أصداء دراسات أدبية نقدية - أ.د.عناد غزوان ـ جامعة بغداد

من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:24 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الفصل الثامن بيت الحكمة أسس الماضي وآفاق المستقبل

نظرية العمل الترجمي وآليته*

إلى كل مفكر وباحث في مناهل التراث وروافد المعاصرة‏

على نهج العلم والموضوعية، تقديراً وإجلالاً‏

لم يعد توصيف تاريخ اللغات ونشوئها معضلة كبيرة أمام الفكر الإنساني. ولكن، في الوقت نفسه لم يعد مسلمة ليس عليها نقاش وما حولها من جدل، إلا أن تطور) اللغة في الوظيفة والاستعمال والغاية. صار موضع المدارسة والاستذكار القومي) في مستوى اللغة الواحدة والعالمي على صعيد كل اللغات، ولقد ولدت الترجمة). على أي شكل كانت أو نمط. لتصبح قنطرة) العبور من لغة إلى لغة ومن ثم: من إنسان لإنسان. إذ بدأت في قصور الملوك والأباطرة والقياصرة ثم أو قبل ذلك) اتخذت لها موقعاً في التجارة العامة بين الأمم والشعوب لحل ما ينبثق من مشكلات أو لتسهيل ما يوثق من علائق. أي أنها ولدت ترجمة شفاهية) تنقل الكلام بما يقابله. من لسان إلى لسان. ومن سامع إلى مستمع ومن متحدث إلى متكلم على نظام كلتا اللغتين من دون عناء. ولكن من غير سمعة أو انتشار بادئ ذي بدء. نستذكر ذلك، وهو معروف غير خفي. استهلالاً لمبحثنا المقتضب هذا. من جهة. وللتذكير بماهية) التطور) الترجمي الذي تحقق حتى الآن ومن بعد ذلك يصير التعايش مع آفاق المستقبل حالة استطرادية. بل تلقائية ومقبولة من جهة أخرى. عندما أقدم عبد الله المأمون 786-833م) سابع العباسيين 813-833م) على تأسيس بيت الحكمة) لغاية تشجيع العلم والعلماء. نشطت حركة الترجمة بصيغها الجديدة) المؤثرة: التحريرية)، وفي قولنا نشطت) إشارة إلى وجود هذه الترجمة قبل التاريخ المذكور. إلا أن بيت الحكمة) بدا يمنح هذا النشاط العقلي المتميز رعاية تتفق مع غايته هو والتي تعبر عن غاية) الخليفة العباسي نفسه في التنقيب عن تراث الأمم الأخرى التي تبوأت حضارتها المواقع الرائدة في الحكمة والعلم والأدب، تقديماً وتأخيراً، في التمايز والأسبقية وتبعاً لحقب التاريخ وطبيعة الارتقاء سوياً. ولقد كانت أمة الإغريق اليونان القديمة. في مقدمتها من غير إغفال لأمم الشرق التليد أو المعاصر لبيت الحكمة والمجتمع العربي آنذاك.‏

مثل بيت الحكمة الهيكل المؤسسي العلمي شخصية معنوية اعتبارية ذات أهمية اجتماعية وفكرية وسياسية، فارهة، بل جعل من نفسه قمة العقل العربي الإسلامي في الاختصاص والتحصيل المعرفي... نقل المعارف من اللغات الأجنبية عصرئذ إلى اللغة العربية. أي أنه عمل منتج ومستقبل للعلوم العقلية، والنظرية والتطبيقية، ولم يتسن له عمل يصدر) أو يرسل) إلى أمم اللغات التي تستقبل منها في تلك السنوات المحدودة والضيقة. من هنا فإن بيت الحكمة في عهد المأمون كان خطوة) تأسيسية، ومحطة شروع ناجحة في هذا الإطار، أما بالنسبة إلى نوع) المعرفة التي عمل على نقلها إلى العربية و مستوى) هذا النقل والأسس التي قام عليها أو المعايير التي يمكن اللوذ بها والحكم عليها بموجبها، فإنها من السعة والأهمية والفائدة ما يتوجب معالجته تفصيلاً. لاحقاً، مع ذلك، فإن بمقدورنا الإشارة السريعة في هذا المدخل من أن محاولة بيت الحكمة) هذه يمكن عدها استغراباً Occidentatism))) في كثير من جوانبه المعاصرة أو الحديثة، الاستغراب) أو التغرب، بهذا المدلول Occidentatism) أو Westernism) بدأه العرب المسلمون وهم في أوج حضارتهم لإحياء حضارات اندرست معالمها هنا وضاعت هناك أو ضعفت ووهنت في الأقل.‏

وبإضافة ما قدمه العقل العربي عبر بيت الحكمة)، وهو غير قليل، وفي عموم المجالس والمدارس العلمية المنتشرة في الحواضر، ثم على النطاق الفردي، المبدع، الخلاق فإن نسيج الحضارة العربية الإسلامية اتسم بالأصالة والأمانة والانفتاح من دون تحفظ أو مغالاة في أي منها، ومن الطبيعي ألا يفهم هذا القول على محمل التطابق) الذي أبدعته الأمة) مع ما أبدعته الأمم) التي سبقتها، فليس في هذا التوجه شيء من طبيعة الحياة أو العلم أو التطور إنما التلاقي ممكن والتضاد محتمل والتوافق ليس مستبعداً على كل حال. هنا يكمن دور الترجمة) الممتاز! إذ لولا هذا النقل الواسع إلى لغة العرب والشرح الوافي لما تم نقله، ومعارضته أو محاكاته، وتغييره أو الرد عليه، ما كان بالإمكان بناء هذا الهرم الحضاري الشامخ في الواقع، إذ أنه لابد من أن يكون أقل شموخاً مما هو عليه مع الترجمة.‏

إن الترجمة الشفاهية كانت بمنظورها العلمي قديمة قدم الحضارة الإنسانية. فاللقاء والانفتاح بين حضارات العالم قديماً وحديثاً هما مفتاح الترجمة حين يكون التأثير والتأثر وما يولد منهما مظهراً حضارياً معروفاً. وهنا تكون الترجمة) بمفهومها الفني والعلمي، الشفاهي والتحريري الوسيط المشروع والشرعي في آن واحد لعملية التأثير والتأثر. فقد أدى اتصال تدمر العريقة، على سبيل المثال، باليونان والرومان إلى دخول ألفاظ يونانية ولاتينية في لغتها ولاسيما في الإدارة والجيش(1) . وقد وجد بعض المستشرقين في مصطلحات البحرية العربية الجاهلية قبل الإسلام) بعض الألفاظ التي تدل على التأثير بالبحرية الأجنبية وهي ألفاظ حبشية ويونانية وفارسية. وقد تنبه علماء اللغة العربية الأوائل إلى هذه الحقيقة وحاولوا البحث في أصول بعضها، ذكروا أنها أعجمية، ولما كان علمهم باللغات الأجنبية غير الفارسية محدوداً، لم يتمكنوا من تشخيص أصول بعض الكلمات المصرية عن اليونانية والحبشية فرجعوها إلى أصل فارسي في الغالب وهي ليست من الفارسة في شيء(2) .‏

