أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

النقد  مواكب جبران: نص وتحليل

تبدأ أنفاس جبران (1883-1931) الأدبية ذات الروح الشعري "بموسيقاه ـ 1905"  نبعاً صافياً من ينابيع عاطفته الهادئة.ووجدانه الهامس. حيث يطل على قرائه بلغة شاعرية حارة.  هي انعكاس للطبيعة الرحيبة التي تغنى بها جبران وعاش فيها ولها. فتظهر "عرائس مروجه ـ 1906"، و"الأرواح المتمردة ـ 1908"، مثالاً أدبياً في فن الأقصوصة العربية الحديثة، حيث الزمان يتحد الماضي والحاضر وتشف الأشياء حتى تتخلص أثقالها وأشكالها ويكتنفها فرط اللطائف المترجرجة بعض غموض من غموض… فيها ثورة إصلاحية تنطلق من رومانتيكية جبرانية في تمردها على الظلم وآثام الأنانية. وفي عناقها للبائسين من بني البشر. لا تخلو من امتداد أفلاطوني ـ صوفي يذوب في ابتهالات الحب والجمال والخلود. صامداً بوجه العدمية والفناء حيث يصير الألم الجبراني ينبوع غبطة ومصدر خير. ووحيد دعوته الصارخة الصريحة إلى الحرية المطلقة البعيدة عن الزيف والنفاق. من أجل قهر العذاب ووأد الاضطهاد وقبر الاستبداد وقتل البؤس وانقشاع ضباب الجور. فلابد لرماد الحرية أن يثأر لناره في يوم من الأيام…

جبران الرومانتيكي، وطني النزعة، عربي الانتماء إلى أرضه التي عشقت وتعشق الحرية، إنساني التطلع والطموح بغنائيته الرومانتيكية المتأججة شعوراً حميماً ووجداناً صميماً وفكراً سليماً..

فبعد أن يجرّب فن الأقصوصة. تظهر"الأجنحة المتكسرة ـ 1912"، مثالاً أدبياً لفن القصة فيدون بأدواته الفكرية والشعرية نفسها اعترافاته العاطفية، فيعقبها "بدمعة وابتسامة ـ 1914"، التي تضم مابين ست وخمسين وستين قصيدة نثر هي في الحقيقة "نثر شعري"،أو "شعر نثري".. يربط بينها بعدان أو مضمونان هما: المضمون الأفلاطوني ـ الصوفي والمضمون الإنساني ـ الإصلاحي أو المضمون الإنساني ـ الاجتماعي.وهما مضمونان عشقهما جبران وعاش لهما رومانتيكياً ورمزياً وواقعياً إصلاحياً… مدافعاً عن البائسين، ذائداً عن المعذبين، ناقماً على اليأس والقنوط في حياة مجتمعه من خلال روح شعرية هي ربيبة الصورة بمعناها الفني ووليدها المشروع منذ نشأة الشعر الأولى إلى صيرورته الحالية وحتى: ديمومته المستقبلية وقل مثل ذلك عن"عواصفه ـ 1920"، التي تمثل حواراً فكرياً حيناً أو فن المقالة الأدبية حيناً آخر، ولغة النشيد المهموس الغنائي الأوروبي حيناً ثالثاً…

وكتب جبران باللغة الإنكليزية: "المجنون، واليسوع ابن الإنسان، والنبي، وآلهة الأرض، ورمل وزبد، وحديقة النبي، والتائه"، والسابق ومقالات ورسائل وقصائد متفرقة ظهرت في مجموعته الكاملة.

ـ 2 ـ

إن قصيدة (المواكب) التي ظهرت في عام 1919 أو في عام 1918 ـ كما يرى ذلك ميخائيل نعيمة وغيره ـ هي المطولة الوحيدة في أدب جبران. يقول نعيمة  "أتيت جبران هذه المرة وذلك في أواسط أيار 1918، وللحال فهمت من شدة إلحاحه عليّ بإبراز قصيدة جديدة إن عنده شيئاً جديداً يقرأه لي. ولم يخب ظني.. هذه ستعجبك.. هي قصيدة ذات صوتين. أو لا ترى أن تعداد الأصوات يزيد في وقع القصيدة"

تقع "المواكب"في ثلاثة ومئتي بيت من الشعر (203) كما ظهرت في الطبعة الثانية من المقتطف (المجلد 55) 1919 وفي المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران، التي قدّم لها وأشرف على تنسيقها ميخائيل نعيمة، دار بيروت، دار صادر، 1919 ج/1 (من ص 343 ـ 354"، في حين يراها ـ أي المواكب ـ الدكتور أنطون غطاس كرم في كتابه (محاضرات في جبران خليل جبران) معهد الدراسات العربية العالية، القاهرة، 1964، ص 121)، مؤلفة من ثلاثين ومئتي بيت (230)، ولا أدري إلى أي أساس استند أو على أي مرجع اعتمد في الوصول إلى هذا الرقم، بإضافة سبعة وعشرين بيتاً من أبيات القصيدة لم يشر الباحث الفاضل إلى وجودها أو الموضوعات التي ناقشتها وتحدثت عنها. قد يكون الرقم الأصلي لعدد أبيات  القصيدة (203) قد تحول بفعل الخطأ الطباعي إلى(230)، بيد أن المؤلف الكريم الدكتور أنطون غطاس كرم لم يشر إلى مثل  هذا السهو الطباعي في حاشية ص 121 أو في أي مكان آخر من كتابه.

