أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

قليلون في الأرض من بني الإنسان من يرضى بحياته كما هي على فطرتها وبراءتها وعفويتها بلا قيد الضجر أو قيود اليأس والقنوط أن وهم الحياة هذا هو ما تجسده اللوحة الثالثة من المواكب ـ النشيد أو المقطع الثالث ـ وفي ضوء هذه النظرة اليائسة تحّول ـ نهر الحياة ـ الطبيعي عند الإنسان إلى "كؤوس وهم".. الوهم هو الخمرة التي يجب أن ينهل منها الإنسان ويصل ويبقى، حيث يتغلغل الوهم في عروق الذات الإنسانية ويتسرب إلى شرايينها فتحس بالخدر والراحة الوهمية التي في واقعها تعويض مستتر من بديل خفي، إنه اليأس غير المرئي.. إن كأس الوهم الطافحة بالسعادة المفقودة تسر شاربها إلى درجة الانتشاء في مظاهر سلوكية مختلفة، قد تبدو متناقضة في بعض الأحيان بقدر ما يمتلك الانتشاء الوهمي من حرارة وانفعال وجدانيين أو نظرة تأملية عميقة في الحاضر والآتي أو الواقع والمجهول من حياة الإنسان  حتى كأن الأرض ـ أم الإنسان ومهد طفولته ورجولته وأحلامه ومنبع ذكرياته وطموحه ومصدر ثقافته وإنسانيته ـ تبدو "خمارة" يديرها "الدهر": "صاحبها الأزلي"، فلا يرضى بها غير المخمور أو السكران، أما إذا رأيت، "أخا صحوٍ عرضاً، فهي رؤية شاذة، غريبة ليست بنت واقعها المخمور فكراً وروحاً ومثلها ـ أي هذه الرؤية الشاذة ـ مثل "قمر يستظل بغيم ممطر ـ وهي صورة شعرية جبرانية رائعة ومتألقة في منح مظاهر الطبيعة رموزاً صوفية ـ إن خمرة جبران في هذه اللوحة لا شك في أنهاخمرة صوفية؛ روحية المنشأ، أزلية التاريخ ـ سرمدية الفكر، تمثل جبران متصوفاً، فهو زاهد في الدنيا، عاشق الله سبحانه وتعالى، مغرم بالمعرفة الإلهامية، يتمنى  الفناء بالذات الإلهية، إلا أن فناء جبران بالذات الإلهية ليس "حلولاً" صوفياً تقليدياً متمثلاً بانتصار الإنسان على ذاته الضعيفة وفنائه النهائي في الله المتمتع وحده بالوجود الحقيقي"(18)، بل هو "حلول جبراني" خاص يعلن انتصار الإنسان على المكان والزمان حيث يتحول هذا الإنسان شيئاً فشيئاً إلىكائن يتمتع به الوجود فهو حين يعلن على لسان الصوت الثاني في هذه اللوحة عن انتفاء السكر والمدام والخيال في الطبيعةـ الغاب وإن سواقيها غنية بإكسير الغمام وأن التخدير أو الهروب من الواقع مرحلي وليس غاية  ونهايته تنتهي إليها نفس الإنسان أو تتوق إليها مشاعره وعواطفه صاغرة، ملبية نداءه، وأن ليس ثمة أروع من حياة الطبيعية وأن غناءها هو خير شراب لأنه خمرة البقاء والخلود، إنما يسفر جبران عن وجهه الصوفي الذي يراه بعض الباحثين(19)، تصوفاً تحريرياً، لأنه يدعو إلى نبذ الحياة التقليدية وبناء عالم حر جديد، قوامه محبة البشر، أو هو "متصوف انتخابي حر"، لأنه يختار من المذاهب ما ينسجم مع المبادئ الإنسانية ويحقق سعادة البشر أو أن "تصوفه إيجابي لا استسلام فيه ولا جمود ولا فناء ولا عدمية في حين يرفض باحث آخر (21)، هذه الدعوة معتقداً أن تصوف جبران ليس تصوفاً انتقائياً أو انتخابياً، بل أقصى مايمكن القول فيه هو:"إنه  فكر كإنسان من عصره في سبيل عصره فوضع له فلسفة تستبدل الهيكل الآلي الجاف للمدنية بروحية شعرية صوفية المنحى، دينامية الطموح، تتجاوز الحاضر، اندفاعاً نحو حياة اجتماعي مثالية، تساعد الإنسان على تحقيق كماله الذاتي…

