|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:25 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
*مفهوم الشعر وطبيعته:
إذا
تجاوزنا مفهوم الشعر الذي ظل يتردد كثيراً منذ أن ذكره قدامة بن جعفر حتى عصرنا
هذا، بأنه "قول موزون مقفى دال على معنى"([1]) –وهو
مفهوم ذهني ينظر إلى الشعر بتجرد مستحضراً تصوراً عاماً له، فإن محاولة تحديد هذا
المفهوم ترتبط بوعي لا يركن إلى طبيعة البناء الذي تهيأ للشعر أن ينحاز به بين
أنماط الإبداع الأدبي الأخرى، إذ يتداخل هذا المفهوم مع الغاية والتوجه ومنطلق
الرؤية، فليس الشعر كياناً موضوعياً، نقدر على تجريد صورة ذهنية له، تتحدد فيها
سماته وحركته، إنه حالة فوق التحديد المنطقي. ولأجل ذلك يصبح النظر إلى المفهوم
وحده أمراً غير مقبول، مالم يتسع مجال الرؤية لإدراك أبعاد العملية الشعرية بوصفها
ممارسة شعورية متداخلة المكونات، متباينتها، بين شاعر وآخر. ولعل الذي يتهيأ له
الوقوف على ما قيل في مفهوم الشعر من آراء وأفكار ووجهات نظر يكتشف أن أمامه
عالماً متسعاً لا حدود لتعدديته، إذ تكثر المفاهيم وتتوزع بعدد المدارس والفلسفات
واتجاهات دراسة الشعر ونقده. وربما لم يجانب الدقة من قال: إن مفاهيم الشعر بعدد
الشعراء أنفسهم([2]). ومع
أن "لكل عصر مفاهيم سابقة وافتراضات تخص الشعر من مواضيع ومواد وأنماط
شعرية"([3])، أدى تداخل مفهوم الشعر بغايته والدور الذي
يراد له القيام به إلى أن ينطلق من يقدم مفهومه له من وعي فكري محدد لا ينظر إلى
الشعر من داخل كيانه بوصفه ممارسة إبداعية بل من رصيد الوعي الخاص بصاحبه، بما
يجعله تجسيداً لمسارات فكرية وأدبية متباينة. فإذا كانت (الكلاسيكية) تعد الشعر
إلماماً روحياً من قوى غير منظورة فإن غايته، طبقاً لرؤيتها، تتضح في قدرته على
الجمع بين المتعة والفائدة([4]). وترى (الرومانسية) أن الشعر عملية خلق لا
عملية صنعة([5])، يقوم على مقدار ما يتركه العالم الخارجي من
تأثير في ذات الشاعر "بعد أن تنظمه قوة الخيال الخالق عنده تنظيماً
فنياً"([6]) وتهتم الواقعية بمدى تمثل الشعر للواقع([7]). ويؤكد الواقعيون الاشتراكيون أن أهمية الشعر
يفتح عنها صدقه في التعبير عن مجتمعه واستشراف صورته التي ينبغي أن يكون عليها،
طبقاً لما يتصوره الفكر الاشتراكي([8]). وتنظر
الرمزية إلى الشعر بوصفه معرفة غيبية قبل أن يكون تجربة فنية([9]) وهو طبقاً لرأي بودلير ضرب من الكشف
"لأنه يرتفع عن أدران الواقع إلى حيث يطرق أبواب المجهول ويستشرف أفق الجمال
الخالد في نوع من الاتحاد الصوفي"([10]). وعلى
الرغم من هذا التعدد في المفاهيم التي قيلت في الشعر تظل جميعاً "إجابات
نسبية لا تحمل صفة القطع. وكانت مرتبطة بالمرحلة الزمنية والفكرية التي قيلت
فيها"([11]). ولا يشير ذلك إلى أن كل مرحلة زمنية قدمت
تعريفاً جديداً للشعر بل إلى أن لكل مرحلة رؤية وفكراً يخضع الشعر لهما، ويصطلح له
–من
خلالها- مفهوم وغاية، وفي ذلك ما يؤكد خصوبة عالم الشعر وحيويته في استيعاب
المراحل التي مرت بها المعرفة الإنسانية والتواصل معها([12]). (1)
يعكس
مفهوم الشعر عند أصحاب شعر الشطرين ثقافة كل منهم ووعيه لتجربته وما أقامها عليه
