|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:25 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
* غايـــة الشـــــعر ودوره
يبدأ
التعبير الشعري لدى الشاعر هاجساً ذاتياً يتلجلج في داخله. وهو وحده، مهما تعددت
المؤثرات الخارجية، المحفز الأساس لقيامه بكتابة القصيدة. فالشاعر "فرد له نظرته
الخاصة، وقصيدته ليست حادثة في التأريخ الاجتماعي… وإنما تأكيد لشخصية الشاعر الذاتية
المفردة"([1]). ولكن هذه الذاتية تنحصر في خصوصية التعبير
والمؤثرات التي تجعله يأخذ هذا المسار أو ذاك، لأن الشاعر إنسان في بيئة اجتماعية،
تؤثر في وجوده، وتترك في شخصيته خطوط انتمائه إليها. ومع
أن الشعر أكثر الفنون الإبداعية ذاتية تتوارى هذه الذاتية غالباً وسط زحام من
الانتماء الداخلي (الروحي) والخارجي (الوعي والفكر والظرف الاجتماعي)، ليصبح
الشاعر "وهو يعبر عن ذاته إنما يعبر عن عصره ومجتمعه"([2]) وفي أشد حالات استغراقه بعالمه الشعري الذي
فسر بأنه دليل صلته بقوى غيبية واغترافه من مجاهل يرودها وحده([3])، ظلت أهمية الشاعر ومكانته مرتبطتين بمقدار
تمثله لوجوده الاجتماعي، فليست هذه الخصوصية التعبيرية التي تهيأت له إلا وسيلة
لإظهار التناسق الحيوي بين خبرة الشاعر وتجاربه والبيئة الاجتماعية التي وجد نفسه
فيها. ولعل
وسائل اتصال الشاعر بالآخرين لا تشغله وقت كتابة النص الشعري لاستغراقه بحالة شعورية
موغلة في خصوصيتها، غير أن إعادة واحدة لقراءة النص الذي كتبه تجعله مدركاً حاجة
ما أبدعه إلى متلق يخاطبه ويتوجه به إليه. وهكذا ألزم الشاعر بحالة التواصل في إبداعه
مع الآخرين، مهما حاول أن يتمرد على ذلك أو يرفضه. وصار من نافلة القول أن
"ليس هناك شاعر يعيش ويكتب في عزلة.. وقد يكون الشاعر متعاطفاً مع بيئته
الاجتماعية أو ثائراً ضدها، وقد يذهب إلى حد إنكارها ولكن تأثيرها سيظل منطبعاً على
شعره"([4]). وكان
على النقد الأدبي، باتجاهاته ومدارسه المتعددة، أن يتبنى هذا التلاقح بين ماهو
ذاتي يخص المبدع وحده والعام الذي يوشج صلته بمحيطه الاجتماعي. وقامت على وفق تغليب
أحد الجانبين على الآخر اتجاهات ومذاهب أدبية متباينة المواقف والمنطلقات، وتوزع
الفكر النقدي بين جاعل المجتمع، وما في الواقع والحياة مصدر التقاليد والاتجاهات الأدبية
والفنية، وآخر يرى في فردية الأديب وذاته المتحررة مصدراً لتجربة إنسانية يبتدعها.
وقام على وفق ذلك من ينادي بقيمة الفكرة التي يعبر عنها الأدب، ومدى ما يمكن أن
تخدم به واقعها وتعبر عن مجتمعها، ومن يجعل الغاية الجمالية والمتعة الفنية التي يعكسها
الأدب غاية مهمة في ذاتها. فقد نظرت الكلاسيكية إلى غاية الشعر من خلال معيار
أخلاقي- اجتماعي يعد الماضي، بقيمه وآفاقه أكثر قيمة من الحاضر. فدعت لأجل ذلك إلى
التمسك بالقيم الموروثة وتمثلها([5]). وانطلقت الرومانسية إلى الغاية ذاتها عن طريق
تأكيد قيمة الإبداع في الشعر، فاتجهت إلى ذات المبدع، لترى أن الشعر "تعبير
عن الخصائص الفردية"([6])، جاعلة ذلك منطلقاً مهماً في اتجاه الشاعر إلى
القضايا الاجتماعية والسياسية وسواها([7]). وبالغت الواقعية في الدعوة إلى صلة الأدب
بمجتمعه وواقعه، وحين طغت سطوتها كان الرد الذي لوح به الأدباء اتجاههم إلى نزعة
(الفن للفن) وتغليب شكلية الأدب، وعد الغاية الجمالية منتهى طلب الفن عامة، وهي
غاية منفصلة عن الأهداف الأخلاقية أو أية أهداف أخرى([8])، وفي الشعر رأى القائلون بهذه النزعة أن القصيدة
"تؤثر لا بالفكر الذي توحي به ولا بالموضوع الذي تعالجه، ولكن بكمال تنسيقها
وبانسجام إيقاعها وبقوة التعبير وغناه"([9]). وإذا
انتهت هذه النظرية إلى اهتمام بالشكل والمبالغة في تبجيله([10])، كانت ردود الفعل المضادة التي أثارتها تشير
مرة أخرى إلى عودة لربط النص بواقعه وبيئته، إذ لا يمكن النظر إلى فنية الشعر مستقلة
عما يحيط بها "لأنه قبل كل شيء نتاج بشري شديد المساس بالحياة، ولأنه يحتاج –كما كان دائماً- إلى العقيدة التي تسنده
وتكون بالنسبة إليه بمثابة نقطة انطلاق"([11]). ووثقت (الواقعية الاشتراكية) صلة الأديب بعصره
وبيئته وأضفت عليه دوراً مماثلاً للسياسي وشغلته بمهمات سياسية واجتماعية كثيرة([12]). (1)
إن
رؤية الأديب التي تحدد منطلقه في تفسير ما يشغله وما يتوقف عنده هي حصيلة إمكاناته
الذاتية من الثقافة والتجربة وما استقر وعيه عليه من قناعات في مجمل ما يحيط به وبما
يشكل سمات شخصيته. ولعل تلمس هذه الرؤية ومظاهرها عند الشاعر العراقي الحديث يعد
مدخلاً لتبيان مستوى الوعي المعرفي الذي استقرت عنده نظرته إلى المضمون في الشعر
وآفاقه، وتحديده لمسارات التأثير الذي يجد أن الشعر قد تناهى إليها. ونتيجة
لواقع عربي وعراقي خاص كانت قناعات الشعراء في الدور الذي يبتغونه للشعر تتوقف عند
وضعه في دائرة التلقي والتأثير في مجتمعه وعصره. ففي مرحلة زمنية امتدت منذ أوائل
القرن العشرين حتى الآن، واتسمت بخصوصية الظرف السياسي والفكري الذي تعيش فيه
الأمة العربية مواجهة حاسمة وصراع الأفكار وتحدي الثقافات الوافدة، كان على الأديب
أن يضع تجربته الإبداعية في المسار العام الذي أوجبته حالة الحرص غير الاعتيادي
على تماسك الشخصية العربية. ومن هنا صار ترفاً غير مبرر أن يصطنع الأديب لتجربته
الأدبية مساراً ذاتياً لا يتبنى حاجات الواقع العربي ومستلزمات الصراع الذي يخوضه.
