أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السادس اللسانيات والنقد الأدبي* )

-1-‏

إن أبرز قضية يدور حولها الجدل المعاصر بين اللسانيين والأسلوبيين والنقاد ونقاد الشعر على وجه الخصوص، هي قضية الشعر واللغة ولا سيما البحث في مديات اللغة نظاماً وقاعدة ودلالة ومديات الشعر فناً لغوياً جميلاً، أي البحث في حدود التداخل بين هذه المديات وحدود التمايز بينهما. ولعل انعكاسات حدود التداخل وحدود التمايز هي محور الدرس النقدي الشعري الحديث. ومن هنا برزت العلاقة الحميمة بين علم اللغة، بكل مناهجه ومدارسه واتجاهاته والنقد الأدبي في منظوره المعاصر الذي يحلل النص الشعري أو الأدبي بوصفه بنية لغوية-فنية، حيث تتداخل الأسلوبية بعلم اللغة وبالنقد في آن واحد، طالما أن مستويات الكلام الأدبي، هي مستويات لغوية-فنية أيضاً أو ذات أبعاد دلالية مختلفة يحددها الأسلوب الأدبي، حيث تحوّل "الكلام" الأدبي من مستوى إلى مستوى آخر. ولما كان النقد، في بعض معانيه، فن التمييز بين الأساليب الأدبية، صارت العلاقة بينه وبين الأسلوب والأسلوبية وعلم الدلالة علاقة ذات أثر فني يستند في الوصول إلى تقدير القيمة، الفنية، والجمالية في النص إلى الأسلوبية وعلم الدلالة وكلها تنضوي تحت مصطلح واحد هو علم اللغة، أو الألسنية أو اللسانيات.‏

-2-‏

إن اطّراد الدراسات اللغوية والاهتمام بها في الوقت الحاضر ولا سيما المناهج اللغوية في دراسة الأدب أو في الدراسات الأدبية، قد مهدّ السبيل إلى ظهور النظرية اللغوية الحديثة بوصفها نظاماً مساعداً في النقد الأدبي.‏

وثمة مناهج أو مداخل كثيرة، متباينة في نظرتها إلى النص الأدبي تحليلاً وتقديراً وتقويماً، ومنها على سبيل المثال المدخل اللغوي أو المنهج اللساني الذي لا يستغني عنه الناقد الأدبي. فعلم اللغة يمنح النقد الأدبي سنداً نظرياً بوصفه ضرورة كضرورة الرياضيات للفيزياء. فالناقد الجيد بحكم اهتماماته في تحليل النص وكشف جمالياته البلاغية والفنية هو لغوي جيد، علماً أن لا وجود لأي نص أدبي خارج حدود لغته، الإشارية أو الانفعالية شريطة أن يكون التعبير عن عناصر النص سليماً ومقبولاً عند المتلقي الذي لا يقل شأناً عن مبدع النص، بمنظور النقد الفني-التحليلي.‏

وإذا كانت المناهج اللغوية مختلفة ومتباينة في مدى علاقتها بدراسة "النص الشعري"، على سبيل المثال، فإن المناهج النقدية المختلفة ومتباينة أيضاً، فقد تتوازى وتتقاطع وتتعاون وتتصارع وهي دائماً تدّعي لنفسها أنها تهدف إلى تنوير النص وتعلن اهتداءها من دون غيرها إلى فهم أفضل بطبيعة هذا النص أو ذاك وتنوير النص قد يكون بلغة هذه المناهج النقدية المختلفة "ترويضاً للنص(1) )" بحثاً عن مواطن الأصالة فيه من خلال النظرة الكلية لعناصره الثلاثة المعروفة: الانفعال والخيال والفكر. وقد أدى التركيز على تحليل النص وترويضه بوصفه لغة لا يقوى التمرد على شرعيتها ومرجعياتها الأدائية والتعبيرية إلى بروز اتجاهات مرتبطة بالتحليل الأسلوبي-البلاغي مهدت السبيل إلى استحداث أساس مهم. سميّ فيما بعد "بفلسفة الأسلوب" و "فلسفة البلاغة" في النقد الأدبي الحديث. وتعني هذه المداخل النقدية بصلب "البنية الأدبية" من ناحية تحليلية محض. فتعكف على عناصر بعينها في نسيج العمل الأدبي مثل "الصورة" و "ووجهة النظر"، و "التباين" و "المجاز" و "مماثلة الواقع" و "المعجم" و "السياق" و "السخرية" و "بناء الجملة" و "موسيقى اللغة" و "التوازن"(2) ). وكلها سمات لغوية تسعى إلى تحليل النص الأدبي وتقديمه كلاً فنياً جديراً بتحقيق الاستجابة العفوية عند متلقيه.‏