من رؤية لا تقف عند حدود شخصيته بل تسعى إلى تمثل تراث ضخم، يطيل الشاعر منهم
الوقوف عنده، مهتماً بمكانة الشاعر القديم ودوره كثيراً، من غير مفارقة في اقتناص
مستجدات العصر وامتلاك صورته واستنطاقها في ملامح شخصيته وشعره. وتكاد
تعريفاتهم للشعر تتوقف عند دلالته المضمونية وغايته وما ينبغي أن يكون له من سمات،
من دون إطالة للنظر في طبيعته بوصفه ممارسة إبداعية خاصة. وليس في ذلك من دالة على
نقص في ثقافة هؤلاء الشعراء ووعيهم([13]). ولا تؤدي مسألة تحديد المفهوم الشعري أو عدمه
إلى تحديد نوع الثقافة ومستواها، فليس هؤلاء الشعراء وحدهم ممن عجز عن تقديم مفهوم
للشعر مستقل عن دوره ومكانته، ولا نكاد نجد حتى عصرنا الحاضر، من شاعر أو شعراء
قدموا مفهوماً للشعر يرتكن إليه كلياً. وما في ذلك انتقاص من ثقافة شاعر أو
إمكاناته المعرفية. وبقدر ما كان هؤلاء الشعراء مهتمين بإيجاد مفهوم للشعر يشير
إلى حضورهم النقدي كانوا مدركين صعوبة تحقيق مثل هذه الغاية وتعذرها. يقول
الزهاوي: "ولا أرى للشعر قواعد بل هو فوق القواعد"([14]). ويقول الرصافي: "إن الشعر الحسن لا يوقف
لـه عند حد"([15]). ويقول الصافي النجفي: "إن مجال الشعر
واسع سعة الحياة، والمؤثرات في النفس كثيرة لا تعد ولا تحصى"([16]) ورفض أن يكون وراء قول الشعر مؤثر واحد. في
حين يرى الجواهري أن عمل الشاعر لا يحده اتجاه([17]). قدم
شعراء هذا الاتجاه مفاهيم عديدة للشعر، وكانوا ينطلقون في كل مرة من زاوية نظر
محددة. ولعل أول ما شغلهم في إيجاد تعريف للشعر هو دلالة لفظة (شعر) وعلاقتها
بالمشاعر التي تهيأ لصاحبها (الشاعر) أن يصوغها تجربة خاصة، فاهتموا بعبارات من
مثل (الشعور) و(الإحساس) و(الانفعال)([18]). يقول الزهاوي إن الشعر "شعور الشاعر وقد
خرج من مخدعه وهو قلبه متحداً اتحاداً أثيرياً بشعور آخر هو النغمة التي نسميها
وزناً، وقد ركبا أجنحة الألفاظ"([19]). ويقول "أرى أن الشعر في أصله إحساس ثم
توسع فيه فكان آونة خيالاً ومرة وصفاً أو رواية أو حكمة"([20]). ويعد
الرصافي الشعر "الشعور الراقي والإحساس الرقيق المكتسبين ما يناسبهما من
ألفاظ اللغة"([21]). ويبدو هذا التعريف غائماً، وفيه كثير مما
يتطلب التوضيح، فما المقصود بالشعر الراقي، وهل يقتصر على الشعر وحده؟ ولماذا
الإحساس الرقيق، وفي الشعر أغراض ومضامين ليست من الرقة في شيء؟ ونقف على تحديد
آخر لمفهوم الشعر عند الرصافي، حيث يعده "مرآة من الشعور تنعكس فيها صور
الطبيعة بواسطة الألفاظ انعكاساً يؤثر في النفس انقباضاً وانبساطاً"([22]). ويقوم الرصافي هذه المرة بتفسير ما يراه
يحتاج إلى ذلك: "فقولنا بواسطة الألفاظ قيد احترازي يخرج به قسماء الشعر من
الفنون الجميلة المسماة عند القوم بالآداب الرفيعة كالرسم والنحت والموسيقى، فإنها
تشارك الشعر في كونها منعكساً لصور الطبيعة، ولكن لا بواسطة الألفاظ بل بواسطة
الخطوط والألوان في الرسم، والأشكال البارزة في النحت، والألحان والأنغام في
الموسيقى. وقولنا (صور الطبيعة) معناه صور ما في الطبيعة، فيشمل المعاني الخفية
والخيالات الوهمية والموجودات الصناعية التي صنعتها يد البشر أيضاً. وأطلقنا صور
