أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل السابع المصطلح النقدي

1-1‏

أبدأ الحديث عن المصطلح بقول مجلة (فصول)* القاهرية في عددها الخاص بقضايا المصطلح الأدبي، (المجلد السابع، ع3، 4، 1987 ص4) "... أما المصطلح فيقف شامخاً معتزاً، لا يسمح لأحد بالتلاعب به أو انتهاك حرمته، إنه سيد الموقف، ومالك زمام نفسه، وليس للمتكلم/ الكاتب من سبيل إزاءه إلاّ أن يذعن له...".‏

1-2‏

فالمصطلح -كما نعلم- كلمة تدل على معنى خاص حين تنتقل من معناها العام إلى معناها الخاص حيث تُعرف به بين المختصين في ميادين المعرفة (العلم) المختلفة شريطة أن يتوفر في المعنى الخاص الوضوح والإبانة والابتعاد عن الغموض واللبس، فالمصطلح، على وفق هذا المعنى، لا يُولد ويُصاغ أو يُصنع، ارتجالاً أو بصورة اعتباطية، بل لابد فيه من حاجة ماسة ودلالة واضحة ومناسبة تدعو إليه في هذا العلم أو ذاك، علماً أن (اتفاق العلماء المشتغلين في الحقول العلمية وفي الدراسات اللغوية يعطي الكلمة معنى جديداً قد يختلف إلى حد ما عن المعنى المعجمي ويكسبها دلالة جديدة قد تختلف عن الدلالة اللغوية المتعارف عليها سابقاً، مما يفيد أنه لابدّ في كل مصطلح من تجاوز المعنى اللغوي والخروج منه إلى معنى خاص يناسب الذي يعبر عنه في مجال اختصاص معين ليكون مصطلحاً (المصطلح العلمي وقابلية اللغة العربية لتوليده، سليمان حسيكي، مجلة الفكر العربي، ع95، معهد الإنماء العربي، بيروت، شتاء، 1999م، ص76).‏

فالاصطلاح، إذن، هو لفظ موضوعي، يتواضع عليه المختصون بقصد أدائه معنى معيناً بدقة ووضوح بحيث لا يقع أي لبس في ذهن القارئ أو السامع لسياق النص. (جبّور عبد النور، المعجم الأدبي، دار العلم للملايين، بيروت، 1979، ص252، ومجلة الفكر العربي، ع95، ص77) ويتخذ للتعبير بلفظ واحد في أغلب الأحيان، عن معنى أو فكرة لا تستوعبها لفظة واحدة، ولهذا أطلقت عليه هذه التسمية؛ أي أنه يصطلح به على تأدية المعنى المقصود، للمفهوم الذي هو نتاج حضاري.. فهو أداة تخاطب وتواصل ما بين الذين يؤلف ما بينهم نسب التخصص. فالاتفاق بينهم ضروري في هذا المجال مع وجود علاقة بين المصطلح ودلالته سواء أكانت العلاقة حقيقية أم مجازية من قريب أو بعيد. فالاتفاق هو الأصل وما سواه تبع له. (مجلة الفكر العربي، ع95، ص77) وهكذا تكتسب الكلمة العربية القديمة الأصيلة أو المولّدة المُحدثة، شحنة دلالية تخرجها من طور الضياع والإهمال في ثنايا المعاجم إلى طور من الانتشار في فكر العلماء والذيوع عبر كتاباتهم. (مجلة الفكر العربي، ص78) ولعل هذا ما جعل المنظّرين يشترطون في "المصطلح" الوضوح والضبط والوحدة، إذ بدونها تفقد المصطلحات قيمتها الإجرائية وصراحتها العلمية لتتحول أخيراً إلى كلمات عادية. (فالمصطلحات كلمات محددة تحديداً دقيقاً، يعبّر بوساطتها كل علم عن المفاهيم المفيدة له) لذلك فإن المصطلحات هي كلمات اكتسبت في نطاق تصورات نظرية معينة، دلالات ومعاني محددة حرمت بموجبها من حق الانزياح الدلالي المباح للكلمات العادية تفادياً لكل اضطراب تواصلي محتمل. ولعل غياب التنسيق بين الباحثين فيما يخص المصطلحات في القطر العربي الواحد أو بين مختلف الأقطار العربية الأخرى، يرجع إلى تعدد واضعي المصطلح في الوطن العربي واختلاف ثقافاتهم ثم الانقطاع ما بينهم بحيث لا يمكن أن يفيد السابق منهم اللاحق (الترجمة والمصطلح، عبد الهادي بوطيب، مجلة علامات، ع29، أيلول، 1998م، ص138، 139).‏

1-3‏

قد يكون "المصطلح" أو ألـ Technical Term مرادفاً في بعض الأحيان لما سمّي "بالتعبير الاصطلاحي أو الـ Idiomatic Expression ويمكن تعريفه بأنه "نمط تعبير خاص بلغة ما، يتميّز بالثبات ويتكون من كلمة أو أكثر، تحولت عن معناها الحرفي إلى معنى يغايره اصطلحت عليه الجماعة اللغوية". (التعبير الاصطلاحي، د.كريم زكي حسام الدين، ط1، القاهرة، 1985،ص34).‏

ويمكن أن نستنبط من خلال هذا التعريف أربع خصائص تحدّد مفهوم التعبير الاصطلاحي وهي:‏

