|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:23 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
-1-
يُعد "الأثري" كغيره من الشعراء الذين
تعاصر معهم، أو نهج نهجهم الشعري من أمثال الزهاوي والكاظمي والرصافي والشبيبي
والصافي النجفي والشرقي، امتداداً للشعراء الإحيائيين ومن جاء بعدهم من شعراء عصر
النهضة الذين تمثلوا التراث الشعري تمثلاً فنياً مخلصاً، صياغة وأسلوباً وصورة.
وإن كانوا يختلفون في قدراتهم الشعرية وفي قراءاتهم للشعر العربي القديم، حيث
تباينت، في ضوء تلك القراءة صورهم الشعرية، فكان البعض يأخذ الصورة كما هي لا يحرف
ولا يبدل، فتبدو وكأنها ليست من صنعه، نافرة في السياق وكان البعض يعدل فيها حيث
يضفي عليها من شاعريته ما يجعلها تتناسب في داخل السياق. وأما البعض الآخر فقد
استطاع أن يتمثل تمثلاً كافياً، فيبدو السياق متناسباً وتظهر الصور متوائمة داخل
القصيدة(1) علماً أن لغتهم الشعرية التي ورثوها عن لغة الشعر القديم كانت تعتمد
على "السلس المألوف منها، ولم يحفلوا بالمهجور منها إلا نادراً"(2) ومن
هنا يستطيع القارئ أن يتحسس الروح الشعرية العباسية في شعر هؤلاء الشعراء، الذين
نبذوا وحدة البيت التقليدي(3) وجنحوا إلى
وحدة القصيدة حسب فهمهم وتصورهم الفني لها، وامتازوا بجزالة اللفظ وقوة
الصياغة وبراعة التعبير وإبداع النسج وإحكام القوافي وطرافة المعاني مع توافر
الغنائية والمقاصد والاتجاهات. ومع المحافظة على قواعد الشعر العربي الأصيل(4). فالأثري من حيث انتماؤه إلى مدرسة شعرية، بالمعنى النقدي المعاصر
ينتمي إلى المرحلة الشعرية التي
جاءت في أعقاب النهضة الحديثة وقبل حركة الشعر الجديد التي يمثلها رواد الشعر..
وهو يمثل مرحلة ما بعد شوقي أوضح تمثيل. ويقف مع معاصريه وقفة تظهر دوره في حركة
الشعر الحديث قبل أن تمتد الحداثة بمعناها الغربي إلى الشعر العربي في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة(5) من هذا
القرن. فالأثري الشاعر، على وفق هذا التصور النقدي، عمودي في
بناء قصائده، محدث في رسم صوره المستمدة من واقعه وأحداث ذلك الواقع سواء أكانت
تلك الأحداث ذاتية وجدانية أم تتجاوز الذاتية إلى أبعاد أخرى. فهو إحيائي في بعض صوره ووجداني في بعضها ومحدث في
بعضها الثالث. وهو في عموديته الشعرية محدث يستجيب لتطور روح العصر وفي حداثته
عمودي غير مستغرق بمحاكاة القديم. ويتجلى ذلك في لغته الشعرية التي تبدو ذات مسحة
انفعالية بدلالتها الإيحائية. في بعض قصائده، حين يصير الغموض الفني سمة جمالية في
بناء صورته الشعورية واستيعاب تجربته الشعورية بوعي. وذات مسحة إشارية تقريرية
بدلالتها الوضعية حين يصير الوضوح ضرباً من النثرية، علماً أن الخزين اللغوي الثر
للأثري وحبه واختصاصه باللغة العربية قد مهدا السبيل إلى تسرب بعض الألفاظ الفصيحة بعربيتها دلالة
ومعنى ورسماً، النادرة تذوقاً واستيعاباً في نظر المتلقين المحدثين والمعاصرين
شعره، فبدت بعض صوره محنطة، جافة، وكأنها صور نحاة ولغويين. على النقيض من صوره
الشعرية الزاهية الأخرى وفي أغراض شتى. -2-
الشعر بنظر الأثري يعني رقة الشعور من خلال حروف
كلماته الشعرية المتلألئة بياناً وفصاحة، ذلكم هو بيان العربية الزاهية بصباها في
كل حين، إنه: حرّ المذاهب.. لا يشوب أصوله كدر، ولا واهي اللغات يشينه(6) فالشعر