الطبيعة ولم نقيدها بالحسن لأن الشعر لا يصور الحسن فقط، بل قد يصور القبح
أيضاً"([23]). ويبدو أن الرصافي قد استفاد من مصادر عدة في
وضع هذا المفهوم للشعر، فطريقته في تفسير فقراته تذكرنا بطريقة قدامة بن جعفر في
تفصيله مفهومه للشعر([24])، وبما فعله ابن خلدون في الموضوع ذاته([25]). أما قول الرصافي بانعكاس الطبيعة فترديد
لمقولة أرسطو في المحاكاة([26]). وربما كان وراء قوله أن الشعر لا يصور الحسن
وحده ما نجده عند قدامة أيضاً([27]). ومع
أن الشبيبي يتحدث عن الأدب عامة تظل مكانة الشعور واضحة في مفهومه أن الأدب هو
"القدرة على التعبير عن إحساس الأديب أو الشاعر، وهو الترجمة، عن شعوره بأبلغ
عبارة وأجمل أسلوب"([28]). ويراه
الشرقي "شظايا قلب الشاعر"([29]) لأنه "انبعاث نفسي يندفع ويزخر بين
الشعور والعاطفة"([30]) ليمسي "ترجمة في النفس يحركها الخيال
والتصوير"([31])، ويراه البصير: "الكلام العذب الذي ينقل
العواطف والأحاسيس من نفسٍ إلى أخرى"([32]) فهو "لغة العواطف والانفعالات"([33]) ويقول:
ويؤكد
الجواهري ميله إلى جانب الشعر الذي تتجسد فيه العواطف والمشاعر:
ويطالب
أن يكون الشعر معبراً عن الشعور:
وإذا
سألنا عن مفهوم الجواهري للشعور نجده يشير إلى المشاعر وصدق التعبير عنها:
أما
الوائلي فيرى أن الشعور هو ما يبعث الشعر:
وقادتهم
وجهة نظرهم إلى الشعر بوصفه تعبيراً عن دواخل صاحبه الإنسانية إلى البحث عما
يشابهه من أنماط التعبير التي تفصح عن المشاعر والأحاسيس المشتجرة في النفس، ليروا
أنها من مصدر واحد. يقول الزهاوي أن الشعر "ولدته الأحزان، فهو ابن
الحزن"([39]). ويتفق الشبيبي معه في ذلك، فيرى أن الألم
"محرك العواطف ومثير المواهب الشعرية"([40]). ويتردد الرأي نفسه لدى الوائلي الذي يقول:
"عندما يطفح الألم في قلب الشاعر ونفسه لا يلبث أن يتحول إلى صرخة
شاكية"([41]) ويميل الزهاوي والرصافي إلى تأكيد صلة الشعر
بالغناء، فيؤكد الأول أن "الغناء والشعر شقيقان قد تولدا من إحساس واحد"([42]) ويقول الآخر: "الشعر بأوزانه وقوافيه لم
يكن إلا للغناء والرقص أو للرثاء والنواح"([43]). ويبتعد الشاعر علي الشرقي في بحثه عن المصدر
الذي يمتاح الشعر منه عما قاله الشعراء الآخرون، منطلقاً من مزاج خاص، فيرى أن
مصدره الإحساس بالجمال الذي هو "أنشودة الشاعر"([44]). وإذا
كان الشعر وثيق الصلة بهذه الألوان من المشاعر –بوصفها
طرائق تعبير عما يكتنف النفس الإنسانية من مشاعر وخلجات –كان
البحث عن مفهوم (الشعور)([45]) الذي يتمثل فيها شاغلاً لهؤلاء الشعراء. ويمكن
أن نجد في الزهاوي مثالاً مناسباً لمدى الاهتمام بهذه المسألة. لم
يشغل الزهاوي نفسه بتحديد مفهومه للشعور، مكتفياً بانطواء مفهوم الشعر على جانب
كبير منه. ولكنه يقف طويلاً عند تنوع هذا المفهوم وتباين صورته في أكثر من مستوى،
فيشير إلى اختلافه بين شاعر وآخر: "وقد يختلف ما يشعر به شاعر عما يشعر به
آخر في موضوع واحد"([46]) وتلك بديهية لم تكن بالزهاوي حاجة إلى الشك في
اختلافها، بين الناس جميعاً لا الشعراء وحدهم، مع إدراكنا أنه ذكرها ليبني عليها
موقفه في مناقشة معارضيه في الرأي والشاعرية([47]). ويميز بين نوعين من الشعور: قديم، وجديد.
