أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:22 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ويختم جبران مواكبه بلوحته الثامنة عشرة وهي تختلف عن نظيراتها في شكلها الحواري، تبدأ بالصوت الثاني نشيداً رائعاً يخاطب فيه الصوت الأول ـ وهو الصوت المعبر عن ثورة جبران ضد ثنائيات الحياة وتناقضاتها التي أثرت فيه تأثيراً بعيد المدى مضار سلوكه الاجتماعي انعكاساً حقيقياً لجوهر تلك الثورة وذلك التمرد. وجبران وإن كتم عن الناس شكواه، كما يرى ذلك ميخائيل نعيمة، (22)، إلا أنه كان يلاقي الكثير من الضنك المادي والمعنوي في عالم لاهٍ عن اللباب بالقشور، وعن النور بالظل واتفق أن اهتدى في تلك الأثناء إلى (فردريك نيتشة) سيد المتمردين والمتهكمين وحامل لواء الثورة علم القيم الرثة التي يدين بها الناس فوق كل دين. فانجرف بتيار (نيتشه).. فكانت "نتيجة لتلك الحالة القلقة التي أحسها جبران مابين قوتين تتجاذبانه قوة الإيمان بحكمة الحياة وعدلها وجمالها في كل ما تأتيه وقوة النقمة أثارها فيه (نيتشه) من جديد على ضعف الناس وخنوعهم وتواكلهم وكل مافي حياتهم الباطنية والخارجية من قذارة وبشاعة".. في حين يرى باحث آخر(23)… إن رأي ميخائيل نعيمة وهو يتحدث عن تأثير (نيتشه) في جبران، لا يخلو من مبالغة وغلوان لم يكن تهمة خاطئة معتقداً  أن أي مفكر أو أديب مبدع لا يبدأ من لاشيء. فلابد من توفر مصادر ثقافية ينهل منها هذا المفكر وذلك الأديب أو الشاعر فضلاً عن موهبته وقدراته الخاصة، فليس بالأمر الغريب إذا ما تأثر جبران بغيره من المفكرين والفلاسفة العرب والأجانب ولكن مثل ذلك التأثر لا يجرد جبران من خصوصيته الفكرية أو شخصيته المفكرة الحرة. قد تكون بذور النقمة عند جبران متأثرة إلى حد ما بثورة (نيتشه) ونقمته ولكن جبران يختلف عن (نيتشه) في أمور كثيرة، ولعل أبرزها رفض جبران الإيمان باستقلال الإرادة الإنسانية عن العالم وبمقدرتها الفردية على صياغة عالم جديد أو كيان متفوق خاص بها ـ وهي مقولة (نيتشه) الداعية إلى أن هدف الإنسان من وجوده وهو في الدرجة الأولى تحقيق كيانه الفردي كسيد على الكون. وقل مثل ذلك عن مقولته ـ أي نيتشه الأخرى التي "تجعل وعي الإنسان لقوته مصدراً لتنصله من مجمل الصفات المدعوة صفات إنسانية.كالمحبة والعطف والرحمة والتسامح… الخ.. معتبراً إياها نواقص تلازم الضعفاء والمساكين الذين تنقصهم الشجاعة لإبراز قوتهم ومقدرتهم على التغلب"، في حين يرى في الغاب ـ الطبيعة منزلاً متواضعاً يسمو ببراءته على كل قصر شامخ منيف، فالسواقي والصخور والعطر والنور والضجر وجفنات العنب والشهد والعشب والليل والبحر، كلها رموز حية ناطقة بزهد جبران.. إنها رموز طبيعته المثالية وإيمانه الصوفي الذي يرى جبران.. بل ويؤمن  الإيمان كله"، إن قوة الإنسان الحقيقية تكمن في تسلطه على نفسه.. لا على الآخرين، وفي تنصله من أهوائه كالأنانية والبغض والظلم، لبلوغ ذروة الكمال وهي المحبة، كما أن عطفه على المساكين والضعفاء من بني البشر يجعل منه داعياً عنيداً إلى المساواة بين الناس"… وقد عبّر جبران عن أفكاره الإنسانية هذه وصور إيمائه هذا أحسن تصوير في مواكبه بأناشيدها ولوحاتها الفنية المختلفة كما رأينا ذلك من تحليل مضامينها وموضوعاتها المختلفة، إذ يجعل نشيده الأخير ضرباً من الزهد في الدنيا والابتعاد عن همومها المادية وآثامها الحسية وملاذها الفانية، بوعي وإدراك  عميقين يصوران أصدق تصدير مدى تعلقه الشديد وعشقه السرمدي اللامحدود بعالم الطبيعة البريئة، مصدر راحته النفسية وغاية زهده الصوفي ـ المثالي الذي يرى أن ثمة جوهراً كلياً يسيطر على الطبيعة يتجلى في كل جزء من أجزائها ـ كما يبدو هذا واضحاً في مظاهر الطبيعية التي يزخر بها هذا النشيد الجبراني الواثق ثقة مطلقة بعظمة  الطبيعة لأنها مصدر إلهامه الإنساني ومنبع زهده الواعي بعيداً عن التعقيد والتكلف والرياء الذي يلازم الحياة المادية، الحياة المدنية الحافلة بالتناقض والتأزم. ومن هنا تكرر سؤاله (بهل) أربع مرات في هذا النشيد بلا جواب، تحقيقاً لإيجابية هذا الزهد.