-3-‏

تحاول اللغة الأدبية في تعاملها مع النص الأدبي من خلال مناهجها المختلفة: استيعاب التوازن الحاصل بين "المبدع-النص" و "النص-المتلقي"(3) ) وهي سلطة فنية تبتعد فيها اللغة عن مرجعياتها القواعدية والإعرابية والنحوية لترود آفاق الدلالة حيث يصير "النص" في لقائه بين المبدع والمتلقي فعلاً ناجزاً يتمتع بحركته الفنية-الإبداعية وحركته التوصيلية عند المتلقي. إن العلاقة بين النص والمتلقي هي جوهر العملية النقدية الحديثة والمعاصرة؛ تلك العملية التي ترى في النص الأدبي-الشعري بفنونه وأنواعه، والنثري بأجناسه- فناً لغوياً أو بناءً لغوياً ومن هنا قيل: لا وجود لنقد أدبي يتجاوز أبعاد لغته الفنية هذه. وهكذا تطورت الدراسات اللغوية ولا سيما في ميدان النحو التوليدي الذي دعا إليه نعوم جومسكي) وأتباعه في نظرية التعلم واكتساب اللغة وفلسفة العقل وعلم نفس الإدراك مما يؤكد هذه المقولة إن أي نقد أدبي لا يمكن أن يتجاوز أبعاد لغته).‏

-4-‏

إن مهمة علم اللغة هي الاستفسار واستقراء ما سمّاه "جومسكي" "بالعلاقة الحميمة بين الخصائص الداخلية للعقل وبين سمات البناء اللغوي"(4) ). في حين تكون مهمة النقد الأدبي في واحدة من رؤاه العصرية، في الأقل، هي البحث في العلاقة بين تنظيم الحس الجمالي الإنساني وبين خصائص البناء الأدبي واللغة. ومن هنا برزت العلاقة الوثيقة بين البنية الأدبية والبنية اللغوية. فهما بنيتان يحدد ملامحهما وخصائصهما الفنية والجمالية النص الأدبي الذي هو فن لغوي وبناء لغوي حيث يعد مصدراً لغوياً من جهة ومصدراً مهماً للنقد الأدبي من جهة أخرى.‏

وإذا كان النقد هو فن الحكم على التجارب الأدبية الحديثة والتراث الأدبي والآثار الفنية(5) )، برزت على الساحة النقدية العالمية والعربية ضروب من النقد أو قل مناهج من النقد كالنقد القياسي والنقد الأكاديمي والنقد الأيديولوجي العقائدي) والنقد التاريخي والنقد الشخصي والنقد الفلسفي والنقد اللغوي وغيرها، وكلها ضروب نقدية تنطلق من النص الأدبي في علاقته بمبدعه من جهة أو علاقته بمتلقيه من جهة أخرى أو علاقته ببيئته من جهة ثالثة. ومن هنا قيل إن الإنتاج الأدبي يحكمه محوران: محور اللغة التي هي ملك للبيئة الاجتماعية التي تنشأ عنها، ومحور الأسلوب الذي هو ملك الأديب أو الشاعر. وما بين هذين المحورين: اللغة والأسلوب، يولد فن الإبداع في الكتابة الأدبية أو في التجربة الشعرية. وقد أدى الاهتمام بدراسة الأسلوب وتحليله لغوياً على وفق معايير لغته أو فنياً على وفق المعايير الفنية، إلى ظهور ما يسمى "بالأسلوبية-اللغوية Linguistic Stylestics التي ترى أن الأسلوب قد يكون انزياحاً أو انحرافاً -Deuiation- أو عدولاً عن السياق اللغوي المألوف في هذه اللغة أو تلك، أو قد يكون تكراراً للمثال أو النموذج النصي الذي يهتم به الذوق العام أو قد يكون كشفاً خاصاً لبعض أصول اللغة ومرجعياتها ولا سيما في الوجه الجمالي للتعبير أو ما يسمى بالوجه البلاغي أو البياني.‏

