه مسألة أخرى).

لقد كان نزارُ شاعرَ مجتمع: مهدورةٌ كرامةُ الإنسان فيه من جميع الجهات: اجتماعياً، وسياسياً، وثقافياً وإثنيّاً... مجتمعٌ، الإنسانُ فيه عارٍ تماماً: عارٍ من الحرية، عارٍ من الكرامة في إلتهام رغيف خبزه. عارٍ من أموال بلده التي تهدر بالملايين على موائد القمار والنساء والحروب والإسراف. عارٍ من أن يُحبّ كما يشاء ولمن يشاء، وبالطريقة التي يشاء. عارٍ.. ومحاصر في الوقت نفسه، بالتابوت التي لا حصر لها: الجنس، الدين، السياسة، الحرية، حق الحرية الشخصيّة بأدنى درجاتها، صارت (تابو) يحذر الاقتراب منه. لكنّ نزاراً.. ومن حيث أُتيح له أن ينفلت من هذه التابوات، استطاع أن يُعبّر عمّا لا يستطيع الآخر، التعبير عنه علناً. وأحياناً لا يستطيع حتى الهمس به لنفسه، خشية أن يكون الـ Bigbrother قد زرع داخله، أجهزة تنصّت! وهذه إحدى فضائل وامتيازات نزار. أعني التعبير بالنيابة -إنْ صح القول- عن الآخرين، عمّا لا يستطيعون التعبير عنه -وبلغتهم- أي "لغة الحال" لغة مَنْ يفهمك وتفهمه. وهذه، أيضاً، إحدى أسرار موهبة نزار في استشعار ما يستشعره الناس وقوله بالكيفية التي يقولونها هُمْ أَنفسهم لأنفسهم.

***

أحسبُ أني أفهم نزاراً، بحكم متابعتي له منذ زمن طويل، من أَوّلياته: [قالت لي السمراء/ طفولة نهد/ سامبا/ أنت لي/ قصائد/ حبيبتي/ الرسم بالكلمات.. الخ] ولذا أعتقد أنّ شعر نزار، يمكن أنْ يُدرس من جهتين: فنيّة -في إطار ما قلت حول مفهوم: الشعر الشعبي، والثانية: وثائقية (موضوعية) حيث أرى أنّ شعر نزار أصدق (وثيقة) والأكثر وضوحاً عن مرحلة نصف قرن من حياة الإنسان العربي: بأفراحه! وآلامه. بانتصاراته! وهزائمه. بطموحه ورغباته ويأسه وخيباته.. شعرُ نزار مثل مرآة الغريبة- كما يُقال في المثل العربي -صافية مجلوّة، تعكس حياة هذا الإنسان العربي الذي منذ نصف قرنٍ، أو منذ قرنٍ كامل يبحث عن نفسه فلا يجدها. يمشي كالسائر في نومهِ، ثم فجأة يفتح عينيه، فإذا هو في النفق المظلم المسدود، أو في صحراء، لا زاد، ولا ماء، ولا (نجماً) يهتدي به!.

***

بدأَ نزار، شاعراً بمطلب بسيط: كان يريد أن يحسّ أنه يَحِسُّ:

"إذا قيلَ عني "أُحِسُّ" كفاني

ولا أطلبُ "الشاعرَ الجيّدا".

واضعاً قلبه على الورق، أو جاعلاً منه "مِنْفَضَةً" لحرائق الحب.. لكن هذا المطلب الذي بدا بسيطاً في "قالت لي السمراء" تطوّر إلى استراتيجيّة لاقتحام المُحال من جهة:

"أُريدُكِ..

أَعرفُ أني أُريدُ المُحالْ

وأنّكِ فوق إدّعاءِ الخيالْ

وفوق الحيازةِ، فوق النزالْ

وأطيبُ ما في الطيوبِ،

وأجملُ ما في الجمالْ".

ولأَنْ يجعل الحُبّ بمرتبة الهواء، ويصير هو قاموساً لطلاّب الهوى! ولعلّه يُفكّرُ، بالشعراء العذريين العرب، وبالشعراء التروبادور، والشعراء الرومانث الاسبان.. وغيرهم، الذين صاروا مَثَلاً في العشق والحب، ومرجعاً في أُوالياته؟ قال من قصيدة (إيضاح إلى قراء شعري):

"سأظل أحترف المحبّة

مل كلّ الأَنبياءْ

وأظلُّ أَحْتَرِفُ الطفولةَ، والبراءةَ، والنقادْ..