1- صعوبة الترجمة الحرفية للتعبير.‏

2- ثبات التعبير الاصطلاحي.‏

3- إمكانية اقتصار التعبير على كلمتين أو كلمة واحدة.‏

4- تحوّل كلمات التعبير من معناها الحرفي إلى معنى متفق عليه من الجماعة اللغوية.‏

إن صعوبة ترجمة التعابير الاصطلاحية أو المصطلحات أو نقلها من لغة إلى أخرى يعود إلى ثلاثة أسباب:‏

1-الطبيعة المجازية للتعبير الاصطلاحي.‏

2-اختلاف البيئة أو الإطار الثقافي من لغة إلى أخرى.‏

3-الجهل بالظروف والملابسات التي تحيط بالتعبير الاصطلاحي.‏

أما ما يخص ثبات التعبير فقد قسّم بعض الباحثين التعبيرات إلى قسمين هما: قسم لا يقبل التعبير وأطلق عليه مصطلح "التعبيرات المغلقة Closed Expression" وقسم يسمح بنوع من التغيير أطلق عليه مصطلح "التعبيرات المفتوحة -Open Expression" (التعبير الاصطلاحي، ص 35، 36،‏

37، 40).‏

1-4‏

يصاغ المصطلح النقدي كغيره من المصطلحات اللغوية والأدبية والبلاغية والعلمية في اللغة العربية ذات القدرة الفائقة في توليد المصطلح أو صياغته أو إذا شئنا في صناعته. بوساطة مجموعة سبل وطرائق ولعل أهم هذه السبل:‏

1-النحت- وهو في الإنكليزية يقابل الـ Contamination ويقصد به استخراج أو انتزاع كلمة من كلمتين أو أكثر قصد الاختصار على أن يكون هناك توافق في اللفظ والمعنى بين المنحوت والمنحوت فيه وهو في الواقع نوع من الاختصار الذي عرفت اللغة العربية قديماً صوراً منه وقد لجأ إليه العرب في العصر الذهبي لحضارتهم، تعبيراً عن جمل كثر وزنها على الألسنة فأشاروا إليها بهذا الاختصار. وأنواعه كثيرة منها النحت من كلمتين والنحت من جملة. والنحت لا يعتمد عليه في توليد المصطلح إلا عند الضرورة، لأنه يعسر وضع قواعد عربية له، تضبط ما يسقط منه من حروف وما يتبقى منها عند التحام الكلمتين وقد أخفقت المحاولات الرامية إلى تقنيته (مجلة الفكر العربي، ع95، ص87، 88، 89) والنحت من ضروب الاشتقاق في اللغة وهو أن "يعمد إلى كلمتين أو جملة فتنتزع من مجموع حروف كلماتها كلمة فذة تدل على ما كانت عليه الجملة نفسها" (فصول في فقه اللغة، د.رمضان عبد التواب، ط2، القاهرة، 1980، ص310) نقلاً عن كتاب: الاشتقاق والتعريب، عبد القادر المغربي، القاهرة، 1947، ص13) ومن المشهورين الصرفيين أن ظاهرة النحت سماعية، يُقتصر فيها على ما ورد من الكلمات في اللغة. ولكن جهود المجامع اللغوية وبحوث أعضائها أثبتت أن ما ورد من كلماته كثير كثرة تبيح القياس عليه ولاسيما عند الحاجة إليه في أسماء الأجهزة العلمية والمركبات الكيميائية وأسماء الهيئات والمؤسسات. ويتوقف نجاح الكلمة المنحوتة على حسن جرسها ومقدار إيحائها بالمعنى الأصلي مع شرط استخدام هذا المعنى الأصلي معها بألفاظه المتفرقة قبل النحت. (المظاهر الطارئة على الفصحى، د.محمد عيد، عالم الكتب، القاهرة. 1980، ص155، 156).‏

2-الاشتقاق: هو استخدام الحركات في صوغ الكلمات من المادة على أساس قياس مطرد، وهناك ثلاثة أنواع من الاشتقاق يمكننا صوغ المصطلح منها وهي اشتقاق الصغير والكبير ولأكبر. ومن أجل هذا وَصف اللغة العربية بأنها اشتقاقية لأنها تتوصل كلماتها عن طريق استخدام المادة بجميع الصور، لذا يُعَدّ الاشتقاق الوسيلة الرئيسة لوضع المصطلحات العلمية والفنية والتقنية (التكنولوجية) في اللغة العربية.‏

والاشتقاق عند علماء الغرب هو الـ Etymolgy أحد فروع علم اللغة التي تدرس المفردات وينحصر مجاله في "أخذ ألفاظ القاموس كلمة كلمة وتزويد كل واحدة منها بما يشبه أن يكون بطاقة شخصية يذكرونها: من أين جاءت؟ ومتى وكيف صيغت؟ والتقلبات التي مرّت بها. فهو إذن علم تاريخي يحدد صنيعة كل كلمة في أقدم عصر تسمح المعلومات التاريخية بالوصول إليه، ويدرس الطريق الذي مرّت به الكلمة مع التغييرات التي أصابتها من جهة المعنى أو من جهة الاستعمال." (فصول في فقه اللغة، ص290، نقلاً عن: اللغة لفندريس، ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص، القاهرة، 1950، ص226).‏