فالتطور الذي حدث في فهم الأسلوب الأدبي- في مناخه اللغوي والبلاغي- قد أثر في النقد الأدبي وعلم اللغة نظراً لأن الأسلوب هو الوسيط المشروع والوعاء العميق الذي ينطلق منه علم اللغة ولأنه الميدان الفسيح الذي يهتم به النقد الأدبي وكلاهما: النقد الأدبي وعلم اللغة يدرسان الأسلوب ويحللانه على وفق أصولهما وتقنياتهما ومرجعياتهما. فاللغة لا تعمل إلا في سياق أحداث أخرى كالنصوص المدوّنة/ المكتوبة، لأنها ليست قواعد وهمية، بل هي روح واقع النص الأدبي والنصوص الأخرى الخاصة بميادين المعرفة المختلفة كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والسياسة وعلم النفس والفن.‏

وقل مثل ذلك عن النقد الأدبي الذي يصير ضرباً من الوهم والخيال إذا لم يكن النص الأدبي مادته التي يستمد منها الناقد تجربته النقدية حيث تؤول الكتابة النقدية إلى جنس أدبي يمكن أن نصطلح عليه "بأدب النقد" باتجاهاته المختلفة مقارنة بعلم اللغة بمناهجه ومدارسه المختلفة أيضاً. فلا غرابة إذا ما تحوّل النقد، في ضوء هذه الدلالة، من كونه نقداً تاريخياً أو تسجيلياً أو توثيقياً على يد بعض النقاد، إلى كونه نقداً يسبر أغوار النص من الداخل ويهتم بالنص قبل مؤلفه، كما يتجلّى ذلك عند دعاة "النقد الجديد" وبالتوجه ذاته، تحرك اللغويون/ اللسانيون أو علم اللغة الحديث) من الدراسة الأنثروبولوجية والفيلولوجية إلى دراسة الحقائق المختصة بالجدل وعلم اللغة البنيوي، فظهرت الأسلوبية والبنيوية التكوينية والسيميولوجيا أو علم الإشارة أو العلامات أو علم الدلائلية والتفكيكية أو التشريحية، ومن خلال توجهاتها اللغوية، نشأت مناهج نقدية -لغوية في دراسة النص الأدبي وتحليله ومنها المنهج الأسلوبي/ النقد الأسلوبي المنهج البنيوي- التكويني/ والنقد البنيوي-التكويني، المنهج الإشاري أو العلاماتي أو السيميولوجي/ والنقد السيميولوجي أو الدلائلي: الذي يرى أن الكلمة في حد ذاتها، نوع لفظي من العلامات تنطلق دلالتها من قيمة اللفظ في ثقافة ما. فالصوت وحده لا يعني شيئاً وإنما يتشكل المعنى عبر القيمة الدلالية المرتبطة بالكلمة. وهذه الرابطة تستمد شرعيتها من لغة ما. فكلمة لا) على سبيل المثال، تدل على الرفض والنفي في لغتنا العربية ولا تدل على شيء ما في اللغة الإنكليزية، في حين أنها تمثل أداة التعريف للمفرد المؤنث في اللغة الفرنسية. فالدلالة مرتبطة أصلاً بالقيمة التي تضفيها عليها لغة ما أو ثقافة ما. فالعلاقة بالمفهوم السيميولوجي أو الدلائلي ترتبط بالثقافة والطبيعة أو الغريزة وقد تترجح بين كونها لا ثقافية صرفاً ولا طبيعية صرفاً. لذا فالكلمة هي جزء من حقل أعم وأفسح هو العلامة(6) ).‏