فإذا عرفنا أن (هل) حرف استفهام يطلب بها عند البلاغيين التصديق فقط أي معرفة وقوع النسبة أو عدم وقوعها لا غير، كما يقول نحاتنا وبلاغيونا القدامى، أدركنا أن تكرارها أكثر من مرة في هذا النشيد يدل على مدى تصديق جبران وصدقه بجوابها المتمثل بإيمان جبران صاحب السؤال بالطبيعة ملاذه الأبدي وسر زهده الواعي:

منزلاً دون القصور

 

هل تخذت الغاب مثلي

وتنشفت بنور

 

هل تحممت بعطرٍ

بين جفنات العنب

 

هل جلست العصر مثلي

وتلحفت الفضا…

 

هل فرشت العشب ليلاً

فتنتهي رحلته الطويلة هذه بما يشبه الخيبة واليأس حين يجسد في قراره الأخير:

في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر

 

العيش في الغاب والأيام لو نُظمت

فكلما رمت غاباً قام يعتذر

 

لكن هو الدهر في نفسي له أربٌ

والناس في عجزهم عن قصدهم قصروا

 

وللتقادير سبلٌ لا تغيّرها

تشاؤمه واستسلامه للأقدار و"هو النافخ في بوق التمرد والعصيان"، على حد تعبير ميخائيل نعيمة(24) إن اليأس والقنوط وخيبة الأمل وتغلغل الألم والمعاناة في دم جبران وشرايينه ووجدانه،جعل نهاية هذه المرحلة الجبرانية الطويلة المتعبة. الضاربة في أعماق الذات الإنسانية تحليلاً وتعليلاً لتناقضاتها وثنائياتها ضرباً من الاستسلام للقدرية التي قد ترتبط بشيء من الدهرية في تفسير سلوك الإنسان وظواهر حياته المختلفة والمتباينة تأثيراً في الذات المرهفة، الحساسة، كذات جبران الشاعر، المستهام والمغرم بطبيعته المثالية، طبيعته القائمة في خياله: أي بساطة الحياة، حيث الراحة والاطمئنان والهروب من عذاب الإنسان لأخيه الإنسان..

 

ـ 6 ـ

يستند بناء "المواكب" بوصفها قصيدة حوارية طويلة إلى عنصري التحليلي والتركيب القائمين على ثنائيات الحياة الإنسانية كما يفهمها جبران، يحاول الشاعر من خلال تجسيده وتصويره مثل هذه الثنائيات، النفاذ إلى كنه طبيعة الحياة وتجسيم الوقوف على أسرارها على لسان صوتين أو تيارين يمثلان صراعاً داخلياً في ذات الشاعر حين ينتهي هذا الصراع بقرار أو لازمة شعرية تمثل الراحة النفسية أو الراحة الوجدانية التي يلوذ بها الشاعر من عذاب هذا الصراع الداخلي. ومن هنا جاء اهتمام المواكب "بجدلية الطباق البلاغي ظاهرة فنية من ظواهر أسلوبها الشعري ولغة حوارها.