كان العربي قبل الإسلام في العصر الجاهلي) على علم ودراية بالكتابة على الرغم من شيوع الشفاهية عصرئذ، فقد اضطرته أحوال معاشية تجارية وأخرى فكرية ثقافية إلى أن يتعلم كتابة اللغات الأخرى(3) . تحدثنا مصادر دراسة ذلك العصر، بأن عدي بن زيد العبادي تعلم في الكتاب. الخط العربي ثم الخط الفارسي فصار أفصح الناس وأكتبهم بالعربية والفارسية، ثم انتقل إلى بلاد فارس وأصبح كاتباً بالعربية ومترجماً في ديوان كسرى) وكذلك كان لقيط بن يعمر الأيادي كاتباً بالعربية ويحسن الفارسية. فكان من أجل ذلك مترجماً في ديوان كسرى، وكان ورقة بن نوفل كتب الكتاب العبراني فيكتب بالعبرية من الإنجيل ما يشاء أن يكتب). وكان عبد الله بن عمرو بن العاص كثير العناية بكتب أهل الكتاب وكان يقرأ بالسريانية. وزيد بن ثابت تعلم على عهد الرسول ص) الكتابة العبرانية والسريانية والفارسية والرومية والقبطية والحبشية، تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن(4) ويبدو أن كتب أهل الكتاب، سواء كانت مترجمة إلى العربية أم مكتوبة بغيرها من اللغات، كانت تلقى من العناية لدى بعض العرب ما يحملهم على مدارستها(5) . وقد اهتمت الدولة العربية الإسلامية بأمر الترجمة وأهمية اللغات الأجنبية في تطور الحضارة، فلم يلبث الخلفاء بعد أن شادوا دولتهم، أن أنشأوا في جميع المدن المهمة مراكز للتعليم وجمعوا حولهم كل عالم قادر على ترجمة أشهر الكتب ولاسيما كتب اليونان.. ولم يدم اكتفاء العرب بما نقل إلى لغتهم طويلاً، فقد تعلم عدد غير قليل منهم اللغة اليونانية، على الخصوص ليستقوا منها علوم اليونان، ثم اللغة اللاتينية واللغة القشتالية في إسبانيا.. والإنسان يبدي العجب من الهمة التي أقدم بها العرب على البحث، وإذا كانت هنالك أمم تساوت هي والعرب في ذلك فإنك لا تجد أمة فاقت العرب على ما يحتمل(6) .‏

إن هذه الحركة الترجمية المتميزة في الحضارة العربية الإسلامية، كانت تستمد قوتها وحركتها من مدرسة بغداد ومن بيت الحكمة على وجه الخصوص، هذه المدرسة التي كانت تتصف بروحها العلمية الصحيحة التي كانت مثالاً يحتذى في المنهج والدرس العلمي. هذه الروح التي دفعت غوستاف لوبون) إلى القول بلا مبالغة أن العرب أنجزوا في ثلاثة قرون أو أربعة قرون من الاكتشافات ما يزيد على ما حققه الأغارقة في زمن أطول من ذلك كثيرا.. أن العرب وحدهم كانوا أساتذة الأمم النصرانية عدة قرون وأننا لم نطلع على علوم قدماء اليونان والرومان إلا بفضل العرب وأن التعليم في جامعاتنا لم يستغن عما نقل إلى لغاتنا من مؤلفات العرب إلا في الأزمنة الحاضرة(7) .‏

وتجدر الإشارة إلى أن خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة 85هـ أو 90هـ) الذي كان يسمى حكيم آل مروان(8) من الشخصيات العلمية الرائدة في ميدان الترجمة وكان مولعاً بصفة خاصة بكتب الطب والكيمياء. وقد تمت في حياته عملية تعريب الكتب في هذين المضمارين من العلوم من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي.. ويذهب ابن النديم) إلى الاعتقاد بأن هذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى أخرى. ثم نقل الديوان وكان بالفارسية إلى العربية في أيام الحجاج والذي نقله صالح بن عبد الرحمن مولى بني تميم)(9) . وقد ازدهرت الترجمة حركة علمية واسعة الانتشار في العصر العباسي ولاسيما بعد تأسيس بيت الحكمة).. فقد أنشأ الرشيد. مجمعاً علمياً راقياً أودع فيه خزانة واسعة للكتب جمع فيها كتباً في علوم مختلفة بلغات مختلفة هي مما جمعها جده المنصور وأبوه المهدي ومما عثر عليه في أثناء حروبه في أنقرة وعمورية وغيرهما من بلاد الروم. وقد سمي هذا المجمع العلمي بيت الحكمة) أو دار الحكمة) والبيت عندهم جزء من الدار وكان يجمع في هذا المعهد العلمي المترجمون والعلماء والكتاب والأدباء كل يوم للترجمة والمطالعة والمناظرة. وقد ترجمت فيه كتب كثيرة في علوم مختلفة وقد وسع المأمون بناية هذا المعهد فصار دار الحكمة حقاً وأفرد فيها لكل علم رواقاً فازدحمت في عهده عليها العلماء وكبار المترجمين ورجال التأليف)(10) . ومن المترجمين المشهورين يوحنا بن البطريق الترجمان) مولى المأمون وكان أميناً على الترجمة. وكانت الفلسفة أغلب عليه من الطب وتولى ترجمة كتب أرسطو طاليس) خاصة وترجم من كتب بقرط) مثل حنين بن اسحاق) وغيره.. وكان المأمون يشاركهم ويناقشهم في مختلف المواضيع العلمية والأدبية.. وكان سهل بن هارون يتولى إدارة هذا المعهد وكان أيضاً يشرف على تنظيم خزانة كتب المأمون الخاصة.. وقيل أن يحيى بن أبي منصور الموصلي ومحمد بن موسى الخوارزمي كانا من خزنة دار الحكمة المأمونية. كما كان الصنوبري الحلبي والفضل بن نوبخت وأبناء شاكر وغيرهم يترددون إلى هذه الدار للمطالعة والنسخ والترجمة أو التأليف.. وقد جعل المأمون حنين بن اسحاق رئيساً لديوان الترجمة وكان حنين هذا يجيد أربع لغات: السريانية والعربية والفارسية واليونانية وكان يعطيه من ذهب زنة ما ينقله من الكتب إلى العربية مثلاً بمثل‏

(11) ... وما أن تم إنشاء بيت الحكمة) ووضعت خزائن الكتب التي جمعت في عهد المنصور والرشيد فيه، حتى عين له رئيس يعني بشؤونه ويشرف على أعمال الترجمة فيه، ويساهم نفسه في تلك الأعمال، وكان يطلق عليه اسم صاحب بيت الحكمة).. ومن الذين تولوا رئاسة بيت الحكمة يوحنا بن ماسويه) الذي كان من كبار المترجمين ويرى بعض المؤرخين أن يوحنا) هذا كان أول رئيس لبيت الحكمة... وكان من الذين تولوا رئاسة بيت الحكمة في عهد المأمون سهل بن هارون) وكان يشرف على ترجمة الكتب التي وردت للمأمون من جزيرة قبرص.. من ثم تولى حنين بن اسحاق) رئاسة بيت الحكمة) طيلة عهدي المأمون والمعتصم وحتى عصر المتوكل، وقد نهض بهذه المهمة على أحسن وجه وأحاط نفسه بعدد من المترجمين الذين دربهم على هذه الصنعة خير تدريب.. وبقي بيت الحكمة قائماً إلى أن داهم المغول بغداد فذهبت خزانة الكتب فيما بعد وذهبت معالمها وعفيت آثارها.. كان العمل في بيت الحكمة منسقاً تنسيقاً بديعاً. فقد كان المترجمون ينقسمون إلى عدة أصناف. صنف ينقل من اللغة الأجنبية إلى اللغة العربية رأساً وصنف لا يحذق اللغة العربية لكنه يتقن لغتين أجنبيتين أو أكثر. وكان يعرف اليونانية والسريانية، أو اليونانية والسريانية والفارسية في وقت واحد. فمثل هذا الصنف قد ينقل عن اليونانية إلى السريانية أو عنها إلى الفارسية حتى إذا ما انتهى من عملية النقل هذه، تولى مترجمون من الملمين بإحدى هذه اللغات ترجمة ما تم نقله إلى اللغة العربية وبذلك فإن كثيراً من المصنفات اليونانية في الدرجة الأولى، لم تترجم إلى اللغة العربية مباشرة، وإنما جرت ترجمتها إلى السريانية أو الفارسية، ثم نقلت مجدداً عن هاتين اللغتين إلى اللغة العربية. وكانت الترجمة في بيت الحكمة تتم عن ست لغات هي: اليونانية، والسريانية والفارسية والهندية والعبرية والقبطية وقد جرت ترجمة بعض الكتب عن اللغة النبطية أيضاً وكثيراً ما يحدث أن تكون بعض هذه النقول غير دقيقة وركيكة العبارة... وأفردت في بيت الحكمة غرف أخرى للمترجمين، وأخرى غيرها للذين يقومون بمراجعة تلك الترجمات وتنقيحها وإصلاح كل خطأ فيها..(12)

