|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:22 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الفصل الثاني 2 - الزمن في ملحمة كلكامش بحث ألقي في الندوة العلمية لقسم ا لآثار في كلية الآداب ـ جامعة بغداد 1990-1991. *** -1- الملحمة أو الـEpic مثال شعري رائع، نسيجه القصصي البطولي من خلال نضال شعب أو أمة بكل مايحمل ذلك النضال من صراع ومآثر وقيم وتأريخ أسلوباً مجسداً أهمية الإنسان جماعة لا فرداً. علماً أن الفردية أو الذاتية بمعناها البطولي هي محور الملحمة بصورة عامة من خلال السرد وتمجيد الأعمال الخارقة أو الأسطورية بعيداً عن نقد الإنسان ـ المجتمع. فالأحداث تنمو وتتراكم وتتفاعل وتتصارع من الجماعة نحو الفرد، ومن هنا امتزجت الروح الغنائية الشعرية بالروح الملحمية في هذا النمط أو الجنس الشعري ولاسيما في بداياته الأولى. فالشعر الملحمي لدى جميع الأمم. قبل أن يصبح فناً مكتملاً "كان أناشيد تختلط فيها الغنائية بالملحمية، أناشيد قصيرة ذات إيقاع سريع، وقد يكون الشعر الغنائي عايش الشعر الملحمي لأن كلاً منهما يتفق وجانباً معيناً من جوانب الرغبات البشرية"(1). لاشك في أن أية ملحمة معروفة في تأريخ الآداب العالمية الشرقية والغربية كملحمة (كلكامش) العراقية القديمة التي يعتقد بعض الباحثين المختصين بالدراسات الأكدية والسومرية وآداب وادي الرافدين باحتمال تدوينها. في العصر الأكدي بزمن سرجون الأول الأكدي (2325-2269ق.م)، أو في (2244-2207ق.م)، وقد تكون زمن ثاني ملك من سلالة أور الثالثة السومرية (2041-1993ق.م)، علماً أن أقدم نسخة وصلتنا من ملحمة (كلكامش) قد تم استنساخها في العصر البابلي القديم (1950-1550ق.م)(2) ويذهب الأستاذ طه باقر إلى القول بهذا الخصوص مؤرخاً لهذه الملحمة".. إن المتفق عليه بين النقاد أن هذه الملحمة بشكلها الأكدي تعد نتاجاً أدبياً بابلياً صرفاً. وأن هذا النتاج... يضعه الباحثون في مصاف الآداب العالمية المشهورة، كما أنهم مجمعون تقريباً على أن زمن تدوين الملحمة يرقى إلى مطلع الألف الثاني ق.م. أي إلى العهد المعروف في تأريخ حضارة وادي الرافدين بمصطلح العهد البابلي القديم (2000-1500ق.م)، والذي تميز بحركة كبرى في التأليف والجمع، والتصنيف في شتى صنوف العلوم والمعارف والآداب. والمرجح أن الملحمة صارت في شكلها النهائي بين العصر البابلي القديم والعصر الكشي (2000-1200ق.م) وعلى وجه الخصيص في حدود (1250ق.م)، على يد الجامع الذي ورد اسمه بهيئة (سين ـ ليفي ـ اونني ـ Sin - Leqe- Unninni)(3)، وإلياذة هوميروس اليونانية ـ إذ يعتقد الباحثون في الآداب اليونانية أو (الإغريقية) القديمة أن هوميروس قد ظهر بين القرن الثاني عشر والقرن السابع قبل الميلاد. وكان نبوغه في منتهى القرن العاشر أو بدء التاسع قبل الميلاد، أو نحو (900ق.م). ويعتقد مؤرخو الرومان أن نبوغ هوميروس نحو (903ق.