فالاشتقاق عند علماء الغرب علم نظري عملي يعني بتاريخ الكلمة وتتبع حياتها عبر العصور المختلفة. أما الاشتقاق عند العرب فهو علم تطبيقي لأنه عبارة عن "توليد لبعض الألفاظ من بعض والرجوع بها إلى أصل واحد، يحدد مادتها ويوحي بمعناها الخاص الجديد" (فصول في فقه اللغة، ص290، نقلاً عن: كتاب الاشتقاق، لابن السراج، ص39 ودراسات في فقه اللغة، لصبحي الصالح، ص174). والاشتقاق بهذه الصورة هو إحدى الوسائل الرائعة التي تنمو عن طريقها اللغات وتتسع ويزداد ثراؤها في المفردات فتتمكن به من التعبير عن الجديد من الأفكار والمستحدث من وسائل الحياة.‏

3-التعريب: وهو حين تنشط حركة التبادل بين اللغات ويكثر اقتباس بعضها من بعض، يطلق على مثل هذه الكلمات التي أخذتها العربية من اللغات المجاورة، اسم (الكلمات المعرّبة) كما يطلق على عملية الأخذ هذه اسم (التعريب) وهو في الإنكليزية - Transliteration- ويعني هذا أن تلك الكلمات المستعارة في العربية لم تبق على حالها تماماً كما كانت في لغاتها وإنما حدث فيها أن طوّعها العرب لمنهج لغتهم في أصواتها وبنيتها وما شاكل ذلك. (فالتعريب) إذن هو نقل الكلمة مع عرفها الأجنبي وهو نقل كلمة من لغة أجنبية إلى اللغة العربية محتفظة بجرسها وحروفها حيناً ومعرّبة بمعناها بلفظ عربي حيناً آخر. (المظاهر الطارئة على الفصحى، د.محمد عيد، القاهرة، 1980، ص99، 105، وفصول في فقه اللغة، ص358-359).‏

4-الترجمة: تُعَدّ الترجمة وسيلة من أهم الوسائل للتلاقح الثقافي وتحقيق التقارب الفكري المنشود بين مختلف الأمم والشعوب بعيداً عن الفوارق العرقية والدينية واللغوية. والترجمة إما أن تكون حرفية أي ترجمة لفظة مقابل لفظة وترجمة المعنى أو الجمع بينهما ولاسيما في ترجمة المصطلحات الأجنبية، لذلك فإن المترجم يواجه صعوبة في ترجمة المصطلح إن على مستوى الاشتقاق اللغوي أو على مستوى الضبط الدلالي، تتطلب منه بذل جهود مضنية لإيجاد المقابل المناسب للمصطلح الغربي بعيداً عن أي لبس أو اضطراب من شأنهما الحيلولة دون تحقيق الأهداف العلمية الموجودة من وراء الترجمة. (علامات، ج229 أيلول، 1998، ص136، 137).‏

وقد يضاف إلى هذه الوسائل الأربع في صياغة أو صناعة المصطلح وهي: النحت والاشتقاق والتعريب والترجمة- القياس حين يصير ابتكاراً لألفاظ وصيغ جديدة بمعان ودلالات جديدة، لم تكن معروفة في اللغة، إلا أنه لابد من وجود مناسبة ما بين هذه الألفاظ وقواعد اللغة العربية حتى لا تكون شاذة عن هذه القواعد خارجة عن أحكامها. والتوليد وهو ناتج عن اشتقاق صيغة جديدة من كلمة أصلية معروفة في اللغة. والتحديث وقد بدأ مع عصر النهضة الحديثة أي نهاية حقبة التوليد ومازال مستمراً حتى اليوم والألفاظ المحدثة هي (الألفاظ التي استعملها المحدثون في العصر الحديث وشاعت في لغة الحياة العامة). (العربية لغة العلوم والتقنية، عبد الصبور شاهين، ط1، الدمام، 1983،‏

ص357).‏

1-5‏

يعيش المصطلح النقدي الأدبي في الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة، بين عقدتين: عقدة المصطلح أصلاً وعقدة الذات. وهذا يعني أن واضع المصطلح الأصلي قد يتبنى مصطلحه في تفاعل وانفعال وحماسة قد يعرقل مرحلة التنسيق بهذا المصطلح وذلك فإن نقاد الأدب العربي المحدثين والمعاصرين حين يستعملون هذا المصطلح أو ذاك أول مرة بعد اقتناعهم، برشاقته وصلاحه "لا يمتثلون في الاستعمال وقد شقّ عليهم التخلي عن سننهم الذاتية في التصنيف والاصطلاح" (د.عبد السلام المسدي، قاموس اللسانيات، الدار العربية للكتاب، 1984، ص56).‏