يذكر ابن النديم في فهرسته) أسماء المترجمين أو أسماء النقلة من اللغات إلى اللسان العربي لديهم وقتئذ كالفارسية والهندية والنبطية واليونانية والسريانية ويذكر الكتب التي ترجمت أو نقلت إلى اللسان العربي في اختصاصات معرفية مختلفة ومنها ريطوريقا) معناها الخطابة أو أبوطيقا) ويقال بوطيقا): معناه الشعر لأرسطو طاليس وغيرها كثير(13) .‏

إن التأمل في تاريخ حركة الترجمة في العصر العباسي بوصفها ظاهرة معرفية استقرت في بيت الحكمة) أو دار الحكمة) هذا الوعاء الحضاري والفكري العميق في جذوره الإنسانية، يمكن أن يترجمها إلى ثلاثة أدوار، على رأي بعض الباحثين(14) يبدأ الدور الأول من خلافة أبي جعفر المنصور إلى وفاة هارون الرشيد 136هـ-193هـ) ومن مترجميه الأوائل: يحيى بن البطريق) وعبد الله بن المقفع) و يوحنا بن ماسويه). والدور الثاني من ولاية المأمون 198هـ-300هـ) ومن مترجميه يوحنا بن البطريق و الحجاج بن مطر) و حنين بن اسحاق) وابنه اسحاق بن حنين) وثابت بن قره الصابي) والدور الثالث من 300هـ) إلى منتصف القرن الرابع للهجرة ومن مترجميه متي بن يونس) و سنان بن ثابت بن قرة) و يحيى بن عدي. المتوفى سنة 364هـ) و أبو علي بن زراعة) و هلال بن هلال الحمصي) وغيرهم، ولاشك أن الترجمة التي أدت هذا الدور تستحق منا الدرس والتمحيص: سواء كانت دراستنا لها بوصفها علماً أم فناً بالمنظور المعاصر، أم غير ذلك بالمنظور القديم)، أي أننا نبحث في هذا السياق عن كيفية) أداء المترجم في بيت الحكمة) والمجتمع العربي المعاصر له واللاحق به، مهمة الترجمة، بـ بمعنى: هل تعامل المترجم على وفق آلية) mechanism محددة مسترشداً بنظرية) عمل علمية أو فنية في هذا الصدد أو لا؟ حتى إذا توصلنا إلى شيء ما) في هذا المجال تعين علينا المقارنة بالواقع المعاصر واستقراؤه تفصيلاً بهدف الكشف عن توقعات المستقبل أو استخلاص حقائق) موضوعية ثابتة أو مستقرة في علاقة الترجمة بالارتقاء الحضاري مثلاً، بل افتراضاً مسبقاً لا يفتقر إلى الدقة ولا تنقصه الحجة، وهذا الأمر يقود بالضرورة إلى أن يصير البحث نظرياً تحليلياً في بعض جوانبه تطبيقياً استنباطياً أو مقارناً في بعض جوانبه الأخرى، ثم، فقد توجب أن يحصل الفصل بين العلم بحثاً والعلم إدارة بأن تأخذ آفاق المستقبل بعداً آخر في البحث، أقصد البعد الإجرائي التنفيذي أمام الظروف المستحدثة بفعل الفارق الزمني: بالأجيال والقرون، الظروف بمعناها العلمي الموضوعي، فهي ليست مثيلة لظروف العالم) في عهد المأمون إذ أن عالم) اليوم يشهد متناقضات، ويفرز ثقافات ويفرض أفكاراً وعلاقات وأنظمة يعوزها العدل ويسودها الاستغلال وتنقصها الأخلاقية المثالية، وهي ظروف تضع أمام مترجمنا الحديث) وأمام بيت الحكمة) الثاني تحديات فيها من التعدد ماهو كثير ومن التعقد ما هو أكثر: إلا أن صيغ البحث والتطوير ووسائل الابتكار والإنجاز ليست معدمة أو حتى فقيرة تحت سقف المجاهدة) بإزاء المترجم وبيت الحكمة معاً، مادمنا نريد إبلاغ) رسالة حضارة إلى العالم ونستقبل) رسالة حضارة منه، بإرادة منا واختيار، وبريادة منا.. ولكن بتواضع.‏

إن صيغ المقارنة بين بيت الحكمة) الأول و بيت الحكمة) الجديد لتفيد كثيراً في تحديد مسالك التحرك ووجهاتها ومتطلباتها على نحو أكثر موضوعية، فمن حيث الأهداف، فلقد يصح القول أن أهداف الجديد تزيد في الكم وتضاعف في الاتجاه وتشتد في المنافسة وتتسع في الممارسة وتتشعب في التطبيق فتستوجب إذن، وسائل تنفيذ حديثة وكلفاً متصاعدة لأن الأهداف الثنائية. المرسلة والمستقبلة معاً. ليست كالأهداف الأحادية ذات التوجه الواحد. وتلك مسلمة بديهية في القول، إلا أن العمل يضيف أموراً أخرى غير منظورة كلما تعمقت الأهداف أو اتسعت، وإن كل ما يسعى إليه بيت الحكمة) الجديد‏

ليمتد بجذوره إلى البيت الأول، ويمتد بأغصانه إلى الإنسانية كلها وحضارتها الشامخة بتفاؤل مشروع ونجاح هو قادر عليه بإذن الله. لم تكن الترجمة لتزدهر يوماً من تلقاء نفسها في أي عصر. في العالم كله وفي التاريخ لكلفتها المادية ونزعتها الأخلاقية واتجاهها المعرفي إلا بوجود من يشجعها ويدعمها ويرعاها حباً بها وإدراكاً لأهميتها واعترافاً بفائدتها حتى يبادر المبادرة الكبيرة المتميزة والناجحة فيقترن اسمه بها في كل الأجيال. واحد من هذه المواقف الرائدة عندنا تمثل بـ الحركة التي تبناها الأمير الأموي خالد بن يزيد ت 85هـ أو 90هـ) فترجمت لـه الكتب في الطب والنجوم والكيمياء على يد رجل يدعى اصطفن) وهو أقدم مترجم عرفته العربية. ولكن مما يؤسف له حقاً أنه لم يبق من مترجمات تلك الحقبة سوى الاسم فحسب)(15) أما أبو جعفر المنصور فقامت مبادرته الكبرى على ارتباط موقفه بحكاية مرض معدته الذي أصيب به عام 148 للهجرة. كما يذكر صاحب طبقات الأطباء. واستعصى على الأطباء، فأشار عليه المقربون باستدعاء جورجيس بن جبرائيل رئيس أطباء مدرسة جند يسابور، فاستقدمه وعالجه حتى شفي من مرضه ونقل له الكثير من كتب الطب، ولم يكن ذلك غريباً، ولكننا نرى وكأن معدة المنصور لعبت دوراً خاصاً في تشجيع هذا الاتجاه الجديد، تحقيقاً للقول المأثور رب ضارة نافعة!)(16) وأما المأمون فقد وجد أن السبيل لأحكام وجهة نظره هو أن يرفد الفكر العربي بينابيع جديدة من الخارج يستوردها عن السريان تارة، وعن اليونانية أخرى كي يعزز مواقع الاعتزال وأنصاره وكان له ما أراد، فأصبح عصره أنضج عصر عرفته العربية رواجاً في الترجمة والتأليف، وأعنف عصر عرفناه بالالتزام والتحيز)(17) .‏

مثل هذه المواقف. المبادرات الرائدة. كثيرة في أمم أوروبا وآسيا، بل في الأقطار العربية نفسها التي احتضنت حضارات عربية شامخة حتى دولة محمد علي باشا في مصر ومن بعد ذلك بدأت النظم المؤسساتية الثقافية والإعلامية. تمارس دور الترجمة والتأليف والنشر مما تعلم هذا اليوم. ومما يدعو إلى التمعن والتمحيص هو: طبيعة الإدارة الإجرائية في تلك المبادرات الرئاسية) الأولى. فالعلاقة تبدو واضحة بين رأس) الدولة والمترجم) وإذا كان ثمة من يصير وسطاً) بينهما فالرعاية شأن المترجم بأمر الأمير لتنفيذ مشاريعه أو خططه.‏