ويرى أن الأول أضيق "لضيق معارف أصحابه والثاني متسع لسعة معارف أهله"([48]). وهنا يكون قد غاب عن بال الزهاوي أن الشعور،
بوصفه تجسيداً لدواخل صاحبه، واحد عند الناس جميعاً، وأن ما يختلفون فيه هو طرائق
التعبير عنه، فليس هناك من شعور قديم وآخر جديد، فالألم هو الألم في كل الأزمان
ومثله الحب والخوف والحزن، وسواها من المشاعر. وما يتغير هو الموقف منها والباعث
لها. ويعود
الزهاوي ليميز بين شعور أمة عن سواها، فيرى أن "لكل أمة شعوراً في الأدب
خاصاً بها، فلا يحس الغربي بما يحس به العربي"([49]). ولأن الشعر "مستودع إحساسات جزئية لا
تشترك فيه الأمم جمعاء"([50]) فإن "الشعور العربي هو تلك الروح التي
ينفخها الشاعر العربي في جسد جميل من الألفاظ العربية، فإذا ترجمها أحد إلى لغة
أجنبية لم يظهر لتلك الروح الجذابة أثر في ألفاظ اللغة التي ترجمها إليها، وهو
دليل على أن روح الشعر لا يقبل التناسخ"([51]). ولعل
تحديد الزهاوي للتباين في الشعور بين أمة وأخرى يسفر عن حدوده وطبيعته حين يراه في
عدم تشابه الأمم بما لها من شعر. وهو بذلك يقودنا إلى اكتشاف خلطه بين المفهوم
وطريقة التعبير عنه. فالشعر وسيلة تعبير عن الشعور وليس الشعور نفسه، لنشارك
الزهاوي الرأي في خصوصية وسائل كل أمة للتعبير عن شعورها، لا سيما في الشعر،
"فإن شعور الغربيين تراث آبائهم وأجدادهم من عصور أوغلت في القدم، وامتدت عروقها
في أعماق الماضي، كما أن شعور العرب هو إرث منتقل إليهم من آبائهم الأولين"([52]). لم
تتوقف مفاهيم هؤلاء الشعراء للشعر عند حدود الاهتمام بالشعور، لاسيما حين يرون
الشعر ممتداً إلى مسافات من التعبير عن مجالات أوسع من الشعور والإحساس وما يتعلق
بهما، ليهتموا بخصوصية الشعر في الموضوع الذي يريد كل منهم إيصاله، وهذا ما جعلهم
يشيرون إلى مفهومه من خلال ما يحمله من معان ويؤكده من أفكار، فالشعر طبقاً لرؤية
الزهاوي "أرفع ما في الفكر"([53]) وقيمته تتجلى في معانيه وحدها:
ويبدو
أن قناعة الزهاوي بأهمية المعنى مترسخة في وعيه منذ وقت مبكر، فهو يقول في مقدمة
كتاب (شعراء العصر): "وما يؤسفني شيء كعناية الشعراء باللفظ أكثر من عنايتهم
بالمعنى الذي صيغ اللفظ لأجله فالمعنى هو الجسد واللفظ لباسه"([55]). ويقول:
ويشاطره
الرصافي في هذه القناعة:
ومثله
الشبيبي الذي يقول:
ويمحض
البصير المعنى جل عنايته فيرى أن الشعر هو المعنى([59])، ويعده أكثر أهمية من الوزن الذي هو سمة أساس
في الشعر:
ويردد
الزهاوي الرأي نفسه:
ومع
هذه العناية الكبيرة بالمعنى أدرك بعض هؤلاء الشعراء أهمية أن يبرز المعنى الشعري
ببناء لفظي نضيح ينهض به. يقول الزهاوي:
ويقول
الرصافي:
(2)
يمكن
النظر إلى مفهوم الشعر الذي اهتم به رواد الشعر الحر ومن جاء بعدهم بوصفه نتاج مرحلة
جديدة بثقافتها وفكرها، وبتغير فهم الشاعر لتجربته وأهميتها، وبانشغال جاد في
متابعة الاتجاهات الأدبية الحديثة. وعلى وفق ذلك نجد أن الاستقراء الخارجي للظاهرة
الشعرية –بوصفها
ممارسة تفصح عنها سمات بارزة: الشعور والوزن واللفظ ومعناه، وهي ما حاول شعراء الشطرين
وضع مفاهيم الشعر من خلالها –لم
تشغل أصحاب الشعر الحر كثيراً([64])، بمقدار اتجاههم إلى استيعاب خصوصية الحالة
الشعرية التي تتوهج فيها أعماق الشاعر، متواصلة من العالم الخارجي التي هي جزء
حيوي منه، متبنية همومه وحقائقه وتناقضاته، من دون أن تقع في دعاوى التعليمية
واستظهار المعرفة التي تضخم ذات الشاعر، مدركين أن دور الشاعر "لا يقتصر على
تحويل الكلمة إلى فعل، بل يتجاوز ذلك إلى البحث عن البذور الجديدة التي تولد في
أحشاء مجتمعه وعصره([65]). ويكاد