فاختلاف مصادر البيئة الأولى للمصطلح سواء أكان لغوياً/ لسانياً، أم أدبياً/ نقدياً، أم بلاغياً، يعني اختلاف اللغات الأجنبية التي جاء منها هذا المصطلح أو ذاك في هذا الميدان المعرفي أو ذاك من يونانية ولاتينية وإنكليزية وفرنسية وإسبانية وألمانية وإيطالية وسلافية فضلاً عن طبيعة التجدد الذي يصاحب المعرفة الإنسانية وتعدد المدارس والاتجاهات والتيارات والمناهج الأدبية والنقدية، قد تضافرت على تعقيد المصطلح النقدي، على سبيل المثال، فجعلته "إلى الاستعصاء والتخالف أقرب منه إلى التسوية والتماثل". (المسدي، المصدر السابق، ص55) وقد مهدت هذه الظاهرة السبيل إلى كثرة الجدل والاحتجاج بين المختصين (من نقاد ولغويين/ لسانيين) إلى اعتماد "هوية اللفظ" أو اعتماد "مضمون الدلالة" سنداً لبناء المصطلح وصوغه أو صناعته، علماً أن "الوزن المعرفي في كل علم رهين مصطلحاته، لذلك نسميها أدواته الفعالة لأنها تولده عضوياً وتنشئ صرحه ثم تصبح خلاياه الجنينية التي تكفل التكاثر والنماء" (المسدي، نفسه، ص12) ومن ناحية أخرى وفي ضوء هذا التصور تنشأ أزمة المصطلح الواحد في الاستعمال الأدبي والنقدي وهذا ما تشهده الساحة الاصطلاحية النقدية العربية في هذا العصر (في القرن العشرين) ولاسيما بعد النصف الأول منه نتيجة للتطور العلمي والتقني والأيديولوجي -العقائدي- والفكري، المتميز بكثرة مرجعياته الفلسفية وتعددها من جهة واختلاف مناهجه ورؤاه في الفكر والتجربة الأدبية من جهة أخرى. فالنظرة التي ترى أن كل قديم في مصطلحاته النقدية الموروثة يجب أن يكون جديداً على الرغم منه وأن كل جديد يجب أن يكون قديماً على الرغم منه أيضاً، ما هي إلا واحدة من نتائج هذا الاختلاف والتعددية في صياغة المصطلح وفهم أبعاده العلمية الدقيقة. لاشك في أن تراثنا النقدي الأدبي غني بمصطلحاته التي أوجدتها الروح الحضارية العربية والإسلامية يومئذ، بيد أن غنى المصطلح يكمن وراء استقراره وثبات شخصيته المعرفية التي تمثلها حضارته، كما أن المصطلحات الجديدة ذوات شخصيات معرفية تمثل الواقع الجديد الذي تمتاز به ثقافتنا النقدية العربية من سواها من ثقافات العالم المعاصرة والموازية لها. إن "كل مجموعة بشرية ترابطت لغوياً فتحولت إلى مجموعة ثقافية حضارية فإنها تواجه على الدوام مدلولات جديدة عليها، إمّا بحكم استحداث الأشياء أو بحكم اكتشافها، وبديهي أن المدلولات سابقة لدوالها في الزمن، لذلك كانت الألفاظ وليدة للمعاني في أصل نشأنها فإذا استقرت في الاستعمال وتواترت أصبحت المعاني وليدة للألفاظ بحكم التقدير والاعتبارات" (المسدي، نفسه، ص25).‏

يرى بعض الباحثين المعاصرين أن المصطلح يمر بمراحل أو مراتب يترجح فيها "بين منزلة التقبل ومرتبة التفجير ومدارج الصوغ الكلي بالتجريد" (المسدي، نفسه، ص52، 53) أي أن المصطلح لابد له من هذه الثلاثية المرحلية، حتى يستقر في الاستعمال. ولا يغيب عن البال أن كل "مرتبة" أو "منزلة" من هذه المراتب: "تقبل" "فتفجير" "فتجريد" تمثل مرحلة زمنية حضارية مرتبطة بواقعها الثقافي وطرائق استعمال مصطلحاتها، "فلقد تقبّل العرب ألفاظ اليونانيين فأخذوها أولاً وفجروها ثانياً ثم جردوا منها مصطلحات تأليفية" (المسدي، نفسه، ص52 نقلاً عن: ابن حزم، التقرب لحد المنطق، بيروت، 1959، ص12، 36، 79، 105) وفي ضوء هذا التصور نستطيع أن نقيس تقبّل مصطلح (السّكرونية- Synehronic) "ثم تفجير اللفظ إلى المنهج المتزامن أو المتعاصر أو المتواقت" ثم تجريد مصطلح (الآنية) كما نقيس دخول "الدياكرونية Diachronic" ثم انحلال المفهوم إلى عبارة (المنهج التطوري، والمتعاقب أو التاريخي) حتى ترّكز التجريد فتبلور مصطلح "الزمانية" (المسدي، نفسه، ص53) قد تقابل هذه المراتب أو المنازل الزمنية في صناعة المصطلح "التعريب" مقابل "التقبل" و"الترجمة" مقابل "التفجير" و "الصياغة النهائية" مقابل "التجريد" وسأضرب أمثلة من المصطلحات النقدية والأدبية شاهداً على هذه المراتب أو المنازل: منها:‏

1-"البويطيقيا" Doetics -لأرسطو- بدأت تقبلاً أي تعريباً ثم فجرّت عن طريق الترجمة إلى "فن الشعر" ثم صارت بعد تجريدها أي بعد صيانتها الأخيرة تعني "الشعرية".‏

2-Deviation: كانت "العدول" في مرحلة التقبل ثم فجرّت عن طريق الترجمة إلى "الخروج عن المألوف في اللغة" وصارت بعد تجريدها "الانزياح".‏

3-Prose Poem- تقبلّها الباحثون بأنها "الشعر المنثور" وفجرّوها (بنثر القصيدة) أو (النثر الشعري) ثم تجردت أخيراً إلى "قصيدة النثر".‏