ففي قولنا مثلاً أن س) من المترجمين ترجم ص) من الكتب بإيجاز يفيد تحقيق الإنجاز: أما إذا أردنا معرفة كيف) ترجمه وماذا واجه من صعوبات في سبيل ذلك، فإن الإجابة تدخل في التفاصيل التي لابد من مراجعتها بهدف المقارنة، في الأقل، ليست على مستوى العمل) الميكانيكي حسب، بل على صعيد التنظيم الإداري أيضاً وإن ظروف) المترجم في عصر النهضة الأول العباسي) قد تصبح فروقاً لا ميزات فقط، إزاء مترجم هذا العصر: أو أن الفروق تميل نحو جعل ظروف مترجم هذا العصر أفضل من نظيره ذلك. ليأخذ مثلاً مسألة الانتقاء selection قصد انتقاء الكتاب للترجمة: كيف كان ذلك يتم في بيت الحكمة؟ الإشارات المتناثرة كانت تؤكد مبدأ حرية) المترجم بإطار الانتقاء الجمعي الكمي الهائل الذي جاءت به الدولة من الخارج، وعلى نحو خاص من جزيرة قبرص بالنسبة لخزائن كتب بلاد اليونان، وقصتها في قدرتها على تفريق) الأمة التي تتعامل بها ومعها معروفة، على أن فهمنا لحرية المترجم يجب أن يتوقف عند المتاح من الكتب وليس عند الكتب إطلاقاً لأسباب موضوعية جداً تتعلق بمعرفة أو بتعذر معرفة جميع ما لدى الأمم في تلك الحقبة الزمنية بالسرعة والدقة الممكنتين أو المطلوبتين. كما أن الانتقاء الجمعي ما هو إلا نقل ميكانيكي جمعي من-إلى) ليس أكثر من دون معرفة محتوى) المنقول بحراً أو براً. ثم يجري تصنيفه وانتقاؤه أجزاء على هيئة كتب بأسماء مؤلفين أجانب. أما رأس الدولة) فإنه راغب في التقيد بالاتجاه العام حسب. المأمون مع الكتب التي تتناول الفلسفة. الحكمة أولاً وبقية العلوم والمعارف من بعدها، والمنصور مع كتب الطب ومن بعده ما يشاء المترجم وهكذا، أما الانتقاء في هذا اليوم. العصر. فلقد صار مشكلة كبرى، إذ بتعدد العلوم وتفرعها إلى العشرات والمئات، مفرزة آلاف الأنشطة المبدعة في ضوئها، وبإضافة الجديد كل يوم وشهر وسنة من التصنيفات المعرفية، يجعل من غير الممكن بل من المستحيل على الفرد الواحد أو المؤسسة الواحدة حل مشكلة الانتقاء حلاً منهجياً دائماً ومستقراً بل يحل محله الركض) وراء ما يشتهر) من كل ذلك أو ينال الجائزة العالمية أو الجوائز الوطنية والقومية وهو معيار لا يمكن تصغير شأنه أو استصغاره في بحر الإنتاج الفكري والعلمي والأدبي العالمي سنوياً مما توثقه اليونسكو) في إحصاءاتها السنوية. Unesco Statistical Yearbook إلا أن الحاجة الوطنية) معيار مهم وأساسي في تقدير نوع الانتقاء وحجمه في وحدة زمنية معينة سنة وخمس سنوات.. الخ)، بيد أن الحاجة الوطنية نفسها تفترض وتفرض معاً من) يحددها أو يوصفها، ولاشك أن لبيت الحكمة) دوراً في هذا الصدد إلا أنه ليس كل الدور في الواقع، فهو جزء مهم من كل كبير، وبإمكانه النظر إلى الموضوع من أكثر من زاوية إيجابية في الحقيقة.‏

لم يكن مترجم المعتصم والواثق وقبلهما المنصور والرشيد والمأمون يعتمد على معجم ثنائي) لأداء مهمته وبخاصة مع اللغات الأوروبية واليونانية على نحو أكثر تخصصاً) لغيابها أصلاً في تلك الحقبة عن الصنعة والامتهان. وبهذا الفرق ميزة تميل بالمترجم آنذاك نحو كفاءة الأداء والثقة بالنفس والجرأة في العمل والتحدي في المواجهة، وإن كان له من مساعدة فمن مترجم آخر يشاركه الاختصاص، أو العمل المهني في ظل بيت الحكمة أو الرئيس الإداري المحلي، أما الآن فإن المعجم الثنائي لا مفر منه في المراجعة والتدقيق والتوثيق من المعنى الدال) بدقة، لأن تغير المعاني وانحسار وتوسع وانحدار) قد فرض تأثيره عبر عشرين قرناً من الزمان تقريباً، فكان أن تعرض كثير من الكلمات لأن يصبح ميتاً أو مهجوراً أو عتيقاً Archaic and obsolete. مقابل ابتداع كثير من الكلمات التي لم تكن موجودة أصلاً من المصطلحات والتغيرات على نحو خاص، أي أن هناك مصطلحات حديثة Neologisms على نحو مستمر حتى لتبدو، الآن، لغة الأوائل) صعبة) على المتأخرين) ولغة المتأخرين غريبة) على الأوائل لو بعثوا! وفي الوقت نفسه فليس ثمة حاجة لتثبيت الفرق بين وسائل التوثيق، كتابة وطباعة، وخزناً مصوراً: المايكروفلم، خزناً حاسوبياً إلكترونياً) الذي قلب ميزان تداول المعلومات أصلاً وترجمة، رأساً على عقب لصالح هذا العصر والقائمين على الترجمة فيه بل المترجمين أنفسهم! ثم يحق للباحث، فضلاً عن السائل القارئ) أن يسأل فيما إذا كان ثمة مناهج) أو وسائل أو خطوات) معينة تميز بها العمل الترجمي حذاء النص المطلوب ترجمته إبان بيت الحكمة الأول وفي عصره معاً. ومن الواضح أن مثل هذا التساؤل يعني أيضاً أن المترجمين كانوا على قدر من الكفاءة التي يقترب بعضها من بعض فيما بينهم إن لم يحصل التطابق فعلاً بين ترجماتهم أن توفر لهم المنهج أو ما نسميه هنا الآلية) الموحدة.‏

في حالة توفر هذا المنهج الآلية الموحدة) فإن من المنطقي تماماً أن يخضع لرؤية المعاصرة كما الرؤية المحايدة لتقويم مدى التوافق بين القديم والجديد) وتحديد معالم التغير أو التطور أو أسبابه الموضوعية.. ولقد أتيح لنا الاطلاع على أكثر من رأي في هذا الصدد، إلا أن الذي يناسب هذا المقام هو ما ذهب إليه البهاء العاملي في الكشكول عن الصلاح الصفدي) في وصف واقع العرب حيال الترجمة أيام نشطت في عصر المأمون فسماها الطريقين أو المذهبين). إذ قال: [وللترجمة في النقل طريقان أحدهما طريقأ) يوحنا بين البطريق وابن الناعمة الحمصي وغيرها وهو أن ينظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات اليونانية وما تدل عليه من المعنى فيأتي الناقل ب) بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها إلى الآخر كذلك حتى يأتي على جملة مايريد تعربيهجـ) وهذه الطريقة رديئة لوجهين أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية، كلمات تقابل جميع كلمات اليونانية ولهذا وقع في خلل التعريب كثير من الألفاظ اليونانية على حالهاد) الثاني أن خواض التركيب والنسب الاستنادية لا تطابق نظيرها من لغة أخرى دائماً، وأيضاً يقع الخلل من جهة استعمال المجازات وهي كثيرة في جميع اللغات. الطريق الثاني فيهـ) طريق حنين بن اسحاق والجوهري وغيرهما وهو أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويعبر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها. وهذا الطريق أجود ولهذا لم تحتج كتب حنين بن اسحاق إلى تهذيب إلا في العلوم الرياضية لأنه لم يكن قيماً بها بخلاف كتب الطب والمنطق والطبيعي والإلهي فإن الذي عربهو) منها لم يحتج إلى إصلاح)].‏