وأظل أكتبُ عن شؤون حبيبتي

حتى أُذوِّبَ شَعْرَها الذهبيَّ في ذّهَب المساءْ

وأنا -وأرجو أَنْ أَظل كما أَنا-

طفلاً يُخَرْبِشُ فوق حيطان النجوم كما يشاءْ

حتى يصير الحبُّ في وطني بمرتبة الهواءْ

وأصيرَ قاموساً لطُلاّب الهوى

وأَصيرَ فوق شفاههمْ:

أَلِفَاً وبَاءْ.."

ولعلّه حقّق قدراً غير قليل في هذا الاتجاه، بفضل: "أولاً" ما غُنّيَ من شعره: (قارئة الفنجان، رسالة من تحت الماء، إنّي خيّرتك.. فاختاري.. أشهد أن لا امرأة إلا أنت.. الخ) حيث وجد المُغنّون ضالتهم في شعره، كما وجدها المُغنّون، قديماً) في شعر العباس بن الأحنف والوليد بن يزيد.. حيث اللفظ السهل المونق، والمعنى المتصل بالنفوس، وعدم التكلّف، واختيار الأوزان ذات الإيقاع الملازم للغناء.. الخ.

و(ثانياً) باعتبار هذا الشعر يُمثّل: (كتابة تاريخ النساء). أي أنه يُمثّل (وثيقة) للمرأة العربية في تاريخها المعاصر: أحزانها، أفراحها حريّتها، استلابها.. الخ. قال في مجموعته: (هكذا أكتبُ تاريخ النساء):

"اقرأيني.. كي تُحسّي دائماً بالكبرياء

إقرأيني.. كلّما فتّشْتِ في الصحراء عن قطرةِ ماءْ

إقرأيني.. كلّما سدّوا على العشاق أبوابَ الرجاءْ

أنا لا أكتب حزنَ امرأةٍ واحدةٍ،

إنّني أكتب تاريخَ النساءْ".

وفي هذه المسألة لا بد أن نتناول قضيّتين:

الأولى: المعجم اللغوي لنزار في شعره عن المرأة. وأرى أنه لا شاعر عربي معاصر إحتاز معجماً بخصوصيات المرأة قدَر ما إحتاز نزار: فساتينها، أثوابها، عِطْرُها، أحمر الشفاه، المايوه الأزرق، ثوب النوم الوردي، الجَوْرب المقطوع، القميص الأبيض، العقود والحلي، شَعْرُها، وكل ما يتصل بمكونات جسدها.. ومن ذلك على سبيل المثال، هذا المقطع من قصيدة (سمفونيّة على الرصيف):

 

"سيري.. ففي ساقيك نَهْرَا أَغاني

أحلى من الحجاز.. والأَصبهاني

 

بكاءُ سمفونية حلوةٍ..

يغزُلها هناك قوسا كمَانِ

أنا هنا مُتابعٌ نغمةً

قادمةً من غابةِ البَيْلسانِ"

ويكفي أن نذكر في هذا المجال، عناوين بعض القصائد: (مذعورة الفستان) (طفولة نهد) (الضفائر السود) (أثواب) (كُمّ الدانتيل) (كرستيان دبور) (طوق الياسمين) (الجورب المقطوع) (فستان التفْتا) (لُوليتا).. الخ إضافة لما ذكرنا.

الثانية: وهي وضع المرأة في مجتمع استلبَ حرّيتها ويعاملها معاملة الكائن من الدرجة الثانية، أو الكائن التابع المخلوق من ضلع رجل. وهنا نجد نزاراً، غالباً، ما يتقمّص شخصيته الدون جوان أو الشخصية الشهريارية، المُمثّلة للرجل الشرقي لكي يُوّجه نَقْدَهُ إلى هذه الشخصية باعتبار موقفها من المرأة لكنه، من جهة أُخرى، يسمح لها، ويرتقي بها إلى مواجد الصوفيّ الذي يطلب الاتحاد بمحبوبة، قال مثلاً، من قصيدة [تجليات صوفيّة]:

"عندما تسطعُ عيناكِ كقنديلٍ نحاسيّ،

على باب وليٍّ من دمشقْ

أَفْرُشُ السَجّادةَ التبرْيزَ في الأرض وأدعو للصلاةِ

وأُنادي، ودموعي فوق خَدّي: مَدَدْ

يا وحيداً.. يا أَحَدْ

أعطني القوة كي أفنى بمحبوبي،

وخّذْ كلّ حياتي.."