مفهومهم للشعر يتسع في دلالته لكل آفاق الإبداع ذات الجهد الذاتي: الموسيقى والرسم
والفنون الأدبية. وهم في ذلك ينطلقون من القناعة بأن هذه الفنون الإبداعية تلتقي
عند مساحة الاستيعاب الأصيل لعاطفة الإنسان وإحساساته، "فعندما يفهم الشاعر
طريقة التعبير باللون عند الرسام ومعنى التوازن الضروري في اللوحة الفنية
والانسجام بين خطوطها يستطيع أن يمنح الكلمة فضاء جديداً، وأن يستخرج كل ما فيها
من حركة"([66]). وتتأكد لدى بعضهم أهمية ذات الشاعر،
"لأن الشعر معاناة روحية يصحب فيها الشاعر ذاته"([67]) بما يفصح عن سمة أساس في شخصيته "فالشاعر
أكثر حساسية، ينطلق من ذاته في صدق"([68]). ومع
أهمية هذا المنطلق لديهم فإنه لا يلغي النظرة الموضوعية إلى الشعر بوصفه تجربة
إنسانية متسعة. وبسبب ذلك كان وعيهم لطبيعة المفهوم الذي ينبغي لهم الوقوف عنده
منطلقاً لتواصلهم مع المهمة الإنسانية التي حمل الشعر أعباءها في الأزمنة المختلفة
ووقوفهم المتأمل للصيغ التي تجعل شعرهم ينهض بهذه المهمة. ولا شك في أن ذلك وعي
جديد، يقود إلى التأني في تحديد المفهوم الذي يجد بعضهم صعوبة في تحديده من لدن
الشاعر الذي هو أعجز الناس عن وضع تعريف مناسب له([69]). ولا يستسهل أي منهم الأمر فيقيمه على تصور
عام له فالشعر ليس بناء له شكله الخارجي الخاص وحده، إنه حالة إنسانية تتصل
بالوجود وتعبر عنه. ولأجل ذلك كان كل شاعر منهم يعلي من مكانة الشعر وأهميته،
فقرنه السياب بالدين: "وإذا تذكرنا أن الدين والشعر نشأا توأمين وأن الدين
كان ومايزال وسيلة يستعين بها الإنسان لتفسير ظواهر الطبيعة وقواها الغامضة،
ولاسترضاء هذه القوى المجهولة من جهة، ثم تنظيم العلاقات بين البشر من جهة أخرى،
أدركنا أن تفسير الحياة وتنظيمها، أو تحسينها بالأحرى، ظلا طوال أجيال عديدة من
أهم أغراض الشعر وأهدافه"([70]). وعدّه البياتي "رؤيا كونية أو شمولية
مكثفة للوجود (المعاش) الذي تعبر عنه"([71]). ووصفته نازك بأنه "معاناة روحية موصولة
يصحب فيها الشاعر ذاته، ويعيش متفتح النفس، بحيث ينبض قلبه مع الطبيعة والحياة بكل
ما فيها من عمق ومعنى"([72]). ورفع شاذل طاقة الشعر من واقعه الأرضي مشيراً
إلى أن جوهره "هو الارتفاع عن هذه الحياة المادية وسمو بالنفس الإنسانية إلى
مراتب في العالم الروحي واتصال بنبع الحياة الكبير أو بالأحرى استكناه لمشكلة
الحياة وإدراك أسرارها الغامضة"([73]). ويتفق علي الحلي معه في تصور محتوى العمل
الشعري غير أنه يؤكد أهمية التجربة الإنسانية فيه فهو "تجربة حياتية لها
محتوى إنساني معين الهدف"([74]) وينظر حميد سعيد إلى الشعر من خلال صلته
بالوجود البشري وتواصله معه فهو "نشاط حضاري رافق طفولة الإنسان ومسيرته وما
زال، وعبر عن أدق خلجات الإنسان وطموحاته في الكشف والبحث عن المستقبل"([75]). ولعل
مفهوم الشعر الذي توقف عنده كل منهم يشير إلى غايته عندهم أكثر من إشارته إلى
ماهيته بسبب ارتباطه بنوعية القناعات الفكرية التي يرتضونها له، وإذا كانت الآراء
السابقة تشير إلى اهتمام أصحابها بالدور الذي يقوم الشعر به من منطلق صلته بالوجود
الإنساني الشامل فإن بلند الحيدري يؤكد الجوانب النفسية الخاصة بالشاعر وصيغة
إيصالها للمتلقي، فيرى أن عملية الخلق الفني شبيهة بحلم يقظة متبادل([76])، في حين يقول حسين مردان أنها "تعبير شبه
إرادي عن حالة نفسية أو كشف لحادث خارجي"([77]). وتبدو
صورة المفهوم أكثر وضوحاً عندهم من خلال نظرتهم إلى مبدعه الشاعر والدور الذي
يؤديه بفنه هذا، بوصفه إنساناً مبدعاً وليس أداة للإصلاح الاجتماعي. ففي عصر انزوت