إنه واضع فلسفة إيمانية المنحى،  حلولية النظرة، تقدمية الاتجاه، تروي الزهد القديم في غياهب التاريخ لتوقظ في الإنسانية علاقة روحية جديدة بينها وبين العالم، ويبدو أن هؤلاء الباحثين قد تطرفوا كثيراً وبلغوا حد الغلو في فهم صوفية جبران ففلسفوها أكثر مما يجب وصيروها مصطلحات ورموزاً وضرباً من الطلاسم، في حين ترى هذه اللوحة أن الوهم زائل، وأن خدر الوهم ضرب من التخلف وإن كان عاماً. بلا فلسفة إيمانية أو نظرة حلولية، خلا الإيمان بالطبيعة رونقاً لإنسانية الإنسان وبلسماً شافياً لأوجاعه كلها وأوهامه كلها وأخيراً لتحرره من وهمية الخدر أو خدر الوهم..

تناقش اللوحة الرابعة مسألة مهمة، لها أبعادها النفسية والوجدانية ـ الدينية في حياة جبران شاعراً متمرداً على الجسد الاجتماعي،  كما قيل، تلك هي قضية  "الدين" فإذا كان الدين أصلاً لجذور التركيب الذهني عند الإنسان وأن غايته هي تحرير الإنسان من الخوف ومن العبودية من خلال إيمانه بالله الصمد، الخالق العظيم، فقد كان لهذه الحرية والاحتفاظ بها نقية، دور فاعل في نظرة جبران حين قال: "تلك هي الحرية الجميلة التي تخول الإنسان أن يقترب من القوة غير المنظورة بلا خوف ولا وجل"(دمعة وابتسامة/ص 322)، ويبدو أن هذه الحرية قد أصابها بعض التصدع وأن مفهومها الديني قد تغيّر عند جبران، في ضوء سيرته الذاتية والاجتماعية فصار يرى فرقاً بين "الدين"، بمعناه الروحي الصافي الخالد القائم على الثقة النبيلة بين الإنسان وخالقه: و"التدين" الذي يراه جبران ضرباً من الشعوذة والابتعاد بهذه العلاقة الحميمة ـ بين الخالق والمخلوق ـ إلى عوامل السذاجة والخرافة والسطحية والنفعية لذا يرى جبران على وفق تصوره للدين أن الدين في الناس حقل، أجرد لا يزرعه إلا أصحاب الغايات والمنافع الذين لابد من أن يجنوا من وراء زرعه، أي أنه وسيلة لا غاية فمنهم من يأمل بالجنة من وراء تدينه. ومنهم من هو جاهل وخائف من نار جهنم وتتبلور هذه النقمة أو هذا الحقد، ضد هؤلاء المنتفعين الغائبين عند جبران حين يرى أن عبادة هؤلاء متأتية من "عقاب البعث"، وأن "انتفاء الثواب"، قد يقود إلى الكفر ويجسد هذه الفكرة أكثر وضوحاً حين يصف ضرب الدين عند هذه الفئة من النفعيين بأنه ضرب من التجارة القائمة على الربح والخسارة حين يربط جبران بين السبب والنتيجة فالمواظبة عليها تقود إلى الربح وإهمالها يقود إلى الخسارة… لاشك في أن هذا المقطع من المواكب يكشف مدى استياء جبران من السلوك الاجتماعي المتناقض عند بعض الناس الذين أساء سلوكهم هذا للدين وشوهوا هذه العلاقة المقدسة الحميمة بين الله الخالق العظيم والإنسان  مخلوقه الوديع. فجبران يرى في هذه العلاقة أروع صورة من صور الحرية في الحياة ولكن سرعان ما يزوي هذا التصور حين تشوه هذه الصورة بمظاهر سلوكية مختلفة فتحول الحرية إلى عبودية ويتحول النور الساطع إلى عتمة وسوداوية مقيتة، ويظهر التزام جبران الأكيد والواضح بهذه الحرية الصافية على لسان صوته الثاني صوت الغاب ـ الطبيعة، الذي يرى أن الطبيعة بريئة من هذا المفهوم الديني الزائل، كبراءتها من الكفر القبيح، فدين الناس هذا يأتي مثل ظل ويروح إذا كان بلا وعاء إنساني وبلا علاقة حميمة تربط بين بني البشر وبلا حرية مقدسة ترتجى فيه فيؤكد في ختام صوته أن الأرض احتوت دينين عريقين ثابتين قائمين فيهما هما: الإسلام والمسيحية  ولن يأتي بعدهما دين لأنهما يمثلان "الحرية" النقية التي سعى إليها جبران، ولأنهما يمثلان العدالة الإنسانية التي تمناها جبران في أكثر آثاره الأدبية، وهنا يطل الناي بغنائه معلناً أن الغناء خير الصلوات، وأنه صوت باق بعد فناء الحياة والوجود..