4- Lyrical Poetnq: كانت (الليرك -تعريباً وتقبلاً) وصارت (الشعر الوجداني أو الذاتي) تفجيراً وترجمة واستقرت بعد التجريد على (الشعر الغنائي).‏

5-The Novel : هي (النوفل) تعريباً وفهماً ثم صارت بعد الترجمة والتفجير (القصة الطويلة) ثم استقرت (بالرواية) بعد التجريد.‏

6- Allegory: هي (الاليكورية) تعريباً وتقبّلاً ثم صارت (الاستعارة المؤسسة extended metaphor- بعد الترجمة والتفجير وغدت (المجاز أو القصة الرمزية) بعد التجريد.‏

7- ومن المصطلحات العامة في الصحافة على سبيل المثال: الـ Journal- فهي (الجرنال) تعريباً وتقبّلاً ثم تحولت إلى (الورقات اليومية) بعد الترجمة والتفجير واستقرت (الصحيفة) بعد التجريد.‏

إن هذه الكلمات ذوات المعنى الخاص تدخل في إطار علم المصطلح أو المصطلحية Terminology- هو العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها.. وهذا يعني الاطلاع العميق الجذور على طبيعة المفاهيم وتكوينها وخصائصها والعلاقات فيما بينها وطبيعة العلاقة بين المفهوم والشيء المخصوص وتعريفات المفهوم وكيفية تخصيص المصطلح للمفهوم والعكس بالعكس (د.علي القاسمي، مقدمة في علم المصطلح، الموسوعة الصغيرة دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1985، ص17، 18، 20،‏

21).‏

1-6‏

إن ثمة (كلمات) لا تخلو من متاهات تتجلى في دلالة الفكر الكامن وراءها، وإن صياغة المصطلح منها يعني الالتزام بدلالة ذلك الفكر وما يتضمنه من أبعاد معرفية خاصة أو شاملة. فالمصطلح يجمع بين الخصوصية والشمول في آن واحد دونما تفريط بدلالة معناه على ذلك الفكر بمعطياته وانعكاساته، وهذا ما يفسر مرحلة استقرار المصطلح وإذا تجاوز الخصوصية والشمولية الواضحتين عُدّ خيانة وخروجاً عن المفهوم الفكري في هذه الكلمة أو تلك "فوحدة المعنى" ضرورة من ضرورات صنع المصطلح أو صياغته إذ يفترض بالمصطلح أن يجعل التنافر تناسقاً والتعدد وحدة والتشتت توافقاً وانسجاماً، وهنا تكمن أهمية المصطلح، في أي مجال من مجالات المعرفة بعيداً عن الصياغة الترجمية وإن عدّت مثل تلك الصياغة مرحلة من مراحل وضع المصطلح أو صوغه في مسيرته العلمية نحو الاستقرار والثبات وحذر بعض الباحثين المعاصرين من اللعب "خارج المعنى" فكل المفاهيم تحدد الواحد الآخر وفي الوقت نفسه تهدم نفسها أو تعطلها. (مجلة علامات، المجلد الثامن، الجزء الثلاثون، جدة، 1998، ص124).‏

فسلطة المصطلح هي سلطة المعرفة الإنسانية بكل ما تحمل من دلالات فكرية ومن هنا جاء سلطان المصطلح النقدي معبّراً عن تجربة أدبية عميقة الجذور بوجدان الأديب وفكره لا تسمح بأي استعداد معرفي خارج نطاق الوضوح والاستقرار والتوفيق في التعبير عن أبعاد تلك التجربة أسلوباً ولغة وصورة وبناء وجمالاً فنياً. إن ميل المصطلح النقدي نحو الواحدية في المفهوم لهو دليل على سلامة صناعته أو بنائه وإن ولادته الطبيعية ستقرر منذ البدء مستلزمات استقراره في الفكر النقدي الأدبي. وإذا خرج عن هذه الواحدية نحو التعددية فإنه سيولد مشوّهاً لا تُعرف له هوية معرفية حيث تبرز الأزمة في فهم المصطلح ومن ثم في تطبيقه في الدراسات النقدية وهذا ما نلحظه في كثير من الأحيان في الكتابات النقدية الأدبية الحديثة والمعاصرة من سوء فهم لهذه الحقيقة حيث يستعمل الكتّاب والنقاد مصطلحاً ذا مفاهيم متعددة أو مفهوماً ذا مصطلحات متعددة، ما يدلل على أن المصطلح فقد سلطانه النقدي على حساب سلطة المعرفة ذات المفهومات المتعددة، والمتباينة نظراً لكثرة المصطلحات وتعددها وعدم استقرارها على مفهوم معرفي واحد. وهذا هو لبّ الأزمة التي يواجهها المصطلح النقدي اليوم. إنه صراع بين سلطتين لا يمكن الاستغناء عنهما: سلطة المصطلح وسلطة المعرفة. الأمر الذي يجعل صنع المصطلح وصياغته من الأمور العلمية الصعبة والمعقدة في آن واحد أمام تراث اصطلاحي عربي نقدي ثر، وثروة هائلة من المصطلحات الأجنبية الحديثة التي تعج بها الساحة الأدبية والنقدية في الوطن العربي وفي أنحاء شتى من العالم المعاصر.‏

