أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الأول 1- نص ونقد(( )) النص: المواكب

جبران خليل جبران

ـ 1 ـ

والشرُّ في الناس لا يفنى وإن قبروا

 

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا

أصابع الدهرِ يوماً ثم تنكسرُ

 

وأكثرُ الناسِ آلاتٌ تحركها

ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقرُ

 

فلا تقولنَ هذا عالمٌ علمٌ

صوت الرعاة ومن لم يمشِِ يندثرُ

 

فأفضل الناسِ قطعانٌ يسير بها

***

لا ولا فيها القطيعْ

 

ليس في الغاباتِ راعٍ

لا يُجاريهِ الربيعْ

 

فالشتا يمشي ولكن

للذي يأبى الخضوعْ

 

خلق الناس عبيداً

سائراً سار الجميع

 

فإذا ما هبَّ يوماً

***

فالغنا يرعى العقول

 

أعطني النايَ وغنِ

من مجيدٍ وذليلْ

 

وأنينُ النايِ أبقىَ

ـ 2 ـ

 

وما الحياةُ سوى نومٍ تراوده

أحلامُ من بمرادِ النفسِ يأتمرُ

 

 

والسرُّ في النفسِ حزن النفسِ يسترهُ

فإن تولَّى فبالأفراحِ يستترُ

 

 

والسرُّ في العيشِ رغدُ العيشِ يحجبهُ

فإن أزيلَ تولى حجبه الكدر

 

 

فإن ترفعت عن رغدٍ وعن كدرٍ

جاوزتَ ظلَّ الذي حارت به الفكرُ

 

***

لا ولا فيها الهموم

 

ليس في الغابات حزنٌ

لم تجئ معه السمومْ

 

فإذا هبَّ نسيمٌ

ظلّ وهمٍ لا يدومْ

 

ليس حزن النفس إلاَّ

من ثناياها النجومْ

 

وغيوم النفسِ تبدو

فالغنا يمحو المحنِّ

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن يفنى الزمنْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 3 ـ

 

وقل في الأرض من يرضى الحياة كما

تأتيه عفواً ولم يحكم به الضجر

 

 

لذاك قد حوَّلوا نهر الحياة إلى

أكواب وهْمٍ إذا طافوا بها خدروا

 

 

فالناس إن شربوا سُرُّوا كأنهم

رهنُ الهوى وعلى التخدير قد فُطروا

 

 

فذا يُعربدُ إن صلَّى وذاك إذا

أثرى وذلك بالأحلام يختمر

 

 

فالأرض خمارةٌ والدهر صاحبها

وليس يرضى بها غير الألى سكروا

 

 

فإن رأيتَ أخا صحوٍ فقلْ عجباً

هل استظلَّ بغيم ممطر قمرُ

 

***

من مُدامٍ أو خيالْ

 

ليس في الغابات سكرُ

غير أكسير الغمامْ

 

فالسواقي ليس فيها

وحليبٌ للأنامْ

 

إنما التخديرُ ثديٌ

بلغوا سن الفطامْ

 

فإذا شاخوا وماتوا

 

***

 

فالغنا خير الشرابْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن تفنى الهضابْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 4 ـ

 

والدين في الناس حقلٌ ليس يزرعهُ

غير الأُلى لهمُ في زرعهِ وطرُ

 

 

مِنْ آمِلً بنعيمٍ الخلدِ مبتشرٍ

ومن جهول يخافُ النار تستعرُ

 

 

فالقوم لولا عقاب البعثِ ما عبدوا

ربَّاً ولولا الثوابُ المرتجى كفروا

 

 

كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهم

إن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

 

***

لا ولا الكفر القبيحْ

 

ليس في الغابات دينُ

لم يقلْ هذا الصحيحْ

 

فإذا البلبلُ غنَّى

مثل ظلٍّ ويروحْ

 

إنَّ دين الناس يأتي

بعد طه والمسيح

 

لم يقمْ في الأرض دينُ

 

**

 

فالغنا خيرُ الصلاةِ

 