"ابن الحقيقة والحقيقة نهجه(7)" يولد في رحابها، فيصير الصدق صديقاً
حميماً لـه، مستلهماً منه ومن بدائع جمالها روائعه التي تجعله:
فالأثري والشباب والشعر، قصيدة حالمة، تعبر عن تجربته
الشعورية بشبابها الغض المتجدد، وشعرها المتوهج حيوية وحركة:
فالشعر عنده كيان وجداني، فكري قائم على أركان ركينة: اللغة البيانية الشاعرة والإيقاع الذي يؤلف موسيقاه
ونغماته
الشعر ذوب من الروح، وزاده من معين القلب، فهو موهبة، إنه هبة الإله: الشعر… من وهج الشعور، ونار أشواق الضمير وللشعر والشعراء هدف في الحياة ولا خير في شعر هائم
على وجهه بلا هدف أو قرار.. الشعراء "لدى الأحداث كالظل الظليل" وهم
"دافعوا الخطب الجليل"، إذ نزلت بالشاعر وأهله ووطنه خطوب عاصفات،
هائلات.. الشعر عند الأثري من الحياة إلى
الحياة.. من وجدان الشاعر إلى
وجدانه ووجدان جمهوره من القراء والمستمعين. وهذا يعني دون أدنى ريب، أن
الشعر أو القصيدة لا بد لـه من "فكرة" يعبر عنها بلغة شعرية تحقق، بقدرة
شاعرها وموهبته "القيمة الفنية – الجمالية" التي تتبلور بالصورة الشعرية
بمعناها النقدي المعاصر "فالفكرة هي الصورة العقلية للتجربة في حين أن الصورة
الشعرية هي المعادل الفني للفكرة.. فالشاعر يحول المعادلات الفكرية إلى تجارب شعورية، يطرح الموضوعات الذهنية
بشكل لا تسقط هذه الموضوعات فيه في أذن السامع من دون صورة وإيقاع وإيحاء. إذن
الشاعر يوفر المناخ الشعري للفكرة الذهنية التي يعالجها، وهذا هو الفرق بين المفكر
والشاعر"(12). وقد وضح الأثري فهمه للشعر بوصفه فناً ذاتي النشأة،
يمتع النفس الإنسانية وتبين طريقة بناء القصيدة عنده، حينما سأله وسأل غيره من
شعراء العربية، الأستاذ مصطفى سويف في أوائل الخمسينيات (بين 1950- 1951، حين كان
يعد رسالته للماجستير من جامعة فؤاد الأول، ثم حصل على الدكتوراه بعدئذ) الإجابة
عن خمسة أسئلة كانت نواه "الاستخبار" أو "الاستبيان"(13) الذي
أعدّه لتتبع "خطوات عملية الإبداع" لدى عدد من الشعراء. والسؤالان
اللذان يخصان بحثنا من هذه السؤالات: الثاني المتعلق بكون القصيدة إذا صح أنها
تطورت وتغيرت – اتخضع لممارسة الشاعر في عملية تغييرها؟ أم أن الأمور تجري بعيدة
عن متناول قدرة الشاعر وأنه يشهد آثار التغيير؟ والخامس: أيرى الشاعر نهاية
القصيدة قبل أن تبلغ هذه النهاية؟ وهو سؤال يختص ببناء القصيدة بوعي الشاعر أو بلا
وعيه.. ويمهد الأثري للإجابة عن هذه الأسئلة بتمهيد يراه ضرورياً في تحديد الشعر
وتبيان دلالته عنده، فيقول: "الشعر عندي، في مختلف مناحيه ومعانيه لا يخرج
عن حدود الانطباعات والانفعالات وثورة النفس فأنا لا أقوله إلا إذا جاش صدري
وتوافرت حوافزه ودواعيه في الرضا أو الغضب، وفي الحب أو القلى. وفي الضحك أو
البكاء، عفواً من غير التماس، وطبعاً من غير تصنع، أعني أنه إذا جاءني استجيب له
في أي غرض من الأغراض ما دام الشعور الثائر المتوهج هو الذي يوحيه ويمليه، وإلا
تحاميته، فلا أفكر فيه ولا يعنيني من أمره شيء. حتى لكأنه ليس مني ولست منه أوليس
بيننا وشيجة من نسب تصلني به وتصله بي.. أما ما كان مبعثه الشعور الحي الصادق الذي
تمتلئ به النفس ويفيض به الطبع، فهو هو الشعر، وهو أشبه بتغريدة الطائر تنبعث منه
متى طابت نفسه وهاج حسه وراقه التغريد.. كذلك ينبغي للشاعر أن يكون، وكذلك يجب أن