وهكذا حسمت هذه القضية في كل الأحوال لصالح اجتماعية الأدب، وبقيت أصوات الدعوات الذاتية
خافتة النبرات، سرعان ما ضاعت في خضم ضجيج المناداة بأهمية الأدب ودوره في عصره ومجتمعه. وتبدو
هذه الحالة على وضوح كبير لدى الشعراء العراقيين، لاسيما في النصف الأول من القرن
العشرين، بسبب من طبيعة الظرف السياسي والاجتماعي وانشغال الشعراء بملاحقة متغيرات
الواقع ومستجداته. وإذا أتيح لبعض الاتجاهات الأدبية التي تعلي من شأن الذات أن
تبرز في بعض النتاج الشعري العراقي، فإنّ هذا الشعر لم يقف يوماً ليناقش قضية
الانغماس بفنيته وحدها، وكان منحازاً إلى جانب دوره المؤثر في مجتمعه، وواصل ترسيخ
ذلك في أشد حالات انشغاله بالتجديد الفني وبحثه عن مسارات تعبيرية مستحدثة في
مراحل لاحقة. لم ينظر هؤلاء الشعراء إلى الشعر بوصفه ممارسة إبداعية تنتهي عند حدود
تجربة مبدعه الذاتية، بل جعلوه وسيلة فائقة التأثير يؤدي صاحبها دوره الإنساني من
خلالها، ولعل التفاتة الشعراء هذه أول بادرة وعي في مسيرة الشعر العربي، تنزل الشاعر
من خيلاء تفرده لتجعله إنساناً مسؤوليته، ليس أمام تجربته الفنية وحدها بل أمام
عصره ومجتمعه أيضاً. وإذ تبنى الشعراء هذه الحقيقة وحرصوا عليها كان التعبير عنها
لديهم عد الشعر وسيلة مؤثرة في مسار العصر وحركته، فهو "موقظ للأمم من رقدتها،
والنافخ فيها أرواحاً جديدة تطالب بحقوقها المهضومة وتدرأ عنها عادية
الاستبداد"([13]). وتتأكد هذه القناعة لديهم حين يتلمس بعضهم ما
للشعر من دور في مجتمعهم، فيرى "أن العراق مدين لشعرائه المحدثين بالشيء
الكثير من تقدمه العلمي والسياسي والاجتماعي"([14]) ومحض الشعر أهمية أكبر، منطلقاً من حرص الشاعر
العربي على لغته التي عدها "أداة فعالة في تكوين الحياة القومية"([15]). وكانت صورة الشاعر لديهم محملة بوعي جديد
لدوره القائم على المشاركة الفاعلة في إحداث وعي التغيير الذي يحتاج إليه مجتمعه،
فما عاد الشاعر –طبقاً
لرؤيتهم- يهيم في وديان ذاته بل صاحب رسالة. وهذه إشارة جديدة مهمة في أدبنا
العربي. وهي بعض مظاهر شخصية الشاعر في هذه المرحلة ومشاركته في النضال الوطني
والقومي([16])، ورسالة الشاعر –طبقاً
لرأي الشبيبي "لا تعدو وصفه الدواء بعد تشخيص الداء ولا تخرج عن استخراج
العظة البالغة من سنن الاجتماع وعبر التأريخ ولا تتعدى الإشادة بقيم الفضائل
ومكارم الأخلاق، فإذا كانت للشاعر جولة في وجه من وجوه الإصلاح أو ناحية من نواحي
الخير، وإذا ومضت في فنه شعلة تنير السبل الحالكة أو علت صرخة تثير العزائم
الخامدة، أو سرت نفحة تحيي الرمم البالية فقد أدى الرسالة"([17]). لقد
انطلقت دعوة شعراء الشطرين إلى ارتباط ما يقدم من نتاج أدبي بالواقع والتعبير عن
قضاياه، "فما الشعر إلا شعور الشاعر التابع لشعور الشعب الذي هو فرد منه"([18])، وبمقدار صلة الشاعر بمجتمعه وتعبيره عنه
يتحقق له وجوده، "فإن الشاعر الحقيقي هو الشاعر الاجتماعي"([19]) وليس للأدب أن يتطور ويساير عصره إلا من خلال
تمثله لما يشتجر في مجتمعه "ففي تلك الأحداث والهزات الاجتماعية تكمن أسرار
الانبعاث والحركة في عالم الأدب"([20]) ولأن الشاعر "إنسان مرتبط بالمجتمعات
وشكلها أو تركيبها"([21]) يقتضي هذا الارتباط منه إدراك أن "أحب
صنوف الأدب إلى الناس ما عالج شؤونهم وتحدث عن آمالهم وآلامهم، كائنة قيمته الفنية
ما كانت"([22]). وحاول
أكثرهم تحديد طبيعة الدور الاجتماعي الذي يمكن للشعر أن يقوم به. فرأى الزهاوي أن
الشعر يمتلك قدرة إنهاض المجتمع إلى مراتب التطور:
وعد
الرصافي الشعر دعامة في تطور المجتمع، إذ إن "نصيب كل أمة من الحياة الأدبية
ورقيّها فيها إنما هو في نصيبها من الشعر ورقيّها فيه"([24]). ويبدو
أن الرصافي ينطلق من نظرة تضع صورة التراث الأدبي العربي ومكانة الشعر الأثيرة فيه
أساساً للحكم. ولو أجال الرصافي بصره فيما عند الأمم الأخرى من (حياة أدبية) لوجد
أن للأنواع الأدبية الأخرى –الرواية
والمسرحية- مكانتها في مقياس هذا الرقي. ويقول
الرصافي بالرأي الذي قال به الزهاوي، فالشعر وسيلة إنهاض:
ويتوزع
الجواهري والصافي النجفي بين غايتي الشعر عند معظم هؤلاء الشعراء: الإصلاح والإنهاض،
فيقول الجواهري:
ويقول
الصافي النجفي:
ويجد
الشرقي في صلة الشاعر بمجتمعه ما يدل على الدور الذي ينبغي للشعر تأديته، فالشاعر
"يستقي إلهامه وأحلامه من وسطه وشعبه. فهو يحمل رسالة الشعور العام، ويتعاطى
بصقال العاطفة العامة وتربيتها. ومن هنا تعمر جهة الشعر الاجتماعي، ويكون الأدب
أدباً شعبياً"([28]). ويعد
الجواهري السياسة مجالاً لتأكيد صلات الشاعر الاجتماعية، ويبدي إعجابه بالرصافي
الذي جعل السياسة شعراً، مع التحوط فيما يتعلق بالناحية الفنية([29]). ويتحدث الشبيبي عن ديوان أحد الشعراء الشباب
بإعجاب لأنه وفّق "فجعل شعره سجلاً خاصاً سجل فيه أحداث وطنه المعروفة في
تأريخه القريب، فهو ديوان لمجريات المجتمع المعاصر في العراق"([30]). انتهى
اهتمام هؤلاء الشعراء بالغايات الاجتماعية للشعر إلى المناداة بالحقيقة سمة أولى
يتوافر الشعراء عليها في قصائدهم، ونظروا بعين الزراية إلى ما سواها. و(الحقيقة)
التي عنوها يفصح عنها اهتمام الشاعر برسم صورة لواقعه ومحيطه، تغلب عليها المباشرة
في موضوعاتها، والتقريرية في الإشارة إلى صورها ودلالتها. ولعل المتابعة المتأملة
لأفكار هؤلاء الشعراء في هذه المسألة تبرز المعيار النقدي الذي استمدوه من تصورهم للحقيقة
في الشعر. يقول
الزهاوي: "إن أحسن الشعر ما انطبق على الواقع، فكان خلواً من المبالغة التي