"فالمصطلح المصطلح" في النقد أو في ضروب المعرفة الأدبية والفنية والعلمية والتقنية الأخرى هو الذي يهتم بالمعرفة (والعلم) وبمصدرها في آنٍ واحد. فثمة مصطلحات تهتم بالمعرفة (العلم) ذاتها وتتخصص بهذا التحديد في حين تهتم مصطلحات أخرى بمصدر المعرفة (العلم) وتتخصص به. فاللغة العربية تحدد المصطلح بأنه (عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول) على حد تعبير أبي الحسن علي الجرجاني في (التعريفات)، الدار التونسية للنشر، ص16) في حين تجمع اللغات الغربية في أقدم تعريف للمصطلح بأنه (كلمة لها في اللغة المتخصصة معنى محدد وصيغة مجددة، وعندما تظهر في اللغة العادية يشعر المرء أن هذه الكلمة تنتمي إلى مجال محدد) - (مجلة علامات، م8، ج30، 1998، ص127 نقلاً عن: د.محمود فهمي حجازي، الأسس اللغوية لعلم المصطلح، ص77). وهذا يعني أن سلطة المصطلح في العربية تستند إلى مصدره في حين تستند سلطة المصطلح في اللغات الأجنبية ولاسيما الغربية منها إلى المصطلح نفسه. ومن هنا توجب على صانع المصطلح النقدي في الثقافة الأدبية العربية المعاصرة أن يأخذ هاتين السلطتين: مصدر المصطلح والمصطلح نفسه بعين الاهتمام في الموازنة بينهما وصولاً إلى تحديد واحدية المصطلح مصدراً ومفهوماً في آن واحد، توخياً لتحقيق الدقة والوضوح. فالمصطلحات ومنها المصطلح النقدي هي مفاتيح العلوم حين يأتلف العلم أو الفن الذي هو بمنزلـة الشيء فالتصور أو المفهوم الذي هو بمنزلة الجوهر أو الماهية، على حد تعبير أرسطو في نظرته إلى المصطلح بقوله أنه (عبارة تشير إلى جوهر الشيء أو بمعنى آخر تدل على ما هو الشيء) - (مجلة علامات،م8/ج30، ص128 نقلاً عن: تحليل أرسطو للعلم البرهاني، محمد جلوب فرحان، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1983،‏

ص140).‏

فالمصطلح إذن، ينبني على "تصور للمعرفة ينأى بها عن أن تكون ملتبسة أو مراوغة، كما أنه ينبني على تصور للعقل ينزه عن أي شك في قدرته على الوصول إلى المعرفة وإدراك حقيقتها وجوهرها" -(مجلة علامات،م8/ج30، ص128 فسلطة المصطلح في ضوء هذا التصور تنطلق من جذره اللغوي- المتخصص الذي يختلف عن دلالته العامة، المصطلح هو لغة داخل لغة ولكنه يمتاز عنها، فهو لغة خاصة داخل اللغة العامة تنشأ نتيجة لوعي خاص بمعرفة خاصة من ناحية ووعي خاص بدلالة الكلمات من ناحية أخرى. وإذا كانت اللغة العامة تمثل حرية الإنسان في الكلام فإن المصطلح يمثل الدائرة التي ينبغي الالتزام بها عند استخدام (علامات، م8/ج30، ص131، 132) وبذلك يُعَدّ الخلط بين الدلالة اللغوية الخاصة والدلالة اللغوية العامة في فهم، المصطلح النقدي سمة من سمات أزمته إذا أردنا به مفتاحاً للنقد بوصفه فناً أو علماً، فضلاً عن فهم غير دقيق أقرب إلى الجهل بأصول لغته الأصلية ومن أمثلة ذلك الأمثلة الآتية:‏

1- Free Verse الذي عُرف (بالشعر الحر) ويصور استخدام مصطلح (الشعر الحر) إلى عام 1910 عندما استخدمه أمين الريحاني في مقدمة ديوانه "هتاف الأودية": "يدعى هذا النوع من الشعر الجديد بالفرنسية Verse Libres وبالإنكليزية Free Verse أي الشعر الحر الطليق" واقترن هذا المصطلح بإزاء أكثر من عشرة مصطلحات لأسلوب شعري واحد وهي: الشعر الحر المنطلق، الشعر الجديد: الشعر الحديث، الشعر المعاصر، شعر الحداثة، الشعر المنطلق، الشعر المرسل المنطلق، شعر التفعيلة، شعر العمود المطور، الشعر المستحدث، والشعر المحدث. منها ستة يتداولها بعض النقاد والشعراء ويراوحون في استعمالها بين مصطلح وآخر وهي:‏

الشعر الحر. الشعر الجديد. الشعر الحديث. الشعر المعاصر. شعر التفعيلة. شعر الحداثة.‏

أما المصطلحات الأخرى فشبه ميتة. (مجلة علامات، م8/ج30، ص200، 221، 222 وأصول نظرية نقد الشعر عند العرب ومدارات نقدية، د.عناد غزوان، مركز عبادي للدراسات والنشر، صنعاء، 1998، ص169).‏

وقد استقر مصطلح (الشعر الحر) على الرغم من سوء الفهم الأصلي في لغته الأصلية. فقد ترجم حرفياً (بالشعر الحر) في حين أن بعض المصطلحات مازال مشتتاً غير مستقر ويخضع لمدركات واستجابات مختلفة.‏

2- Stylistics فهي (الأسلوبية) ترجمة حرفية أو (علم الأسلوب) تجريداً وقد استقرت الترجمة الحرفية لهذا المصطلح تقريباً في الدراسات الأسلوبية بوصفها منهجاً نقدياً.‏