يكون شعره كتغريد الطائر المنبعث من ثورة نفسه وهياج طبعه واندفاعه للفضاء برغبته
هو لا برغبة السائلين والمقترحين وإلا كان نظماً. وأسقط من عداد الشعر"(14). لا شك في أن الأثري في هذا التمهيد يميز بين الشعر
المطبوع الذي تنثال أفكاره وصوره وإيقاعه وقوافيه على الشاعر انثيالاً عفوياً، وهو
الشعر الذي لا يعرف الأثري غيره، وبين "شعر الاقتراح" المتكلف، المصطنع
وهو "شعر الصناعة اللفظية والأوزان والقوافي" إذ يراه الأثري رديفاً
للنظم.. "فالشعر" عند الأثري، كما يبدو، لـه خصائصه الفنية منها: الشعور
الصادق، والتجربة الشعورية الواقعية والانفعال وثورة النفس، وهي سمات تميزه من
"النظم" الذي ليس من عداد الشعر. فالأثري شاعر مطبوع معجب بهذه "المطبوعية"
بعيداً عن التكلف والافتعال والتصنع.. ومن هنا فإن بناء القصيدة عنده يولد من هذه
النظرة وهذا الموقف الواضح الصريح، حين يجيب عن السؤال الخامس بقوله: "أنا في
عمل الشعر أجري مع تيار العاطفة التي تستولي عليّ، والحالة التي توحي إليّ القول،
فأبدأ بالمطلع، وأسلسل الكلام قلما أقدم أو أؤخر لا أفكر إلا في اطراد الشعور
وانسجامه واستيفاء المعاني والأخيلة في نسق أخذ بعضه برقاب البعض، أما نهاية
القصيدة فأكاد أراها واضحة قبل أن أبلغها، وأنهي القصيدة فعلاً حيث كنت أقدر لها،
وقلما أفعل غير ذلك"(15). إن عملية بناء القصيدة عند الأثري عضوية أيضاً فهو لا
يقصد إلى بناء قصيدة أو إبداعها على
أساس مخطط ثابت موضوع لها من قبل" فحالة التوتر العاطفي تخلق التعبير حيث
يولد "المطلع" ثم تبدأ القصيدة بالحركة والنمو بيتاً بيتاً على وفق نسق
من الشعور أو الوحدة الشعورية والانسجام بين المعاني وصورها أو أخيلتها. تلك
الوحدة المتنامية بأسلوبها معنى وخيالاً وصورة إلى أن تصل القصيدة إلى
نهايتها وصولاً طبيعياً قلما تخضع لتعديل أو تغيير. فالنهاية واضحة أمام
الشاعر فهي "جزء" من "كل" قد نما واكتمل وهذا الشعور
"بالكلية" قد ألغى الـ "أنا" في خلق "النهاية" في
القصيدة، فالقصيدة عند الأثري بمطلعها ووسطها ونهايتها كل فني متكامل يولد بحرية
وعفوية، قلما يقدم الشاعر أو يؤخر بين أجزاء هذا الكل الفني، فالشكل الشعري
كالمضمون الشعري يولد ولا يتبنى يخلق ولا يكتسب ويجدد ولا يورث، كما يقال(16). وهذا يعني دون أدنى ريب، أنهما جوهر واحد في القصيدة،
أية قصيدة، مهما اختلفت أزمنتها الشعرية وعصور انتمائها الأدبي سياسياً وأخلاقياً
ودينياً واجتماعياً، طالما أنهما يؤلفان البنية الفنية للشعر الذي يتحرك من واقع
إنساني متحرك وهذا ما يفسر التطور الذي يطرأ على الأشكال الشعرية والتجديد الذي
ينعكس على المضامين الشعرية، أي بعبارة أخرى أن القيمة الجمالية –الفنية لأية
قصيدة لا تتحقق من طرف واحد، الشكل وحده أو المضمون وحده، بل هي نتاج هذا التآلف
والاندماج في بناء شعري متوحد ومتحرك. وبذلك يكون للغة سواء أكانت إشارية ذات
الدلالة المطابقة أو التقريرية المعروفة أم انفعالية رمزية ذات الدلالة الإيحائية
التي يتحرك من خلالها الحس الشعري بمعناه الجمالي وبعده الفني في المفاضلة بين
القصائد حيناً أو بين الشعراء حيناً آخر. واللغة الشعرية في ضوء هاتين الدلالتين
ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعاناة الشعورية أو التجربة الشعورية التي تمهد السبيل
إلى ميلاد هذه القصيدة أو تلك،