يسخر جبران في اللوحة الخامسة من مفهوم "العدل" السائد في عصره ـ نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين في العقدين الأولين منه ـ سخرية لاذعة ناقدة تمثل أسلوبه في اقتصار على اللمحة العامة كما تظهر له بعيداً عن التحليل الواقعي لتفاصيل  جزئيات تلك اللمحة، أي أسلوب المفاجأة في الاستنساخ والموعظة في الأداء وهذا الأسلوب الجبراني الساخر الناقد يبدو انعكاساً طبيعياً لتمرده ونقمته على واقعه  المشحون بكثير من الخطايا والرزايا والإحن والمحن، و(العدل) واحد من هذه المضامين التي صورها جبران تصويراً لماحاً حين انتقد جوهريته أو صورته الآنية كما تظهر انعكاساتها على سلوك الآخرين.. فالعدل مصدر بكاء ومأساة للأرواح والجن إذا سمعوا به،  وإذا نظر إليه الأموات سخروا منه أي أنه دلالة بلا معنى…

إنه مجرد هيكل صوري، وشكل فارغ من أي مادة تمت إلى العدل بصلة أو تقترب من بعض معانيه ـ كما يفهمها الناس الأسوياء الذين يهمهم أمر العدل والعدالة ولاسيما عدالة الإنسان مع أخيه الإنسان.. إنه عدل غريب من نوعه.. "فالسجن والموت".. لمن يقترب أبسط جناية بيد أنه "المجد والفخار والثراء".. لمن يقترف أعقد وأكبر جناية: إنها سخرية وأية سخرية.. حيث يقابل بمهارة رائعة بين هذين الجانبين المتفاوتين بعقابهما والسارقين: أحدهما "سارق الزهر"، حيث يعد مذموماً ومحتقراً في حين يعد الثاني "سارق الحقل"، باسلاً ذا أهمية وخطورة… وقل مثل ذلك عن "قاتل الجسم"، المقتول بفعلته "وقاتل الروح".. ـ وهو المهم ـ لا تدري به البشر .. أية عدالة رائعة هذه وأي إنصاف مذهل الإنصاف الذي لا يسوّي بين المجرمين والجناة ولا يعاقبهم إلا بميزان عدل غريب الحيثيات شاذ الأحكام.. ما هكذا يكون العدل ولاسيما العدل المطلق الذي يسعى إليه جبران بمثالية أفلاطونية صوفية متغلغلة في أعماق ذاته التي حاول أن يصوّر نقمتها وحقدها عما يجري حولها وما يحيطها من آثام تقترف وترتكب باسم العدالة الإنسانية المزعومة والموهومة.. إنها الذات الجبرانية المتوهجة حركة وانفعالاً والمتأججة نقمة وتمرداً ضد جسدها الاجتماعي المريض".. بل المصاب بأكثر من علة واحدة.. فالبكاء والضحك والسجن والمجد، وسارق الزهر وسارق الحقل وقاتل الجسم وقاتل الروح، وهي ثنائيات الحياة وتناقضاتها وقد أفلح جبران في استثمارها لتجسيد، أبعد المعاني وأدق الحوادث التي تصاحب لفظة "عدل" و"عدالة" انطلاقاً من إيمان جبران العاطفي ـ الإنساني بحب البائسين والمساكين من بني الإنسان ومن دعوته الصريحة لتمجيد جوهرية الحياة بعيداً عن مظاهرها الزائفة والمفتعلة وصولاً بها إلى نقاء الواقع الاجتماعي وصفاء العدل البشري بلا علاقات فردية أو تأثيرات خارجية قد تشوه مفهوم "العدل" الذي يُفترض  فيه أن يكون دواء للنفس الشريرة لا داء للنفس السليمة وهنا يرد صوته الثاني على كل هذه الإشارات المقتضبة والملاحظات الغريبة ليعلن أن الطبيعة ـ الغاب خالية من ثنائية "العدل ـ العقاب ـ"… إنها أوهام لا وجود لها في عالم الطبيعة البريء وإن وجدت في أعلى حالات الوهم والاستشراق الصوفي، فإنها سرعان ما تذوي وتتلاشى، لأنها قيود وأصفاد خلقتها العلاقات الفردية والاجتماعية وأن الطبيعة الجبرانية حرة تعشق الحرية والعدل المطلق بلا قيود وحدود، فالغناء وروح الطبيعة، هو عدل القلوب الصافية وأن أنين ناي الطبيعة باق بعد فناء
الذنوب…