والمنهج التفكيكي/ والنقد التفكيكي أو التشريحي الذي دعا إليه ديريدا) منذ عام 1967 -تستند مرجعياته إلى فكرة الأثر، أي أن الأثر هو محور تفكيك النص أي إن الاهتمام بالنتيجة قبل التفكير بالسبب وتشبه هذه المداخلة المتشابكة بين النتيجة) و السبب) مداخلة النص الأدبي بالأثر من حيث إن القراءة سبب للكتابة. فلولا وجود قرّاء لم يكتب الكاتب نصه ولا ينظم الشاعر قصيدته، أي أن المتلقي سبب في الإبداع وسبيل إلى دفع المبدع إلى الإبداع والخلق الفنيين، فضلاً عن أن هذا المنهج النقدي التفكيكي أو التشريحي يلغي وجود حدود بين نص وآخر وتقوم هذه النظرية على مبدأ الاقتباس ومن ثم تداخل النصوص أو التناص intertextuality لأن أي نص أو جزء من النص دائم التعرض للنقل إلى سياق آخر في زمن آخر. وهذا يعني أن السياق context دائب الحركة وينتج عن هذا: إن أي نص هو خلاصة لما لا يُخفى من النصوص قبله... وبعبارة أخرى، أن كل كلمة في النص هي تكرار واقتباس من سياق تاريخي إلى سياق جديد وتتلاحم التكرارية مع الأثر كقوى خفية للنص ومن خلال حركة هذه السياقات المتعاقبة تنشير النصوص المتداخلة/ أو التناص ويصبح السياق حراً بلا قيود.‏

ومن خلال قصيدة واحدة مثلاً تستطيع قراءة مئات من القصائد وتجد فيها ما لا يُحد من سياقات تخصصها، إن هذه النظرة قد تقابل مفهوم السرقة الأدبية أو السرقات في النقد العربي القديم. ويؤكد النقد التفكيكي على قيمة النص وأهميته، فهو محور النظر في هذا المنهج النقدي -اللغوي- الفلسفي، حتى قال ديريدا): "لا وجود لشيء خارج النص"(7) ). وعلى وفق هذه النظرة فإن التفكيكية تعمل من داخل النص لتبحث عن الأثر وتستخرج من جوف النص -كما يقال- بناء السيميولوجية المختفية فيه والتي تتحرك داخله كالسراب(8) ). فالقراءة التفكيكية أو التشريحية قراءة حرة ولكنها نظامية وجادة وفيها يتوحد القديم الموروث وكل معطياته مع الجديد المبتكر وكل موحياته من خلال مفهوم السياق حيث يكون التحول.‏

والتحوّل هو إيماء بموت وفي اللحظة نفسها تبشير بحياة جديدة(9) ) -كما يقول التفكيكيون- وعلى ذلك فإن النص يقوم رابطة ثقافية تنبثق من كل النصوص ويتضمن ما لا يُحصى من النصوص.‏

إن استجابة القارئ/ المتلقي للنص مفسراً أو شارحاً أو محللاً هي التي تمنح النص خاصيته الفنية إذ إن التفسير أو الشرح أو التحليل النصي ليست أحداثاً خارجية أو أجنبية على النص، نظراً لأنها تنبع من داخله. فالتفكيكية ليست هدماً كما يتصور بعضهم، ولكنها إعادة بناء وإن بدا ذلك غريباً في تصور السياقات النقدية الأخرى.‏

فالبنيوية والأسلوبية- اللغوية، والبنيوية- التكوينية والسيميولوجية فالتفكيكية ليست هدماً كما يتصور بعضهم، ولكنها إعادة بناء وإن بدا ذلك متأتية من الفروق بين النظر إلى الكتابة الأدبية على أنها نص أو على أنها عمل والنقد الحديث، بهذا المفهوم وتحت تأثير اللسانيات الحديثة، نظر إلى الكتابة الأدبية على أنها عمل مغلق ومستقل. وهذا يعني أن الوسط الاجتماعي وتاريخه وشخصية المبدع في نصه ولغة نصه، هي، في الحقيقة، مقومات. تحليل النص الأدبي حين يستقل كل مقوم أو عنصر بمنهج يفصح عن آلياته وتقنياته في تحليل هذا النص أو ذاك.‏