والمعاناة الشعورية هي التي تخلق شكلها التعبيري من خلال مفردات ذلك التعبير أو
دلالاته المختلفة ذات الانتماء بحركة الواقع بأفعاله ومواقفه. حيث تصير اللغة
ضرباً من التقنية التعبيرية التي تعبر عن شاعرها وتعكس بعض خصائص شخصيته الشعرية
فنياً وأسلوباً وجمالياً وهنا يتلاشى الخط الفاصل بين الشكل والمضمون وهما جوهر
واحد حين يتحقق التوافق الجمالي بينهما من خلال اللغة الشعرية التي تُعد الصورة وجهها
المشرق والبناء كينونتها وبنيتها الظاهرة. وهذا ما يفسر اللقاء الحميم بين
"بناء القصيدة" و"صورتها الشعرية" في كثير من الأحيان ولا
سيما عند المبدعين من الشعراء. وبذلك فإن القصيدة لقاء إبداعي بين الشكل والمضمون
من خلال لغة شعرية متقنة ومبدعة بمستواها الصوتي والدلالي والتركيبي، على وفق
مفهوم الأسلوبية المعاصرة. بوصف الإبداع تأليفاً جديداً لأشياء معروفة يعيها
الشاعر بوجدان مرهف وقدرة خيالية تحول ذلك الوجدان إلى صورة شعرية مختلفة تترجح بين الحسية والذهنية لأنها منطلقة من
واقع متحرك لا يعرف الجمود أو التكلس، يرى في خيال الشاعر طاقة ذات عوالم تعبيرية،
من خلال المجاز والاستعارة والتشبيه والتورية والحقيقة، هي في الواقع نواة الصورة
الشعرية المتكافئة والمتعادلة فنياً وصولاً إلى تذوقها وتقديرها بوصفها قيمة جمالية يتحسس بها المتلقي فيستجيب
حيث تغدو استجابته عندئذٍ ضرباً من المقاييس أو المعايير النقدية التي يقيس في
ضوئها درجة الإبداع وقدرته في هذه القصيدة أو تلك، أو عند هذا الشاعر أو ذاك
"فالشاعر على علاقة جدلية بالواقع، يسلط عليه أضواء فكره الكاشف يستمد منه
الصور والتشابيه واعياً أو غير واعٍ" وإذا كانت مهمة الشعر أو وظيفته
ارتياداً وكشفاً وتجسيداً للواقع بالصورة، كما يقال، فإن الصورة الشعرية تصير على
وفق هذا الفهم المعيار الفني – الجمالي للقصيدة على وجه الخصوص والشعر على وجه
العموم، وما الرمز إلا ملمح من ملامح اللغة الشعرية ووجه من وجوهها تبرزه الصورة
وتعكس دلالته التعبيرية والفنية. إذا كانت سيرة الشاعر، أي شاعر، والأثري شاعر، حواراً
مع ذاته ومع واقعه التاريخي بكل ما يحمل من دلالات عقائدية وأخلاقية واجتماعية
وإنسانية، فالقصيدة بصورها وهيكلها الفني وليدة التفاعل بين الذات والواقع وهذا ما
يفسر وجود "المضمون" أو الغرض في القصيدة عند الشاعر من جهة وإلى التزام
الشاعر بخط أفقي في محاكاته وتقليده للقصائد والصور والشعر القديم – الكلاسيكي
الذي سبقه –وبخط عمودي متحرر يستجيب فيه لنداء الذات، أي الميل إلى التجديد من جهة أخرى. وهكذا تفهم القصيدة
الأثرية، ببنائها الفني ونكهتها الشعرية المتمثلة بأغراضها الوجدانية والذاتية
والأخلاقية والوطنية والقومية والإنسانية، وهذا يذكرنا بمقولة (هازلت – Hazlitt)
"والشعر المثير والمحرك للعواطف هو فيض من الجانب الخلقي والعقلي لطبيعتنا،
إضافة إلى الجانب الحسي، وهو نتيجة
للرغبة في المعرفة والرغبة في العمل والقوة للشعور، وعليه فلا بد أن يستهوي
الأجزاء المختلفة من تكوين يكون شعراً كاملاً"(17). -3-
لعل مهمة الناقد التي تكاد تكون أقرب إلى البديهية هي في قدرته على تعميق استجابة
المتلقي للشعر أو بعبارة أخرى السعي الجمالي إلى تبسيطها وتوسيعها. ويتم ذلك، دون أدنى ريب، من خلال أسلوب
التواصل والتوصيل الغنيين بين القصيدة /الشاعر والقارئ/ المتلقي، صاحب الاستجابة