وانطلاقاً من إيمان جبران بالعدالة القائمة على الحرية يصور في اللوحة السادسة والسابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة  من مواكبه موضوعات مهمة ذات علاقة وثيقة بفكرة العدل وحب الإنسان، فيتحدث عن الحق وجدليته وارتباطه بعزم النفس الإنسانية وسر سيادتها وبقائها ـ اللوحة السادسة ـ فيحلق جبران في تصوير الحق والعزيمة وهما أساس قوة الإنسانية حين يقول:

بنو الثعالب غاب الأسدُ أم حضروا

 

ففي العرينة ريحٌ ليس يقربه

وفي البزاة شموخ وهي تحتضر

 

وفي الزرازير جبن وهي طائرة

عزم السواعد شاء الناس أم نكروا

 

والعزم في الروح حق ليس ينكره

لينتهي في صوته الثاني إلى أن الطبيعة بلا عزم ولا ضعف، لأنهما ـ أي العزم والضعف ـ شكلان زائلان، لا  وجود لهما في هذه البيئة النقية فهما موجودان في حياة الإنسان المعروفة في مدينته التي تزخر بكل هذه التناقضات أما الطبيعة فهي فوق مستوى الحياة والمدينة وغناء نايها عزم النفوس وأنينه خالد بعد فناء الشموس.. وقل مثل ذلك عن مضمون (العلم والمعرفة) ـ اللوحة السابعة ـ حيث يربط بلباقة اجتماعية بين العلم والحلم، أي بين المعرفة الإنسانية وضرورة التمسك بها جوهراً وسلوكاً في آن واحد.

بين أن الواقع ـ كما يراه جبران ـ ضرب من السخرية واضغاث أحلام فالعالم الحليم منبوذ ومحتقر وهو الغريب عن الدنيا في الوقت الذي يجب أن يكون فيه مثالاً يحتذى ورائداً يقتدى. وصوتاً رائعاً تشتاق صداه وأصداءه كل نفوس الورى… ولكن: وكم يأسف جبران للكن هذه… وكم يتألم… ويتمرد.. ويثور… لأن الواقع غير ما رآه وتصوره. فيعود إلى طبيعته ـ الغاب حيث يجد في نقائها وصفائها راحته النفسية: ذلك النقاء الذي تتلاشى فيه أبعاد العلم والجهل وتموت فيه الحدود الفاصلة بينهما:

كضباب في الحقول

 

إنّ علم الناس طراً

من ورا الأفق يزول

 

فإذا الشمس أطلّت

فليس أروع من غناء الناي فهو خير العلوم، وأنينه باقٍ بعد أفول جذوة النجوم..