تمجّها الطباع الراقية"([31]). والمطابقة للواقع مستمدة من حقيقته:
وحين
ينظر إلى الموروث الشعري العربي يعلن ميله إلى ما كان صاحبه قد عبر عن الحقيقة
فيه، "فالشعر الخالد ما انطبق على الحقائق"([33])، ولذا أبدى موافقته على رأي حسان بن ثابت حين
قال:
ويبدو
أن الزهاوي لا يميل إلى القول بأن أعذب الشعر أكذبه، فيرى أن العذوبة في صدق
التعبير، "والأدب الصادق ذو روعة قد ولعت الأرواح، فوقفت وراءه الأسماع قريبة
منه، تسمح كلمة الساحر حق السماع، فلا يفوتها منه شيء"([35]). ولعله في رأيه هذا ينطلق من تصور متسع لمفهوم
الحقيقة، لا يقف عند صورها الاجتماعية أو التأريخية، فيستوعب حقائق النفس وما تفصح
عنه أيضاً. يرى
البصير أن مصدر الأدب المتجدد مرهون بمقدار حرصه على الحقيقة وتمثلها، "فما
دام الأدب صورة صادقة من الحياة والطبيعة فإنه موضع ابتكار لا حد له"([36]). ولكنه يوائم بين الحقيقة والخيال، فيعدّهما
قسيمين في العمل الأدبي، فالأدب "نسيج لحمته الخيال وسداه الحقيقة، يغذي
بالواقع ويسمو بالخيال"([37]). ولعل هذه فكرة متقدمة في النظر إلى العمل
الأدبي، تفصح عن اختلاف في رؤية البصير عن بعض شعراء جيله، ربما جاءت إليه بتأثير
دراسته الأدب الغربي. إن
الدور الذي منحه شعراء الشطرين للشعر في معالجة الحقائق الاجتماعية والفكرية في بيئتهم
لا يبرز منطلقاتهم النقدية كاملة، بما يجعلنا نتوقف عند ترديدها وحدها. فقد عانت
آراؤهم النقدية من اضطراب بيّن في كثير من جوانبها، لاسيما حين يواجهون آفاقاً
معرفية –من
خلال قراءات ثقافية خاصة- تتعارض مع هذه الفكرة أو تلك مما قالوا به، أو حين يتحرك
أي منهم باتجاه مجالات الوعي النقدي والفكري التي تهيأت له فتبدو له الأشياء
والوقائع "منعزلة عن بعضها، وكأنها قائمة بذاتها"([38]) ليقع معظمهم في ازدواجية الموقف وتناقضه، فهو أسير
واقعه الذي تحركه مؤثرات خاصة، ليس لـه بدٌّ من تحريك شعره على وفق قوانينها ليؤكد
هذه القناعة أو تلك، ولو كانت غير ذات جذور راسخة في نفسه. إن
معاودة النظر في اتجاهات تفكير هؤلاء الشعراء في دور الشعر وغايته تجعلنا قادرين
على القول بإخلاصهم لقضية التعبير عن الواقع وشؤونه، وما ورد عندهم من تنظير نقدي
يشير إلى إعلاء شأن فنية الشعر، ويحد من أهمية الموضوع، لا يعدو أن يكون تعبيراً
عن اضطراب في التوجه والرؤية انتاب بعضهم أحياناً. كان
الزهاوي مهتماً بتمثل الشعر للواقع ومطابقته له أكثر من أي شاعر من شعراء جيله.
ولكنه يتخلى عن ذلك، ليعلن مرة: "إن الشاعر الذي يساير شعور الناس فيما ينظم،
متوخياً إقبالهم على شعره، ينال ما يتوخاه، ما بقي الشعب جامداً في مكانه لا يتزحزح
عنه. أما إذا تقدم فإن شعره يموت، ويأخذ مكانه الشاعر الذي يتجدد مع جيله"([39]). ولا ينطلق هذا الرأي من قناعة الزهاوي
بالجانب الفني من الشعر بقدر ما يفصح عن استجابته لدعاوى التطور والتجديد التي
كثيراً ما كان الزهاوي من دعاتها. ويفصح
الرصافي عن رؤية مغايرة لما كان ينشده للشعر من غايات، فيقول: "وقد أخطأ من
قال أن غاية الأدب تهذيب النفوس وتثقيف الأخلاق وتقويم أود الطباع، فإن الأدب، وإن
جاز أن يكون واسطة لتهذيب النفوس وتحسين الأخلاق، إلا أن ذلك معدود من فوائده
المترتبة عليه لا من غايته"([40])، وتعكس رؤية الرصافي هذه حالة تتقاطع من
قناعته بغاية الشعر الاصلاحية، وهو القائل:
إذ
يباعد بين الغاية والوسيلة في الشعر منطلقاً مما فيه من أغراض لا تؤدي أية مهمة
أخلاقية([42]). غير أنه في الوقت ذاته يرفض رأي القائلين بأن
لا غاية للفن إلا فنيته، فالغاية عنده "ما يكون لأجله وجود شيء، فهي إذن علة
الوجود، وليس من المعقول أن تكون القصيدة نفسها هي الباعث له على قولها"([43]). ولعل أفكار الرصافي هذه تشير إلى قناعته
بتداخل الغاية والوسيلة في الشعر لخصوصيته الفنية فإذا كان وسيلة للتعبير عن محتوى
شعوري أو ذهني هو الغاية في حدود مضمون القصيدة فإنه غاية ذات طبيعة خاصة، يستعان
بوسائل مختلفة لبلوغها من لغة وخيال وبناء موسيقي. أما
الشبيبي الذي آمن برسالة الشاعر([44])، وعدّ أفق التجديد الذي سلكه الشعر العربي
الحديث يتمثل في أن الشعراء "شرعوا يستوحون الشؤون والحوادث الاجتماعية
والسياسية العامة"([45]) فإنه يعكس وجه الاضطراب في رؤيته حين ينظر إلى
حالة الجدال الدائر بين القائلين بنظرية (الفن للفن) والقائلين (بالفن للحياة)
فيطلق على النوع الأخير تسمية (أدب المعدة) وهو عنده غير أدب النفس والروح([46]). ومع أن قوله لا يفصح عن وصفه للأدب الذي يهتم
بفنيته، فلا شك في أنه يغمز جانب الرأي القائل بأدب الحياة، ويشير إلى اهتماماته
اللاشعورية. ولعل
طغيان الدعوات الواقعية وأفكار الالتزام التي شغل بها الأدب العراقي في تلك المرحلة
كان مبرراً للشبيبي في اتخاذ هذا الموقف وتضطرب رؤية البصير بين قوله "إن
الحقيقة سر جمال الفن"([47])، ورأيه الآخر الذي يبدي فيه ميلاً إلى جانب
نظرية (الفن للفن) حيث يقول أن "الفن للفن والحياة ثانياً"([48]). ويزداد الاضطراب حين يضيف رأياً ثالثاً يحتم
على الشاعر فيه أن يضع شعره فيما يخدم مجتمعه إذا أراد له أن يكون مثيراً
للاهتمام: "وللأديب أن يقصر فنه على ذاته إذا شاء ، ولكن عليه في هذه الحالة
أن يتحمل زهد الشعب وإعراضه عنه"([49]). (2)
تفصح
صلة الشاعر بمجتمعه لدى أصحاب الشعر الحر عن خصوصية التجربة التي يقدمها، لأنه أفق
تعبيري حي لمرحلته. وبمقدار وعيه لهذه الحقيقة وتبنيه لها يتحقق له وجود بيّن يندرج