المواكب قصيدة ذات حوار فلسفي ذي صوتين صوت الشيخ المجرب، الحكيم، الذي يمثل الحكمة الناضجة المستمدة من تجربة السنين والحياة وقد اتخذّ البحر (البسيط)، نغماً له، وصوت الشاب الذي يرمز إلى الطبيعة بعفويتها وقد اتخذ (مجزوء الرمل) نغماً له، ولعل اختيار جبران بحرين مختلفين في مواكبه قد يكون أوقع تعبيراً عن اتجاهين مختلفين للحياة: "الحياة المعقدة في ظل الحضارة المادية، وقيمها الزائفة والحياة الأصلية الحقيقية بين أحضان الطبيعة حيث المساواة والمحبة والبعد عن زخرف الحياة ونفاقها المصطنع"(2) يبقى هذا الرأي اجتهاداً فردياً محضاً نظراً لأن الأوزان الشعرية، على اختلاف عدد تفعيلاتها ومجزوءاتها، هي ضرب من الموسيقى الشعرية التي لابد من وجودها في كل قصيدة بغض النظر عن كونها مختصة بمضمون معين أو غرض شعري خاص.علماً أن بعض الباحثين يربط بين اختيار الشاعر بحر قصيدته ومضمونه أو غرضه الشعري وهو اعتقاد مازال قريباً من كونه رأياً نظرياً لا يستند إلى دليل علمي دقيق قائم على تحليل النصوص الشعرية المختلفة على وفق أوزانها وأغراضها وكنت قد شرعت بمحاولة علمية متواضعة في بحثي (قراءة عصرية في أدب الذئب عند العرب، المنشور في مجلة المورد/ العدد الأول/ المجلد الثامن/ 1989، ص 81-103)، للاهتداء إلى إثبات العلاقة الوثيقة ـ إن وجدت  ـ بين الغرض الشعري والبحر الشعري، فتوصلت بعد التحليل النصي لأمثلة من الشعر العربي قبل الإسلام في وصف الذئب وموازنتها بمثيلاتها من الشعر العربي في عصر صدر الإسلام فالأموي فالعباسي، إلى أن ثمة علاقة بين اختيار الشاعر العربي قبل الإسلام (البحر الطويل) بوصفه أداءً موسيقياً ووصف الذئب بوصفه غرضاً شعرياً في القصيدة العربية، إن هذا الدليل المستنبط لا يمكن أن يكون قاعدة أدبية مطردة في الجمع بين الأداء المعنوي (المضمون) والأداء الموسيقي (حرية اختيار البحر العروضي المناسب)، وإن كان بحثي هذا قد حقق جانباً من جوانب هذه الظاهرة ولكنه غير قابل للتعميم في مثل هذا المجال العلمي..

فالمواكب، إذن، تتكون من صوتين، ثم يلي كل حوار بين هذين الصوتين: الحكمة والطبيعة. نغم الناي الذي يبدو (قراراً) أو (نداءً) يحث الناس ويدعوهم إلى الغاب ـ الطبيعة. وقد اختلف الدارسون والنقاد ومتذوقو المواكب في تعليل وتفسير هذا النداء أو القرار (نغم الناي) الذي صاحب القصيدة كلها وجسّد ماهية حوارها الفلسفي وبنية تعدد أصواتها، فهي "البساطة المطلقة التي لا حدود لها. إن الغاب فوق الفلسفة ولولا الغاب والناي لكانت الحياة جزيرة مقفرة، فالغاب رمز للطبيعة، ورمز للخروج على التقاليد والشرائع. فالحضارة في رأيه ـ أي في رأي جبران ـ مظهر من مظاهر الطبيعة"(3)، في حين يرى باحث آخر أن المتناقضات التي صوّرها الشاعر"، ليست غير انعكاس لحوار وجداني خالص، وثمرة النزاع الداخلي القائم بين مختلف مظاهر الوجود المتباينة، وقد رد الشاعر هذه المتناقضات والمباينات إلى مبدأ وحدة الوجود…

والناي قد يرمز إلى مبدأ التجاذب بين الأكوان أو إلى نظام الأبدية الدائمة أو يمثل الحياة، الحياة بكليتها"(4) أما ميخائيل نعيمة فيرى أن في القصيدة تيارين "يجريان في اتجاهين متعاكسين. وليس من صلة بينهما إلا التي يقيمها خيال الشاعر في وجدان القارئ.. والتياران يبدوان كما لو كانا حواراً بين شخصين. ولكنهما ليسا كذلك: بل جل ما في الأمر أن الأول يمثل الحياة بظاهرها القبيح وباطنها الجميل. والثاني يمثلها وحدة روحية لا باطن لها ولا ظاهر. الأول يتبرم بما في الحياة البشرية دون رياء، وضعف، وذل وقلق ونضال دائم مابين الخير والشر، والثاني يمجّد الحياة في الغابْ ـ حياة الفطرة والسليقة ـ حيث لا خير ولا شر، بل استسلام إلى المشيئة العاقلة المدبرة التي تتسامى فوق الشر والخير.. إن الناي هو رمز الوحدة والخلود…"(5)..