أو يرتقي بها، أيضاً إلى مستوى الكوجيتو الديكارتي، قال:

"ما دُمْتِ يا عصفورتي الخضراءْ

حبيبتي

إذنْ.. فإنّ الله في السماءْ".

***

أما الموضوع الثاني الذي شغل حيزاً مهماً وخطيراً في شعر نزار فهو الموضوع أو القضية السياسية والاجتماعية. وهذه، بالطبع ليست بعيدة ولا منفصلة عن الأولى: موضوع المرأة. في القراءة العميقة. ذاك أنّ الرابط بين القضيّتين هو واقع المجتمع العربي الواحد نفسه. وبالتالي فإنّ المجتمع عندما يُهْزَمُ، يُهْزَمَ كاملاً. بل الحياة كاملة، وإنْ بدت تجلّيات الهزيمة مُتتابعة: هزيمةُ المرأة أمام الرجل.. وهزيمةُ الرجل أمام رجولته، وهزيمةُ المجتمع أمام الحياة، وهزيمة الحياة أمام تحديات الماضي والآخر معاً. وقد جاءت الصدمةُ في هزيمة حزيران 1967 لتُفجّر وتهزّ كيان نزار هزّاً عنيفاً. فكانت قصيدة (هوامش على دفتر النكسة) هي التجسيد، لا لمعاناته حسب، بل لمعاناة جبلٍ وأمةٍ بكاملها، مادّةً آثارها النفسيّة إلى آماد ما تزال متواصلة، منها:

"أَنعي لكم، يا أَصدقائي، اللغةَ القديمهْ

والكُتبَ القديمه،

أَنعي لكم: كلامنا المثقوبَ كالأحذية القديمه

ومفرداتِ العُهْرِ والهجاء، والشتيمه..

أنعي لكم..

أَنعي لكم..

نهايةَ الفِكْرِ الذي قاد إلى الهزيمه".

***

"إذا خَسِرْنا الحربَ، لا غَرابهْ

لأنّنا نَدْخُلُها

بكلّ ما يملكه الشرقيّ من مواهب الخطابهْ

بالعنترّيات التي ما قتلتْ ذبابهْ

لأَنّنا ندخُلها،

بمنطق الطبْلَةِ والرّبَابَهْ"

***

"خلاصةُ القضيّهْ

تُوجَزُ في عباره

لقد لبِسْنَا قشرةَ الحضارهْ

والروح جاهليّه.."

***

بهذه اللغة السهلة، القريبة من الكلام المحكي، القريبة من نبض المواطن العادي وهواجسه ومشاعره.. في شعر الحب وشعر السياسة، معاً، راح نزار يحاول اغتصاب العالم:

"أَغتصبُ العالم بالكلمات..

أغتصبُ اللغةَ الأُمّ.. النحوَ.. الصَرْفَ.. الأَفعالَ.. الأسماءْ.

أَحتاجُ بكارات الأَشياءْ

وأُشكّلُ لغةً أُخرى..

فيها سِرُّ النار، وسِرُّ الماءْ

وأُضيءُ الزمنَ الآتي..

أُوقِفُ في عينيك الوَقْتَ

وأَمحو الخطّ الفاصلَ بين اللحظة والسّنواتِ.."

***

والحقّ، إذا شئنا، أَن نصف لغة نزار، أن نقول: أنّها لغة وسط. لغة خاصة به. أو -كما قال: (كلامٌ لا يُشبهُ الكلام) لغة اخترعها هو. وفصّلها على مقاييس جسد حبيبته ومساحة حُبّه( ص389): لغة لا غموض، ولا غرابة، ولا غوص في المعاني العميقة، ولا كدّ في رسم الصور(2) لغة فيها قدرَ كبير من الفطرة والعفوية، ولكن فيها، أيضاً، قَدرٌ من البراعة والمهارة. لننظر مثلاً، إلى هذه اللغة المموسقة، المنحوتة، مما يُذكّرنا بلغة سعيد عقل. قال في قصيدة (سامبا):

"غَطّ قوسَهْ..

في شرايين الشَفَقْ

خشَبُ القوسِ احْترَقْ

حين مَسَّهْ"

"أيُّ مِغْزَلْ

حاكَ أكتافاً عرايا

هي في الليل مرايا..