-5-‏

إن أسلوب أي نص أدبي ولنقل النص الشعري، أو القصيدة هو جزء حيوي من شكلها لذلك فإن خصائصها الأسلوبية واللاأسلوبية أو إذا شئنا اللغوية وغير اللغوية لهذا الشكل متميّزة نظرياً، علماً أن الخط الفاصل بينها أي بين هذه الخصائص أو السمات لا يستطيع تحديد أبعاده إلا الناقد الذي يكون ناقداً أسلوبياً- لغوياً وناقداً خارج نطاق الأسلوب. والناقد الأسلوبي- اللغوي يبدأ تحليله بالإصغاء إلى صوت الشاعر، وهذا يعني أنه يبدأ قارئاً وحين يصير هذا القارئ ناقداً أسلوبياً، فإنه يهم بما يحدث للغة على يدي الشاعر مبدع النص الشعري(10) ). من محاكاة وأصالة أو تسطح وعمق أو وضوح وغموض. وحينئذ يتحول الحكم النقدي -في مثل هذه النظرة-على النص الشعري أو القصيدة الناجحة أو الموفقة فنياً ونقدياً إلى استيعاب ما يقوله الشاعر، وما هدفه من وراء ذلك التعبير أو القول، وهل أن طريقته في هذا القول تساعد على إظهار ذلك الهدف أو اختفائه(11) ) من خلال لغته التي قد تجنح نحو الإشارية أو نحو الانعزالية، أو قد تجمع بينهما.‏

-6-‏

ولا يغرب عن البال بأن لغة النص الشعري التي تمهد السبيل إلى حكم نقدي من خلال تحليلها، هي وسيلة وغاية في آن واحد ويخطئ من يظن أنها وسيلة تعبير حسب. فهي وسيلة من حيث كونها تعبيراً عن تجربة شعورية، وهي غاية من حيث كونها قيمة جمالية وفنية يسعى النقد إلى تحقيقها من خلال مدارسه أو مناهجه المختلفة. فجمهور النقد الأدبي هو جمهور قراءه لا جمهور كتابه. وهذا يعني أن مدارس النقد الأدبي المختلفة تعترف ضمناً بأن الكتابة الأدبية هي تقنية ذات أبعاد وخصائص معينة وخاصة لا يمكن الاستغناء عنها في مسألة التذوق الأدبي وتحقيق الاستجابة في نفوس جمهور القراءة، حيث تتحقق البهجة والمتعة والتعليم وأخيراً تذوق جمال الحياة والكون..‏

ولعل أبرز ملامح القرن العشرين الأدبية هو ظهور أكثر من مدرسة لغوية وأخرى نقدية، وعلى الرغم من وجود العلاقة الوثيقة والحميمة بين "اللغة" و "النقد" فإن استقلال النقد الأدبي وتفرده بين الفنون الأدبية الأخرى صار ملمحاً جديراً بالنظر والتأمل والاستبصار، أي أنه صار نوعاً أدبياً مبتكراً أو جنساً أدبياً يختلف عن الفنون الأخرى كالقصة والرواية والمسرحية والشعر. فالناقد في القرن العشرين ما عاد يشغل باله بشرح آثار أدبية وتفسيرها لمؤلفين أو مبدعين مختلفين، بل بدأ يجادل ويناقش ويدافع عمّا سمّي "بالجمال الأدبي" الذي يرتبط بشكل وآخر بالفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والتاريخ كارتباطه بالأدب واللغة، وهما العنصر الفعّالان- في تحقيق المتعة الفنية والجمالية لدى جمهور النقد من القراء، قبل الكتّاب. فالأوصاف النقدية مع تعدد مستوياتها في الدقة والتخصص هي مفيدة جداً حين تحلل وتميّز وتشيع التفاصيل وبذلك فإنها تمنحنا رؤية ونظرة عميقة تتوغل في أعماق طبيعة الموضوع الجمالي. إن مثل هذا الوصف يسمى بـ التحليل) وهو أسلوب النقد الأدبي في علاقاته بعلم اللغة ذي الاتجاهات والمدارس المختلفة التي لا تخلو من تداخل وتشابك فيما بينها، يجعل إدراك الاتجاه اللغوي الواحد صعباً إذا ما أهمل إدراك الاتجاه اللغوي الآخر المتداخل والمتشابك معه.‏