الروحانيات فيه جانباً وطغى المنطق المادي النفعي ظل الشاعر وحده من يواجه جدب
الروح ويحيي قيمتها، لتصبح المهمة الأساس للشعر الكشف وإزاحة السطح الخارجي عن
مادية العصر ورؤية الذي لا يرى. وبهذا تخطى الشاعر وجوده الإنمائي المحدود ليمسي
الرائد الروحي لهذا العصر، حتى ما عادت له من صورة تناسبه –طبقاً لرؤيتهم- سوى صورة النبي، فقد
"جاء الشاعر ليحل محل النبي"([78]) وإذا كان على الشاعر من تبعات اجتماعية ومهام
سياسية بسبب صلته بعصره وواقعه فإنه "ليس المصلح الاجتماعي والسياسي فقط، بل
النبي أيضاً"([79]). ولتفرده في ذائقته الفنية وقدرته على تبصير
الآخرين من خلالها بما يربي أذواقهم، ويثير متعتهم الفنية قال بعضهم "إن صاحب
هذا الفن نبي بين قومه… ويكفي الفنان هذا أن يكون نبياً ذا
رسالة روحية بين الناس"([80]). ويبدو
أن تغير ملامح شخصية الشاعر رافقه تبدل في طرائق أدائه لمهامه عندهم، فما عاد شعره
مناداة صريحة، تباشر مضمونها بصيغة تمثل ما في الواقع بل إعادة تشكيل له، توحي به
وترمز إليه([81]). ولعل
هذه الرؤية الروحانية كانت وراء إعلائهم من شأن الموهبة الشعرية التي نظروا إليها
خاصية ينماز بها المبدع مما لا يمكن ادعاؤه أو خلقه من لا يملكه، فمن يسعى إلى
الشعر "ينبغي أن يكون قبل كل شيء شاعراً. أن تتقد في قلبه تلك النار الإلهية:
الموهبة"([82]). وإذا كانت الموهبة جمرة الشعر التي تتقد في
روح الشاعر فإن ما يجدد تألقها وتواصل اشتعالها هو محض الشاعر عنايته لها من خلال
المعرفة والثقافة والتواصل مع الحياة. "فالشعر شأن كل الفنون الأخرى موهبة،
لكنه أكثر من أغلب الفنون الأخرى موهبة لا ينميها غير الدرس والاطلاع وتجربة
الحياة، ثم الإخلاص لهذا الفن"([83]). ويتوقف البياتي عند الموهبة بوصفها من عناصر
الشاعرية الأساس "أهم شيء عند الشاعر هو الموهبة الأصيلة والتجربة الحياتية
والثقافة. ولا يمكن الاستغناء عن أي عنصر من هذه العناصر الثلاثة، وهي التي تكون
شخصية الشاعر الجيد، كما أنها طريق تكامل شخصية الشاعر"([84]). وتعد
نازك الموهبة ميزة للشاعر دون سواه، وكأنها لا تراها عند الناثر: "إن قدرة
الناثرين على حشد العواطف والصور في نثرهم لا يقرب ما يكتبون من الشعر أي تقريب،
وإنما جمال ما يكتبون مرتبط بكونه نثراً، ولن يكون شعراً إلا إذا نجحوا في صياغته
شعراً، وتلك موهبة الشاعر دون الناثر"([85]). وينماز
الشعر الأصيل عند حميد سعيد بمقدار ما يتجلى فيه من موهبة، فالشعر "مثل كل
الحالات الإبداعية لا يمكن أن نراه من خلال صورة عامة، بل لابد من أن نراه في
حالات محددة، تتمثل في أصوات قوية وموهوبة وتمتلك قدرة الإبداع"([86]). ومع
أن حسين مردان لا يؤمن بهذه الكلمة (الموهبة)، ويعد الأدب مهنة مثل غيرها من المهن
لا ينكر أن الإبداع "ينبثق من داخل الأديب ومن مجهوده الخاص في تطوير شخصيته
الأدبية، فالأديب الذي لا توجد في روحه حركة وتموج… لا يمكن للنصائح أن تخلق منه
شيئاً"([87]). ولعل عبارته تشير إلى الموهبة التي رفضها وإن
كانت على نحو غير مباشر. وربما
اقترب علي الحلي من الرؤية ذاتها، فهو يرى "أن من يمتلك الموهبة وحدها، ليس
بالضرورة أن يكون شاعراً، مهما قدم من محاولات شعرية، قد تبدو ناجحة الوهلة
الأولى"([88]). فالشاعرية تبرزها مؤهلات عدة، فضلاً عن
الموهبة، منها: "الاطلاع الواسع على تراث أمته، ومحاولة الهضم النوعي الناضج
لكنوزه الخالدة، والتزود المستمر من تراث الفكر العالمي وثقافات الأمم
الأخرى"([89]). وتتداخل
آراؤهم في فهم مصدر الشعر ومنطلقه، فنم يترددون بين رؤيتين، إحداهما تقول: إن
وجوده يتأسس في ذات المبدع من خلال صلته بالحياة والطبيعة، فتراه نازك معاناة