في ثقافتنا المعاصرة نطلق على منهج يوحنا بن البطريق وجماعته الترجمة الحرفية metaphrase وعلى ترجمة حنين بن اسحاق وجماعته ترجمة معنى meaning translation، إلا أن تطور الكتابة، نثراً وشعراً، أدباً وعلماً، فكراً وفلسفة أوجد حاجة متعاقبة، إلى أنماط أخرى من الترجمة حسب مقتضى الحال أو الضرورة. فكانت الترجمة التفسيرية Interpretation paraphrase عند الغموض والإبهام والترجمة محاكاة Imitation والترجمة تلخيصاً Precis وآخرها التي جاء بها يوجين نيدا Nida): الترجمة المكافئة Equivalent translation التي تجمع بين المنهجين الأساسيين السابقين على أفضل ما يمكن، أي بالمداخلة والتعديل، يجدر بنا هنا التفريق بين ترجمة التلخيص والاختصار تلخيصاً Summarization كما فعل ابن رشد مع كتاب فن الشعر) لأرسطو أما ترجمة التلخيص فليست إلا حذفاً مدروساً لكلمات مكرورة أو زائدة. مع ثناء التوثيق السابق على طريقة حنين بن اسحاق ترجمة المعنى)، ثمة صعوبات بقيت معلقة من دون حل في تلك الحقبة، وما زالت، من مثل غياب المقابلِ الدقيق. المكافئ) للكلمة الأصل ومن ثم اللجوء إلى التعريب بالنقل الحرفي، من اليونانية على نحو خاص، فيزداد الغموض غموضاً إن لم نلجأ إلى التفسير) الهامشي أو الضمني في المتن)، ولقد نشير إلى انتشار هذه الظاهرة حتى لكأن قراء اللغة العربية تعلموا شيئاً من الإغريقية بهذه الطريقة، أو صارت الكلمات إياها عربية التناول. دخيلة. بالمعنى الذي كانت تستعمل به وتدل إليه في أصل لغتها، بل إن فلاسفة العرب والمسلمين لجأوا إلى هذه الوسيلة راغبين بها أحياناً أو مضطرين إليها أحياناً. تقرأ فيما يأتي ما ذكره الدكتور عبد الرحمن بدوي في مقدمة كتاب أرسطو: فن الخطابة)، الذي ترجمه عنه ما يؤيد علمياً) هذه الظاهرة: الضمائر هي عصب الحجاج في الخطابة، المقصود بالضمائر: الاحقية المنطقية التي اضمرنا) بعض مقدماتها، ودعا إلى هذا الاضمار) أسباب عديدة تتعلق بالتأثير الخطابي: منها استعمال الحكم القصيرة النافذة التأثير في السامعين، ومنها إخفاء ضعف حجة الخطيب بعدم بيان المقدمات تفصيلاً. وعلى القارئ العربي أن يعرف جيداً هذا المعنى الذي للضمائر) لأن للكلمة في العربية معاني أخرى بعيدة عن هذا كل البعد. وهي صعوبة لا يستشعرها القارئ الأوربي لأنه يستعمل الكلمة اليونانية انثوميما) برسمها اليوناني، لأن الفلاسفة المسلمين الفارابي، ابن سيناء، ابن رشد الخ) استعملوا هذا الاصطلاح فكان علينا أن نأخذ به ونبعثه من جديد في اللغة بالتمعن في الخطابة والبلاغة اليوم).(18)

بالتمعن بالفقرة الأخيرة نجد أن انثوميما تكتب بالحرف الإنكليزية Enthumema وبمعنى حسب معجم مصطلحات الأدب: ما هو كامن في الفكر وبالطبع فهي يونانية أما الكلمة الإنكليزية الناشئة منها أو المنظورة عنها فهي Enthumem ومدلول معناها: قياسي العلامة، القياسي المضمر:‏

أ- قياس تشتمل مقدماته على علاقة تشير إلى النتيجة مثل: هذا الرجل يترنح إذن هو سكران.‏

ب- قياس تقدرم فيه مقدمة أو نتيجة مج9)(19) تقرأ الآن نصاً ونتمعن في التعريب) بالنقل الحرفي من الأصل اليوناني من الدكتور عبد الرحمن بدوي عن كتاب أرسطو السابق:‏

ومن العلامات نوع لـه نفس العلاقة بالتقدير الذي تسنده مثل علاقة الجزئي مع الكلي، ونوع آخر له نفس العلاقة التي توجد بين الكلي والجزئي.‏

والعلامات الضرورية تسمى تقمريون وغير الضرورية ليس لها اسم خاص بها. واسمى علامات ضرورية تلك التي يمكن منها تأليف قياس منطقي. ومن هنا فإن مثل هذه العلاقة تسمى تقمريون. لأن الناس حين يظنون أن حججهم لا تقبل التفنيد.. فإنهم يظنون أنهم يوردون أي شيئاً برهن عليه وثبت. ان في اللغة القديمة تقمر وبيرس لهما نفس المعنى(1) (20) . نلاحظ الهامش‏

(1) أصلاً، على الترجمة أن يقول الدكتور بدوي فيه:‏

[أي: حد في نتيجة أذ ان تقمر: اليونانية) من معانيها: حد، علامة حدود، نهاية، خط، تحديد علامة، دليل عرض دال وبيرس باليونانية) من معانيها: حد، نهاية، حد أقصى، درجة عليا.](21) . ماذا يعني هذا ؟ أنه يعني. تماماً دخول كلمة اليونانية إلى الحروف العربية بدلول: شيء برهن عليه وثبت وبمعنى: حد، علامى حدود.... الخ وهي تقمر وتقمريون) التي هي مرادف Synonym للكلمة بيرس اليونانية أيضاً، ثم إن هذا يعني، في سبيل الترجمة، إن الأستاذ البدوي نهج نهج فلاسفتنا الأوائل في ترجمته هذه فهل يمكن عده منهجاً مستقلاً أو معاصراً؟. في الحقيقة إن هذا المنهج الخاص) لا يقاس عليه لشدة استثنائيته). إذا صح التعبير، بل إن بالإمكانات، على افتراض الترجيح، أخذ معاني) تقمريون بيرس ونسج صياغة مناسبة منها لتصير ترجمة. أما الآن فإنها ترجمة تعريب معاً مع منح التعريب رجحاناً في التعبير أساساً وضع الترجمة موضعاً ثانوياً فيتكرس المصطلح اليوناني عربياً كما يبدو. بل كما هو مرغوب في ما نرى! إذ العلاقة بين معاني الكلمتين في هامش الأستاذ البدوي تجعلنا نقول بتعددية المعاني في كل منهما أي أن تقمر وبيرس لهما أكثر من معنى في الوقت نفسه فهما Polysems مما يضيف سبباً معذراً معنى واحداً من معاني نفسه من معاني بيرس لحصل لنا كلمة معنى يعبر عنها بأكثر من كلمة أي: Homosym أو Monosym: كما في كلمة نهاية) وكلمة حد) مثلاً، ولو استعمل الكاتب أرسطو) كلمة تقمر أو تقمريون) من جهة أو كلمة بيرس من جهة ثانية في جملة أو فقرة واحدة مرتين ومدلول كل منهما يختلف عن الآخر ولكنهما يقعان بين معانيهما الموثقة مثلاً) نهاية وخط أو) حد ودليل بالنسبة إلى تقمر وحد غاية بالنسبة إلى تقمر) وحد وغاية بالنسبة إلى بيرس) لدخلنا في الجناس بلاغة. في هذه الممكنات اللغوية والاحتمالات التركيبية تتضاعف صعوبة النص الأدبي والفلسفي على نحو خاص، وإذا تصادف غياب المقابل العربي الدقيق لظل المعنى المطلوب Connotation قبل المعنى الظاهر فإن عذراً كبيراً يمنح المترجم الفيلسوف أو الأديب حصراً) حق اختيار النهج الذي يراه مناسباً لمعالجة النقل إلى العربية بالنقل الحرفي أو بغيره.. ثم نستذكر جملة: وهذه الطريقة رديئة لوجهين أحدهما أنه لا يوجد في الكلمات العربية كلمات تقابل جميع كلمات اليونانية) في تعريف طريقة يوحنا بن البطريق الترجمة الحرفية)، ونذكر أن هذا القول الخاص بلغتين، يصح تعميمه على العلاقة بين اللغات الحية المعاصرة مثلاً بل يجوز تعميمه على اللغات كافة علمياً كما أثبتت البحوث والدراسات اللغوية الحديثة وقبل الحديثة. إذ يقول جورج كامبل: George Campbell مثلاً وهو أحد الباحثين في فن الترجمة) وفي منشأ الاختلافات في اللغات: إن الصعوبة الأساسية في هذا الفن متأتية من وجود ألفاظ معينة في كل لغة لا مقابل لها في اللغات الأخرى، ومن هذا القبيل معظم الألفاظ الدالة على الأخلاق والعواطف والمشاعر المنعكسة أو الذاتية، فالألفاظ اللاتينية Miscrcordia: الرحمة و) Virtus الفضيلة و) Temperantia: المزاج لا تجد ما يقابلها في اليونانية ولا في الإنكليزية: Virtue المزاج لا تجد ما يقابلها في اليونانية ولا في الإنكليزية. فكلمات Mercy و) Temperance و) لا توائمها تمام المواءمة فلفظة Virtus ترادف في الغالب لفظة: Vaiour الشجاعة) الإنكليزية التي لا تعني نفس الشيء إطلاقاً. أما لفظة Tempcrantia الإنكليزية تقتضي في مدلولها المعتاد على الاعتدال في المأكل والمشرب)(22) . إن استحال) أقصر طريق لتغيير المنهج الترجمي. ولكن إلى أين؟ تلك هي الأعجوبة! لأنها أوجدت أشكالاً مختلفة من التصرف) حيال النص المستهدف، وهذا يفضي حتماً إلى اختلاف في الترجمة إذا ما تعرض النص إلى ترجمتين مختلفتين، أو أن مترجماً واحداً تولى ترجمة النص مرتين على مدة بينهما، قصيرة أو طويلة. وبإيجاز: إن آلية) الترجمة ليست واحدة كما أنها ليست ثابتة أما السبب فينطلق من طبيعة اللغة أولاً ومن التباين بين المترجمين ثانياً، إلا أن للمترجم موقفاً) يختص به لنفسه، لحكمة أو لسبب ما أو بهما معاً وبخاصة عندما يمارس دور المراجعة) والتلخيص.. في هذا السياق العام والموضع الخاص نتساءل عن هوية) المترجم المعرفية والأدائية، أي ببساطة، من هو المترجم، قبل بيت الحكمة أثناء وجوده وبعد انتهاء دوره، في أجيال الحضارة العربية الإسلامية العباسية حصراً وفي الأندلس أو الشام تكملة؟ إنه. وعلى نحو أكيد، ليس متخرجاً في جامعة) متخصصة أو في قسم من مؤسسة) علمية متخصصة آنذاك أنه واحد من ثلاثة) في أرض الواقع (1) متكلم بلغتين من غير إتقان في الكتابة بهما معاً، وهو المترجم الشفاهي في اللغة السائدة الدارجة) على الأرجح. ثم‏