وتقود تأملات جبران بالعلم والحلم والجهل إلى التركيز على مفهوم الإنسان الحر أو الحرية ـ اللوحة الثامنة ـ فالإنسان الحر مهما حاول التحرر من أبناء بجدته يبقى "عبداً" لأفكاره التي يهواها والتي جاهد في سبيلها والتزم بقيمها ومُثُلها.. فهو حر ومقيد في وقت واحد:

سجناً له وهو لا يدري فيؤتسر

 

والحرّ في الأرض يبني من منازعه

ليظلَّ عبداً لمن يهوى ويفتكر

 

فإن تحرَّر من أبناء بجدته

وينتهي نقاشه في هذا الموضوع إلى الاعتراف بأن الطبيعة خالية من الأحرار والعبيد… فالكل أبناؤها وما الأمجاد إلا سخف وفقاعات سرعان ما تعوم وتتلاشى لأنها تفتقر إلى عنصر البقاء والديمومة ألا وهو الاحتماء بالطبيعة ـ الأم التي تسوي بين الناس بلا أعراف أو نواميس أو أمجاد أو لون أو عرق.. فغناؤها هو المجد الخالد الذي يتغنى بمعناها الروحي وصفائها المثالي وعدالتها المطلقة وإنسانية أبنائها الحرة قبل الطبقي أو الديني أو الاجتماعي أو العرقي.. ظل جبران يلح على هذا المضمون ويشير إليه في أكثر من مكان ومناسبة، فأشار إلى اللطيف ـ أي الرقة الإنسانية ـ والخبث ـ الجبن والنذالة ـ ومكانهما في الحياة والواقع في اللوحة التاسعة، فيؤكد أهمية الصفاء العفوي في حياة الإنسان وينبذ الجبن والخبث واللطف المبطن بالحقارة والنذالة التي تفوح منها رائحة الحقد ضد الإنسان.. يكره جبران الازدواجية أو الثنائية المتناقضة في سلوك الإنسان… أي بعبارة أخرى أنه يحتقر النفاق ويزدري المنافق ويراه بوصفه فكرة وسلوكاً. ضرباً من ضروب التخلف المدني وانعكاساً سلبياً لجوهر الحياة الوديع الصافي المتمثل باللطف النقي أو الرقة الشافية التي تمثل الازدراء بجفاف الخبث وازدواجيته:

أما الذئب الوديع أو الأسد الرقيق أو القوي اللين، فهو صورة خيالية تعويضية عن طموح ميت وأمل يستحيل تحقيقه في الواقع الفعلي في وجدان الإنسان وتصوره أو في جوهر حياته وسلوكه.. إنه يبدو كذلك عند من فقد الباصرة المميزة والنظر الموازن بين حقائق الأمور ودقائق شؤون مثل هذا الواقع وطبيعة ذلك الجوهر.. فيؤيده صوته الثاني في زعمه هذا حين يبّرئ الطبيعة من معاني الازدواجية والثنائية المتناقضة غير المستقرة فيرفض الاعتراف بوجودها جوهراً وسلوكاً وفكرة.. فلا نفاق ولا جبن ولا وجود"للطيف لينة لبن الجبان"، "فغضون البان والسنديان".. صاحبان متلازمان حميمان ينشآن جنباً إلى جنب لعفوية وإلفة مثالية وغناء وهذه الطبيعةهو لطف الوداعة وأنين نايها يتجاوز الضعف ونقيضه بخلوده وبقائه صوتاً واعياً إلى التمسك بهذه الطبيعية المثالية الرائعة المنقذة بإنسانها من عذابات الواقع وتناقضاته الغريبة التي قد يكون الغرور النبح والتواضع والظرف من بعض مظاهر ذلك العذاب ـ كما تصوره اللوحة العاشرة: ـ

ظرف الألى في فنون الاقتدا مهروا

 

والظرف في الناس تمويه وأبغضه

وليس فيها لـه نفع ولا ضرر

 

ومن معجب بأمور وهو يجهلها

في صوته نغم في لفظها سُوَرٌ

 

ومن عتي يرى في نفسه ملكاً

وظله قمراً يزهو ويزدهر

 

ومن شموخ غدت مرآته فلكاً

فيستريح جبران في صوته الثاني من واقع هذا العذاب النفسي ـ الاجتماعي ، حين يرفض هذه المتناقضات فيشمخ صوت الطبيعة عالياً فوق كل هذه العلل الاجتماعية والأمراض النفسية المشخصة وغير المشخصة، المرئية وغير المرئية لينتهي به غناء الطبيعة إلى أنه هو رقة الرقة وأنين نايه هو الخلود والبقاء الذي يسمو فوق كل تناقض وازدواجية…

صوّر جبران في ثلاث لوحات من مواكبه ـ اللوحة الحادية عشرة والثانية عشرة والثالثة عشرة ـ موقفه الصريح الذاتي والآني من الحب والمرأة؛ ذلك الموقف الذي خلقته ظروف بيته والروابط غير المتكافئة بين والديه.