ويقصد بالطباق في هذه المطولة التكافؤ أو التضاد بين المعاني التي يبرزها نسق الألفاظ في تراكيب لغوية تمتاز بالمقابلة لأن الضدين يتقابلان، كما يقول البلاغيون القدامى، وقد وفق جبران إلى استثمار هذه "المقابلة" المعنوية أو "التقابل البنائي" في خلق صوره الشعرية التي ابتعدت عن كونها زخرفاً لفظياً، بل صارت في أكثر الأحيان نسيجاً تقابلياً تمتزج فيه الصورة والمعنى كلاهما وتنسجان بشكل يستحيل معه فضلها حيث يؤول مثل هذا النسيج في كثير من الأحيان إلى  ضرب من الرمز  الرفيع الذي تثمله لغة جبران الانفعالية أو الرمزية بمعناها الدلالي وليس بمعناها الأدبي، علماً أن القرار ـ النداء أو اللازمة الشعرية قد استندت في لوحات المواكب وأناشيدها جميعاً إلى عنصر المقابلة أو التقابل استناداً واضحاً ومطلقاً حيث كانت جدلية البقاء والفناء أو الوجود والعدم دالة فنية في التكافؤ والانسجام الداخلي بين عنصري التحليل والتركيب في المطولة كلها، فقد قابل جبران بين هذه الثنائيات بعفوية بارعة وبنى عليها فكرة تمرده على بيئته وثورته على ماكان يحيط به من أعراف وتقاليد ونواميس حياتية. وإليك هذه المقابلات كما جاءت بها المواكب على وفق لوحاتها التي حللنا مضامينها وموضوعاتها:

اللوحة الأولى:

1) الخير، مكتسب، مصنوع/ الشر خالد مطبوع.

الشتاء/ الربيع

مجيد /ذليل.

2 ) حزن النفس/ الأفراح

رغد العيش/ الكدر

نسيم / سموم

يبقى/ يفنى

3 ) الرضا، القناعة/ الضجر، الاستياء

أخا صحو/ المخمور

شاخوا وماتوا/ سن الفطام.

4 ) نعيم الخلد/ النار تستعر

العقاب/ الثواب

واظبوا/ أهملوا

ربحوا/ خسروا

الدين / الكفر

5 ) يبكي/ يستضحك

السجن والموت/ المجد والفخر

صغروا/ كبروا

سارق الزهر مذموم/ سارق الحقل باسل خطر

قاتل الجسم مقتول/ قاتل الروح لا تدري به البشر

6 ) قويت/ ضعفت

الثعالب/ الأسد

غاب/ حضر

الجبن/ الشموخ

الزرازير/ البزاة

 شاء الناس/ / نكروا

7) أولها/ آخرها

برد الغد/ رداء الأمس

لام الناس/ عذروا

الشديد/ أبدى ملاينة

العلم/ الجهل

8) الحر/ الأسير

حقير/ المولى الكريم

زنيم/ جليل

9) أصداف/ درر

العجين/ الحجر

قوي/ لين

10) نفع/ ضرر

ظل/ قمر

 رقيق/ كثيف

11) أيسره/ أكثره

خليع/ نبيل

12) مجزرة /هيكل وقر

انتصارات/ انكسارات

الروح/ الجسم

الوحي/ السكر

14) يرجى/ مله البشر

يركض/ يبطئ

رجاء/ الملل

الجزء/ الكل

15) خفيت/ تبديها

هجعت/ تهويم وسمر

شمال/ الشرقي

تهاوى/ ركد

غبوق/ صبوح

16) تستعلي/ ينغمر

نبت بلا أرج/ غيم مابه مطر

17) ابن الأرض/ الأثيري

الخاتمة /البدء

يجتازه/ ينحدر

18) داء/ دواء

يحيا/ يموت

نظمت/ تنتثر

لا تخلو المواكب من لقطات جناسية بارعة، فيها تجانس صوتي ذو دلالة تصويرية تعتمد التشبيه اللبق أساساً في تجسيد المعنى ومن ثم رسم الصورة الشعرية الجيدة، كقوله مجانساً بين (على) ـ حرف الجر ـ و(علا) ـ الفعل ـ

وكم علا الأفق غيمٌ مابه مطر

 