(1) مترجم متمكن باللغة في تخصيص علميين أو أكثر و: (3) مترجم متمكن باللغة في تخصص واحد علم أو أكثر) وبلغتين ولقد يبدو من غير الواضح التمييز بين (2) و(3) ، وهذا صحيح ويمكن عرضه على الشكل الآتي أيضاً: أن التمكن من دون التخصص بالعلم الذي يترجم فيه يجد صعوبة أكبر في الترجمة من التخصص بالعلم الذي يترجم فيه ويتقن اللغة إتقاناً بيناً، ليس على سبيل التصنيف التجريدي أو المجرد بل على أساس تقويم حاصل الترجمات في مراحل تأريخية عدة لأن التمكن في لغتين كالعربية واليونانية) يفيد تماماً في الترجمة بينها إطلاقاً) إلا أن ترجمة الفلسفة والشعر ليست كترجمة النثر العام أو السياسي من حيث المستوى في الصعوبة والمقابلة المتكافئة وأن القول بظهور أخطاء) أوغموض) أوتشويه) في ترجمة س) من المترجمين لا نستطيع إعادته، فوراً، إلى اللغة وحدها، بل ربما إلى التحصيل العلمي والخزين المعرفي للموضوع المترجم والعكس بالعكس، وهذه المشكلة قائمة حتى الآن في بلاد كثيرة [ومنها بلادنا] انقل هنا جملة من أول كتاب فن الشعر لأرسطو بترجمة ابن رشد وتعليق الدكتور محمد سليم الذي حقق الترجمة عليها:‏

أ. ترجمة أبي الوليد بن رشد: فكل شعر وكل قول شعري فهو: إما هجاء وإما مديح).(23) .‏

ب. التعليق: [أرسطو، عن فن الشعر: فكل شعر وكل نشيد شعري ينحى إما مديحاً وإما هجاء) أخطأ المترجم العربي في نقل هذا الموضع‏

خطأ فاحشاً كانت له آثار وبيلة، وقد يكون له بعض العذر في عدم الإلمام بكلمة يونانية تعني شعر الملاحم Cpic poetry إذ أنها لم ترد في لغة اليونانيين في غير هذا الموضع وفي تاريخ هيرودت) ولكن ترجمة تراجيديا بالمديح وكوميديا بالهجاء جلبت ضرراً أشد وأنكى، إذ ظن فلاسفة العرب أن المقصود هنا هو المديح والهجاء كما هما معروفان عند العرب ومع أن ابن سينا والفارابي يستعملان طراغوذيا وقوموذيا، ولكنهما لم يحسنا فهم المقصود من القصص المسرحية، لعدم معرفتهما بالتمثيل، ولعدم ترجمة أي قصة تمثيلية يونانية إلى العربية. وفي الحقيقة فإن مترجمين آخرين ذهبوا المذهب نفسه، مع ما في موقف المحقق) هنا من تبيان للخطأ والصواب في إنجاز المترجم الفيلسوف) ابن رشد، إلا أن ثمة عشرات التصويبات الأخرى من مستويات أقل أو أعلى، فماذا يعني ذلك؟! نذهب الآن إلى شكل آخر من التعامل. مع النصوص المنقولة إذ يذكر الدكتور محمد شكري عياد في تحقيقه كتاب فن الشعر. من ترجمة أبي بشر متى بن يونس القنائي من السرياني إلى العربي. عن ابن سينا في تلخيص كتاب فن الشعر ما يأتي:‏

وتلخيص ابن سينا لكتاب الشعر يقع في آخر قسم المنطق في كتاب الشفاء وهو يتبع في ترتيب فصوله ترتيب كتاب الشعر كما نجده في ترجمة متي. والمقارنة النصية بين التلخيص والترجمة تدل على أن الفيلسوف قد حاول جهده أن يتغلب على حرفية الترجمة. وأنه جمع في كثير من الأحيان بين الشرح والتلخيص فهو يلاحظ في بعض المواضع عوجاً في أسلوب المترجم لا يحجب المعنى، فيقوم العبارة ليزيدها وضوحاً وبياناً ويستعصي عليه الفهم في مواضع أخرى فيجتهد أن يربط بين الألفاظ ربطاً جديداً يرجو أن يوافق به أفكار أرسطو، وقد يغلو في ذلك إلى درجة تشبه التداعي الحر) الذي يتحدث عنه علماء النفس، فتصبح الفكرة في الحقيقة فكرة ابن سينا لا فكرة أرسطو أو متى. على أنه ربما اضطر إلى ترك جملة أو فقرة كاملة إذا تعذر عليه فهم معناها وتأويلها بوجه من الوجوه وفي مقابل هذه الفقرة المحذوفة نجد فقرات أخرى يزيدها على الترجمة ليشرح بعض الأفكار التي فهمها في الكتاب، أو يوازن بين بعض خصائص الشعر اليوناني وبعض خصائص الشعر العربي)(24) . قد لا نستطيع تسمية ذلك نقداً ترجمياً)، فهذا التصرف واسع النطاق حقاً، وقد لا نتمكن من وصفه تنقيحاً، وهو قريب من ذلك فعلاً، لأن غاية الابتداء ليست كذلك، إنه يكاد يصير إعادة تأليف، بل هو في أقل تقدير إلغاء) شكل النص المترجم تماماً، إذ ليس في هذا القول تجريح بابن سينا بقدر ما يومئ إلى ضرورة التفكير بدور) المترجم أصلاً في جدوى التمسك بالترجمة الحرفية) التي قادته إلى الغموض والنقص والحشو والارتباك مما يمكن استخلاصه من تحليل الدكتور عياد لما فعله ابن سينا إزاءها. أي إن ابن سينا مارس المراجعة) في ضوء الترجمة المكافئة وزاد عليها كثيراً!.. أما الاختلاف في الشكل) المعروض من دون التعرض للمعنى الأساسي) للكلمة أو الجملة فالنص فإنه اختلاف إن لم يكن موجوداً بالفعل فعلينا أن نسعى إلى وجوده أو إيجاده! لأن الجمال الأسلوبي والصياغي لا ينطلق من جمود الشكل بل من تغيره أو تلونه على نحو أكثر دقة.‏