فثورة علم اللغة الحديث والمعاصر اليوم هي ثورة في التحليل والتعليل. كما هي ثورة في المنهج أداة ومصطلحاً. وإن انعكاساتها في مناهج النقد الأدبي المعاصر هي التي اهتمت بالأسلوب بوصفه سطح التعبير اللغوي ومنه نفذت إلى أعماق التجربة الأدبية، تحليلاً وتعليلاً، إذ يفترض بالناقد التطبيقي أو العملي الجيد أن يكون لغوياً جيداً فالأدب أعلى تعبير لغوي وما يبتكره علم اللغة من سياقات جديدة تظهر إثارة في النقد الأدبي قبل أي فن من الفنون الأدبية أو أي جنس من الأجناس الأدبية الأخرى، نظراً لأن التمييز بين الشكل والمعنى في اللغة وبين الأثر أو الصورة والتأثير في الأسلوب ظاهرة طبيعية لا شك فيها. فاللغوي والناقد الأدبي قد يفصلان بين الشكل والمعنى والأثر والتأثير أو يحللانهما إلى مكوناتهما أو مركباتهما. ولكن عليهما أن يكونا على بصيرة بوحدتهما الجوهرية وتداخلهما الوثيق. فقد جرت العادة في وقت من الأوقات، في الدرس النقدي الأدبي الأوربي، إلى الاعتقاد بأن الأسلوب يقترن بالزخرفة أو الزينة، فهو "زينة الأفكار" على حد قول الأديب الإنكليزي اللورد جسترفيلد) في حين عدّه فلوبير) "مزاجاً فردياً عالياً وفريداً للرؤية"(12) ). فثمة فرق بين العملية الشعرية التي تعني كل الأنشطة والفعاليات التي من خلالها تولد القصيدة، وتتكون بأسلوبها الشعري الخاص بها، في حين يعني التحليل الأدبي محاولة تشريح القصيدة. وإذا كان تشريح القصيدة ذا أبعاد لغوية وفنية فقد برز أكثر من احتمال في تفسير العلاقة القائمة بين الشعر واللغة وتعليلها، ومنها كون الشعر لغة أي أن الشعر يكمن وراء ظاهرة نسميها ظاهرة اللغة وحينئذ يكون الشعر جزءاً من هذه الظاهرة- وربما كان هذا المفهوم وراء مقولة مالارميه) الفرنسي "الشعر لا يكتب بالأفكار، ولكن يكتب بالكلمات"(13) ) -أو أن الشعر ليس لغة بل فناً حيث يصير جزءاً من الظاهرة الفنية ويكون حينئذ خارج نطاق علم اللغة أو قد يكون الشعر تداخلاً أو مزيجاً بين اللغة والفن وإن هذه الثنائية بين الظاهرتين: اللغة والفن هي التي تميز الشعر وتخصصه. ويبدو أن هذه الثنائية اللغوية-الفنية هي التي تبنّاها النقد الأدبي ولا سيما في نقد الشعر، معياراً في التحليل النقدي. ففي الوقت الذي يهتم به علم اللغة في وصف النص، فإن الأسلوبية أو علم الأسلوب يهتم بالاختلافات والفروق التي تظهر في النص أو مجموعة النصوص الأدبية على وفق قواعد ذلك النص أو الأصل وبعبارة أخرى فإن العلاقة القائمة بينهما: بين علم اللغة والأسلوبية، هي أن علم اللغة يتعامل مع الأنماط والأساليب في حين تتعامل الأسلوبية مع النماذج والرموز ومن هنا صارت "الجملة" الوحدة العليا في علم اللغة في حين صار النص مجموع الجمل) الوحدة الكبيرة في الأسلوبية(14) ). وهو أي النص، الأساس الذي يقوم عليه التحليل الأسلوبي الذي مهّد إلى التحليل النقدي الذي تحوّل إلى تحليل نقدي لغوي من خلال الجملة أو إلى تحليل نقدي أسلوبي من خلال النص إن الجملة والنص هما عماد التحليل اللغوي الأدبي الذي وجد في الأسلوبية التي تحلل الأشكال والأسلوبية الأدبية التي تحلل المضامين(15) ) مادة لمنهجه الذي تبنّاه في التوازن بين هذين البعدين اللغويين الفاعلين في الاهتداء إلى نظرة نقدية تجمع بين اللغة والأسلوبية فناً وقاعدة في وقت واحد إلى درجة لا يمكن فيها الفصل بينهما.‏