المتوخاة، هذا المتلقي الذي يرى في الكلمة الشعرية المهموسة عالماً جمالياً يعمق
إحساسه بعوالم الطبيعة المحيطة به وحينئذ لا يكون لأفكار الناقد التجريدية المفروضة
على النص الشعري /القصيدة، أي أثر يستحق الاهتمام. ومن هنا كان للصورة الأخاذة
الجديدة، على حد تعبير بعض النقاد(18)، في القصيدة، أية قصيدة، ولأي شاعر قديم أو
معاصر محدث، دور فعال في تحقيق الاستجابة الذاتية في عفويتها وتلقائيتها حين تصير
الصورة الشعرية معياراً نقدياً للمفاضلة بين قصيدة وأخرى أو بين شاعر وآخر، على
الرغم من اختلاف الزمان الشعري والمكان الأدبي أو إذا شئنا على اختلاف الأقاليم
الشعرية زماناً ومكاناً. فتتحول إلى
كونها صورة فنية –نقدية. ولذلك عُدّ الإبداع والجرأة والخصوبة في الصورة
ضوءاً ساطعاً في تحقيق القوة الفنية في الشعر، فالصورة معيار ثابت في الموازنة بين
القصائد والشعراء. فهي في الواقع الأدبي عيار الشعر بمعناه النقدي وفي ضوء هذا
المفهوم يرى بعض النقاد المحدثين أن "الصورة ثابتة في كل القصائد، وكل قصيدة
هي بحد ذاتها صورة. فالاتجاهات تأتي وتذهب والأسلوب يتغير كما يتغير نمط الوزن،
حتى الموضوع الجوهري يمكن أن يتغير بدون إدراك، ولكن المجاز باق كمبدأ للحياة في
القصيدة وكمقياس رئيس لمجد الشاعر"(19) إن هذا المفهوم أو التصور النقدي
للصورة الشعرية جعلها تتجاوز دلالاتها الزخرفية أو التزيينية أو التزويقية بمعناها
البلاغي البديعي إلى كونها روح
القصيدة وقلبها الجمالي –الفني النابض بالحركة والتجدد والإبداع. فهي في أبسط معانيها، كما يقول (سيسل دَيْ لويس): رسم
قوامه الكلمات، إن الوصف والمجاز والتشبيه يمكن أن تخلق صورة أو أن الصورة يمكن أن
تقدم إلينا في عبارة أو جملة يغلب عليها الوصف المحض، ولكنها توصل إلى خيالنا شيئاً أكثر من انعكاس متقن
للحقيقة الخارجية. إن كل صورة شعرية لذلك هي إلى حد ما مجازية، إنها تتطلع من مرآة
لا تلاحظ الحياة فيها وجهها بقدر ما تلاحظ بعض الحقيقة حول وجهها.. إن الطابع
الأعم للصورة هو كونها مرئية، وكثيراً من الصور التي تبدو غير حسية. لها مع ذلك في
الحقيقة ترابط مرئي باهت ملتصق بها ، ولكن من الواضح أن الصورة يمكن أن تستقى من
الحواس أكثر من استقائها من النظر"(20). لا شك في أن للعاطفة الشعرية في مدى ارتباطها بأفكار
الشاعر ويقظته الحسية واستشرافه لواقعه الآني واستنطاقه لأحداث عصره المختلفة،
دوراً فاعلاً ومؤثراً في النبوغ الشعري الأصيل الذي يميز هذا الشاعر من غيره من
الشعراء المبدعين حين يسري نسغ تلك الصورة العاطفة في جسد الكلمات وسياقاتها فتصير
مجازاتها جزءاً من العاطفة الإنسانية التي تعمق الاستجابة الفنية عند المتلقي حيث
تحقق الصورة غايتها الجمالية أو متعتها الجمالية من حيث كون القصيدة الكاملة
الكلاسيكية أو الرومانتيكية أو الواقعية أو المعاصرة "هي صورة مركبة"
فالقصيدة الرائعة أو العظيمة هي التي يجب أن تكون ذات علاقة بالحاضر، كما يقال،
".. ومهما يكن موضوعها فيجب أن تعبر عن شيء حي في الذهن الذي تصدر عنه
والأذهان التي تتلقاها. وأينما يكن جسمها فيجب أن تكون روحها"(21) وفي ضوء
هذا التصور أطردت مسميات كثيرة للصورة الشعرية ارتبطت بعصرها حيناً وبالمدرسة
الأدبية التي ينتمي إليها الشاعر من الوجود والكون وأحداث عصره حيناً ثالثاً.