إن بناء القصيدة العام مشيد على نظرة صوفية لجبران، مؤداها: "إن الوجود مظهر وجوهر، وإن مظهره مشوب بلغط الازدواجية والمتناقضات المتصارعة، حتى اضطربت  الحياة وترجرج ميزان القيم الخلقية، وإن في جوهره الذي هو الناموس الكلي العادل قد امّحت الازدوجية وفنيت جميع المتناقضات، وارتد التباين والصراع إلى سكينة  الوحدة المنسجمة.. إن جبران أراد في المواكب أن يهدم الثنائية، ويزيل الفوارق والفواصل، ليردها جميعاً إلى الوحدة الكونية التي يمثلها الغاب، وحدة السعادة المنشودة، وأن الناي هو العنصر المحول"(6)، أي أن "الغاب" بوصفها رمزاً رومانتيكياً عند جبران وعند غيره من الرومانتيكيين المهجريين "ثورة على ماحدث في المدينة من تشويش وغش وخداع… فجبران يمنح الغاب قواماً فلسفياً مثالياً… ولكنه عاد فاعلن في آخر مواكبه يأسه من تحقق هذا القوام الفلسفي المثالي:

في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر

 

العيش في الغاب والأيام لو نُظمت

فكلما رمت غاباً قام يعتذر

 

لكن هو الدهر في نفس له أربٌ

والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا

 

وللتقادير سبلُ لا تفسيرها

وهذه الأبيات وهي أصدق ماجاء في المواكب تدل على بعد المسافة بين الواقع والخيال وتنتهي بإعلان العجز الإنساني والإيمان بالجبر وهي رمز انخفاض شديد"(7)، علماً أن (الجبرية) تدعو إلى التوكل المطلق على اللّه، لأن الإنسان مسّير بالإرادة الإلهية، وليس حراً في خلق أفعاله واختيار مصيره.

ويرى أنطون غطاس كرم أن "المواكب" أشبه بامتداد شعري بالبذور الفكرية التي عبّر عنها جبران في آثاره الأدبية الأخرى مرتكزاً على القيم الخلقية والاجتماعية من جانب وعلى المفهوم الصوفي العام من جانب آخر، ويرى أن "الناي اتخذ قراراً ولازمة موسيقية، يقع في خاتمة كل نشيد، بعد أن يكون الحوار مابين الصوتين قد بلغ أقصاه، وشارف على انتهائه، وإذاً فهو القرار الصوتي والفكري، وهو النغم الذي تفنى فيه المتناقضات".(8)، ويرى باحث آخر أن دعوة جبران للعزف على الناي في ختام كل قطعة شعرية، قد تكون رمزاً  "إلى الترفع عن المطالب الدنيوية الدنيئة وتعشق المثل والقيم السامية"(9)،  وقد تبدو الغاب  في هذه المواكب الطبيعة بأسرها وهي عندئذٍ تصير رمز التمرد على العادات والشرائع أوهي التمرد على كل قيد.

وقد تكون تنفيساً إيقاعياً عن رغبة جبران في ارتداد الإنسان إلى جوهره، إلى فطرته المحبة الخيّرة فهي تعبير عن الرغبة في عودة الإنسان إلى براءته الأولى، إلى طينته الفطرية السليمة من زيف الانحراف. لقد شاء جبران إن يكشّح عن وجه الإنسانية مصطنعات المدنية التي تخفي حقيقة ما طُبع عليه جوهر هذه الإنسانية. فجاء "الناي" يردد صداه في كل لازمة، كأنه الأنين المتردد في وجدان جبران دعوة للخلاص، ونشداناً لروح الطفل في الإنسانية العجوز"(10).