-7-‏

من كل ذلك نخلص إلى أن التقدم الذي حظي به الحقل اللساني أو اللسانيات في العصر الحديث دراسة وتحليلاً وتعليلاً، تقويماً ونقداً ذاتياً إيجابياً أو سلبياً قد تسرب إلى الحقل النقدي الأدبي الذي لم يكن بمعزل عن المناخ العام الذي تمثله ثورة المعرفة الإنسانية بمصطلحاتها الجديدة، ورؤاها المتعددة في الربط بين الثقافة النقدية الأدبية والثقافة اللسانية تخصصاً ومفهوماً ومنهجاً.‏

وإذا كان الأدب "أرضاً مالك لها"- على حد تعبير الشكلانيين الروس -فإن التقدم الثقافي والحضاري الذي اتسمت به اللسانيات في القرن العشرين ولاسيما بعد العقد الثاني منه، وتطور النقد الأدبي منهجاً ودراسة وتحليلاً وفناً، قد هيأ المناخ لتحصين هذه الأرض وحمايتها وإعطائها شرعية الامتلاك.‏

* نشر هذا البحث في لغة الضاد)، جـ2، دائرة اللغة العربية، منشورات المجمع العلمي، بغداد، 1999.‏

(1) د. عناد غزوان، ترويض النص وسلطة اللغة، محاضرة ألقيت مساء الأربعاء، الواقع في 21/10/1998، اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، بغداد.‏

(2) د. محمود الربيعي، مداخل نقدية معاصرة إلى دراسة النص الأدبي، عالم الفكر، المجلد الثالث والعشرون، العددان الأول والثاني، الكويت، 1994، ص298، ص299.‏

(3) د. فؤاد المرعي، في العلاقة بين المبدع والنص والمتلقي، عالم الفكر، المجلد الثالث والعشرون، العددان الأول والثاني، الكويت، 1994، ص 336-337.‏

(4) دونالد. سي. فريمان، علم اللغة والأسلوب الأدبي، باللغة الإنكليزية) الولايات المتحدة الأمريكية، 1970، ص3،4.‏

(5) أندريه ريشار، النقد الجمالي، ترجمة: هنري زغيب، منشورات عويدات، بيروت، لبنان، ط، 1974، ص9.‏

(6) سيزا قاسم، نصر حامد أبو زيد، مدخل إلى السيميوطيقا، ومقالات مترجمة ودراسات، جـ1، جـ2، دار الياس العصرية، القاهرة، 1986، جـ1، ص43، جـ20، ص55.‏

(7) د. عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير- من البنيوية إلى التشريحية قراءة نقدية لنموذج إنساني معاصر) النادي الأدبي الثقافي، جدة، 1405هـ، 1985، ص20، 22، 49، 50.‏

(8) نفسه، ص52-54.‏

(9) نفسه، ص55.‏

(10) ماري بورّوف، اللغة والشاعر، باللغة الإنكليزية)، شيكاغو، لندن، 1979، ص5.‏

(11) كراهام، هوف، الأسلوب والأسلوبية باللغة الإنكليزية) لندن، 1969، ص16، 18، 33.‏

(12) تحرير، جوزيف ستريلكا، أنماط الأسلوب الأدبي، باللغة الإنكليزية) لندن، 1971، ص233.‏

(13) عالم الفكر، المجلد 23، العددان الثاني والثالث، الكويت 1994، ص379.‏

(14) تحرير، توماس، أي. سيبك، الأسلوب في اللغة باللغة الإنكليزية) نيويورك ولندن، 1960، ص9، 82، ص87، 88، 133، وانظر: كلين. أي. لف، مقالات معاصرة في الأسلوب، باللغة الإنكليزية)، الينوي، 1968، ص120.‏

(15) تحرير، سيمور جاغان، الأسلوب الأدبي، مطبعة جامعة اكسفورد، 1971، ص24، 43 باللغة الإنكليزية).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244