2- Linguistics أحصى لها الأستاذ الدكتور عبد السلام المسدي في (قاموس اللسانيات) اثنين وعشرين اسماً قبل أن يستقر تقريباً كثير من الدارسين على مصطلح اللسانيات (المسدي، قاموس اللسانيات، ص70).‏

4- Stuructionalism: هي البنائية أو البنيوية أو البنوية أو الهيكلية. وقد استقر مصطلح (البنيوية) عند كثير من النقاد واللغويين/ اللسانيين.‏

5- Semiotics Semiology هي السيميولوجيا أو السيميولوجي أو السيميوتيك تعريباً أو هي علم الإشارة أو علم العلامات، أو علم الدلالة اللغوية، أو علم الرموز، أو الدلائلية أو السيمياء ولعل (علم العلاقات) أقرب إلى القبول والاستقرار.‏

6- Deconstruction: هي التهديمية، والتشريحية، والتفكيكية وقد استقرت عند كثير من الباحثين بدلالتها الأخيرة- التفكيكية- المنهج الفلسفي النقدي الذي دعا إليه جاك ديريدا منذ عام 1967، حين ذهب إلى أن (لا وجود لشيء خارج النص) فالتفكيكية تعمل من داخل النص. أي أن القراءة التفكيكية قراءة حرة ولكنها نظامية وجادة. فالتحول فيها هو إيحاء بموت وفي نفس اللحظة تبشير بحياة جديدة.‏

7- Intertextuality: هو "التناص" أو "تداخل النصوص" أو هو مقابل "السرقة الأدبية". تنظر بعض الدارسين في البحث عن جذوره التراثية العربية ويرتبط هذا المصطلح بفكرة التكرارية أو النظرية التكرارية التي يلغي بها (جاك دريدا) وجود حدود بين نص وآخر وتقوم هذه النظرية على مبدأ الاقتباس ومن ثم (تداخل النصوص أو التناص) وهذا يعني أن أي نص هو خلاصة لما يخص من النصوص قبله.‏

1-7‏

إن المصطلح النقدي هو قاعدة جوهرية في بناء نقد أدبي جاد تتوسم فيه إضاءة مشرقة وكثيفة في تحليل المناهج نظرياً وتحليل النصوص الإبداعية تطبيقياً حيث يولد ما يمكن أن يصطلح عليه بأدب النقد بوصفه جنساً أدبياً يترجح بين كونه علماً وكونه فناً، وبين كونه حكماً جزئياً وتشريحاً وتحليلاً لهذا النص أو ذاك من فنون الشعر وفنون النثر المختلفة المنضوية تحت مصطلح (الأجناس الأدبية أو الأنواع الأدبية) وهو أي المصطلح النقدي يتمتع بدور حاسم وشخصية معرفية متميزة في ضبط المفاهيم وتوضيح الدلالات والرؤى. فدقة ضبط المفهوم ووضوحه ووحدته هي من أبرز سمات المصطلح النقدي الذي تشهد كتاباته المعاصرة في الثقافة الأدبية، ضرباً من الفوضى، مرده غياب التنسيق بين النقاد والأدباء والباحثين حيث يفقد المصطلح صفة الوحدة والتوحد سواء أكان ذلك داخل القطر العربي الواحد أم في الوطن العربي الكبير لدرجة يشعر معها القارئ وهو يتبع هذا الكم الهائل من الدراسات المنشورة، إن كل باحث أصبح يشكل (مدرسة نقدية قائمة بذاتها، معزولة كلياً عما يجري حولها في المدارس الأخرى على الرغم من اعتمادهم جميعاً على خلفيات مرجعية نظرية غربية مشتركة، الأمر الذي أصبح معه التواصل مع هذه النظرية الغربية في مظانها ولغاتها الأصلية أيسر بكثير في بعض الأحيان من الاطلاع عليها في ترجماتها العربية، نظراً للاضطرار الهائل الحاصل في ترجمة المصطلحات النقدية. وهذا ما يحول حتماً دون تطوير معارفنا العلمية، ويجهض بالتالي كل الجهود المبذولة في هذا الاتجاه. (علامات، م7/ج29، 1998، ص138، 139).‏

فتعدد واضعي المصطلح في الوطن العربي واختلاف ثقافاتهم ثم انقطاع ما بينهم، فضلاً عن أن كل فئة تنطوي على الشعور بأنها أحق بأن تتبع وأنها من ثم لابد من أن تبتدع لنفسها مصطلحاً خاصاً (علامات، م7/ج29، ص140) هي من أعراض هذه الفوضى- الأزمة في تشابك المصطلحات وتعددها دلالة ومفهوماً دونما تنسيق وتنظيم بينها في ثقافاتنا النقدية الحديثة مع تقديرنا العلمي لبعض المحاولات والاجتهادات الفردية الجادة في وضع المصطلح النقدي تحقيقاً للدقة العلمية والوضوح والإبانة والإتقان، بيد أن هذه المحاولات تبقى ضمن إطار الذاتية والفردية. فالوعي الحضاري يستوجب وعياً لغوياً نظراً لأن التطور الحضاري ينعكس في التطور اللغوي الاصطلاحي (علامات- عدد خاص- م2/ج8، 1993، ص11) ويجب ألا يغرب عن البال أن الشكوى من المصطلحات ليست وقفاً على العرب، نظراً لأن صوغ المصطلحات لم يكن عملاً منفصلاً عن البحث العلمي بل كان جزءاً لا يتجزأ منه، إذ أن المصطلحات تخلق نتيجة للحاجة إليها في أثناء البحث وليست عملاً مستقلاً (نفسه، ص14).‏