ـ 3 ـ

ومهما يكن من أمر هذه الاجتهادات والآراء الفردية، فإن "الغاب" تبقى في المواكب رمزاً لمثالية جبران، وتأملاته الفكرية في الحياة والكون والوجود والإنسان، وهو الكاتب والأديب العربي الذي عرف بتمرده على العادات والتقاليد القديمة، فكان أسلوبه الرومانتكي ـ الرمزي ـ استجابة طبيعية لتمرده الاجتماعي وثورته الفكرية الأدبية، تلك الاستجابة الإنسانية التي كثف فيها جبران عواطفه ومشاعره المنتزعة من أعماق قلبه الحساس، المتوهج بالألم والحرمان والغربة  النقمة في بعض الأحيان، فكانت "مواكبه" دعوة صريحة للإنسان الحديث إلى عالم الجمال المطلق والخير المطلق؟ وهما مثالان أفلاطونيان ـ صوفيان إلى مدى بعيد. ولكن هذين المثالين لا يخلوان من تصوير واقعي لأبناء الحياة في همومهم الآنية التعسة فضلاً عن تصويرهما للكمال الإنساني مبدأ مثالية جبران في هذه المواكب التي صورته إنساناً وشاعراً وفناناً يرسم"، بدم القلب، ويكتب بعصير الروح، ليغني بأفراح الإنسانية ويبكي بأوجاعها.. ولا غرابة فجبران أول أديب عربي في العصر الحديث جهر بإيمانه المطلق بوجدانية الوجود،  فهو دائماً يرى صورته في كل الصور ويسمع صوته في كل الأصوات"(11)

إذا كانت القصيدة، أي قصيدة، هي أداء فني بالألفاظ، وأن الشعر فن وليس رسالة اجتماعية، كما قيل، فإن مواكب جبران قصيدة رومانتيكية رائعة استطاعت أن تحول الجدل الفلسفي أو الفكر الفلسفي في ماهية الوجود والإنسان إلى لغة شعرية ذات شكل ذاتي نبيل في مثلُه وقيمه الاجتماعية فضلاً عن دلالته  الفنية الخالصة والنقية في هذا الميدان، فهي واحدة من القصائد ذات الوحدة اللفظية المغلقة على ذاتها، ومن هنا  جاءت مكتظة بالرمز والإيحاء الذاتيين اللذين يعبران عن فكر جبران ومدى فهمه للإنسانية في إطاريها: المادي والمعنوي أو إذا شئنا في بعديها: الواقعي ـ الطبيعي والمثالي ـ الميتافيزيقي. فهو "شرقي عربي"، كما قال فيه مارون عبود"(12)، "لم يكتب ليمغرب الشرق بل كتب ليمشرق الغرب ويكون له رسولاً… والشخص الفذ هو الذي يحتفظ بلونه لأنه غني عن الألوان التي يكسبها من محيط غريب"، ومن هنا تبدو في المواكب جبرانية في لونها الشعري القائم على تعدد أصواتها الحوارية وجدلية طباقها أو ثنائياتها البنيوية ومعادلها الموضوعي والرمزي كما سيتجلى ذلك من خلال تحليل لوحاتها الفنية والفكرية ـ فلا غرابة إذا ما عدّت مطولة شعرية رائدة في أدبنا العربي الحديث، نسج على منوالها بعض شعراء العربية المحدثين كفوزي معلوف في (بساط الريح)، وشفيق معلوف (في عبقر)، وعلي محمود طه المهندس في (أشباح وأرواح) وإن ظن بعض الباحثين أنها متأثرة بالأدب الغربي قالباً وموضوعاً (13)، اعتقاداً من هذا البعض بأن الأدب العربي لا يعرف في تاريخه الطويل يمثل هذه المطولات التي تناقش شؤون الحياة ومتناقضاتها وهو اعتقاد يفتقر إلى الدقة العلمية والنظرة التحليلية الدقيقة لواقع الشعر العربي ذي التاريخ الفني العريق فالتائية الكبرى لابن الفارض (577 ـ هـ /1181م ـ 632 هـ /1235م)،  المعروفة ـ بنظم السلوك ـ التي بلغت ستين وسبعمئة بيت من الشعر (760). واحدة من المطولات الشعرية العربية القديمة  التي ناقشت شؤون الحياة بروح صوفية ـ فلسفية، فضلاً عن تأمليات المعريّ (363 هـ /973م ـ 449هـ /1057م)، وكونياته وفلسفياته التي سبقتها في هذا الميدان.

ـ 4 ـ

إذا كانت القصيدة في تعبيرها المجرد الذي قد يقترب من كونه ضرباً من الطلاسم والألغاز، فإنها حينئذٍ تبتعد عن واقعها التصويري الحسي، ذلك الواقع الذي تمثله الصور المحسوسة: الظاهرة وغير الظاهرة التي تحتشد في هذه القصيدة أو تلك، علماً أن ديمومة الصورة الشعرية وقدرتها على الحركة تعتمد الإبداع والجرأة في التعبير من خلال موهبة الشاعر في بناء تراكيبه الفنية على وفق ما تخلقه أفكار القصيدة من مجاز وتشبيه واستعارة وحقيقية. نظراً لأن نقل العاطفة أو الإحساس بها إلى القارئ هو مقياس الإبداع الشعري. ومن هنا عدّت الصورة الشعرية رسماً قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة وإن فقدت ارتباطها المنطقي في بعض الأحيان..