روحية، يعيش الشاعر فيها "متفتح النفس بحيث ينبض قلبه مع الطبيعة والحياة بكل
ما فيهما من عمق ومعنى"([90]). ويقول حسين مردان: "فالإنسان ليس سوى
جزء من ذلك الكل الذي هو الطبيعة. ومهما حاول الفنان الغياب أو التغيب عن الطبيعة
فسوف يلتقي بها دائماً"([91]). ولعلنا نلمس في هذا ترديداً لرؤية رومانسية
تشير إلى صلة المبدع بالطبيعة التي انطلق منها الاتجاه الرومانسي. وفي ذلك يقول
وردزورث "نحن أنبياء الطبيعة، نتحدث إليهم –الناس-
فنلهمهم إلهاماً"([92]). أما
الرؤية الأخرى فتشد الأديب إلى واقعه، وتطالبه أن يستجيب لحاجاته. وإذا كانت
أفكارهم هذه موحية بأنهم يعدون مصدر الشعر قوة خارج ذات الشاعر فإن تفاعل ذات
الشاعر معها أمر أساس في هذه الرؤية التي وسعت أفق التجربة حتى أمسى كل شيء جاهزاً
"لأن يقال فيه الشعر بحسب ما يعكس من عمق التجربة وأثرها"([93]). ومثلما
أدت هذه النظرة إلى أن يبتعد الشعر "عن ارتباطه بالحدث الكبير أو المناسبة
تقسمه أبواباً وفصولاً، هذا للمدح وذاك للقدح وآخر للغزل"([94]) ألغت أن يكون مصدره قوة خارج التكوين الإنساني
الذي يصل الشاعر موهبته به. ليصبح القول بكون الشعر محاكاة لوجود آخر كالطبيعة أو
سواها ما "ينفي الابتداع والابتكار ويجر الفن إلى تقليد من قلّد
الطبيعة"([95]). فضلاً عن إخضاع مسار الإبداع الخلاق إلى
تقليدية ينأى عنها الفنان الأصيل الذي آمن بأن "نتاج الإنسان الفني يميزه من
الطبيعة، بل هو به أعظم من الطبيعة"([96]). تأتي
أفكار بعض هؤلاء الشعراء متفقة مع ما أشار إليه عدد من شعراء الشطرين فيما يتعلق
بطبيعة الشعر ومفهومه، وهم في هذا التلاقي لا ينقلون أو يقلدون أولئك بحكم
أسبقيتهم الزمنية بل هو تقارب أملته اللحظة الشعورية وتأسيس معرفي نواته الانشغال
بالتجربة الشعرية والتقاء بالفكرة المتشابهة وتأكيدها. يقول بلند الحيدري:
"إن الفن والأدب لا يمكن أن يخلدا بغير تلك الحقائق الخالدة في النفس
الإنسانية"([97]) وهذه القيم التي لا تخضع لآنية زائلة
"عنصر مهم في الأدب الخالد الذي يثور على التحديد الزماني والمكاني"([98]) ومع أن بلند يضع المسألة في أفق متسع، فهو
يشارك معظم شعراء الشطرين في إشاراتهم إلى الحقيقة التي عدوها مظهراً أساساً للشعر
العصري([99]). ويقول
شاذل طاقة إن "الرذيلة والفضيلة والقبح والجمال أشياء لا دخل لها في قيمة
الأثر الفني"([100]) وهو بذلك يشارك الرصافي رأيه في كون الشعر
"لا يصور الحسن فقط بل قد يصور القبيح أيضاً"([101]). ولعل الشاعرين أخذا ذلك من رأي قدامة بن جعفر
الذي نقله شاذل في ثنايا دراسته: ([102]) "على الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من
الرفعة والضعة والرفث والنزاهة والبذخ والقناعة والمدح وغير ذلك من المعاني
الحميدة أو الذميمة أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة"([103]). وتخاطب نازك الشاعر قائلة: "وظيفتك أن
تدل على منابع الجمال في الأشخاص والأشياء"([104])، مقيمة ذلك على قناعتها بأن الشعر قيمة جمالية
أكثر من أي شيء آخر بما في ذلك فكرة صدق الشاعر في التعبير عن عواطفه التي تراها
من الأفكار السطحية الشائعة في الوسط الأدبي "فكأنهم بهذا يضعون الصدق على
مستوى الجمال، وكأن الشاعر يستطيع أن يبلغ مستوى الإبداع بمجرد أن يعبر عن نفسه
تعبيراً صادقاً"([105]). وهي تتفق في ذلك مع الشاعر علي الشرقي في
قوله: "إن المعبود الأزلي للشاعر هو الجمال، ولكن يختلف الشعراء باختلاف
اتجاههم إلى مواطن الجمال"([106]). وكان
الشرقي يرى في مرحلة مبكرة من شاعريته أن الشعر: "شظايا قلب الشاعر..