في مسار تأريخي يدل على صاحبه. وحين يفتقد الشاعر هذا الحس النابض بروح زمانه
"يعالج شؤون فترة أخرى أو مكان آخر غير اللذين يعيش فيهما يعرض نفسه لخطر الوطء
على الخصائص"([50])، أي على هذا الوجود التأريخي الذي يحدد له سماته. ولقد
وعى الشعراء العراقيون المعاصرون هذه الحقيقة، وأبرزوها في منطلقاتهم النقدية،
مؤكدين أن وجود الأديب الخلاق يفرض" أن يعانق الأديب عصره وأن يعبر عن روح
العصر، وأن يضيء الأحداث الراهنة"([51]). ولأن تجربة الشاعر نتاج بيئة ومتطلباتها لا
يتاح لهذه التجربة أن تكتمل إلا من خلال بعد اجتماعي أصيل، فالشاعر "إنما
ينمو ويكبر من خلال صراعه الدائب مع متناقضات المجتمع"([52]). والشعر بوصفه نشاطاً ذهنياً "لا يمكن
فصله عن واقعه"([53]) الذي يمنحه عمق التجربة ويشرع له مساراً
لتطوره ونضجه. ومع
هذا المنطلق الاجتماعي صرح السياب علانية برفضه للشعر الذاتي([54]). وعنده أن انغلاق الشاعر على مكونات ذاتية محض
يضعف حسه الاجتماعي وهو ما يشخصه عند الشعراء القدامى الذين لا يثارون إلا بعد أن
ثار أبسط الناس"([55]). وإذا كان منطلق الشعر حساً ذاتياً، فليس له
أن يكون فاعلاً إذا لم يجعل الهم الاجتماعي العام مرتكزه في التعبير عن ذاتية
صاحبه، فالشاعر "إذا كان صادقاً في التعبير عن الحياة في كل نواحيها فلابد أن
يعبر عن آلام المجتمع وآماله، دون أن يدفعه أحد إلى هذا، كما أنه من الناحية
الأخرى يعبر عن آلامه هو وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الأكثرية
من أفراد هذا المجتمع"([56]). ويفسر
البياتي هذا التلاحم بين التجربة الذاتية والتجربة العامة، ويعده (توحداً) بينهما
"إن الشاعر هو صوت الجماعة في كل عصر، وهو حتى في خاصيته يعبر عن موجود
الجماعة كلها، وذلك لشمول تجربته. وسر نجاح الشاعر وخلوده يقوم على قدرته على
التوحيد بين تجربته الذاتية وتجربة المجموع"([57]). وتأسيساً
على قناعتهم بتفرد وجود الشاعر عبر مؤهلاته في الاندماج بكيان المجموع وقدرته على
صياغة الكلمة فعلاً إنسانياً عاماً، أكدوا أن ما يمليه عليه هذا الوضع من تأدية
لدين هذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه([58])، وإيمانهم بأنهم يكتبون الشعر لبسطاء الناس "لأولئك
الذين ظل الشعر بعيداً عنهم وظلوا بعيدين عنه طوال مخاض الأرض حتى ولادة عصرنا
الرائع هذا"([59]). وفي
هذه المرحلة –بظرفها
الخاص- ينبغي على الشاعر أن يدرك أهمية قصيدته وعليه أن يستهدف "الفهم
الجماعي لا الفردي ليؤدي دوره القتالي"([60])، ولا يمكن أن يصل إلى ذلك من دون إيلاء
المضمون العناية الأساس، لأن "الاستجابة الجماعية لا تحصل إلا بواسطة المعاني"([61])، التي يجب أن يتوسم فيها الشاعر –طبقاً لما يراه بلند الحيدري –البساطة والصدق، "وبقدر ما أكون
بسيطاً وصادقاً أكون قريباً من قارئي، فليس أعذب الشعر أكذبه بل أصدقه"([62]). ويبدو أن هذا التوجه الذي تشير إليه النصوص السابقة مرتبط بمرحلة
معينة كانت فيها الظروف السياسية والاجتماعية تطالب الشعر أن يكون على أرض واحدة
مع متلقيه، وإلا فإن القناعة الأولى لهؤلاء الشعراء لا تؤدي بالشعر الاجتماعي إلى
تقريرية تضع المضمون في سياق المباشرة ومناقشة الهم اليومي الشاغل للناس، بل تضعه
في مستوى من التعبير الإنساني الذي يتوسم التجربة الإنسانية التي لا تضيق بظرفيتها
منطلقاً له، فالفن الرائع "هو التصوير الصادق للحياة والتعبير عن آثار
أحداثها ومشاهدها في النفس الإنسانية بطريقة فنية"([63]). ويتضخم
هذا الموقف الذي لا يريد للأدب أن يسقط في وهم التعبير الاجتماعي متجاوزاً قيمته
الفنية عند نازك الملائكة، ولعل وراءه طغيان مد الدعوة إلى اجتماعية الأدب والمبالغة
فيها، من دون أن نهمل خصوصية المنطلقات التي تبنتها الشاعرة ووضوح الجانب الذاتي
فيها كثيراً. ترى
نازك أن الدور الاجتماعي للأدب مما نادت به الصحافة، ليصبح نبرة عصبية تطغى عليها،
"حتى باتت في عنفها تشبه تياراً جارفاً يريد أن يكتسح القيم كلها"([64]). ولذلك توجه نقدها الشّديد إليها فنياً
وإنسانياً ووطنياً وجمالياً([65])
وتصل إلى الحكم على هذه الدعوة بأنها "تفصل فصلاً قاطعاً بين دائرة (المواطن)
الصالح ودائرة (الإنسان)، فلكي يكون المرء مواطناً صالحاً في نظرها ينبغي له أولاً
أن يتخلص من إنسانيته، فلا يحب قوس قزح ولا ينفعل لمنظر الحصاد ولا تطربه أغاني
الحمامة بين النخيل في ظهيرة بغدادية، ولا تمتعه مسرات الصداقة الساذجة، وذكريات
نزهة عائلية مرحة"([66]). ومع أن ما تشير إليه نازك من موضوعات تجعلها
بإزاء الدعوة إلى اجتماعية الأدب في ظل واقع له خصوصيته الاجتماعية والسياسية يبدو
غير ذي أهمية كبيرة، فإن منطلقاتها في هذا الرفض تظل ذاتية تقوم على خصوصية تجربة
الشاعرة وشعرها وتوجهاتها فيه فضلاً عن أنها نظرت إلى ما يقال في هذه الدعوة
وينادى به وليس إلى التطبيقات الشعرية التي قدمها الشعراء في هذا المجال. انتهت
الدعوة إلى اجتماعية الأدب عند معظم هؤلاء الشعراء إلى تبني (الالتزام) مفهوماً
جديداً يعبر عن عمق الصلة التي يقيمها الشاعر بين شعره وغايته الاجتماعية. وبهذا
اكتسبت المسألة عندهم بعداً مهماً، ينعكس فيه تأثير الفكر السياسي والفلسفي الذي
بدأت كتاباته تصل إلى العراق وأتيح لهم أن يطلعوا عليه. يقوم
مفهوم الالتزام على تأكيد الصلة الإنسانية التي تبرز فيها شخصية الأديب وهو يتبنى
مشكلات واقعه وعصره بما يفصح عن أهمية دوره. ففي هذا العصر الذي شهد مجابهة حادة
بين اتجاهات فكرية متناقضة، وصراعاً شمل مختلف جوانب الحياة المعاصرة وحروباً