أعطني الناي وغنِّ

بعد أن تفنى الحياةْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 5 ـ

 

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا

به ويستضحكُ الأموات لو نظروا

 

 

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا

والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

 

 

فسارق الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ

وسارقٌ الحقِّ يُدعى الباسلُ الخطرُ

 

 

وقاتل الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ

وقاتل الروحُ لا تدري بهِ البشرُ

 

***

لا ولا فيها العقابْ

 

ليس في الغاباتِ عدلٌ

ظله فوق الترابْ

 

فإذا الصفصاف ألقى

بدعةً ضد الكتابْ

 

لا يقول السروْ هذي

إنْ رأتهُ الشمسُ ذابْ

 

إنَّ عدلَ الناسِ ثلجٌ

 

**

 

فالغنا عدلُ القلوبْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن تُفنى الذنوبْ

 

وأنين النايَ يبقى

ـ 6 ـ

 

والحقُّ للعزمِ والأرواحِ إن قويتْ

سادتْ وإن ضعفتْ حلت بها الغِيَرُ

 

 

ففي العرينة ريحٌ ليس يقربهُ

بنو الثعالبِ غابَ الأسدُ أم حضروا

 

 

وفي الزرازيرِ جُبن وهي طائرة

وفي البزاةِ شموخ وهي تحتضر

 

 

والعزمُ في الروحِ حقٌ ليس ينكرهُ

عزمُ السواعدِ شاءَ الناس أم نكروا

 

 

فإن رأيتَ ضعيفاً سائداً فعلى

قِوم إذا ما رأوا أشباههم نفروا

 

***

لا ولا فيها الضعيفْ

 

ليس في الغابات عزمُ

لم تقل هذا المخيفْ

 

فإذا ما الأسدُ صاحتْ

بدعة ضد الكتاب

 

لا يقول السروُ وهذي

إن رأته الشمسُ ذابَّ

 

إن عدل الناس ثلج

فالغنا عزمُ النفوسْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن تفنى الشموسْ

 

وأنينُ النايَ يبقى

 

**

 

ـ 7 ـ

 

والعلمُ في الناسِ سبلٌ بان أوَّلها

أمَّا أواخرها فالدهرُ والقدرُ

 

 

وأفضلُ العلمِ حلمٌ إنْ ظفرتْ بهِ

وسرتَ مابين أبناء الكرى سخروا

 

 

فإن رأيتَ أخا الأحلامِ منفرداً

عن قومهِ وهو منبوذٌ ومحتقرُ

 

 

فهو النبيُّ وبُرد الغد يحجبهُ

عن أمةٍ برداءِ الأمسِ تأتزرُ

 

 

وهو الشديد وإن أبدى ملاينةً

وهو البعيدُ تدانى الناس أم هجروا

 

***

لا ولا فيها الجهولْ

 

ليس في الغاباتِ علمٌ

لم تقلْ هذا الجليلْ

 

فإذا الأغصانُ مالتْ

كضبابٍ في الحقولْ

 

إنَّ علمَ الناسِ طرَّا

من ورا الأُفقِ يزولْ

 

فإذا الشمس أطلَّتْ

 

**

 

فالغنا خير العلومْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن تطفى النجومْ

 

وأنينُ النايَ يبقى

ـ 8 ـ

 

والحرُّ في الأرضِ يبني من منازعهِ

سجناً لـهُ وهو لا يجري فيؤتسر

 

 

فإن تحرَّرَ من أبناءِ بجدتهِ

يظلُّ عبداً لمن يهوى ويفتكرُ

 

 

فهو الأريب ولكن في تصلبهِ

حتى وللحقِ بُطلٌ بل هو البطرُ

 

 

وهو الطليقُ ولكن في تسرِّعهِ

حتى إلى أوجِ مجدٍ خالدٍ صغرُ

 

**

لا ولا العبد الذميم

 

ليس في الغابات حرٌّ

وفقاقيعٌ تعومْ

 

إنما الأمجادُ سخفٌ

زهره فوق الهشيم

 

فإذا ما اللوز ألقى

وأنا المولى الكريمْ

 