وكم على الأرض من نبتٍ بلا أرجٍ

إذا كانت الصور الشعرية الأصيلة الصادرة عن تجربة صادقة وعفيفة، بعيدة عن الرياء والغلو. هي بحد ذاتها. سمو القصيدة وحياتها، فإن المواكب الجبرانية قصيدة سامية وذات حياة متحركة. تتجلى حركة صورها في حسن اختيار جبران لمجازاته واستعاراته وتشبيهاته. أو إذا شئنا قدرة الشاعر الإبداعية في رسم كلماته صورة أو مجموعة صور مجازية حيناً أو حقيقة حيناً آخر أو نسيجاً فنياً أو نسقاً متكافئاً ومتعادلاً بين الحقيقة والمجاز ذلك النسيج أو النسق البنائي الذي يجعلها حسية أو غير حسية من خلال تجسيم فكرتها المستندة إلى تركيب لغوي جذاب وواضح في آن واحد: أي إلى تركيب مفعم بالإحساس العاطفي والتأمل العقلي، فالعاطفة الأدبية  في مواكب جبران هي عاطفة إنسانية لأنها تعبّر عن مواقفه ونظرته إلى الإنسان وعلاقات هذا الإنسان بالوجود، وهي عاطفة شعرية لأنها منتزعة من وجدان جبران الذي وصف نفسه أنه يكتب بدم القلب. لذلك كثرت في صوره الشعرية المجازات والاستعارات، كقوله:

أصابع الدهر يوماً ثم تنكسر

 

وأكثر الناس آلات تحركها

"فالآلات وأصابع الدهر" ثم الحركة والانكسار تراكيب مجازية تمثل بواقعيتها مفهوم العلاقة بين الشاعر ونظرته إلى أكثر الناس في حركتهم وسكونهم، في ثباتهم وتغيّرهم، فالصورة عندئذٍ لا تنبع من الجدل المحض أو الفراغ المجرد، كما قيل، بل تولد من وضوح العلاقة بين المجاز بمعناه الفني ـ البلاغي الواسع، والحقيقة بمعناها الفني ـ الواضح. وهذا مايفسر ظهور أكثر من صورة ففي ذهن الشاعر حيث ينشأ مايمكن الاصطلاح عليه "بصراع الصور الذهنية قبل أن تتحول إلى واقع فني محسوس. أي أن هذا الصراع يشهد ميلاد وموت كثير من الصور في ذهن الشاعر قبل أن تولد واحدة لتعيش فريدة في بابها ولتصير عندئذٍ مع نظيراتها مقياساً نقدياً أو معياراً فنياً لجودة قصيدة هذا الشاعر أو ذاك وقد يتجلى هذا التصوير بوضوح في بعض صور المواكب، نحو:

ظلّ وهم لا يدوم

 

ليس حزن النفس إلا

من ثناياها النجوم

 

وغيوم النفس تبدو

أكواب وهم إذا طافوا بها خدروا

 

لذاك قد حوّلوا نهر الحياة إلى

وليس يرضى بها غير الألى سكروا

 

فالأرض خمارة والدهر صاحبها

هل استظل بغيم ممطر قمر

 

فإن رأيت أخا صحوٍ  فقل عجباً

غير أكسير الغمام

 

. فالسواقي ليس فيها

"فحزن النفس" الذي يقابله "ظل الوهم" و"غيوم النفس" التي تقابلها "النجوم" و"نهر الحياة" الذي يقابله "أكواب الوهم"، و"الأرض خمارة" يقابلها ـ "الدهر صاحبها" ـ والصورة الاستفهامية الرائعة القائمة على مبدأ التصديق "هل استظل بغيم ممطر قمر"، و"غيم ممطر" "قمر مستظل" هذه وغيرها صور قائمة على الاستعارة بمعناها المجازي العام، وهي فوق المستوى الاستعاري سواء أكانت مجازاً لغوياً أم مجازاً عقلياً مرة ومجازاً  لغوياً مرة أخرى. على حد تعبير البلاغيين القدامى، أي أنها فوق المستوى الاستعاري السطحي أو التقليدي المستهلك… صور ذات لغة انفعالية واضحة وتراكيب متقنة، لم تولد فجأة، أو على حين غرة، بل قد عاشت صراعاً ذهنياً ـ شعورياً في ذات الشاعر المستوعب لتجربته فجاءت حرة من قيود التقليد والرتابة، أي أنها وُلدت صوراً  شعرية لتعيش لا لتموت، لأن جبران حاول مخلصاً أن يسكب فيها عصارة روحه التأملية ـ الوجدانية لتعيش صوره الشعرية على عفويتها وبراءتها وبساطتها رمزاً لغناء الطبيعة البريئة ـ بساطة الحياة ـ ولأنين نايها الخالد أبداً.