ومصالح واستعماراً وثروات تحررية ما عاد مقبولاً من الأديب مواصلة الاستغراق في
ذاتيته والاسترسال في مشاعره وخيالاته. فعليه أن يعبر عن انتمائه إلى مرحلته وما
تتمخض عنه من مظاهر. وأن يشارك بالفكر والشعور والممارسة المباشرة في القضايا التي
تشغل مجتمعه. وبرز
في هذا المفهوم اتجاهان أحدهما عبرّت عنه الواقعية الاشتراكية في دعوتها إلى حتمية
التزام الأديب بقضايا المجتمع والتعبير عنها. أما المفهوم الآخر فعبرت عنه دعوة
المفكر الفرنسي (جان بول سارتر)([67]) إلى التزام يبنى على إدراك الأديب لمسؤوليته
بإزاء أحداث عصره، فإنسان القرن العشرين ملتزم بحكم المسؤولية الشخصية التي تفرضها
عليه حريته، فما دام الإنسان متمسكاً بحريته فإن حريته تقتضي مسؤوليته من منطلق
علاقته ببيئته والآخرين([68]). وينال المضمون عند سارتر تفضيلاً في حين لا
يعطي للشكل مثل هذه الأهمية. ومن منطلق هذا الانشغال بالمعنى يفضل النثر على الشعر
في تقديم الرؤية الملتزمة، فإذا كان الالتزام يعني اتخاذ موقف فكري فإن النثر
عندئذ يكون ميدانه الطبيعي"([69]). وهكذا يصل سارتر إلى القول بعدم جدوى مطالبة الشعر
بالالتزام([70])، بسبب طبيعة التعبير الشعري وخصوصيته في التعامل
مع الألفاظ والمعاني، التي "تتجمع عن طريق تداعيات سحرية"([71]). يؤكد
اهتمام الأدباء العراقيين بهذا المفهوم وسعيهم إلى تبنيه في تجاربهم الإبداعية أنه
لم يكن حكراً على اتجاه سياسي أو فكري معين، مثلما لم يكن نتيجة اطلاعهم غير
المباشر على الأدب العالمي الذي تمثل هذا المفهوم، من خلال كتابات بعض الأدباء
العرب. لقد
جاء مفهوم (الالتزام) في البدء –وقبل
أن يقدم سارتر مفهومه عنه- مع الفكر الاشتراكي. وقد عرف الواقع السياسي العراقي
شيئاً من هذا الفكر منذ أوائل العقد الثالث. وظهرت أمثلته لدى قسم من الشعراء
العراقيين السابقين لشعراء التجربة الجديدة، من دون أن يشيروا إليه صراحة، مع أن
كتابات كثيرة لأدباء عرب وأجانب كانت تذكره. غير أن الأدباء العراقيين لم يستخدموه
إلا بعد الحرب العالمية الثانية([72]). أما الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر فلعلهم
لم ينشغلوا بهذا المفهوم أو الحديث عنه إلا في العقد السادس من هذا القرن، ويبدو
أن دافعهم إلى ذلك لم يكن الفكر الاشتراكي المتبني للالتزام بقدر ما كانت أفكار
سارتر ورؤيته الجديدة له وراء ذلك. شغل
السياب في مرحلة متأخرة بقضية (الالتزام واللاالتزام) فجعلها موضوعاً لمحاضرته
التي أسهم بها في مؤتمر الأدب العربي الذي عقد في روما عام 1961 والطريف في الأمر
أن هذا الاهتمام جاء في مرحلة راح فيها السياب يعلن تنصله عن أي شكل من أشكال
الالتزام وهي نتيجة تناسب تخليه عن أي اتجاه سياسي([73]). بدأ السياب محاضرته باحثاً عن صور الالتزام في الآداب
القديمة، منطلقاً من قوله بأن فكرته ليست بالجديدة، إذ كان الأدب بكل فنونه
"ينقسم إلى أدب موضوعي وهو ما يقابل الأدب الملتزم، وإلى أدب ذاتي، وهو ما
يقابل الأدب غير الملتزم"([74]). وقاده
هذا التصور العام للمفهوم إلى القول: إن "نصيب الالتزام القديم من الإنسانية
والشمول أكثر من نصيب الالتزام الذي نعرفه اليوم"([75]). وقد عد السياب الشعراء الكلاسيكيين جميعاً
ملتزمين طبقاً لرؤيته التي أقامها على تمييزه بين ماهو ذاتي وما هو موضوعي، وإذ
رأى أن الجانب الموضوعي يغلب على توجهات الشاعر العربي القديم رآه "ملتزماً
من دون أن يدعوه أحد إلى ذلك"([76])، ورأى أن ذلك تحقق في موقف الشاعر الجاهلي
الذي كان لسان حال قبيلته، أما في المراحل الأولى من قيام الدولة الإسلامية فإن
الإسلام "فرض الالتزام على شعرائه فرضاً وإن لم يأمر بذلك صراحة"([77]) لأنه دعا الشاعر المسلم إلى التمسك بالمبادئ
الإسلامية والتعبير عنها. وإذ خفّت حدة الوازع الديني في المراحل اللاحقة فقد خفت
معها حدّة التزام الشاعر العربي ليسير بشعره في اتجاهات متباينة، بعضها ذاتي
كالغزل ومع أن العصر العباسي شهد تعدداً في اتجاهات الشعر وبروز خصوصية الشاعر رأى
السياب أن شاعر هذا العصر ظل "يسلك ذات النهج الذي سلكه الشعراء العرب من
قبله غير خاص عواطفه الذاتية إلا بالنزر اليسير ومفتعلاً التعبير عنها في أغلب
الأحايين"([78]). ومع مناسبة هذا الرأي لبعض شعر ذلك العصر
يفتقر تعميمه على شعر العصر الذي دام خمسة قرون إلى الأسس الموضوعية، لاسيما أن
هذا العصر شهد ظهور عدد من أبرز شعراء العربية الذين نضجت على أيديهم صورة الشعر
العربي الخالد. ويرى
السياب أن العصور التي وصفت بأنها (مظلمة) لم تبرز صورة واضحة للالتزام، ولذا
تجاوزها إلى العصر الحديث، ليعد شعره بدء مرحلة جديدة من التعبير عن الالتزام في
الشعر العربي([79]) وإذ كان مفهوم الالتزام –طبقاً لما يراه السياب- قد برز في العراق
بتأثير اتجاه سياسي معين، فإنه يرى أن لفظة (الالتزام) ذاتها لم تستخدم في النقد
العربي بمفهومها الحالي إلا بعد أن استخدمها (سارتر)([80]). وبعد
أن نشطت الدعوة إلى الالتزام في الأدب العراقي والعربي يؤكد السياب بدء مرحلة
ضعفها في الوقت الذي كتب فيه محاضرته، إذ راح الشعراء يتخلون عنها، ويمثل لذلك
بشاعريته: "وأرى ذلك في نفسي، فكأنني أتخمت من الالتزام فأنا أتفلت منه"([81]). ويبرز ذلك بقوله: "عاش أغلب الشعراء
العراقيين فترة طويلة من حياتهم –هي
فترة- الشباب- وهم لا يكتبون إلا عن الفقر والجوع والبطالة والظلم والطغيان"([82])، ويوحي قول السياب أنه يربط مسألة الالتزام