لم يقلْ هذا حقيرٌ

 

**

 

فالغنا مجدٌ أثيلْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

من زنيمٍ وجليلْ

 

وأنين الناي يبقى

 

 

واللطفُ في الناسِ أصداف وإن نعمتْ

أضلاعها لم تكن في جوفها الدررُ

 

 

فمن خبيثٍ له نفسان واحدةً

من العجينِ وأخرى دونها الحجرُ

 

 

ومن خفيفٍ ومن مستأنثٍ خنثٍ

تكادُ تُدمي ثنايا ثوبهِ الإِبَرُ

 

 

واللطفُ للنذلِ درعٌ يستجيرُ به

وإن راعهُ وجلٌ أو هالهْ الخطرُ

 

 

فإن لقيت قوياً ليناً فبهِ

لأعينٍ فقدتْ أبصارها البصرُ

 

***

لينهُ لينُ الجبانْ

 

ليس في الغابِ لطيفٌ

في جوار السنديانْ

 

فغصونُ البانِ تعلو

حلةً كالأرجوان

 

وإذا الطاووسُ أعطي

فيه أم فيه افتتانْ

 

فهوِ لا يدري أحسنٌ

**

 

فالغنا لطفُ الوديعْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

من ضعيفً وضليعْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 10 ـ

 

والظروفُ في الناس تمويهٌ وأبغضهُ

ظرف الأُلى في فنونِ الاقتدا مهروا

 

 

من مُعجب بأمور هو يجهلها

وليس فيها لـه نفعٌ ولا ضررُ

 

 

ومن عتيّ يرى في نفسهِ ملكاً

في صوتهِ نغمٌ في لفظها سُوَرُ

 

 

ومن شموخٍ غدت مرآتهُ فلكاً

وظلهُ قمراً يزهو ويزدهرُ

 

**

ظرفهُ ضعف الضئيلْ

 

ليس في الغاب ظريف

ما بها سقمُ العليل

 

فالصبا وهي عليل

ليس طعم السلسبيلْ

 

إنّ بالأنهارِ طعماً

يجرفُ الصلدَ الثقيلْ

 

وبها هولُ  وعزمٌ

 

**

 

فالغنا ظرفُ الظريفْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

من رقيق وكثيفْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 11 ـ

 

والحبُّ في الناسِ أشكالٌ وأكثرها

كالعشبِ في الحقلِ لا زهرٌ ولا ثمرُ

 

 

وأكثرُ الحبّ مثلُ الراحِ أيسرهْ

يُرضي وأكثرهُ للمدمنِ الخطرُ

 

 

والحبُّ إن قادتِ الأجسامُ موكبهُ

إلى فراش من الأغراض ينتحرُ

 

 

كأنه ملكُ في الأسرِ معتقلٌ

يأبى الحياة وأعوان لـه غدروا

 

***

يدَّعي نُبلَ الغرامْ

 

ليس في الغاب خليعٌ

لم تقلْ هذا الهيامْ

 

فإذا الثيران خارتْ

بين لحمٍ وعظامْ

 

إنَّ حبّ الناسِ داءٌ

يختفي ذاك السقام

 

فإذا ولَّى شبابٌ

 

***

 

فالغنا حبٌّ صحيح

 

أعطني النايَ وغنِّ

من جميل ومليحْ

 

وأنين الناي يبقى

ـ 12 ـ

 

فإن لقيتَ محباً هائماً كلفاً

في جوعهِ شبعٌ في وِردهِ الصدرُ

 

 

والناسُ قالوا هوَالمجنونُ ماذا عسى

يبغي من الحبّ أو يرجو فيصطبر

 

 

أفي هوى تلك يستدمي محاجره

وليس في تلك مايحلو ويعتبرُ

 

 

فقلْ همُ البهمُ ماتوا قبل ما وُلدوا

أنَّى دروا كنه من يحيى وما اختبروا

 

***

لا ولا فيها الرقيبْ

 

ليس في الغاباتِ عذلٌ

إذ ترى وجه المغيبْ

 