لأشك في أن صورة شعرية استعارية مقبولة فنياً وذوقياً لا بد لها من أن تكون متطابقة في علائقها مع الموضوعات الخارجية: أي أنها تتمتع بعنصري: التشخيص والشمولية، وإلا عدّت ضرباً من التسيب اللفظي والفوضى التعبيرية التي لا تمت إلى البناء الشعري الموفق بأية صلة.. أي بعبارة أخرى أن الصورة الشعرية الموفقة هي الصورة الجديدة والموجزة ذات الطاقة الإيحائية الكامنة وراء أبنيتها اللغوية أو أنساق تعبيرها ومن هنا يكون مكان اللفظة وحدها حيناً ومع الآخريات في نسق معنوي حيناً آخر ضرباً من المسؤولية الشعرية. ومن هنا فإن قدرة جبران على استثمار "الطباق" و "الجناس" بوصفهما نسقين من أنساق التعبير في بعث الحياة والروح في صوره الشعرية لتكون صوراً جديدة ومؤثرة في نفس المتلقي، تعدّ مسؤولية شعرية تجعل صوره بعيدة عن الإيغال في الرمز المحض والتغميض المعنوي المطلسم بالضبابية والتعقيد، بل هي صور حرة، مألوفة، تخلق الاستجابة والتأثير في متلقيها كصوره الآتية على سبيل المثال:

به ويستضحك الأموات لو نظروا

 

والعدل في الأرض يُبكي الحب لو سمعوا

والمجد والفخر والإثراء إن كبروا

 

فالحب والموت للجانين إن صغروا

وسارق الحقل يُدعى الباسل الخطر

 

فسارق الزهر مذموم ومحتقر

وقاتل الروح لا تدري به البشر

 

وقاتل الجسم مقتول بفعلته

إن رأته الشمس ذاب

 

.. إن عدل الناس ثلج

في فضا الفكر يطوف

 

.. إن عزم الناس ظل

إن رأته الشمس ذاب

 

ومن عتي يرى في نفسه ملكاً

في فضا الفكر يطوف

 

في صوته نغم في لفظها سُوُرُ

وظله قمراً يزهو ويزدهر

 

ومن شموخ غدت مرآته فلكاً

يختفي ذاك السقام

 

فإذا ولّى شباب

وفي انكسارات هذا الفوز والظفر

 

ففي انتصارات هذا غلبة خفيت

كالخمر للوحي لا للسكر ينعصر

 

والحبُّ في الروح لا في الجسم نعرفه

فصور جبران هذه منسجمة الانسجام كله مع حوار صوتيه ولازمته الشعرية أو قرار مطولته. فهو شاعررومانتيكي وأن بدا رمزياً في بعض الأحيان. وإن رومانتيكيته جعلت قدرته حرة طليقة في رسم صوره الشعرية غير مقيدة بفكرة معينة أو مقلدة لغرض سابق. إن هذه الحرية في رسم الصورة الشعرية قد تعدّ مظهراً مهماً من مظاهر تمرد جبران على واقعه الاجتماعي والفني على حد سواء، فهو عندما يقول:

والندى ماءٌ ركدْ

 

فالهوا ماءٌ تهادى

والثرى زهرٌ جمد

 

والشذا زهرُ تمادى

وتنشفت بنورْ

 

هل تحممت بعطرٍ

في كؤوس من أثيرْ

 

وشربتَ الفجرَ خمراً

موجهُ في مسمعك

 

وسكون الليل بحرٌ

خافقٌ في مضجعكْ

 

وبصدر الليل قلبٌ

وانسَ داءً ودواءْ

 

أعطني النايَ وغنِّ

كتبت لكن بماءْ

 

إنما الناسُ سطورٌ

إنما يعبّر عن مزاجه الرومانتيكي في رسم صوره الشعرية بحرية لا تتقيد لصور غيره ولا تحاول تقليدها ومثله هنا كأبي تمام جرأة وحرية وتجديداً في خروجه على عمود الشعر العربي في القرن الثالث للهجرة.