بمرحلة الشباب، وليس الأمر كذلك، إذ أن شيوع فكرة الالتزام والدعوة إليها كان وليد
مرحلة سياسية ذات ظروف محلية وعربية خاصة، وقد زامن ذلك مرحلة الشباب عند الشعراء
العراقيين من أصحاب التجربة الجديدة، وهذا ما يشير إلى أن توجه هؤلاء الشباب نحو
فكرة الالتزام والتعبير عنها كان بدافع من الظرف الخارجي وليس نتاج مرحلة عمرية
معينة. ويشير السياب في محاضرته إلى ما انتهى إليه الشعراء العراقيون غير
الملتزمين مؤكداً حيادهم "فهم ليسوا ضد الالتزام ولا معه دون قيد أو شرط،
المهم عندهم أن يكون الأدب جيداً حسب المقاييس الفنية التي لا علاقة لها
بالسياسة"([83]). ولا
نريد أن نناقش أفكار محاضرة السياب موضوع الالتزام، وسيكفينا عناء ذلك ما كتبه
الشاعر شاذل طاقة في الموضوع نفسه، غير أننا نشير إلى اتجاه الرؤية الذي استمد
السياب منها عرضة لقضية الالتزام ومدى إيمانه بها. محاولين التنبيه على أنها جاءت
تعبيراً عن بعض ما دفعه من ثمن التوزع الفكري الذي وقع فيه في المراحل الأخيرة من
حياته. ويبدو في محاضرته كأنه يريد الإعراب عن تقديره للاتجاه الذي تبنى هذا
المؤتمر ودعا السياب إليه([84]). يوضح ذلك ميله في أوقات لاحقة إلى القول
بالالتزام تأثراً بالواقع السياسي ومتغيراته التي مر العراق بها. يقول في مقال
كتبه عام 1963: "لم يسمع أحد لا في القصص ولا في التأريخ عن شاعر أمسك بمعزفه
وراح يتغنى بحبيبته عند منزل يلتهمه الحريق، ثم يصر على الناس المنهمكين في إطفاء
الحريق أن يتمهلوا قليلاً ليستمعوا إليه. هكذا يكون حال الأدباء غير الملتزمين في
العراق لو أ نهم طالبوا الصحف الوطنية بأن تخصص جزءاً من صفحاتها لما يكتبونه من
شعر غزل أو قصص غرام أو تأملات صوفية، بدلاً من أن تكرسها لما يساعد الشعب والسلطة
الوطنية على حل كثير من المشاكل التي خلفتها العهود المظلمة التي سبقت ثورة 12
رمضان الوطنية"([85]). ويؤكد
أفضلية الشعر الملتزم إذا ما تمسك بفنيته على سواه من الشعر: "وإذا كان الأدب
الملتزم جيداً من الناحية الفنية فأي فرق بينه وبين الأدب الذاتي مثلاً، لا بل
سيكون أفضل مائة مرة من الأدب الذاتي المساوي له فنياً"([86]). تفصح
دراسة كتبها الشاعر شاذل طاقة في الالتزام عن طبيعة توجه الشعراء القوميين ونظرتهم
إلى هذا المفهوم. ومع أن هذه الدراسة تسير في الاتجاه ذاته الذي أراده السياب لمحاضرته
نجد ما تعكس حالة مستقرة من الوعي استعان الشاعر بها لتقديم أفكاره، فهي أفكار
شاعر ملتزم، في حين كتب السياب محاضرته برؤية من يعلن تنصله عن الالتزام نكاية
بأهله. وفي الوقت الذي راح السياب ينادي فيه بضرورة التخلص منه، ورأى فيه قيداً
يحول دون تطور الشعر "ولن يقدر للشعر العراقي الحديث الازدهار إلا إذا تخلى
نهائياً عن الالتزام"([87]) تعامل شاذل معه برؤية موضوعية، ليصوغ مفهوماً
جديداً له يستوعب الرؤية القومية ويشير إلى آفاقها. حدد
شاذل مفهوم الالتزام لغة([88]). وحين اتجه إلى المصطلح أشار إلى ما فيه من
أفكار تحدده لينتهي عند تعريف يرتضيه الفكر القومي له وهو "أن يلتزم الأديب
العربي مسؤوليته بوصفه إنساناً عربياً إزاء الوجود العربي"([89]) متوسعاً في حدود المفهوم الذي قال به سارتر
"أن يلتزم الأديب مسؤوليته إنساناً إزاء أحداث عصره"([90]). وحين
ينظر الشاعر في المسار التأريخي للشعر العربي القديم يجد أنه أخذ بعدين: أحدهما
مضموني، مثله التزام الشاعر الجاهلي بما يذود فيه عن قبيلته، ثم الالتزام الخلقي
الذي أتاحه الإسلام للشاعر وتحوله في العصر الأموي إلى التزام بفكرة سياسية لهذا
الحزب أو ذاك([91]). أما البعد الآخر فيراه شاذل التزاماً فنياً
"أوجبه الشاعر العربي على نفسه، حين اتخذ (عمود الشعر) قاعدة له في النظم،
سار عليها في الجاهلية وصدر الإسلام، ثم ازداد تشبثاً وإصراراً عليها حين ثار أبو
تمام على العمود أو حين توهم النقاد أنه ثار"([92]). وإذا
كان السياب رأى أن التزام الشاعر القديم كان أقرب ما يكون إلزاماً، لاسيما عند
الشاعر الإسلامي يؤكد شاذل أن الشاعر القديم كان ملتزماً طوعياً، فقد "كانت
للشاعر الجاهلي حريته في شعره، كما كانت للشاعر الإسلامي، وكانت استجابة الرأي
العام العربي هي المرجع الأخير في كل ذلك. فسمع الناس في الجاهلية شعر شعراء
القبيلة وأعجبوا به، كما سمعوا شعر الشعراء الصعاليك وشعر الشعراء الخلعاء، فلم
يضيقوا به ولم ينفروا منه"([93]). وحين
يصل شاذل إلى العصر الحديث يشير إلى مفاهيم متعددة للالتزام هي: (الالتزام
الفضفاض) وهو ما يراه في الأدب القديم. و(الالتزام الشيوعي) الذي يبرزه الأدب في
البلدان الاشتراكية. و(الالتزام الوجودي) الذي نادى به سارتر. ويقترح الشاعر
التزاماً رابعاً يجترحه من مفهوم الالتزام عند سارتر([94]) ويعني "أن يكون الأديب العربي ملتزماً
مسؤولياته من حيث هو إنسان عربي إزاء الواقع العربي الذي يعيش فيه وهو التزام ينبع
من حرية الفرد العربي فلا جبرية ولا إكراه في الأدب. والالتزام العربي التزام من
الداخل.. فهو التزام لا إلزام… يفترض الأصالة والثورية والإنسانية،
كما يفترض تمزيق الأقنعة والبراقع عن الواقع الفاسد الذي يعيش فيه الإنسان العربي
المعاصر"([95]). ولا
تهمل دعوة شاذل إلى الالتزام القومي قيمة العمل الأدبي الفنية: "لا نعني
بالالتزام ملء النص الأدبي بالشعارات السياسية أو الحزبية أو (المناسبية) فإن ذلك
دليل العجز"([96]). ويتردد
مفهوم الالتزام ذاته عند الشاعر محمد جميل شلش –من
منطلق الالتقاء السياسي والفكري الذي يجمعه مع شاذل طاقة، فعلى خلاف ما قاله