م)(4) ـ قد مرت بمراحل ثلاث: المرحلة الدينية: (الأساطير والآلهة والأرباب) والمرحلة البطولية والصراع حول مفهوم الوطن، أو فكرة الوطن حيث يبرز دور الإنسان ـ البطل قبل الإنسان ـ الجماعة، وأخيراً المرحلة الأدبية، ويقصد بها مرحلة الاستقرار والتوحد الوطني والقومي لهذا الشعب أو تلك الأمة. ولعل المرحلة الأخيرة وأعني بها الأدبية هي مصدر التراث الملحمي بلغة النقد الأدبي؛ ذلك التراث الذي يؤلف مصدر الملحمة في حالة نبوغ شاعر مبدع كمؤلف ملحمة (كلكامش) العراقية وهوميروس شاعر ملحمة الإلياذة اليونانية. إن هذه المراحل التأريخية ـ الفنية هي التي تؤلف البناء الفني لأية ملحمة في الشعر الإنساني، فالصراع والتوتر النفسي الذاتي والجمعي من خلال الأحداث التأريخية لأية أمة من الأمم هو تجسيد لمضمون الملحمة بكل مايحمل ذلك المضمون من تناقض وتأرجح بين الروح الذاتية أو الغنائية والروح الجماعية أو الاجتماعية، إذ سرعان ما يؤول ذلك الصراع إلى صراع بين حضارتين أو ثقافتين أو فكرتين عميقتي الجذور في نفوس أبناء كل منهما، حيث يولد ما اصطلح عليه "بعالم الملحمة"، وهو العالم الذي يتميز فيه الفرد بكونه يشعر بروابط قوية تشده إلى الطبيعة وهذا ما نلاحظه بوضوح في ملحمة كلكامش التي تستمد من الطبيعة العراقية القديمة (الأكدية والسومرية والبابلية)، الجامدة والمتحركة أكثر صورها الفنية بكل رموزها الحضارية ودلالاتها الفكرية وسماتها الواقعية كالبطولة والحس الديني المصاحب لنشأة الحضارة في مدى استثمارها للخوارق والأساطير تجسيداً للبطولة الفردية والحس القومي والوطني، ذلك الحس الذي لا يخلومن نظرة إنسانية شاملة ذات أبعاد فلسفية يتبوأ فيها الزمن بمعناه الفكري والحضاري ودلالة الصراع فيه مكاناً مهماً يشرح أبعاد الموضوعية ويعبر عن ماهيتها وأطرها الاجتماعية حين يذوب الشاعر في أمته حيث (تغور الانفعالات الفردية، والنزوات الخاصة في أعماق النفوس، وتتعالى العواطف الجماعية والانفعالات المشتركة ويسود النفس شعور الاندماج بالغير وتطغى الموضوعية على الذاتية))(5)، إذ يولد أسلوب الملحمة السردي القائم على القص فتتوهج المغامرات ذات الطابع الديني حيناً أو ذات الطابع البطولي البدائي حيناً آخر أو الطابع التأريخي حيناً ثالثاً ومن هنا يولد مايصطلح عليه بشكل الملحمة من الناحية الفنية والأسلوبية. -2- قيل إن الزمن أو الزمان هو الدهر وقيل هو مظهر من مظاهر الكون بمعناه الفلسفي أي أنه صورة من صور الصراع الوجود الإنساني حين يبدو لمتأمله أو معانقه شكلاً من أشكال الحس والوجدان أو الفكر وهو عندئذٍ يصير ركناً مهماً من أركان الحياة الإنسانية ولاسيما حين يتجاوز الوهم أو الخيال يصير واقعاً ملموساً ويرتبط بالذات الأدبية بعداً فنياً مهماً في هذه الذات حين تكون جسداً مكانياً هو في حقيقة أمره وعاء للزمان. لذلك فإن الصراع بين الحضارة والبداوة أو بين التخلف والتقدم هو في الواقع صراع بين أشكال زمانية في أوعية آنية مختلفة وهذا ما تكشفه أو تحاول كشفه