فطفولته البريئة كانت جريحة منذ الوهلة الأولى في أسرة تسلط عليها أب فظ، سيء السلوك وأم وديعة حكيمة، كما تشير  إلى ذلك مصادر ترجمة سيرته الذاتية، فكانت نزعة النفور من أبيه واضحة في كتاباته ورسائله كما أن نزعة الاعتزاز بالألم والارتباط بها كانت جلية هي الأخرى على النقيض من الأولى.

إن معاناته المبكرة من مأساة فقدان التوازن والتآلف بين والديه خلقت فيه شعوراً بالنقمة المكبوتة والنقمة على المجتمع. وقد ظهر أثر هذه المعاناة في نظرته الروحية إلى الحب والمرأة… وهي نظرة لا تخلو من إحساس بالأمومة وإن كان من طرف خفي أو غير مرئي فحين يتحدث عن الحب يرى فيه أشكالاً مختلفة بيد أن أكثرها شيوعاً بين بني الإنسان هو الحب الجسدي الذي يشبه "العشب" الأجرد  في الحقل بلا زهر ولا ثمر:

والحبُّ في الناس أشكال وأكثرها كالعشب في الحقل لا زهرٌ ولا ثمرُ إن هذا الحب مظهر فإن من مظاهر فناء الإنسان جسماً بلا قيمة تمثلها الروحُ في أعلى صورها العفيفة والطاهرة:… إن الحب الجسدي ضرب من الانتحار القيمي في حياة الإنسان وفي كينونته جوهر علاقة الحب بين المحبين أو العشاق:

إلى فراش من الأغراض ينتحرُ

 

والحبُّ ما قادت الأجسام موكبه

يأبى الحياة وأعوان لـه غدروا

 

كأنه ملكٌ في الأسر معتقل

 

فالهيام والغرام والتفاني بالحب والهوى والجنون والعشق كلها سمات طبيعية وواقعية تخلقها طبيعة العلاقة الغرامية أو ظاهرة الحب بوصفها حياة الإنسان المتجددة والمحافظة على ذاته من الفناء والتلاشي.. إن أسمى معاني الحب وأروع صفات العشق والغرام تتجلى في روحانية الحب. فقد صرّح جبران أكثر من مرة بتمرده على المظهر الجسدي في الحب وخروجه على دلالاته وأشكاله وأنواع سلوكه الاجتماعية، فاحتقره وازدراه لأنه لا يمثل صفاء الحب ولا يمثل جوهرية الحب… تعلق جبران بالحب الروحي أو بروحانية  الحب بعداً مثالياً وصوفياً مغذياً الخيال البشري ونابعاً من جوهرية الإنسان الخالصة والمبرأة من كل مظهر عفوي:

 

 

والحبُّ في الروح لا في الجسم نعرفه

كالخمر للوحي لا للسكر ينعصرُ

 

إن شدة تعلق جبران بروحانية الحب جعلته مرشداً وواعظاً اجتماعياً من خلال معاناته المبكرة التي ولدت فيه إحساساً بالنقمة على واقعه الذاتي حين أحس "باليتيم الأبوي" في وجود أبيه القاسي..

فتطورت تلك المعاناة ـ النقمة إلى ضرب من السلوك الإرشادي والوعظ الاجتماعي والنفور من علمانية الحب أو جديته اللاهثة وراء اللذة والشهوة.. وهذا الموقف يوضحه صوته الثاني في هذه اللوحات حين يرفض الخلاعة والحب الماجن وحين ينفي وجود العاذل والرقيب في عالم الطبيعة المثالية حيث يتحرك العشاق بحرية وعفة وإنسانية تمثل منتهى ما يصل إليه جمال روحانية الحب… فالغناء هو الحب الصحيح وهو خير انفعال حين يتلاشى من معجم الطبيعة ظلم الأقوياء ويصير "الزنبق كأساً للندى لا للدماء"..