سارتر، يرى "أن الالتزام ملازم للشعر.. لأنه جوهره ولبه ووظيفته الإنسانية
الرفيعة"([97])، ومنطلقه في هذه الرؤية أن الشعر "وسيلة
موظفة لخدمة قضية من منطلق فني"([98])، ولكن هذه الخدمة لا تصدر من الشعر مقصودة بل
على نحو طبيعي، فيه كثير من العفوية([99]). ورفض
حسين مردان أن دعوة سارتر إلى إهمال الجانب الشكلي والانشغال بالمضمون، مع إشارته
إلى أنه يؤمن بالالتزام ويدعو إليه، ولكنه يشترط ألا يقدم البناء الفني
"قرباناً رخيصاً في معبد هذا الالتزام لأننا لا نريد أن نعود في المستقبل
فنكفر به"([100]). لم
تتوقف رؤية الشعراء العراقيين لدور شعرهم الملتزم عند مهمات تستجيب للظرف السياسي
والاجتماعي الذي مر به العراق بل اتسعت ميادينه لواقع عربي يمر في الظرف ذاته،
ولأجل ذلك دعوا إلى أن "تتصل جذور هذا الأدب بنفس الإنسان العربي ونزوعه إلى
تحقيق ذاته، لا كإنسان معلق في الهواء خارج حدود التأريخ، من دون ماض، وإنما
كإنسان يسكن وطناً معيناً، هو الوطن العربي، وله تأريخ معين، هو التأريخ العربي،
وماض يستمد منه ملامحه الخاصة التي لا يصح اعتباره إنساناً بدونها"([101]). وجد
السياب في وعي الملامح الموروثة للشخصية العربية أساساً لدور قومي يمكن لشعرهم أن
يؤديه. ويستعين البياتي بالتصور ذاته ليحدد أفقاً مستقبلياً يريد لتجربتهم أن تهتم
به، من دون أن تسقط في شراك المباشرة: "إننا في محاولتنا بعث أمجاد الأمة
العربية يجب علينا كفنانين أن لا نقتصر على الرسالة الاجتماعية والسياسية، بل أن
نتجاوز ذلك إلى التجربة النبؤية"([102]). ومن هذه القناعة يصبح على عاتق المبدع العربي
أن يؤدي واجبه القومي في "أن يخلق جواً من الانفعالات النفسية المنتجة،
محفزاً طلائع البعث الجديد"([103]). لقد
أدرك معظمهم أن القصيدة الجديدة التي يكتبونها "استجابة لواقع التطور الجديد
في الحياة العربية"([104]). ولأن هذا الواقع يمر في مرحلة من التأزم
والتمرد على كثير من قيوده صار على الشعر أن يستوعب ذلك، وعلى الشاعر أن يجسد في
شعره تجربة حية لهذا الواقع العربي وليس الاكتفاء بترديد الشعارات القومية([105]). لم
تنغلق تجربة الشعر الحر في أذهان أصحابها على مدار معين بل اجترحت لها تواصلاً مع
مسارات التجربة الإنسانية، واهتمت بإغناء خصوصية الشاعر التعبيرية بمضامين الفعل
الإنساني الذي لا ينكفئ إلى واقعه بل يبسط مجال رؤيته لتتنفس دفقاً خصباً من
التجارب والأفكار "فما دامت العناصر التي يتكون منها الإنسان واحدة فكل
العواطف والمشاعر البشرية تنطلق من مصادر متشابهة"([106]). وكان على التجربة الشعرية التي يعبرون عنها –كي تتحقق سمات حداثتها- "أن تستند
إلى عين الأسس التي تتصل جذورها بصميم النفس الإنسانية وطموحها إلى المثل العليا
من الحق والخير والجمال، ونزوع هذه النفس إلى تحقيق ذاتها"([107]). لقد
أيقن هؤلاء الشعراء أن الخلود للأديب الذي يتنفس دفء التجربة الإنسانية
"أوليس الأدب كله محصولاً إنسانياً يعالج أحاسيس الإنسان وأفكاره
وانفعالاته"([108]) وما الأدب الخالد إلا ما ارتكز على تجربة
الإنسان وعبر عنها، ولو "قيض لنا أن نطلع على الآثار الأدبية التي قال الزمن
فيها كلمته بأنها رائعة خالدة لوجدنا أن سر خلودها وروعتها كامن في أنها جعلت من
الصراع بين الإنسان وبين الشر وقواه موضوعها.. ومازالت تلك وظيفته حتى يومنا
هذا"([109]). لقد آمن هؤلاء الشعراء بأن الشاعر المعاصر
أفق إنساني متسع، وهذا يعني أنه يرفض الانصياع لظرفية زمانية أو مكانية ضيقة فهو
"لا يثور على مجتمع معين ولكنه يثور على العصر بمعطياته الجديدة"([110]) وعليه أن يكون قادراً على استحضار وعي إنساني
مؤثر في ممارسته الإبداعية، كي "يستطيع الغوص في ينبوع الإنسانية الكبير
ليستخرج منه عصارة الحياة"([111]). وفي
عصر طغت فيه قيم مادية وارتفع صوت العلم بالحقائق الدامغة التي أخذت تأكل من جرف
القيم الروحية التي لوّن الإنسان عوالم تأمله وخياله بها، حتى صار من الصعب أن
يصاب الإنسان المعاصر بالدهشة، فكل الغيبيات أمست محتملة([112])، ما عاد أمام الشاعر المعاصر إلا التمسك
بعوالم تجربته الشعرية التي غدت، طبقاً لرؤيته، المتنفس الوحيد الباقي للتعبير عن
القيم الروحية في عصر تتآمر ظروفه على هذه القيم([113]). وحين لم يعر الآخرون اهتماماً إلى ما تفعله
واقعية العصر ومنطقيته الصارمة من إزاحة لقيم ومثل إنسانية حقة يقف الشاعر
"يكافح ضد حالة الاغتراب المضروب حوله، محتجاً على لا شعرية العصر"([114]) ساعياً إلى إخبار من حوله "أن الإنسان في
حاجة إلى قيم روحية تبتعد به عن مادية الحياة وأحداثها اليومية التافهة، والشاعر
هو الرائد الذي يكشف للنفس الإنسانية آفاقاً روحية فسيحة تحوم فيها تلك النفس
وتنسى واقعها وأشجانها"([115]). غادر
الشاعر الجديد طرائق التعبير المباشر عما يحاصره من مضامين واقعه وأحداثه، مدركاً
أن مهمته التي ينبغي له أن يؤديها في شعره قد تغيرت في هذا العصر عما كانت لدى
الشعراء قبله. يقول السياب: "الأدب كما أفهمه أعمق وأخلد من أن يكون شعارات
سياسية مؤقتة أو مقالات صحفية ومواعظ حزبية"([116]). وتخاطب نازك الملائكة الشاعر العربي الناشئ
قائلة: "إن رسالتك لا تشبه رسالة الواعظ إطلاقاً"([117]). ويطالب البياتي بإخلاص الشاعر لفنه وألا يفرط
من أجل دعوة سياسية، لخصوصية مكانة الشاعر واختلافه السياسي مثلاً، إذ "إن
الفرق بين السياسي والشاعر هو أن الشاعر لا يصنع النظريات بل يلتقط البذور الجديدة