واتباعاً لهذه الحقيقة الراهنة أعتقد أن المرأة إذا هذبت كما يهذب الرجل اليوم
أصبحت أشعر منه، لأننا إذا علمنا أن الشعر ترجمة في النفس يحركها الخيال والتصوير
فهي أشعر لأنها أشد خيالاً وأكثر هواجساً"([107]). وهو الرأي ذاته الذي ردده شاذل طاقة بعد سنين:
"إن الشعر قوامه العاطفة والإحساس وأن المرأة أقوى عاطفة وأرهف إحساساً"([108]). وتأسيساً على ذلك يرى "أن للمرأة في
الشعر الحظ الأوفر والحق الأكبر فهي في أكثر الأحيان وحي الشعر"([109]). ويتفق حسين مردان معهما في الفكرة فالشعر
طبقاً لرأيه "عاطفة وغريزة"([110])، وهما لدى المرأة أشد، غير أن واقع المرأة
العراقية جعل حسين مردان يراها غير جديرة بصفة الشاعرية فهي "لم تستطع ولن
تستطيع أن تعبر عن عاطفتها وتفصح عن غرائزها بصراحة وهي مكبلة بالتقاليد القاسية
والعادات القديمة"([111]). (([1]))
قدامة بن جعفر، ص1. ويضيف ابن رشيق النية في قوله إلى أبعاده، فعنده أن
"الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية،
فهذا هو حدّ الشعر، لأن من الكلام موزوناً مقفى وليس بشعر 1: 119. ويزاد عليه عند
ابن فارس: أن يكون أكثر من بيت، ليخرج من الشعر ما جاء دون ذلك عفواً. ينظر:
الصاحبي، تحقيق مصطفى الشويسي، بيروت 1963، ص275. (([12]))
لعل اليوت كان مستجيباً لهذه الحقيقة حين قال باستحالة إيجاد تعريف نهائي يلائم
الشعر، مما اضطره إلى أن يقف عند حدود البناء الشكلي له فيعرفه بأنه "كلمات
بارعة في تركيب بارع ووزن بارع" (ينظر: ماثيسن، ص223). ولا يبدو هذا التعريف
أكثر من صياغة أخرى لما ذكره قدامة بن جعفر. (([13]))
ينظر: علوان، ص102. يقول: "حين نحاول أن نتبين مفهوم الشعر عند أقطاب الاتجاه
الكلاسيكي فإننا سنجد أنفسنا أمام دوامة من العبارات الغامضة والخلط الغريب ما بين
فن الشعر وتحديد الماهية والوظيفة والقالب ومواصفات القصيدة" وسبب ذلك عندهم
أنهم: "لم يتلقوا ثقافة عميقة، ولا اطلعوا على دراسات متخصصة في عملية الفن
والخلق الشعري". ومع
أن حكمه هذا مقتصر على شعراء النهضة فقد استعرناه لأغلب شعراء الشطرين، لقناعتنا
بأنهم يلتقون جميعاً في طبيعة نظرتهم إلى مفهوم الشعر وغايته. (([18]))
ربما اطلع بعضهم على قول ابن رشيق: "وإنما سمي الشاعر شاعراً لأنه يشعر بما
لا يشعر به غيره "العمدة"، ص: 117. |