الملحمة التأريخية والملحمة الوجدانية من خلال تفاعل أحداثها وتناقض صورها وتفاوت حركة أبطالها. فالقوة والثقة والدعة والمتعة الكونية التي تدفع الشعراء، ولاسيما شعراء الملاحم نحو العالم "قامت أيضاً على الإدراك الحسي للزمن لا لكونه عاملاً يؤدي إلى لا موت العدم بل كونه اتجاهاً يقودنا نحو ضياء المستقبل"(6)، فالزمن هو التغير الذي يجري في الحياة المرئية وغير المرئية ومن هنا برزت المقولة الفلسفية العريقة في القدم التي نادى بها أفلاطون (428-ق.م ـ 347ق.م)، "كل الأشياء تتغير لاشيء ثابت"، مع اعتقاده بأن "عالم المثل"، ـ وهو عالم الحقيقة ـ عالم ثابت لا يتعرض أبداً للتغيير، إنه "عالم خارج الزمن"(7)، والعالم المتغير "الذي تحاول ملحمة كلكامش تصوير بعض جوانبه المهمة، هو عالم الأشياء المحسوسة، عالم المظهر والتغير المرتبط بالزمن ارتباطاً جدلياً عميقاً، لذا عد أرسطو طاليس (384ق.م ـ 322ق.م)، الزمن وثيق الصلة بالحركة ولا يمكن أن يوجد دون تغير، ومنذ ذلك الحين ارتبط مفهوم الزمن بدلالات فلسفية ونفسية واجتماعية مختلفة فهو "نوع من الإحساس"، كما يرى ذلك (كنت/ 1724-1804)، وهو دلالة: "مرتبطة بتحليل حالات الشعور"، كما يراه الفلاسفة المحدثون حتى استقر مفهومه عند (مارتن هيدجر M.Heidegger المتوفي 1976) حين ذهب إلى الاعتقاد بأن "الزمان الحقيقي ذو أبعاد أربعة: المستقبل، الحاضر، والتلامس مابينهما، وهذا التلامس هو الذي يفتح الأبعاد الثلاثة الأخرى بعضها على البعض"(8)، وعلى هذا الأساس فإن أية ملحمة حين تصور بعض الأحداث الحسية أو المواقف البطولية أو الخوارق تحاول فهم ظاهرة التغير على أنها عنصر جوهري من عناصر الحركة في النفس الإنسانية، ومن هنا قيل: ((إن وجودنا يزداد ثراء وامتلاء كلما توغل بنا الزمن وكلما تدفق وغاص في مجرى شعورنا، فحركة الزمن إنما تمثل حركة شعورنا التي لا تخضع للتعريف أو التحديد"(9)، ومن خلال هذا التصور أو الفهم يبرز دور الفنان بمعناه الواسع، كشاعر الملحمة، في تفسير عناصر الحركة والظواهر التي تحيط بنا ـ أي الزمن ـ "تفسيراً خيالياً وجدانياً مستعيناً في ذلك بحاسته الفنية التي تمنحه قدرة على ابتكار عالم جديد ينبض بالحياة وينبض بالصور والأشكال والألوان"(10)، كما تظهر مثل هذه القدرة عند مؤلف ملحمة (كلكامش)، وهذا ما دفعني إلى تحديد مفهوم الزمن أو المغزى الجمالي لملحمة (كلكامش) كفن زماني أو ملحمة زمانية بمعناها الفكري والنفسي ولاسيما في تصويرها للخوارق أو مافوق إنساني مقبول، فالزمان ((لا ينفصل عن مفهوم الذات، فنحن في نمونا المعصوب والنفسي في الزمان، وما نسميه بالذات أو الشخص أو الفرد لا تحصل خبرته أو معرفته إلا من خلال تتابع اللحظات الزمانية والتغيرات التي تشكل سيرته))(11) وإذا صح القول، وربما يبدو صحيحاً وسليماً، إن الملحمة؛ أية ملحمة، يمكن أن تعد مصدراً مهماً من مصادر دراسة الإنسان المجتمع، فهذا يعني أن هذا المصدر التأريخي هو في