التي تولد بشكل جنيني في أحشاء المجتمع، فالفنان لا يعيش في الحاضر بل في المستقبل([118])" أما علي الحلي فيرى أن الشعر "ليس
عملاً إعلامياً أو دعائياً، ولا يمكن أن يكون كذلك، إلا إذا فقد خصائصه أو تخلى عن
سماته ومقوماته"([119]). ولعلنا
نجد في أقوالهم صدى لأفكار قالها بعض الشعراء الغربيين، مثل كيتس الذي قال:
"إننا نمقت الشعر ذا الهدف البيّن، لأننا نحس بغريزتنا أن وظيفة الشعر
الحقيقية ليست الوعظ"([120])، واليوت الذي رأى "أن الشاعر والمفكر
والسياسي والفنان والفيلسوف- مع علاقتهم جميعاً علاقة تكاملية بالعصر الذي أنجبهم-
يعبرون عن تلك العلاقة بطرق مختلفة"([121]). كان
اهتمام الشاعر العراقي بكيان تجربته، يصوغها على وفق ما يراه لها من خصوصية،
عاملاً مؤثراً في قناعته أن التجربة الشعرية المعاصرة إنما تحتكم إلى الواقع لتؤكد
حقيقتها، من دون أن تتلاشى ذاتية مبدعها في زحمة ما ينداح إليها من تجارب العالم
الخارجي ومضامينه. ويحرص صاحبها الشاعر على أن يظل متوازناً في الرؤية التي تتحرك
فيها تجربته فلا يفقد صوته الخاص من أجل ما يرد إليه من الخارج مثلما لا يتغرب عن
هذا العالم في مجاهل ذاته. ويبدو أن طغيان أي جانب منهما يؤدي بها إلى الإسراع في
الاتجاه نحو الجانب الآخر. وهذا ما يمكن الوقوف عنده في منطلقات الشعراء العراقيين
المعاصرين التي بدت في مراحل لاحقة من مسيرتها مستجيبة لدعاوى التنبه على الجانب
الفني في العمل الشعري بعد وقوف طويل عند أعتاب المضمون الاجتماعي والسياسي
والدعوة إليهما. وأبرزت هذه الحالة اقتراب الشعراء من فكرة (الفن للفن) ومناقشتها
ومن خلال ما قدموه من آراء في هذا الاتجاه يمكن تحديد ثلاثة مواقف عكست نوعية التصور
الذي تبناه أولئك الشعراء ومالوا إليه: يتمثل
الموقف الأول في رؤية كل من نازك الملائكة وبلند الحيدري التي بدت وكأنها منقطعة
إلى القول بفكرة (الفن للفن). ترى
نازك أن الموضوع أتفه مقومات الشعر "لأن كل موضوع يصلح للشعر سواء دار حول
مشاكلنا القومية أو حول شجرة توت أو معركة سباب في شارع ضيق"([122]). وتخرج من ذلك إلى أن المهم في العمل الشعري
هو أسلوب الشاعر الفني في معالجة الموضوع([123]). ومن هذه الرؤية تعكس نازك موقفاً يعلي من شأن
فنية الشعر ويضعها في المقام الأول. وكانت نازك حريصة على موقفها هذا، مستجيبة
لخصوصية تجربتها التي احتوت رؤيتها للعالم الخارجي فكانت تضع تأملاتها الذاتية فوق
الاعتبارات الأخرى حتى ماكان منها معالجة لهمّ اجتماعي، لم يكن يشغلها مضمونه
العام بقدر ما تفصح عن ذاتية نظرتها إليه([124]). ويترسخ
هذا الموقف عند بلند الحيدري الذي يصرخ بأن الفن "طاقة شخصية ما دام داخل تلك
الحدود الشخصية. أما إذا حاول الخروج منها فإنه يفقد صفته كفن"([125]). وهذا يعني أن الفن طبقاً لرؤيته قيمة فنية
بذاتها وليس وسيلة لغاية خارج إطارها الفني، "فإن توخي الفائدة في الفن يخرج
الإنتاج من فنيته ليحيله إعلاناً أو دعاية"([126]). ويمكن
أن تتلمس سمات الموقف الثاني لدى السياب الذي انتهى عند القول بفكرة (الفن للفن)
بعد أن كان ممن يرون أن للشعر غايات أهم من شكله الفني وقيمته الجمالية وانغلاقه
على ذاتية مبدعه والترنم بها([127]). ويبدو
أن أفكار السياب شهدت تدرجاً مرحلياً باتجاه المناداة بهذه الفكرة وترديدها،
مبتدئة بتأكيده دور الأدب في مجتمعه من دون تفريط بقيمته الفنية: "أنا من
المؤمنين بأن على الفنان دينا يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه.
ولكنني لا أرتضي أن نجعل الفنان.. وبخاصة الشاعر –عبداً
لهذه النظرية"([128]). ويشير في وقت آخر إلى تميز الشاعر الذي ينتقل
من كونه (شاعر فن) إلى (شاعر مجتمع) وقدرته العالية على الخلق([129]). وقال في مرحلة لاحقة بضرورة أن يكون الأدب
ارتفاعاً خصباً في رسم صورة الواقع وليس انعكاساً له: "إننا نعيش في عالم
قائم كأنه الكابوس المرعب، وإذا كان الشعر انعكاساً من الحياة فلابد له أن يكون
قاتماً مرعباً"([130]). وتتحرك رؤية السياب نحو الابتعاد عن الدعوة
إلى اجتماعية الأدب في وقت لاحق ليشير إلى أن الشعر يكتب للنخبة وليس للجميع
"يجب أن نكتب أشياء فوق مستوى الجمهور، فهو متخلف حضارياً، وإذا أردنا
مماشاته فعلينا أن نتخلف ثقافياً وحضارياً. أن نتنازل عن العمق وعن الفن"([131]). ويبدي
في مرحلة تالية تفهماً لفكرة (الفن للفن) ودوافعها ويعدها رداً مناسباً لطغيان
دعوة (الفن للمجتمع)([132]). وتنتهي حالة التدرج في الرؤية بالسياب إلى
الاصطفاف مع دعاة (الفن للفن) ومشاركتهم قناعتهم بها ليعلن أن موضوع الأثر الأدبي
ليس مهماً "وإنما تفاصيل إخراج ذلك الأثر هي المهمة" ويرى "أن هذه
النظرة هي في الحق النظرة الأصيلة لنظرية الفن للفن"([133]). ومع ما انتهى إليه السياب من موقف نرى أن قناعته لم تستقر كلياً بل ظلت عرضة للتغير والانتقال وهي محصلة أساس لحالة اضطراب الرؤية وتقلبها التي كان السياب يعانيها([134]). ويحتوي الموقف الثالث أفكار معظم الشعراء العراقيين بالمواءمة بين المضمون والشكل لكونهما طرفي كيان واحد يتحقق وجوده المؤثر في خلال إغناء أحدهما الآخر. ومن هؤلاء الشعراء عبد الوهاب البياتي الذي حمّل الشعر مهام اجتماعية يؤديها في هذا العصر: "إننا نكتب الشعر لبسطاء الناس، أولئك الذين يصنعون الثقافة والتأريخ والخبز والنور"([135])، ولكنه لا يرفض أن يتجه الشعر إلى غاية ذاتية: "فإلى جانب هذا الشعر الملتزم الذي هو قريب الصلة بالمجتمع هناك الشعر العاطفي… إنه شعر القلب والوجدان، وأظن أن هذا الشعر له أهميته الإنسانية"([136] |