تتنقّلْ"

ثم هذه الصور المونقة الجميلة على بساطة اللغة وتلقائية الأداء: قال في قصيدة (أثواب):

"أَلوانُ أثوابها.. تجري بتفكيري

جَرْيَ البيادر في ذِهْنِ العصافيرِ"

وقال:

"عندما تزورينني..

بثوبٍ جديدْ..

أشعرُ بما يشعرُ به البستانيُّ

حين تُزْهِرُ لديه شجرة..".

***

إزاء غزارة إنتاجه الشعري، واغترافه من الحديث اليومي، بدا نزار فقيراً في معجمه، متكرراً في ألفاظه وصوره(3) ولكنّ نزاراً، في الحق: (مُخترعُ أبجديّة جديدة لمدينة لا تقرأ..) كما قال -في مجموعته (مئة رسالة حب) (ص399)- أو سليل أولئك الشعراء ممن ذكرنا: (أبو العتاهية، العباس بن الأحنف، الوليد بن يزيد..) ممن إذا شاء أحدهم أَنْ يجعل كلّ كلامه شعراً -لفعل.

يضاف إلى هذا -أَيْ تقريب شعر نزار من الحديث اليومي، ومن وعي القارئ، أَنه غالباً، ما كان يبني قصيدته، على السرد القصصي -الحكائي، ونذكر مثلاً على هذا، قصائده: (خبز وحشيش وقمر) و(قصّة راشيل شوارزنبرغ) و(وجوديّة..) ومن الأخيرة:

"كان اسمُها جَانينْ..

لقيتُها -أذكُر- في باريس من سنينْ

أَذكُر في مغارة (التابو)

وهي فرنسيّه..

في عينها تبكي سماءُ باريس الرماديّه

وهي وجوديّه

تعرفها من خُفّها الجميل

من هَسْهَسات الحلق الطويل

كأنّه غَرْغَرُة الضوء بفُسْقيّه..

تعرفها من قَصّهَ الشّعْر الغلاميّه..

من خُصْلَةٍ في الليل مزروعةٍ،

وخُصْلَةٍ.. للّه مَرْميَّه.."

***

وأَختم بأن أقول، أنّ السّر في اقتراب القاريء البسيط من نزار، هو اقترابُ نزار من وعي هذا القارئ ومن مشاعره وآماله  المقموعة المحبطة، ومُحاولة (نزار) أنْ يُحرّر هذه المشاعر في زمن بات العربي يشك: أَهو عربيٌّ أم لا. قال نزار في قصيدته: (أنا يا صديقة.. مُتْعَبٌ بعروبتي) (تونس 1980):

أنا يا صديقةُ مُتْعَبٌ بعرُوبتي

فهل العروبةُ لَعْنَةٌ وعِقابُ؟

أمشي على وَرَق الخريطة خائفاً

فعلى الخريطةِ كلّنا أَغرابُ..

أتكلّمُ الفُصْحى أَمام عشيرتي

وأُعيدُ.. ولكنْ ما هناك جوابُ

لولا العباءاتُ التي إلتفّوا بها

ما كنتُ أَحسبُ أنّهُمْ أَعْرابُ..(4).

الإشارات

* اعتمدنا في هذه القراءة على (الأعمال الشعرية الكاملة) للشاعر، وهي ثلاثة أجزاء -منشورات نزار قباني- بيروت 1983- ويضم الجزءان: الأول والثاني، أشعاره الغزلية، بينما يضم الجزء الثالث الأعمال السياسية الكاملة.

 

1-يُنظر: 1-كتاب تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث الهجري: د.محمد نجيب البهبيتي- دار الكتب- مصر 1950- ص412

2-كتاب الأغاني للأصفهاني: دار الكتب /جـ4/ ص13 و 39 وجـ 8/ ص353-365

3-في الشعرية العربية: طراد الكبيسي -دار أزمنة للنشر عمّان -الأردن 1998- ص32-35

2-ينظر كلمة د. إحسان عباس /استجواب جريدة (الدستور) عدد يوم الجمعة /الملحق الثقافي/ 19-حزيران 1998

3-ينظر كلمة فخري صالح- في المصدر السابق نفسه.

4-في مطلع هذه الأبيات، تناصٌ يُذكّرنا بقصيدة للشاعر الراحل عبد السلام عيون السود. يقول فيها:

    أَنا يا صديقةُ مُتْعَبٌ حتى العَياء، فكيف أنْتِ

          وحدي أمام الموت، لا أَحَدٌ، سوى قلقي وصمتي

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244