يخصص جبران اللوحة الرابعة عشرة للحديث عن مفهوم السعادة في حياة الإنسان. فيرى صوته الأول أن السعادة شبح وإن بقيت كذلك أحبها الناس أما إذا تحولت إلى جسم "ملّه البشر" إنها كالنهر الراكض نحو السهل بعنفوان… الناس يعشقون المنبع… ويركبون الصعب، فإذا تحقق لهم ماكانوا يصبون إليه  أصابهم الوهن والفتور وأفلت جذوة الحركة في تشوقهم وطموحهم.. أجل إن رأيت إنساناً سعيداً وهو منصرف عن المنيع. فقل هو العبرة والتجربة الفريدة والنادرة.. ما أندر هذا السعيد‍!…

 

إلى المنيع فإن صدوا به فتروا

 

لم يسعد الناس إلا في تشوقهم

عن المنيع فقل في خلقه العبرُ

 

فإن لقيت سعيداً وهو منصرف

هكذا يفهم هذا الصوت السعادة البشرية بكل تناقضاتها المستمدة من واقعها الفعلي أو أناتها المتتالية وصورها المتعاقبة. إن جبران يتمنى في مثاليته السعادة لكل البشر.

لأنه قد حرم منها في طفولته الجريحة ومراهقته المضطربة وشبابه المغترب بين بيئات مختلفة وظروف حياة متباينة وهو الفنان المرهف الحس الذي يقول: "ليس من يكتب بالحبر كمن يكتب بدم القلب"(العواصف/ ص 425/ من المجموعة)، فهو يرى أن السماء لا تريد أن يكون الإنسان تعيساً، لأنه بسعادة الإنسان تسمو الذات السماوية التي يجسّد دلالتها صوته الثاني.. صوت الطبيعة حيث لا رجاء  ولا ملل… فغناؤها نار ونور وأنين شوق دائب الحركة.. متوهج الانفعال، لا يعرف للفتور أي معنى خارج مدى حب الإنسان وسعادته السرمدية…

يرسم جبران ببراعة فائقة في اللوحتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة، مفهومه الفلسفي والفكري العميق لمعنى "الروح" بواقعيها: الفعلي والمثالي وعلاقتها "بالجسم" المظهر المادي للوجود ولاسيما الكينونة البشرية، فغاية الروح تكمن وراء ماهية الروح ولن تستطيع المظاهر المادية الإعلان الصريح عن وجودها فالروح ذاتها هي الكمال المطلق والكمال الخالد الذي لا يعرف التلاشي والفناء. فيسخر، على لسان صوته الأول من أولئك الذين يعتقدون أن الروح مرحلية زمنية في علاقاتها الحميمة "بالجسم" وأن الروح سرعان ما تموت إذا انتهى أمد الجسد وتلاشت صورته من الوجود البشري:

ومرَّت الريحُ يوماً عافها الشجر

 

كأنما هي أثمار إذا نضجت

لم يبق في الروح تهويمٌ ولا سخرُ

 

وذا يقول هي الأجسام إن هجعت

تعكر الماء ولت وامحى الأثر

 

كأنما هي ظلٌّ في الغدير إذا

تثوى ولا هي في الأرواح تحتضر

 

ضل الجميع فلا الذرات في جدٍ

إن ثنائية "الروح والجسد " شغلت بال جبران حقبة طويلة من تأملاته الفكرية ونظراته الفلسفية ـ الصوفية.