فإن قوة الحدس والإثارة والاستجابة المصاحبة للقصيدة هي التي تثير في عقل ووجدان القارئ كل تداع وارتباط تخلقه أفكار القصيدة، كما تصورها ألفاظها الفنية، فلا غرابة إذا ما مال الشاعر إلى ابتداع الشخوص والأصوات المتحركة والمتحاورة في قصيدته من باب التجريد الفني وليس التجريد الغامض النازع إلى ضياع وحدة المضمون وتشويه ملامح فكرته الأصلية. ويتجلى عنصر "التجريد الفني"، أو "الرمز الشعري" في مواكب جبران، فالمواكب قصيدة طويلة مؤلفة من مقاطع مختلفة تبحث في موضوعات فلسفية وفكرية وصوفية ومثالية مختلفة. جعل الشاعر بحث تلك الموضوعات حواراً بين صوتين يتحدثان عن واقع الحياة. كما هو على حقيقته في الأرض بكل مايحمل من تناقضات وأبعاد إيجابية وسلبية وهما صوتا الحياة والواقعية المقيدة بالعادات والتقليد، والطبيعة الحرة المطلقة المتمردة على كل قيد، المتطلعة إلى عالم الصفاء والنقاء الإنسانيين بدلالتها الطبيعية المطلقة. وقد ظن بعض الباحثين أن الصوت الأول يرمز إلى الإنسان المجرب، إلى الشيخ أو الفيلسوف المختمر خبرة، محاولاً تفسير ظواهر الحياة، كما يراها من خلال تجربته الطويلة، واعظاً الآخرين إلى حقيقة هذا الوجود، إنه إنسان المدينة في حين يمثل الصوت الثاني فتى في عنفوان الشباب يمثل الطبيعة في الغاب، يرافق صوته ألحان  الناي، تحث الناس وتدعوهم إلى البقاء معه في الغاب"، حيث لا حكمة ولا فلسفة، بل البساطة المطلقة بعينها لا تحجزها حدود ولا تحدّها شرائع، … وهنا في المواكب يظهر تمرد جبران فهو ينزع فيها إلى حل في شواعر الحياة وعواطفها من مسائل الحسنات والسيئات. ثم بعدد أن يشبع من تحليلها بلسان الشيخ يتمرد عليها بلسان فتى الغاب الذي يكره كل ما في الحياة من تعقد وينكره، فهو ينكر العدل ، إلا عدل الغاب ـ وينبذ الشريعة إلا شريعة الغاب، ويأبى الحب إلا الحب المطلق في الغاب.. وكأني بجبران يرمي في مواكبه إلى تأليه الغاب.. أما الغاب التي يقصدها  الشاعر في قصيدته فليست غاباً بمعناها الضيق بل هي الطبيعة بأسرها هي التمرد على العادات والشرائع هي التمرد على كل قيد"(14)، في حين يرى ميخائيل نعيمة أن جبران في مواكبه لجأ إلى فكره قبل قلبه وانبرى يسوق لنا خواطر فلسفية في أهم شؤون الحياة البشرية كالخير والشر والدين والحق والعدل وغيرها..

ويعتقد أن صوتي الشيخ والشاب "ليسا سوى صدى النزاع الداخلي في نفس جبران مابين إيمانه بفطرة الإنسان الإلهية وبين ماكان يبصره في حياة الناس من بشاعة ووجع وتشويش…. وهو جد ولوع بالنفخ بالناي الذي يتخذ من أنغامه رمزاً للخلود لذلك لا ينفك يطلبه في آخر كل نشيد من أناشيده"(15).

تتألف المواكب من ثمانية عشر مقطعاً أو نشيداً. كل مقطع أو نشيد منها يعد لوحة فنية بما تحمله من حوار فكري وجدل فلسفي، إنها قصيدة طويلة متعددة الأصوات؛ يستند كل مقطع أو نشيد منها إلى ثلاثة أركان تجريدية: الصوت الأول، سواء أكان شيخاً حكيماً مجرباً أ تياراً يمثل جانباً من صدى النزاع الداخلي في  ذات الشاعر، والصوت الثاني الذي يمثل الطبيعة على لسان فتى الغاب الهائم بها بوعيه ولا وعيه، وأخيراً القرار أو النداء الذي يعتمد الناي والغناء وأنين الناي رمزاً لخلود الإنسان.

فكل نشيد أو مقطع أو لوحة، إذن، يتركب من ثلاثة أبعاد فنية: الصوت الأول والصوت الثاني والقرار ـ النداء. وهي أبعاد منتزعة من طبيعة وجدان جبران الرومانتيكية وهي طبيعة الشعراء الرومانتيكيين عامة الذين يسعون إلى تفجير  طبيعة الفكرة الشعرية، كما يقال، أي أنهم يهتمون كجبران مثلاً بتجسيد قوة الشعور الكامن وراء تلك الفكرة التي تظهر بأنماط مختلفة من الصور الشعرية، وهي صور كما تبدو عند بعض شعراء هذا الاتجاه قريبة من الروح الفلسفية والتأملات الفكرية المؤطرة بالرمز والكناية أو إذا شئنا القول إنها ذات لغة انفعالية لا تنفصل عن التأملات الفلسفية للشاعر الرومانتيكي؛ أي أن الشعور الحسي في القصيدة الرومانتيكية قد يمتزج ويتفاعل بمهارة فائقة ووجدان مرهف بالبعد الفكري حيث تولد الصورة الشعرية الفلسفية في بعديها: الحسي والفكري. ومن هنا تصح مقولة أرسطو طاليس: (إن الشعر هو ليس الفن الأكثر تكثيفاً حسب، بل هو الفن الأكثر فلسفة)..