في المنظور المستقبلي تبدو نظرية الترجمة أكثر وضوحاً، فالترجمة الكافئة، منهجاً وغاية، صارت واقعاً مفروضاً ومتبعاً فعلاً، بل أصبحت قاعدة للترجمة المبدعة في الشعر والنثر Creative translation ومن البديهي أن هذا المفهوم لا يلغي إبداع الترجمات الحضارية الأولى إلا أن عوامل نجاح المعاصرة أصبحت أكثر وضوحاً وأوفر كمية حتى دخل العلم طرفاً في هذه المعادلة. وفي العلم التطبيقي والتكنولوجي على نحو خاص، فالترجمة الآلية بدأ تطبيقها في المجالات التي لا تحتملَ التأويل والمجازات والغموض بمعنى: المعنى المزدوج) وهي أقرب بين اللغات في الأصل أو الجذر الواحد ذوات السمات النحوية والقواعدية المتماثلة أو المتقاربة. إلا أن الإنسان لم ولن يفقد دوره في هذا الموضع بسبب الحاجة إليه في المراجعة والتدقيق، لأن إدخال المعلومات: Input يتعين أن يكون صحيحاً لتكون المخرجات: output صحيحة والعكس بالعكس، كما أن مبدأ التخصص العام والتخصص الدقيق في الترجمة قد شق طريقه في الوقت الحاضر في كثير من الدول المتقدمة كبريطانيا، بل أن اتجاهاً جدياً جديداً شق طريقه من حيث تأهيل المتخصص علمياً معرفياً) للعمل الترجمي بتحسين قدراته اللغوية إلى أكبر قدر ممكن، ولكن رغم ذلك كله تبقى مشكلة التعابير الوجدانية والعاطفية والأخلاقية القيمية عقبة في الترجمة مهما حصل من تطور تقني أو كفاءة في الأداء البشري، لأن روح) اللغة لا تظهر على شكل جسم ملموس إلا بأصل مفرداتها، إلا أن نظرية العمل الترجمي على شكل فرق عمل لم يثبت نجاحها ولم تتعرض في الوقت نفسه للإخفاق لأنها تعتمد على عوامل محدودة كثيرة، بعضها يساعد بقوة على إتقان الترجمة بفريق العمل) وإنجازها بسرعة، وبعضها يعمل عملاً مضاداً لذلك، من تلك العوامل نوع النص، فالفرضية العلمية التطبيقية تقول: كلما اقتربنا من المدلول الواحد للكلمة الواحدة صارت الترجمة أكثر حاجة لمعينات مساعدة بشرية وتقنية أو عينية، ولما كان في طبيعة اللغات أن تضم النوعين من الكلمات معاً، وإن التخصص المعرفي هو الذي يعطي الصورة الأخيرة للنص في حيث الجزء الأول من الفرضية: كما في الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا والعلوم التطبيقية والعلوم الصرف الأخرى فضلاً عن التكنولوجيا إلا أن العلوم النظرية العقلية) وما يليها حتى الأدب والفلسفة والشعر فإن للخيال) دوراً مهماً في الصياغة وابتكار الكلمات التعبيرية) أو المعبرة) عن المشاعر، وهذا ما يفقده غير الإنسان، سواء في الترجمة الآلية أو في غيرها. أي إن كتاب فن الشعر لأرسطو مثلاً لا يمكن ترجمته بالحاسب الإلكتروني كما ترجمه الأوائل والمتأخرون معاً! من هنا فإننا نرى بقاء المترجم البشري سيد الموقف الترجمي! إلا أن شروط المواكبة اللغوية والمعرفة بالوسائل المتقدمة هي التي توفر له سبل النجاح والإبداع في آخر المطاف. هنا يظهر دور بيت الحكمة المفترض والمتوقع معاً لأنه يعمل بقانون جاء بالأسباب الواضحة ووضع أهدافاً محددة ووسائل موصفة ولم يبق إلا سياق العمل وتنظيمه وتمويله على الوجه المتكامل لتحقيق رسالته المستقبلية وإكمال رسالة بيت الحكمة الأول في الوقت نفسه.‏

في المنظور المعاصر ثمة نظرات جديدة إلى الترجمة وفي الترجمة، تلتقي بأمثالها القديمة أحياناً وتختلف، إلا أن التقاءها أغلب وأقوى، واختلافها أقل وأضعف، ففي علاقة الفلسفة بالترجمة، وعندما يترجم فيلسوف بل عندما يتفلسف مترجم مؤثرات داخلية، في اللاشعور)، تعمل على وضع الأسلوب بالشكل الذي هو فيه، أم التقويم النهائي لأنماط الترجمة فيبقى واحداً على نحو تقريبي تقول بربارا جونسون في مقالتها: تناول الأمانة فلسفياً(25) [دعنا نقتبس أولاً من ملاحظة تلك الفقرة التي تجسد الموقف الكلاسيكي بين الفلسفة والترجمة. تلك الملاحظة تقدم لإحدى الطبعات الإنكليزية لموسوعة هيغل:‏

إن الترجمة أسوأ صاحب أسلوب في العالم ترجمة حرفية وجملة بجملة ممكنة. بل لقد جرى ذلك. ولكن هذه العملية تافهة تماماً. فالترجمة في كل جزء منها تكون غامضة غموض النص الأصلي. بيد أن أسوأ صاحب أسلوب في العالم هو، واأسفاه مفكر من أعظم مفكري العالم أيضاً يقصد هيغل) وهو بالتأكيد أهم شخص بالنسبة لنا في القرن العشرين. وفي كل تاريخ الفلسفة لا يوجد عمل واحد آخر يداني منطقه) فهو عمل لا يمكن مقارنته في مداه وعمقه ووضوح فكره وجمال إنشائه. فيما يعنيه هيغل، ولكنه يخفيه تحت ركام ميت من المجردات ولكن يجب أن تحل رموزه، لذلك يجب المغامرة بمحاولة لإنقاذ عظمته من فوضاه اللغوية العويصة.. وهذا يشبه عمل الكشف عن الأسرار:‏

فيما يعنيه هيغل، ولكنه يخيفه تحت ركام ميت من المجردات يجب أن يخمن ويستكشف. لقد أقدمت على ترجمة فكر هيغل لا لغة هيغل الاصطلاحية المملة ثقيلة التي تبدو ألمانية أقل مما تكون إنكليزية. ولذلك تكون ترجمتي) عرضاً أو نقلاً نقدياً. فهي ليست كتاباً عن هيغل لأنها تتبع اتباعاً مخلصاً ترتيب فقراته وتسلسلها] وقد وضعت باربارا هذا الكلام وهي تتهم دريدا) قائلة: ولكي نقيس مدى تدخل دريدا التخريجي في تاريخ الفلسفة)، ثم انطلقت تقول في السياق نفسه [وهكذا تترأس قابلية فصل الأسلوب عن التفكير وأولوية المدلول على الدال الذي يتمثل دوره الشرعي الوحيد بخلق الترتيب والتسلسل، المفاهيم الكلاسيكية للفلسفة والترجمة لقد عنى الإخلاص للنص الإخلاص للفحوى الدلالية المصحوب بأقل ما يمكن من الاضطراب اللغوي الناجم من قيود الواسطة. فالترجمة بتعبير آخر، كانت دوماً ترجمة معنى].‏

نعالج هذا المنظور المشترك ضمن نص ورد في رسالة الفارابي: في قوانين صناعة الشعر) نشرها ارثرجي اربري في مجلة الدراسات الشرقية QSO في كانون ثاني 1937، ثم نقلها إلى لغة ثانية ومنها الإنكليزية مثلاً.‏