كالصورة الكلاسيكية، أو الاتباعية التي تعبر عن حقائق ثابتة والروماتيكية أو
الإبتداعية التي تقوم على مبدأ التداعي كما هي الحال في الأحلام، حيث توحد بين
الإنسان والطبيعة بشكل مثير أو بين الواقع والحلم، والصورة الإيحائية التي تعبر عن
المطلق بالمحدد، أي أنها مجازية تعبر عن المعنوي بالحسي، والصورة السريالية التي
تعني خلق صور من العدم، انطلاقاً من المقولة المعروفة عند الدادائيين التي ترى
"إن الفن والجمال وما تفرع عنهما يساويان العدم"(22). إن ديوان الأثري غني بكثير من الصور الشعرية منها
الصور الكلاسيكية والوجدانية والرمزية والإيحائية في ضوء مضمونها أو فكرتها ولغتها
الشعرية بصرف النظر عن كون الأثري شاعراً عمودياً. فهو في "الهياته"
صاحب صورة صوفية تعبدية تمثل مناجاته وتسابيحه أمام الله جلّ جلاله. حيث يكون
الطباق البلاغي في ثنائياته الحسية والمعنوية جزءاً من هذه الصورة، فضلاً عن
الدلالة الإيحائية في لغته الانفعالية في التعبير عن هذه المناجاة وذلك التسبيح:
وقد
بدت لفظة (رأرأتْ) نادرة مهجورة في هذه الصورة وكان بالإمكان استبدالها بـ
(حدقَتْ) أمام "شروق الله في جمل الوجود" هذا التعبير التصويري البارع
ذو المجاز الفني الرفيع. وقل مثل ذلك عن هذه الصورة البارعة التي يبدو فيها (الرمل
الجديب) ظمآن إلى طلاّت الندى كي
تروي هذا الظمأ العميق، فيكون "الدم المطلول" معادلاً مجازياً لهذا
"الظمأ":
قد تذكرنا هذه الصورة الشعرية البديعة بصورة أبي تمام
وهو يكافئ في المعنى بين "الديمة الحرة الطليقة الغنية بغيثها"
و"استغاثة الثرى الحزين بها من شدة العطش والظمأ":
وتتوهج لغة الصورة الشعرية عند الأثري وهو يتحدث عن
سيرة الرسول الأعظم (ص) ودورها في بناء حضارة إنسانية عامرة بالمعرفة وحب الإنسان،
من خلال تجسيد الطباق الفني في ثنائياته، الذي يبرزه "تكافؤ" المعنى في
مجاز جمالي متقن:
ويرسم الأثري بكلماته الفصيحة، الجزلة صورة شعرية
أصيلة وهو يتحدث عن العربية الفصحى "سيدة اللغات" هذه اللغة التي أحبها
وعشقها عشقاً صوفياً.. وتبدو هذه الصور، من خلال معجمه الصوري، كأنها ذات مسحة
عباسية بروحها وجسدها.. إنها صور ذهنية وحسية، جمعت بين الحسي والمعنوي، الكلي
والجزئي، فهي كلاسيكية ووجدانية وإيحائية بلغتها الانفعالية في آن واحد:
للمبالغة بوصفها
صورة من صور الخيال، دور في تحقيق المتعة الجمالية – الفنية
للشعر. فخلوه منها قد يعني فقدانه سمة من سماته الفنية المتأصلة فيه تعبيراً
وصورة. فالمبالغة أو "الإفراط في الصيغة" على حد تعبير ابن المعتز، أو
"الإفراط في الأغراق"، على حد تعبير ثعلب، هي ضرب فني من نعوت المعاني
عند قدامة بن جعفر وتعني عنده توكيد الشاعر للمعنى وبلوغه أقصى حدوده(28). | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||