وفي ضوء الاستقرار والتأمل لما بين أيدينا من دراسات اهتمت بالمصطلح النقدي كواحد من بين كثير من المصطلحات الأدبية واللغوية والعلمية قد واجه بعض المشكلات ولعل من أبزرها: تعدد المصطلحات بحسب المدارس المختلفة، والفهم الخاطئ للمصطلح نتيجة لسيطرة معناه غير الاصطلاحي، والشعور بأن بعض المصطلحات تتسبب في الاعتداء على حرمة المعاني التي ارتبطت بها الكلمات في الحياة العادية، والشعور بأن بعض المصطلحات تخرج عن مقاييس اللغة وذوقها (ومن تلك المصطلحات: القوموية والإسلاموية وأشباهها) والمصطلحات المنحوتة وأخيراً الشكوى بين الباحثين من عدم وجود مقابلات عربية دقيقة لبعض المصطلحات الأجنبية وهذه الشكوى موجودة في اللغات الأخرى (نفسه، ص10-25).‏

إن المصطلح النقدي قد يتحقق له الاستقرار في اللغة العربية أو في أية لغة أجنبية أخرى، هو ذلك المصطلح الذي يُولد من خلال تأمل وإدراك متكاملين ومعرفة شاملة وتلقائية طبيعية بالمفهوم والفكرة والوضوح أو بعبارة بعد مخاض طويل من التجربة. فالتلقائية والعفوية هي من أبرز سمات بناء المصطلح الحقيقي بعيداً عن الارتجال ولا ننسى أن "عملية صوغ المصطلح هي عملية إبداعية يقوم بها الباحث أثناء بحثه" (نفسه، ص37) سواء أكان ذلك عن طريق التعريب أو النحت أو المجاز أو الاشتقاق أو القياس أو الترجمة الدقيقة التي تُعدّ من الوسائط المهمة في بناء المصطلح "فالمصطلح في لغته والمصطلح المترجم كلاهما متوازيان في علاقتهما بالمسمى". وقد يغدو المصطلح المترجم، في ضوء الاستعمال والشيوع مصطلحاً أصلياً إذا توفرت فيه عناصر الإبداع من خلال جمال صوغه اللغوي وخفة جرسه وقدرته على الديمومة والبقاء في احتفاظه بمفهوم دقيق ومحدد يتمتع بالوضوح والإبانة بعيداً عن اللبس والغموض الذي قد يصل إلى مستوى التعقيد الذي قد يجعل القارئ أو الكاتب أو الناقد ينفر منه إلى البحث عن مصطلح آخر قد يجد فيه مبتغاه حيث تولد مرحلة الإهمال لتولد مرحلة البحث عن مصطلح جديد في عالم متطور، متحرك، سريع، يعج بالمكتشفات الطبيعية والابتكارات الحضارية، أو إذا شئنا يعج بحركة مستديمة من تقدم العلوم والمعارف في ميادين إنسانية شتى. ولما كانت اللغة، أية لغة -وهي القاعدة التي يستند إليها المصطلح وينطلق منها -ظاهرة اجتماعية فإنها تتحرك "طوعاً كلما تلقت منها خارجياً" فما أن يستفزها الحافز حتى تستجيب بوساطة الانتظام الداخلي الذي يمكنها من استيعاب الحاجة المتجددة والمقتضيات المتولدة، وهكذا تصطنع اللغة لنفسها نهجاً من الحركة الذاتية. ومن أشد المنبهات وقعاً على اللغة... العلوم والمعارف إذ تهجم على اللغة وتستثيرها بالمفاهيم المستحدثة فترد اللغة الفعل بولادة المصطلحات". (نفسه، ص56، 57).‏

ولما كان المصطلح النقدي جزءاً من الدرس النقدي والكتابة النقدية أو أدب النقد، فإنه ذو علاقة بل علاقات متعددة بغيره من ميادين المعرفة من علوم وفلسفة وفنون. وهو من خلال هذه العلاقات يكشف عن تاريخه العريق بوصفه مصطلحاً وفي حالة استعماله في النقد، على سبيل المثال يتجلى بعده الآني الواقعي. فهناك علاقة وثيقة ودائمية بين المصطلح والمبدع والمتلقي، كما أن له علاقة بالواقع الاجتماعي والثقافي، لذلك فإن تعدد دلالة المصطلح واختلافها، هما دليل على وعي مستخدم المصطلح بهذا التعدد وذلك الاختلاف وإذا انعدم مثل هذا الوعي تحول المصطلح أو التعبير الاصطلاحي إلى ضرب من الازدواجية والتعقيد وأخيراً إلى الفوضى في الفهم والاستيعاب والاستعمال، لاسيما إذا ارتبط المصطلح بالقضايا السياسية والاجتماعية فضلاً عن الثقافية. فالمصطلح عندما تختلف دلالته عند مستخدميه يفقد صفته الأصلية ولا يعود مصطلحاً.‏

(* ) ألقيت في المجمع العلمي يوم الاثنين 27/9/1999.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244