 

فهو يرى أن الجسم رحم للروح وأن الروح جنين الجسم.. وأن الموت أو الحمام هو عهد مخاض محض بيد أن العقم الإنساني لا يفهم هذه العلاقة الحميمة، المتفاعلة بين الروح والجسد. فيتصور أن الجسد ـ المادة، إذا انتهى فلا وجود للروح ـ المثالي. في حين يرى صوت جبران أنهما مظهران لذات إنسانية واحدة، أي أنهما يؤلفان وحدة الإنسان والطبيعية التي تتجلى في الصخرة الصماء، أو في الغيوم، أو في الزهرة اليانعة، أو الحقل الأجرد أو الشجر أوفي النهر أو المطر أو القمر والشمس أو في الشلال والسواقي إنهما وحدة لا تقبل التجزئة أو الانفصال لأنها جوهر الحياة ومعدن إنسانية الإنسان.. ومن هنا ترى صوته الثاني، في كلتا لوحتيه، تؤكد هذه الحقيقة الجبرانية حين ينكر وجود أي فرق بين الروح ـ النفس والجسد وحين ينفي انتمائية العقم واللاأصالة أو الفهم الدخيل من الطبيعة هذا العالم المثال المتبرأ من أية ثنائية أرضية أو تناقض مديني؛ فالهواء والندى والشذا والثرى والظلال والليل هي وحدة الإنسانية، يجسدها غناء هذه الطبيعة البريئة، غناء الجسم والروح وغناء الخصب والنماء وأنين نايها الخالد الذي يتحدى الثنائية والغناء.

أما اللوحة السابعة عشرة من المواكب الواضحة في تعدد أصواتها فهي آخر  لوحة يتجلى فيها الحوار بين أصواتها وقرارها الشعري، تتحدث هذه اللوحة ـ النشيد عن "الموت" الذي يبدو بنظر الصوت الأول، خاتمة "الحياة" أو نهاية وجود ابن الأرض، فالموت فناء وعدمية ابن الأرض المادي الحس والتفكير والرؤية والتأمل.. ولكنه للإنسان الأثيري بدء حياة روحية أخرى في عالم ثانٍ جديد الموت فيه ظفر وانتصار وليس عدماً واندحاراً…

إن ثنائية "الحياة ـ الموت" أو "الوجود ـ العدم"، قد شغلت بال جبران كما شغلت بال أدباء ومفكرين آخرين في العالم وما زالت كذلك. فقدسية الحياة تتجسد من خلال قدسية الموت وأهمية الموت قدراً حاسماً في حياة الإنسان، مصدر منعة الوجود.. الموت كالبحر لا يستطيع اختياره إلا من خفت أوزاره وعناصره.. أما المحمل بالأثقال الدنيوية بآثامها وهمومها فمنحدر لا محالة في خضم هذا البحر الهائج، المائج:

فالموت كالبحر من خَفَّت عناصره يجتازه، وأخو الأثقال ينحدر ولعل تشبيه الموت بالبحر من أروع صور جبران الفلسفية والتأملية في هذا المضمون، فالبحر مصدر الخير والانتماء.. ويُعتقد أنه أصل الوجود والحياة بمعناها الواسع الفسيح ـ كما يرى ذلك فلاسفة اليونان القدامى والفلاسفة العرب والمسلمون ـ وقد صور إيليا أبو ماضي هذه النظرة الفلسفية الخاصة بقدم البحر وأنه منطلق الحياة ورحم الإنسانية بقوله من "طلاسمه"(2)

هل أنا يا بحر منكا

 

قد سألت البحر يوماً

بعضهم عني وعنكا

 

هل صحيح ما رواه

زوراً وبهتاناً وإفكاً

 

أم ترى ما زعموا

مني وقالت:

 

ضحكت أمواجه

لست أدري!

 

 

كم مضت ألف عليكا

 

أيها البحر أتدري

أنه جاثٍ لديكا

 

وهل الشاطئ يدري

أنها منك إليكا

 

وهل الأنهار تدري

حين ثارت

 

ما الذي الأمواج قالت

لست أدري!

 

 

إن الموت عند جبران قد يبدو فناء للجسد ولكنه من جهة  أخرى بقاء للروح ونسغ ديمومتها في عالم الطبيعة البريئة من الموت والقبور كما يراها صوته الثاني حين يصرح:

ينثني طيَّ الصدور

 

إن هو الموت وهمٌ

كالذي عاش الدهور

 

فالذي عاشَ ربيعاً

ويبقى غناء هذه الطبيعة، وهي الملاذ الروحي والوجداني لجبران، سر خلودها ويظل أنين نايها سر بقائها بعد فناء الوجود وعدميته..

 

 

E - mail: aru@net.sy

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244