حقيقته ربط تفسير زماني متطور ومتحرك، ومن هنا قيل" إن الزمن في الأدب هو الزمن الإنساني"(12)، وهذا يعني أن العلاقة القائمة بين ظواهر الحياة والواقع المعاش هي محور "هذا الزمن". وفي ملحمة كلكامش أكثر من إشارة إلى وجود هذه العلاقة بين هذين الرمزين المتشابكين، في مفهوم الصراع والزمن الكامن وراء هذا الصراع بين أبطال الملحمة ذاتها أو بين حالات التوتر النفسي ومظاهره عند بعض شخوصها الوهميين والخياليين أو مايمكن أن نصطلح عليهم بشخوص مافوق الواقع أو ما وراء الزمن" وشخوصها الواقعيين، بناء الواقع أو بناء الزمن الذاتي ـ الإنساني المعاش، (كلكامش)،بطل الملحمة على سبيل المثال، المؤلف من ثلثي إله وثلث بشر أو إنسان، قد لا يملك طبيعة بمعناها الواقعي المعروف أو معناها السوي، لكنه دون أدنى ريب، ذو تأريخ، وهنا يغدو الزمان في الربط بين "الطبيعة" و"التأريخ"، عنصراً مهماً من عناصر التحليل الوجودي للإنسان أسطورياً أو حقيقياً. "فالخلود" أو الصراع بين الوجود والعدم أو البقاء والفناء في ملحمة (كلكامش) هو حرب من "الأبدية" ويعني هذا الخلود بالمفهوم الذي أريد توضيح (اللا زمان أو المستقبلية) وليس الزمن اللا نهائي. ومن هنا تبدو هذه الملحمة رائدة في هذا الميدان، في ضوء التحليل النقدي للشعر الملحمي من داخل نصوصه وليس من خارجها. فالنص ـ ملحمة (كلكامش) ـ نص عريق، وهو أثر يخلقه مبدع. ولكي نقف على روح الخلق والإبداع في هذا النص الملحمي يجدر بالباحث أو المحلل الأدبي أن يقرأه من الداخل قراءة عميقة بعيدة عن الهامشية الذاتية والترهل السطحي. فملحمة كلكامش حاولت بوصفها فناً لغوياً إن تثبت أن الزهرة التي تبتسم اليوم سوف تبقى حية طرية غداً وبعد غد ولكنها أي الملحمة أدركت أن الزمن القديم لا يزال حراً في حركته وتلك الزهرة التي تبتسم اليوم سوف تموت غداً (13)؛ أي أن "رحم الزمن" يبقى يغذي الإنسان عن طريق الصراع حيناً أو الوفاق حيناً ثانياً "بدم البقاء" و"الحركة" و"التجدد" وليس الخلود والبقاء الأبدي بمعناه المادي أو دلالته الحسية. ومن هنا يمكن أن تعد ملحمة كلكامش بمعناها الزماني أروع من الإلياذة وذلك لغنى ملحمة (كلكامش) بالصور الخيالية التي تفوق حد الوهم وتتجاوز حد الحدس دون أن تبتعد عن الحقيقة ـ الواقع، في حين كانت الحقيقة رائد هوميروس في إلياذته "أما الخيال فإنما اتخذه حلية وشى بها شعره فبهر بها النواظر فعلقت بها الخواطر وهذا هو السر في شغف ناشئة اليونان كافة بمطالعة شعره"(14). فضلاً عن أن ملحمة كلكامش قائمة على عنصر المفاجأة والتغير أو إذا شئنا القول بلغة النقد الملحمي، قائمة على عنصر تدفق الأحداث المتصارعة والمتفاعلة فيما بينها من خلال حركة التغير القوية في إحشاء نصها، محققة المقولة التي ترى" أن لاشيء يدوم سوى التغير"(15) علماً أن هذا البناء الفني العريق في تأريخه قد أكسبها هذه الشهرة فضلاً عن تمتعها بنكهة الزمان العراقي القديم بكل أجوائه وأمدائه