فإذا الغزلانُ جُنَّتْ

إن ذا شيءٌ عجيبْ

 

لا يقولُ النسرُ واهاً

عندنا الأمرُ الغريبْ

 

إنما العاقلُ يدعى

 

***

 

فالغنا خير الجنون

 

أعطني النايَ وغنِّ

من حصيفٍ ورصين

 

وأنين النايَ يبقى

 

ـ 13 ـ

 

وقلْ نسينا فخارَ الفاتحين وما

ننسى المجانين حتى يغمر الغمرُ

 

 

قد كان في قلب ذي القرنين مجزرةً

وفي حشاشهِ قيسٍ هيكلٌ وقرُ

 

 

ففي انتصاراتِ هذا غلبةٌ خفيتْ

وفي انكساراتِ هذا الفوزُ والظفرُ

 

 

والحبُّ في الروحِ لا في الجسمِ نعرفهُ

كالخمر  للوحي لا للسكر ينعصرُ

 

**

غير ذكْرِ العاشقينْ

 

ليس في الغاباتِ ذِكْرُ

وطغوا بالعالمينْ

 

فالألى سادوا ومادوا

وفي أسامي المجرمين

 

أصبحوا مثل حروفٌ

عندنا الفتح المبين

 

فالهوا الفضَّاح يدعى

 

**

 

وانسَ ظلم الأقوياء

 

أعطني النايَ وغنِّ

للندى لا للدماء

 

إنما الزنبقُ كأسٌ

ـ 14 ـ

 

وما السعادة في الدنيا سوى شبحٍ

يُرجى فإن صارَ جسماً ملهُ البشرُ

 

 

كالنهرِ يركضُ نحو السهل مكتدحاً

حتى إذا جاءَةُ يبطي ويعتكرُ

 

 

لم يسعد الناسُ إلاَّ في تشوُّقهمْ

إلى المنيعِ فإن صاروا به فتروا

 

 

فإن لقيتَ سعيداً وهو منصرفٌ

عن المنيعِ فقل في خُلْقهِ العبرُ

 

***

لا ولا فيهِ المللْ

 

ليس في الغابِ رجاءٌ

وعلى الكل حصلْ

 

كيفَ يرجو الغابِ جزءاً

أملاً وهو الأملْ

 

ربما السعي بغابٍ

إحدى هاتيك العِللْ

 

إنما العيش رجاء

 

**

 

فالغنا نارٌ ونورْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

لا يدانيهِ الفتورْ

 

وأنين الناي شوق

ـ 15 ـ

 

وغايةُ الروحِ طيَّ الروحِ قد خفيتْ

فلا المظاهرُ تبديها ولا الصورُ

 

 

فذا يقولُ الأرواح إن بلغتْ

حدَّ الكمالِ تلاشى وانقضى الخبرُ

 

 

كأنما هي أثمار إذا نضجتْ

ومرت الريح يوماً عافها الشجرُ

 

 

وذا يقول هي الأجسام إن هجعتْ

لم يبقَ في الروحِ تهويمُ ولا سمرُ

 

 

كأنما هي ظلٌّ في الغديرِ إذا

تعكر الماءُ ولَّتْ وأمَّحى الأثرُ

 

 

ضلَّ الجميع فلا الذرَّاتُ في جسدٍ

تُثوى ولا هي في الأرواحِ تحتضرُ

 

 

فما طوتْ شمالٌ أذيال عاقلة

إلاَّ ومرَّ بها الشرقي فتنتشرُ

 

***

 

بين نفس وجسدْ

 

لم أجدْ في الغابِ فرقاً

والندى ماءٌ ركدْ

 

فالهوا ماءٌ تهادى

والثرى زهرٌ جمد

 

والشذا زهرٌ تمادى

ظنَّ ليلاً فرقدْ

 

وظلال الحورِ حورٌ

 

***

 

فالغنا جسم وروحْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

من غبوق وصبوحْ

 

وأنينُ النايَ أبقى

ـ 16 ـ

 

والجسمُ للروحِ رحمٌ تستكنُّ بهِ

حتى  البلوغِ فتستعلي وينغمرُ

 

 

فهي الجنينُ وما يومُ الحمامِ سوى

عهد المخاضِ فلا سقطٌ ولا عسرُ

 

 

لكن في الناسِ أشباحاً يلازمها

عقمُ القسيِّ التي ما شدًّها وترُ

 

 

فهي الدخيلُة والأرواحَ ما وُلدتْ

من القفيل ولم يحبل بها المدرُ

 

 

وكم على الأرضِ من نبتٍ بلا أرجٍ

وكم علا الأفقُ غيمٌ مابهِ مطرُ

 

***

لا ولا فيها الدخيلْ

 

ليس في الغابِ عقيمُ

حفظت سر النخيلْ

 

إنَّ في التمرِ نواةٌ

عن قفير وحقولْ

 

وبقرض الشهد رمزٌ

صيغ من معنى الخمول

 

إنما العاقرُ لفظ

فالغنا جسمُ يسيلْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

من مسوخ ونغولْ

 

وأنين النايَ أبقى

ـ 17 ـ

 

والموتُ في الأرضَ خاتمةٌ

وللأثيريّ فهو البدءُ والظفرُ

 

 

فمن يعانقُ في أحلامهِ سحراً

يبقى ومن نامَ كل الليلِ يندثرُ

 

 

ومن يلازم ترباً حالَ يقظته

يعانق التربَ حتى تخمد الزهرُ

 

 

فالموت كالبحرِ مَنْ خفَّتْ عناصرهُ

يجتازهُ. وأخو الأثقال ينحدرُ

 

***

لا ولا فيها القبورْ

 

ليس في الغاباتِ موتٌ

لم يمتُ معهُ السرورْ

 

إذا نيسان ولَّى

ينثني طيَّ الصدورْ

 

إنَّ هول الموت وهمٌ

كالذي عاشَ الدهورْ

 

فالذي عاشَ ربيعاً

 

**

 

فالغنا سرُّ الخلود

 

أعطني النايَ وغنِّ

بعد أن يفنى الوجود

 

وأنين النايَ أبقى

ـ 18 ـ

وانسَ ماقلتُ وقلتا

 

أعطني النايَ وغنِّ

فأفدني ما فعلتا

 

إنما النطقُ هباءٌ

منزلاً دون القصور

 

هل تخذتَ الغابَ مثلي

وتسلقت الصخور

 

فتتبعت السواقي

وتنشفت بنورْ

 

هل تحممت بعطرٍ

في كؤوس من أثيرْ

 

وشربتَ الفجرَ خمراً

بين جفنات العنبْ

 

هل جلست العصر مثلي

كثريات الذهب

 

والعناقيد تدلت

ولمن جاعَ الطعامْ

 

فهي للصادي عيونٌ

ولمن شاء المدام

 

وهي شهدٌ وهي عطرٌ

وتلحفتَ الفضا

 

هل فرشتَ العشب ليلاً

ناسياً ماقد مضى

 

زاهداً في ما سيأتي

موجهُ في مسمعك

 

وسكون الليل بحرٌ

خافقٌ في مضجعكْ

 

وبصدر الليل قلبٌ

وانسَ داءٌ ودواءْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

كتبت لكن بماءْ

 

إنما الناسُ سطورٌ

في اجتماع وزحامْ

 

ليت شعري أي نفعٍ

ـ 19 ـ

واحتجاجٍ وخصامْ

 

وجدالٍ وضجيج

وخيوط العنكبوتْ

 

كلها أنفاق خُلدٍ

فهو في بطءٍ يموتْ

 

فالذي يحيا بعجزٍ

 

**

 

 

والعيشُ في الغابِ والأيامُ لو نُظمتْ

في قبضتي لغدت في الغابِ تنتثرُ

 

 

لكن هو الدهرُ في نفسي لـه أربٌ

فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ

 

 

وللتقاديرِ سبلٌ لا تغيرها

والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا

 

 



(([1]))  نشر هذا البحث في مجلة الأقلام، تموز، بغداد، 1987.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244