لذا فإن مواكب جبران بوصفها مطولة رومانتيكية في الشعر العربي الحديث ذات قدرة فائقة في حريتها  المطلقة في رسم صورها وتكثيفها وخروجها عن المألوف التقليدي في التعبير عن فكرتها أو مضمونها المطلق. لذا نرى جبران قد التزم بعدد معين من الأبيات لكل صوت أو بعد فني في كل مقطع أو نشيد من لوحة في مواكبه. فقد حدد الصوت الأول بأربعة أبيات والصوت الثاني بأربعة أبيات أيضاً وخص القرار ـ النداء ببيتين فقط. ويظهر هذا الالتزام العددي واضحاً في أحد عشر مقطعاً منها في حين نراه يتحرك بحرية عددية لا تعبأ بهذا المقياس. إذ يخصص للصوت الأول خمسة أبيات مرة. وستة أبيات مرة ثانية وسبعة أبيات مرة ثالثة كما يظهر ذلك بوضوح في النشيد الثالث والسادس والسابع والتاسع والخامس عشر والسادس عشر/ مع احتفاظ الصوت الثاني القرار بخصوصيتهما العددية الأولى؛ وهي أربعة أبيات للصوت الثاني وبيتان للقرار ـ النداء بيد أنه يخرق هذه القاعدة في المقطع أو النشيد الأخير من القصيدة حيث يمتزج الصوتان (الأول والثاني)، في حوار مؤلف من عشرين بيتاً بقوافٍ متعددة لينتهي هذا الحوار بثلاثة أبيات هي خلاصة رحلة الشاعر الفكرية من خلال حواره الطويل المتعدد الأصوات.

ويبدو أن جبران في ثباته على عدد معين من الأبيات للصوت الثاني والقرار ـ النداء يمثل إيمانه الرومانتيكي المطلق بصدق الطبيعة ودعوتها الصريحة لتحرير إنسان الحياة والواقع الفعلي المعاش المضطرب بقيمه ونظراته ـ الصوت الأول ـ من قيود القلق والتشاؤمية والشقاء أي أن الصوت الثاني وقراره سكون وهدوء وراحة ومطلق وثابت لا يتغير.

أما الصوت الأول فمضمون متحرك قلق، لا يقف عند فكرة محددة بأبيات محددة بل يحاول الشاعر أن يمنح هذا "المضمون الواقعي"، أو الجانب الفكري في صورة حرية مطلقة للتعبير لا تقف عند حدود معينة من الأبيات إلا حين تنتهي فكرة المضمون تماماً على لسان الصوت الأول وهو المظهر المتحول والمتغير في حياة الإنسان، فجبران في هذه الحرية العددية ـ كما يبدو ـ لا يريد لصوته الأول أن يوجز فكرته أو يخفي شيئاً منها على حساب نمطية شكلية معينة، بل يريد له أن يكون حراً في التعبير عن فكرته بكل تفاصيلها وجزئياتها سواء أكان ذلك محدداً بأربعة أبيات أم متجاوزاً هذا العدد إلى خمسة فستة فسبعة مثلاً لتكون واضحة صافية من شوائب القلق والنفاق والخوف والتردد.

ـ 5 ـ

تناقش المواكب قضايا الإنسان ومواقفه وهمومه في الوجود والحياة ـ كما يراها جبران الذي سيطرت عليه طبيعتان متفوقتان، على حد تعبير ميخائيل نعيمة"(16)، طبيعة الفنان الوجداني المرهف الحس والشعور، وطبيعة المرشد والمصلح والواعظ ـ في ثماني عشرة لوحة حوارية اعتمدت ثنائيات الحياة أو جدلية تناقضاتها مضموناً فكرياً بلغة انفعالية رمزية بعيدة عن لغة الإشارة في أغلب الأحيان وإن كانت خطابية ـ تقريرية في أحايين أخرى…

تبدأ اللوحة الأولى ببحث مفهوم (الخير والشر)، وهو موضوع قديم في الفكر الإنساني، متأصل في الذات البشرية منذ نشأتها الأولى وخلقتها البدائية على الأرض وقد يبدو فيها شك جبران الذي مهد السبيل إلى تمرده. ذا طابع خلقي، فقد كان يثأر لذاته الجريحة، بقدر ماكان ينتقم للمساكين من الناس وينزع إلى نشر أفكار بلور مضامينها وأبعادها حدسه العقلي الفطري وذوقه
السليم"(17).