فجبران  في هذه الصور  لا يعبّر عن فكرة أو غرض عابرين لأنهما يستهويان حواسه ووجدانه وفكره حسب، بل يعبّر عنهما ـ أي الفكرة والغرض ـ بلقاء حميم وتفاعل متوهج يتجلى بإيمانه المطلق بفكرته الصادرة عن هوى وقناعة تامة من حواسه المرهفة: أي أن التناغم والانسجام بين فكره وإحساسه يبدو سمة فنية من سمات صوره الشعرية. ولعل في وصف الشاعر الألماني (ريلكه ـ 1875-1926)  طبيعة التجربة الشعرية، هذا الوصف الذي قال فيه (سي. دي. لويس): "لا أعلم موضعاً وصفت فيه طبيعة التجربة الشعرية وضبطها، أفصح وأكثر حقيقة من هذا." قال (ريلكه): "ليست الأشعار كما يتصور الناس ببساطة مشاعر ـ قلنا هذه بمايكفي ـ إنها تجارب. ولكتابة بيت واحد على المرء أن يرى مدناً عديدة وأناساً وأشياء. على المرء أن يتعرف على الحيوانات وأسراب الطيور والإشارات التي تعملها الأزهار الصغيرة عندما تتفتح للصباح. على المرء أن يتمكن من الرجوع بفكره إلى الطرقات في أصقاع مجهولة إلى مصادفات غير متوقعة وإلى انفعالات توقعها منذ حين إلى أيام الطفولة التي ما زالت غير واضحة وإلى الأبوين الذين جرحنا شعورهما عندما حاولا أن يقدما لنا بعض السرور الذي لم نفهمه.. لابد من وجود ذكريات من ليالي الحب تختلف الواحدة عن الأخرى  وعويل النساء في المخاض، والنساء في الطفولة منعزلات في خفتهن وشحوبهن ونومهن ولابد أن يكون المرء قد صاحب أناساً يحتضرون وجالس الموتى في غرفة مفتوحة النوافذ والأصوات تتردد بنوبات. ومع هذا فلا تكفي الذكريات. فالإنسان ينسى هذه الذكريات عندما تكون كثيرة. وعلى المرء أن يملك الصبر لاستعادتها. وعندما تتحول إلى دم في داخلنا، لنرى ونشير، لا يمكن أن نميّز من أنفسنا آنذاك فقط قد  يحدث أنه في ساعة نادرة جداً تشرق الكلمة الأولى من القصيدة في وسطها وتنطلق منها".(26).

ما يفسر كثيراً من اهتمام جبران بمضامين مختلفة وبصور شعرية متعددة ناقشها وصورها وسكبها في مواكبه من خلال تجربته الشعرية التي كانت تسعى فعلاً إلى الكمال الذي تحدث عنه (ريلكه وس. دي لويس).

فالمواكب إذن، مطولة رومانتيكية في صورها لأن شاعرها رومانتيكي النزعة والانتماء فقد كان ميله إلى حياة الطبيعة  البريئة من آثام المدنية ودنسها، سبباً مباشراً في سعي جبران الدؤوب والمخلص إلى الأصالة والبحث عن البراءة في مشاهد الطبيعة كلها. في مشاهدها الصامتة والناطقة على حد سواء، ونظراً لنشأته في بيت فقد الاستقرار والتكافؤ بين الأبوين وتطلعه المبكر إلى الكتابة والإبداع الفني فقد جعلا مزاج  جبران العاطفي ذا مسحة من الكآبة الشعرية أو الحزن الشعري الدفين الممتزج بنزعة التمرد الفنية على التقاليد وبالنقمة على بيئته الاجتماعية موقفاً وتعبيراً وفكرة. وهي استجابة طبيعية لتلك الكآبة وذلك الحزن العميق فكان عشقه للجمال الفطري فلسفة صوفية آمن بها جوهراً وسلوكاً فكرة وتعبيراً. فامتزجت في ذاته رومانتيكية صافية مهدت السبيل إلى أن يكون أسلوبه الأدبي]: الشعري والنثري أسلوباً إيحائياً رمزياً ينفر من الأسلوب التحليلي المعتمد بساطة الإيضاح في العرض والاستنتاج صفة فنية، رافضاً كل مايمت إلى هذا الأسلوب بصلة، علماً أن رمزية أسلوبه الإيحائي قد شاركت في تكوينها بيئته العربية ـ الشرقية الغنية بتراثه العربي العريق وفكرها الفلسفي العميق، وشعرها الصوفي الرائع الذي يعد أروع صور الشعر الرمزي بين أشعار العالم بمعناه الأدبي ـ الفني.