يقول الفارابي(26) [وقد يمكن أن تقسم القياسات، وبالجملة الأقاويل، بقسمة أخرى فيقال: إن الأقاويل إما أن تكون صادقة لا محالة بالكل، وإما أن تكون كاذبة لا محالة بالكل] فنرى فرصة لترجمة هذا النص الصغير كما هو ترجمة جمع بين الحرفية والمعنى، لوضوحه، لنحصل على الترجمة المكافئة) التي نريد، إلا أننا إذا أردنا ترجمته فلسفياً) على نحو تام فإننا سندخل تعبير: قانون الثالث المرفوع) لأرسطو: Law of Excluded Middle الترجمة، لأن هذه العلاقة كلية الكذب وكلية الصدق) لا تتم إلا في ظل هذا القانون الذي يحرم صيغة الوسط) التام أو الأوسط القريب) من كلية الصدق أو كلية الكذب، ثم نقرأ للفارابي تتمة قوله: [وإما أن تكون صادقة بالأكثر كاذبة بالأقل وإما عكس ذلك، وإما أن تكون متساوية الصدق والكذب]. في هذا الجزء في النص أخضع الفارابي المدلول) لمضمون قانون الثالث المرفوع أو قانون الوسط الموجود على أساس قانون نقيض القانون) فتقول عنه: Law of Included Middle فكلمات الفارابي هنا دالة ومدلولها ذينك القانونان الفلسفيان، فإذا ارتأى المترجم) ذكر القانونين إياهما بدلاً من) النص كاملاً. فلقد عبر عن النص فلسفياً) ولا يصح القول في الترجمة هنا تلخيصاً أو إيجازاً. وإن ترجم النص كما هو.. فإن النص يذهب فوراً إلى ترجمة المعنى بأعلى مستوى من الإتقان افتراضاً:أي مكافئة)، أو إلى الترجمة المتقيدة بالشكل تماماً:أي صرفية) وهي الحد المرفوض عند الأقدمين والمحدثين كما رأينا، إلا أنه إذا ادخل تعبيري القانونين معاً في ترجمة المعنى فإنه، لا شك، قد انتقل إلى الإبداع) التصرف إغناء تفسيراً ومن المستوى الرفيع، وهذا الشكل من الإبداع) أدخلته باربارا جونسون ضمناً في ترجمة المعنى في أعلى مرتباتها، لأنها مدلول مضاف وليس مجرد مدلول تعويضي!‏

في وضع أبي الوليد بن رشد مع تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر): الشرح والوسيط، ثم نجده اتبع منهجاً في الترجمة جديداً في حينه، متكامل بعضه مع بعض، فهو إذ ينقل النص نقلاً حرفياً لا يخونه المعنى فإنه يعطف عليه إضافة عربية خالصة في التعليق. شعراً أو نثراً وفي الحقيقة فإن هذه المنهجية لا تخضع لمفهوم التعليق أو التعقيب على النص حسب. بل تعكس قدرة واضحة على التعامل مع مادة) النصولغته) معاً. ولقد يبدو الاستدلال بما هو موجود عن العرب لتعضيد ما يذكره أرسطو أمراً يقدر على مثله آخرون. إلا أن نفي) وجوده مسألة تؤكد زهو هذا اليراع والفطنة. يقول ابن رشد مترجماً ومعقباً مبدعاً(27) .‏

[قال أرسطو): ومن التخيلات والمعاني ما يناسب الأوزان الطويلة، ومنها ما يناسب القصيرة. وربما كان الوزن مناسباً للمعنى غير مناسب للتخييل، وربما كان الأمر بالعكس ، وربما كان غير مناسب لكليهما.]‏

أي جواز العمل بنظرية الاحتمالات هنا) هنا يضيف ابن رشد معقباً: [وأمثلة هذه مما يعسر وجودها في أشعار العرب. أو تكون غير موجودة فيها، إذ أعاريضهم قليلة القدر]. في هذا النفي موقف شجاع إلا أنه مستند إلى علم واطلاع وهو الصورة الأخرى للإبداع المقتدر كما نرى، بل هو الصورة الأخيرة له بعد أن كان ترجمة المجاز بالمجاز أولها.‏

الهوامش‏

(1) -تاريخ العرب قبل الإسلام، د جواد علي، جـ7 القسم اللغوي) مطبعة المجمع العلمي.العراقي، 1376 هـ -157، ص327- 328.‏

(2) -نفسه، جـ8 القسم الاجتماعي والثقافي)، 1280 هـ 1960. ص122- 123.‏

(3) -مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، د. ناصر الدين الأسد، دار المعارف بمصر، ط2، 1962، ص54.‏

(4) -نفسه، ص55، وانظر: مصادره:‏

(5) -نفسه، ص56.‏

(6) -حضارة العرب، د. غوستاف لوبون، نقله إلى العربية: عادل زعيتر طـ4، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه، القاهرة 1384هـ 1964م، ص433، 434.‏

(7) -نفسه، ص435- 436.‏

(8) -الفهرست، ابن النديم، مطبعة الاستقامة بالقاهرة، د. ت، ص 352، وانظر: أثر الترجمة في الحضارة الإسلامية في القرن الثاني الهجري، رشيد حميد حسن الجميلي، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1394هـ 1974م على الآلة الكاتبة الرونيو)، ص9-63.‏

(9) -الفهرست، ص352.‏

(10) -دليل خارطة بغداد، قديماً وحديثاً، تأليف، د. مصطفى جواد ود. أحمد سوسة، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1378هـ 1985، ص130 -131.‏

(11) -نفسه، وانظر مصادره. وسليم طه التكريتي، مجلة المورد. المجلد الثامن، العدد الرابع، دار الجاحظ، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1400هـ- 1979م ص197- 205) مستل انتقاء وتنسيقاً عن البحث بيت الحكمة في بغداد وازدهار حركة الترجمة في العصر العباسي).‏

(12) -الفهرست. ص354- 366.‏

(13) -عصر المأمون. د. أحمد فريد رفاعي. المجلد الأول، ط4، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة 13460 هـ 1928م. ص379- 380.‏

(14) -المدخل إلى الفكر الفلسفي عند العرب، د. جعفر آل ياسين، وزارة الثقافة والفنون، بغداد 1978، ص70.‏

(15) -نفسه، ص72-73.‏

(16) -نفسه، ص200 وقد ذكره د. صفاء خلوصي في كتابه، فن الترجمة، دار الرشيد، بغداد 1982، ص13.‏

(17) -الخطابة، أرسطو طاليس، الترجمة: د.عبد الرحمن بدوي وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1986، ص7.‏

(18) -معجم مصطلحات الأدب، مجدي وهبة، ص34، مكتبة لبنان/ بيروت، 1974م.‏

(19) -نفسه.‏

(20) -نفسه.‏

(21) -فن الترجمة، ص16.‏

(22) -تلخيص كتاب أرسطو طاليس في الشعر، لأبي الوليد بن رشد ومعه جوامع الشعر للفارابي، تحقيق وتعليق د. محمد سليم سالم 1971، ص56.‏

(23) -كتاب أرسطو طاليس في الشعر، نقل أبي بشر متى بن يونس الغنائي من السرياني إلى العربي، حققه مع ترجمة حديثة. د. شكري محمد عياد، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر. والقراءة. 1967. ص196.‏

(24) - فن الشعر، أرسطو، ترجمة وتقديم وتعليق د. إبراهيم حمادة. القاهرة، 1977، ص55.‏

(25) -الاختلاف في الترجمة، تحديد وتقديم جوزيف غراهام، ترجمة. د. ماجد النجار، بغداد، 1991، ص124.‏

(26) -أرسطو طاليس، فن الشعر. ت عبد الرحمن بدوي. ص151.‏

(27) -نفسه.‏

* بحث منشور في دراسات الترجمة)، العدد الأول، بغداد، 1999.‏

أ) منهج أو نهج‏

ب) المترجم‏

جـ) ترجمته.‏

د) وقع خلال الترجمة كثير من النقل الحرفي transliteration اليوناني إلى الحرف العربي‏

هـ )الترجمة.‏

و )ترجمه.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244