المختلفة وتطلعاته ونظراته إلى الوجود والكون عصرئذ. فإذا كانت "الأسطورة نسقاً لا زمانياً"(16) على حد تعبير (توماس مان)، فإن جمال ملحمة (كلكامش) الأسطوري قد جعلها واحدة من الروائع الأدبية الخالدة في تأريخ الإنسان، أو بعبارة أخرى جعلها ملحمة مستقبلية تتخطى حدود الزمان والمكان المألوفة بمعناها الحسابي والشكلي. إن جمالها الأسطوري، لايعني تزييفاً للواقع، بل انعكاس خيالي لذلك الواقع، على الرغم مما فيه من خلود ومبالغة. فـ (كلكامش) و(أنكيدو) بطلان يقفان ضمن مجرى التأريخ وكانا يعيشان في وجود زماني. وقد تجلى مجرى تأريخهما ووجودهما الزماني في الصراع بين الحضارة والبداوة، أو بين الاستقرار واللا استقرار، أو بين قيم المدينة والمدنية وقيم البداوة والانتقالية؛ بين الأطر الاجتماعية الثابتة على أنها تقاليد حضارية والأطر البدوية العفوية التي ترى في الطبيعة أروع تقليد وأغنى تراث. إن استقرار الصراع بين هذين الرمزين لم يحصل بسرعة ولم يهدأ إلا بعد توفر عنصر التكافؤ والتعادل المادي والجسدي قبل عنصر التكافؤ والتعادل المعرفي. وقد قاد هذا التكافؤ والتعادل إلى لقاء حميم وصداقة عريقة امتازت بالوفاء وسمو القيم الأخوية حين ذابت البداوة بعفويتها (أنكيدو) في الحضارة بتقاليدها (كلكامش)، إذ ولد نتيجة لهذا اللقاء المتناقض، زمان وجودي، ذاتي وإنساني جعل هذه العلاقة بصداقتها النقية المتعادلة، سبيلاً للبحث عن خلود الإنسان في تحديه للمجهول وأخيراً في تحديه للموت، أو الفناء، علماً أن عملية التحدي كانت عملية تفاهم وتخاطب أصيلة وواقعية بين (كلكامش) و(أنكيدو) فضلاً عن كونها عملية استقطاب للفكر والوجدان الإنسانيين. فقد وجد العراقيون القدماء في هذه المرحلة كل عزاء وسلوى في مغالبة مصائب الزمان ونكبات الدهر دونها الموت.(17) ملحمة (كلكامش) واحدة من أقدم الملاحم الأدبية في تأريخ الفكر الإنساني، حاولت ـ ربط مفهوم الزمن، في ضوء ماكان يتصوره إنسانها عصرئذ، بعالم التغير والتجدد والديمومة أو إذا شئنا بعالم الحركة الذي كان يعيش في كل جزئياته وشعائره وطقوسه. فقد حاول الإنسان "بتصوراته التجريدية واجتهاداته التجريبية أن يخرج من (نسق التغير) إلى (نسق الثبات) ويحيا في شباب دائم بلا شيخوخة ولا فناء"(18)، وهذا ما حاولت الملحمة تجسيده من خلال أحداثها وصراعاتها ومغامراتها وخوارقها وأساطيرها سعياً وراء الخلود والشباب الدائم، أي محاولة الهرب من الموت والفناء أو العدمية إلى البقاء والديمومة. متخطية حلقة التغير الحادث إلى حالة الثبات المستمر. فكانت رحلة كلكامش للقاء (أذونبشتم) ـ الخالد ـ هي رحلة البحث عن سر الخلود وأكسير الشباب الدائم، فالحصول على النبات الذي يهب الشباب الدائم، أو كما يرى بعض الباحثين أن (زهرة الخلودـ The flower of lmmortal) التي غامر كلكامش في اقتطافها من أعماق اليم، هي رمز الخلود والبقاء الذي يتحدى الفناء. وهي مغامرة درامية، مأساوية، تكاد تكون رائدة