فالخير ـ كما يراه جبران ظاهرة إنسانية مكتسبة، يستمدها الإنسان من واقعه الاجتماعي وبيئته الطبيعية، في حين يرى الشاعر أن الشر خالد في النفس الإنسانية لا يفنى وإن قبر البشر وأفل بريق الإنسان وتلاشى.. فالإنسان آلة تحركها أصابع الدهر كما تشاء.. إذ سرعان ما تتعطل تلك الآلة وتؤول إلى عدمية سقيمة لا حياة فيها ولا روح لذا تبدو المفاضلة بين بني البشر في كون هذا عالماً علماً وذاك سيداً وقوراً، مفاضلة بلا معنى وبلا معيار وبلا أي بعد إنساني أو فكري، إذ أن أفضل الناس "قطعان يسير بها صوت الرعاة" إنها كتلة بشرية مسيّرة تحركها قدرية غير مرئية.. لابد لها من أن تتحرك، فإذا توقفت عن حركتها أي أنها لم تسمع صوت ـ رعاتها، اندثرت وتلاشت حيث لا إنسان ولا كينونة بشرية سواء أكانت خيّرة أم شريرة… ذلكم هو الصوت الأول الذي يعلل ماهية الخير والشر في النفس الإنسانية. فيرد عليه الصوت الثاني الذاتي الحر، رافضاً هذه الدعوة أو هذه الثنائية التي مابرحت تصاحب فكر الإنسان المعاصر ـ فيرى أن الطبيعة نقية وصافية وخالية من الرعاة والقطعان.. خالية من القدرية والجبرية.. إن كل شيء فيها ليّن.. هيّن… حيث لا خير ولا شر والحياة تسير في هذه الطبيعة رخيّة والناس فيها سواسية أمام اللّه. الخالق المبدع لهذا الكون. ويأتي  قرار جبران أو نداؤه أو لازمته الشعرية المستندة إلى الناي وصوت الناي أو أنينه مؤكدة صفاء الطبيعة التي ترعى العقول وتوحد أبناء الإنسانية في تعادلية إنسانية لا تعرف التمييز والعنصرية والطبقية وتكافؤ يسمو فوق مادية الحياة وزخرفتها وبهرجتها وثنائية خيرها وشرها. حيث تنتهي اللوحة الشعرية الأولى التي تعد استمراراً فكرياً وفلسفياً لنظرة جبران إلى قضية الخير و الشر وتأتي متممة لنظراته الشاملة في هذا الموضوع الذي بث أفكاره حوله وحدد موقفه منه في كثير من نتاجاته النثرية والشعرية الأخرى في غير الموكب: تلك النظرة وذلك الموقف الذي يتجلى  في أن جوهر الخلق الإنساني يرفض إدانة الخطأ أو الشر الذي قد يقترفه الإنسان باسم الأعراف أو النواميس، لأن الأعراف  والنواميس لا تخلو من ارتباط طبقي ـ اجتماعي يخلقه فرد، في حين أن اقتراف الشر عند الفرد لا يولد ذاتياً أو تلقائياً بعيداً عن الظروف الخارجية التي قد تضطر الفرد إلى اقترافه في كثير من الأحيان. فالإنسان بريء حين يقع ضحية لهذا الشر الذي يولد نتيجة لتشابك العلائق البشرية وليس نتيجة للتصميم الإرادي في اقترافه: الأمر الذي دفع جبران إلى الإيمان بأن فطرة الإنسان الأصلية سليمة، ومبّرأة من الشر، لأنها خالية من  الصراع ومجردة من أي وعاء فكري يقترب من هذا الصراع. عن الصراع بين الخير والشر بدعة ولّدها النزق الإنساني على غرة من الجوهرية الإنسانية التي هي خير، كما يراها جبران في صوته الثاني وفي لازمته الشعرية.. إن فطرة الإنسان بريئة من كل دنس خلقته مخلفات الزمن الغابر أو خلقه تاريخ من التقاليد والعادات التي فرضت هيمنتها وسلطتها  على الإنسان البريء أصلاً.. وهذا الموقف قد يكشف عن معنى تمرد جبران وثوراته على تقاليد مجتمعه ونواميس بيئته، لذلك يلح عليه هذا الشك إذ يخلق في ذات الشاعر ضرباً من النقمة الداخلية التي سرعان ما تتحول إلى صراع وجداني ـ فكري ـ يجد قراره في نشدان جبران الأمل والطموح حين يسعى إلى استبدال قيود "الزمن الغابر"، بآمال الزمن الآتي لتحرير الإنسان من صراع الثنائية وتحقيق وحدته مع ذاته.. فجبران حين يناقش قضية الخير والشر بصوتين مختلفين سلباً أو إيجاباً. يحاول تحديد موقفه الخاص من قضية الزمان ذي الأنات المتتالية والمعبّرة عن أفكار ونيّات الإنسان نفسه في آنات مختلفة لا تنفصل  عن واقع البيئة وظواهرها المختلفة فيرى جبران أن الزمان صلة الوصل بين الأزل، الذي يرى فيه جذوراً إنسانية و"الأبد" الذي يتلمس فيه طموحاً إنسانياً، علماً أن الأزل والأبد كليهما لا نهايتان.." وتمثل هذه الأبدية في الخيال الجبراني"، كما يرى  ذلك بعض الباحثين المعاصرين"(18)، انفتاح الإنسان على  المطلق واندفاعه نحوه، رغبة في تقويض أسس حاضره البالي وخلق ذاته الجديدة…".

قد يفسر هذا التصور جزءاً من موقف جبران من الخير والشر أو من هذين الزمنين الملازمين للإنسان فكراً وموقفاً من الذات والمجتمع والبيئة والحياة بمعناها الواسع العام، ومن ثم تحديد موقف جبران الناقم والتمرد على ذاته أولاً وعلى بيئته ثانياً، ومن هنا تبدو لازمته الشعرية "أعطني الناي وغنِّّ… وأنين الناي أبقى.." هي الأزل والأبد الجبرانيان…

تتحدث اللوحة الثانية أو النشيد الثاني عن سر الحياة.. إنها نوم طويل تراوده الأحلام…

انقطاع عن الوعي إلى عالم اللاواعي أو من الشعور إلى اللا شعور كما يقول النفسانيون بيد أن هذا اللا شعور ليس مظهراً مطلقاً لوجود الإنسان ولكنه ضرورة  من ضروراته فالنفس الإنسانية تحقق ما فقدته في واقعها أو ماتمنته من أمان وآمال بأحلامها لكنها نفس حزينة متألمة وأن الألم أو الحزن هو الذي يستر سر الوجود أو سر النفس الإنسانية فإذا انزاح وتلاشى ذلك الحزن استتر مرة أخرى بنقيضه الفرح وهذه ثنائية معروفة في الحياة إذ لا قيمة للألم بلا أفراح ولا أهمية أو معنى للأفراح بلا ألم ومن هنا يبدأ  الصوت الأول يعدد دلالات الألم والفرح على حدٍ سواء (فرغد العيش)، و(كدر العيش) صنوان في حياة الإنسان فإذا تجرد الإنسان منهما اقترب من الطموح الذي يبدو وهما صوفياً أو نزعة ألم نحو الخلود بوأد الغناء وعدم الاعتراف به.

إن النفس عند جبران ضرب من الحرية ولعل من أبرز  صفات هذا الألم الكآبة والحرمان والحزن فهو أي مظهر آخر من مظاهر صراع الإنسان مع نفسه ومع الكون الذي يحيط به أنه ألم صوفي فيه راحة واطمئنان إذا كان رمزاً من رموز الحرية والانعتاق من قيود وهمية مصطنعة فابتسامات الإنسان مؤطرة بدموعه ودموعه إحساس خفي لهذه الابتسامات الألم كما يبدو في هذه اللوحة مصدر الإدراك والفهم وطريق جبران إلى الإبداع، وأخيراً طريقه الواضحة لتحقيق مثاليته في الحياة قد يبدو حزن النفس أو ماهية الألم في هذه اللوحة ضرباً من العدمية المتفائلة عن جبران أو نقيضاً للوهم أي أن آلام جبران الصادرة عن صراع داخلي في صميم ذاته تصور مدى نفوره من واقعه ومدى اعتزازه بكسر وتهشيم هذا الواقع نحو عظمة فردية مثالية قريبة من النزعة إلى الخلود صرح بها في أكثر من مكان في تجاربه الأدبية غير المواكب فيقول في (رمل وزبد ـ ص 158)، "إذا حزنت وأنت لا تعرف سبباً لحزنك فأنت حينئذٍ تنمو بالحقيقة مع جميع الناميات وترتفع متسامياً إلى ذاتك العظمى"، فالطبيعة الغاب كما يراها الصوت الثاني من ذات جبران نقية من الأحزان مجردة من الهموم والأوهام إنها الحرية المطلقة والصفاء المثالي حيث يتعانق في أجوائها الألم والفرح. فالنجوم المتلألئة وهي رمز الفرح والتفاؤل في حياة الإنسان تراها متناثرة بين ثنايا "غيوم النفس"، بين ثنايا الألم أو بين ثنايا سوداوية النفس وتشاؤميتها بلا تناقض بينهما:

ظل وهم لا يدوم

 

ليس حزن النفس إلا

من ثناياها النجوم

 

وغيوم النفس تبدو

ثم يختم هذا الحوار بنايه وأنينه رمزاً للبقاء بعد فناء الزمن، ودليلاً على براءة الطبيعة النقية من آثام الوهم وأدران الألم وما يصاحبها من أفعال، ويصدر عنهما من استجابات وانعكاسات ومحن ذاتية واجتماعية..

 

 

E - mail: aru@net.sy

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244