الهوامش:

(1) ـ جبران خليل جبران، حياته موته، أدبه، فنه، ص 163.

(2) ـ النزعة الإنسانية عند جبران، ص 85.

(3) ـ مقدمة المواكب، نسيب عريضة، ص 7، 10 ومحاضرات في جبران خليل جبران ص 122.

(4) ـ محاضرات في جبران، ص (122-123)، ومي زيادة /مجلة الهلال.

(5) ـ مقدمة المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران ج1/ص21.ومحاضرات في جبران خليل جبران، ص 123 وجبران ص 164.

(6) ـ الشعر العربي في المهجر. ص 14-42.

(7) ـ جبران خليل جبران، مختارات ودراسات، ص 102.

(8) ـ محاضرات في جبران خليل جبران، ص (123-124).

(9) ـ النزعة الإنسانية عند جبران، ص 85.

(10) ـ جبران، الفيلسوف، ص 173-174.

(11) ـ أدب المهجر، ص 273-274-363.

(12) ـ  جبران خليل جبران، مختارات ودراسات، ص 109.

(13) ـ النزعة الإنسانية عند جبران، ص 85.

(14) ـ مقدمة المواكب، ص 10-13-14.

(15) ـ مقدمة المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران، ص 21-22-23.

(16) ـ نفسه، ص 10.

(17) ـ جبران الفيلسوف، ص102-103.

(18) ـ نفسه، ص 168-178.

(19) ـ نفسه، ص 326-327.

(20) ـ جبران خليل جبران، مختارات ودراسات، ص 121-123.

(21) ـ جبران الفيلسوف، ص334-335.

(22) ـ الطلاسم ـ ص 4-5.

(23) ـ مقدمة المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران، ج1، ص 24-25. وانظر: جبران خليل جبران، لنعيمة، ص 242، والنزعة الإنسانية.

(24) ـ جبران الفيلسوف، ص 360-372.

(25) ـ مقدمة المجموعة الكاملة، ج1، ص 23-24.

(26) ـ الصورة الشعرية، ص 97-98.

مراجع الدراسة:

(1) ـ أدب المهجر، عيسى الناعوري، دار المعارف بمصر، ط2، 1967.

(2) ـ جبران خليل جبران، حياته، موته، أدبه، فنه، ميخائيل نعيمة مؤسسة نوفل، بيروت، ط7، 1974.

(3) ـ جبران خليل جبران، مختارات ودراسات، سهيل بديع بشروني، مهرجان جبران العالمي 23-30 أيار 1970، دار المشرق، بيروت.

(4) ـ  جبران الفيلسوف، غسان خالد. مؤسسة نوفل/ بيروت، ط1، 1974.

(5) ـ الجداول. ايليا أبو ماضي. مطبعة الزهراء، بغداد، د.ت.

(6) ـ الشعر العربي في المهجر، د.محمد يوسف نجم وإحسان عباس. مكتبة صادر، بيروت، 1957.

(7) ـ الصورة الشعرية. سي. دي. لويس. ترجمة: د.أحمد نصيف الجنابي ومالك ميري وسلمان حسن إبراهيم. مراجعة. د.عناد غزوان.منشورات وزارة الثقافة والإعلام، دار الرشيد، بغداد. 1982.

(8) ـ المجموعة الكاملة لمؤلفات جبران خليل جبران، قدم لها وأشرف على تنسيقها ميخائيل نعيمة، ج1، دار بيروت، دار صادر، بيروت ، 1959.

(9) ـ محاضرات في جبران خليل جبران، د.أنطوان غطاس كرم. معهد الدراسات العربية، القاهرة، 1964.

(10) ـ المواكب ـ المقدمة والنص ـ نسيب عريضة، المقتطف، المجلد 55. ط2، 1919.

(11) ـ النزعة الإنسانية عند جبران، عدنان يوسف سكيك، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة. 1970.

 

 

E - mail: aru@net.sy

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244