في هذا المضمون الفكري ـ الأدبي في تأريخ الملاحم الشعرية في العالم، علماً أن وجود الإنسان منذ الأزل هو وجود مأساوي في صراعه بين البقاء والفناء ولاسيما في نظرته للموت وهذا ما صورته ملحمة كلكامش وظهر واضحاً في الأساطير الإغريقية(19)، التي جاءت بعد هذه الملحمة في تأريخ الصراع الإنساني بين الشباب والشيخوخة أو الخلود والعدم"، فإذا كان الخلود أمراً مستحيلاً للإنسان لأن الآلهة استأثرت به منذ اللحظات الأولى للخليقة، فباستطاعة كلكامش وأي إنسان آخر أن يخلد بأعماله ومآثره فيبقى ذكره ما بقي الدهر"(20) وذلكم هو الخلود المعنوي الذي تعكس هذه الملحمة جانباً مهماً وفعالاً من جوانبه في حياة الإنسان. فلا غرابة إذا ما كانت ملحمة كلكامش رائدة هذا الضوء المتوهج في فكر الإنسان وأعماق وجدانه الشعري"، إن مدى الملحمة ومجالها وقوتها الشعرية العارمة جعلتها تنال إعجاب الناس في كل العصور. ففي العصور القديمة انتشر أثر هذه الملحمة الشعرية إلى لغات ومراكز حضارية عديدة، واليوم تستحوذ على الشعر وعشاقه على حد سواء" (21). ـ 3 ـ قبل البدء بتحليل ملحمة (كلكامش)، تجدر الإشارة إلى أمور مهمة تتعلق بهذه الملحمة بوصفها نصاً أدبياً ذا نكهة حضارية عريقة خاصة في تأريخ الآداب العالمية. وهي أمور تدخل ضمن الإضاءة الخارجية للنص من حيث البناء الفني والتوثيق والقيمة التأريخية: أ )ـ جاءت الملحمة على هيئة وحدة قصصية متكاملة في آخر نسخة لها من القرن السابع ق.م. وهو المعهد الذي يرجع إليه القسم الأعظم من نصوصها في الألواح الطينية التي عثر عليها في دار كتب الملك الآشوري (آشور بانيبال: 68-626ق.م). ب)ـ إن هذه الملحمة أقرب ماتكون إلى الجمع الأدبي في ضوء تسلسل حوادثها. علماً أن أصول هذه الحوادث بنصها الذي جاءنا باللغة الأكدية (البابلية)، ترجع إلى مصادر سومرية ـ كما يرى ذلك الباحثون المختصون في هذا الحقل المعرفي المهم في حضارة وادي الرافدين. ج )ـ تتألف هذه الملحمة من أثنى عشر لوحاً تدور حول أعمال وحوادث مختلفة. د) ـ تبدو الملحمة كلها كأنها وحدة فنية مطردة على الرغم من أن المؤلف أو المؤلفين استعملوا مايشبه طريقة سرد القصص المتبعة في ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة في ربط قصة بأخرى. هـ)ـ إن القاعدة العامة في الحضارة القديمة هي ندرة ذكر أسماء مؤلفي القطع الأدبية باستثناء حالة النساخ والجامعين. وعلى هذا الوجه ذكر أحد جامعي ملحمة كلكامش "سلسلة كلكامش طبق نسخة" سين ـ ليقي ـ اونني Sin - Leqe - Unninni"... و) ـ إن كتاب العراق الأقدمين درجوا على أن يعنونوا المواضيع الأدبية بأول بيت أو عبارة في القطعة الأدبية مثل عنوان ملحمة كلكامش. ز) ـ معنى (كلكامش) مترجماً إلى اللغة الأكدية ((المحارب الذي في المقدمة)). كما يحتمل أن يكون معنى اسمه بالسومرية ((الرجل الذي سينبت شجرة جديدة)) أي الذي سيولد أسرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |