|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:26 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
تثير
حركات التجديد في الآداب والفنون- وهي تواصل اندفاعها في إحداث وعي التغيير وتقديم
أمثلته- أسئلة كثيرة تتعلق بالدوافع التي تكمن وراء النقلات الكبيرة في هذه
المجالات الإنسانية، لاسيما حين تحدث انقلاباً في الرؤية والهدف ووسائل التعبير،
لتنقل واقع الإبداع من حالة التقليد إلى مستوى من التطور والتجديد. ويبدو
القول: إن الحياة في حركتها وتطورها تدعو إلى ذلك، إجابة عامة، تنظر إلى قضية
الإبداع نظرتها إلى أي جانب من جوانب الحياة، لتلغي دور الفنان المؤثر وقابلياته
الإبداعية([1]). إذ إن هناك نمطين من الأدباء والفنانين: نمط
يغذي تجربته من خلال استحضار مواقف سطحية، غالباً ما تسقط في شراك التقليد لصور
الإبداع الذي حفل به الماضي، أو لصوره في الحاضر، ولكن من بيئة أخرى، لتبقى في
الأحوال كلها غير متصلة بواقع مبدعها وبيئته. أما
النمط الآخر فهو الفنان الأصيل "الذي يتمتع بقدر غير اعتيادي من الرهافة
والتوتر والحساسية والقدرات"([2])، فضلاً عن إخلاصه لقضية الإبداع ومعايشته لها
هاجساً ومعاناة موصولة برغبته في استيعاب عصره واستشراف مستقبل الإبداع. وهذا
النمط هو القادر على إحداث النقلة المبتغاة وتأكيد حضوره فيها. وعلى قدر إدراكه
قوانين الحياة المتطورة وإيمانه بحيوية الفعل الإنساني تكون صلته بعصره دافعاً له
كي يذهب ببصره إلى آفاق رؤية جديدة يثريها بوعيه وتجربته من منطلق إنساني خلاّق. إن
وعي التجديد لا يتعلق بهذا الجانب أو ذاك من جوانب الحياة والعصر بل هو موقف
إنساني يتواصل صاحبه من خلاله مع حركة الأشياء وتجدّدها المستمر ويتوسل إليه
بقدرات معرفية وتأمل خصب لا يتوافر عليهما إلا المبدع الأصيل. ومن هنا يستمد وجود
الفنان المبدع ضرورته لعصره، فهو وحده القادر على خرق المألوف واستنبات الجديد في
أرضه. (1)
انشغل
شعراء الشطرين بأفكار التجديد، حتى بدا كل منهم وكأنه يسعى إلى أن يكون داعيته، من
منطلق ورؤية خاصين به. وكانوا يستجيبون في ذلك لواقع أخذت أسباب التغيير والحركة
فيه تزعزع بعضاً مما استقر في النفوس والأذهان، منطلقين من وعي لطبيعة عصرهم القلق
ومتغيراته الكثيرة فهو "عصر مدنية راقية وعلم واسع وآثار باهرة وبدائع زاهرة
ومخترعات عجيبة ومكتشفات غريبة، كما أنه عصر نفوس محررة وأفكار مطلقة"([3]). وإذ ينظرون إلى صورة المجتمع العربي هو يلج
أفناء هذا العصر يرونه: "عصر اليقظة في الفكر والشعور، تفنن الخيال العربي
فيه في التعبير عن هواجس النفوس الطامحة إلى مجاراة الأمم الناهضة، الراغبة في
التخلص من عوامل الضعف والانحلال"([4]). ويحدد
الشرقي لهذه النهضة آفاقها أو (صيحاتها) كما سماها وهي عنده جملة أحداث حققت
انتقالات مهمة في الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي للعرب في العصر الحديث([5]). ويتمتع
هؤلاء الشعراء بشيء من الموضوعية حين ينظرون إلى هذا الجديد في الحياة الحديثة
بوصفه استجابة حتمية لقانون أساس في الوجود هو قانون التطور والحركة. وهو ما توقف
الزهاوي عنده "فكل تطور فيه جديد بالنسبة إلى ما تقدمه وقديم بالنسبة إلى ما
تأخر عنه، وأنا لا أسمي جديداً إلا ما كان على آخر طراز من التطور"([6]). ويشير الرصافي إلى أن الأمم خاضعة في تطورها
للقانون الذي يحكم الإنسان الفرد في نشوئه، وأن أدب الأمم تابع لها في ذلك
"فأدب الأمة العربية مثلها خاضع لقانون النشوء والارتقاء، فكلما ارتقت ارتقى
معها"([7]). أما الزهاوي فيطبق هذا القانون على الشعر، فهو
"تابع لسنة الارتقاء فقد كان في أوله على ما أظن ألفاظاً متقطعة وتأوهات
بسيطة، هما أشبه بأنين المتألم. ثم تركب مع الزمان، وارتقى مع ترقي القوم، وتنوع
حتى بلغ درجته المناسبة لرقي الأمم"([8]). ويردد الوائلي هذه القناعة، ناظراً إلى الأدب
بوصفه ظاهرة اجتماعية يحدث فيها التطور مثل بقية الظواهر، فعنده أن نزعات التجديد
في الأدب "تسير في طريقها كما تسير بقية الظواهر الاجتماعية بمعنى أنها تنشأ
نشأة تلقائية وتخضع لقوانين المجتمع التي تكيّف الظواهر وتدفعها، إما إلى طريق
البقاء، وأما إلى الزوال"([9]). ويجد
البصير في صلة الأدب بالحياة مصدر تجدده الدائم "مادام الأدب صورة صادقة من
الحياة والطبيعة فإنه موضع ابتكار لا حد له"([10]) وهي الفكرة ذاتها التي انطلق منها الجواهري في
إيمانه بالتجديد الذي يضعه في إطار شامل لتطور مجالات الإبداع التي لا يجعلها
رهناً بتطور وعي مبدعيها بل تطور المجتمع في جوانبه المختلفة: "أنا من
المؤمنين بضرورة تطور الفن. وسيتطور عندما يتطور الرسام والنحات، وعندما يتطور ابن
الشارع"([11]). ويشير الوائلي إلى الأدب العربي فيرى أن طاقة
التطور فيه "قوية فعّالة، لا تضعف حتى تقوى وتشتد"([12]). وكان هذا مدعاة لأن يظل سالكاً طريق التطور
في عصوره كلها، بسبب أن حركة النهوض والتجديد فيه "لم تكن وليد المصادفات بل
كانت وليد حركات قوية وملكات أصيلة وبيئات مهيئة"([13]). ويجد
الشرقي في حال المجددين من أمثاله في بيئته (النجف) ذات الخصوصية الدينية([14]) تعبيراً عن معاناة المجددين في كل بيئة ركنت
إلى القديم: "توجد في النجف طائفة من المتجددة قد تمردت أرواحهم على التقاليد
البائدة وتعاطوا وجوه الإصلاح فهدموا شيئاً وبنوا شيئاً ورموا أشياء. ولكنهم
ممتحنون بحالة اجتماعية ثقيلة فلا يجدون نوعاً من التنشيط ولا طرفاً من الإقبال
على بضاعتهم"([15]). وترتكز
دعوتهم إلى التجديد على مقومات واضحة لديهم فهم لا يضعونه في مدى زمني مطلق فليس
"كل ما قيل في الأزمنة الغابرة قديماً وكل ما قيل في هذا العصر جديداً فإن
فيما قيل في تلك الأزمنة ماهو جديد في كل عصر"([16]). فضلاً عن القناعة بأن الجديد الذي يبرزه
العصر امتداد للقديم في جوانب كثيرة منه([17]). ولذلك يكون مقياس النظر إلى الجديد فيهما
مستمداً من نزعة كل منهما ورؤيته وليس من زمانه([18]). وهذا يعني أن من سمات الجديد أن "يصور لنا
صور الحياة المحيطة به تصويراً موصلاً إلى الغاية التي ينزع إليها.. أي أنه لا
يأتيك بصورة طبق الأصل من أدب عفته الأيام ومن حياة غيّرها الزمان كما يفعل
المقلدون"([19]). وينبغي للجديد أن يحمل سمات مبدعه "فمن
ظهر في أسلوبه أثر محسوس من شخصيته الأدبية بحيث يمتاز به من غيره من الأساليب جاز
أن نقول عنه بأنه مجدد في أسلوبه غير مقلد"([20]). والجديد ينبذ المبالغة لأنها "تنافي
الشعور الذي يطلبه العصر الحاضر"([21]). ولن يكون مبدع هذا الأدب مجدداً "إلا
إذا فاز بسهم وافر من علم النفس وعلم الحياة وعلم الاجتماع"([22]). وإذ بدأ هؤلاء الشعراء تقليديين في الرؤية
والتجربة، وتلك حالة لابد منها، لطبيعة المرحلة التي ظهروا فيها، أتيح لهم في
المراحل اللاحقة أن يصقلوا تجاربهم وأن يتصلوا بالعصر وأسباب التطور في الحياة
والأدب بحدود ما تهيأ لهم من مضامين استجاب لها وعيهم على نحو أو آخر، ليتجه شعرهم
إلى مسارات تناسبهم، كان أبرز ما فيها، على صعيد النظرية التي قدموها رفضهم
للتقليد وتجاوزهم له باتجاه التجديد وآفاقه:
ولا
يكتفي الرصافي برفض التقليد في الأدب عامة والشعر خاصة بل يراه مسخاً لوجود الأمة
المعاصر([24]). وعلى قدر تجديد الشاعر تكون حريته، فالشاعر
الحر لا يقلد.
وتتجلى
صورة التجديد في الشعر لدى هؤلاء الشعراء بمقدار ما فيه من ابتكار، وهي السمة التي
يبدو أنهم ارتضوها للشعر الذي يميلون إليه. فيرى الزهاوي أن شهرة الشاعر مرتبطة
بمدى ابتكاره:
ويرى
الرصافي أن الشعر الحسن ما كان مبتكراً:
ويتأمل
الشبيبي في شعر عصره بحثاً عن سر الابتكار الذي يهيم فيه:
ويكرر
الصافي النجفي لفظة (مبتكر) ويطلقها على ذاته وشاعريته:
ويهتم
البصير بسمة الابتكار، وهي عنده مستمدة من صلة الأدب بالحياة "ما دام الأدب
صورة صادقة من الحياة والطبيعة فإنه موضع ابتكار لا حد له"([30]). وتبرز
تجليات التجديد عند هؤلاء الشعراء في صورة مختلفة تبعاً للمرحلة الزمنية التي بيّن
كل منهم أفكاره عن الجديد فيها، وما ظهر من آفاق تجديد حدد بعضهم موقفه منها. ولعل
اهتمامهم بما أطلقوا عليه اسم (الشعر العصري) أبرز مظهر تجديد شغلوا به –لاسيما الزهاوي والرصافي- وأراد كل منهم
من خلاله أن يقال عنه إنه قد تمثل جوانب عصره، ليضفي عليه لقب (الشاعر العصري)،
الذي حدده الزهاوي بقوله: "هو من كان يقوله- يقصد الشعر- بدواع عصرية أكثرها
اجتماعي كأن يشاهد ظلامة فيصورها في شعره، داعياً بذلك الأمة إلى إزالتها وعدم
تكرار أمثالها.. أو يرى عادة شائنة للمجتمع فيقبّحها بتصوير ما يلحقه من الأضرار
بسببها"([31]). ومع أن الزهاوي يحدده طبقاً لغايته الاجتماعية
نجد سمات هذا الشعر عندهم تشمل مستويات متعددة يلتقي فيها المضموني بالفني، فإلى
جانب السمة الاجتماعية التي طالبوا الشعر العصري أن يتمثلها أخرجوا الأغراض
التقليدية من آفاقه وعابوا شعر المراحل التي سبقتهم لكونه "لا يصور لنا من
الحياة إلا صوراً محددة من ألوان المدح والهجاء والنسيب ونحو ذلك"([32]) وجعلوا تمثله لروح العصر وتجاوبه مع الشعور
الذي انبعث فيه أساس تجدده "والجديد من الشعر هوما كان مشبعاً بالشعور
العصري، وكان لذلك الشعور تأثيره في شعور الآخرين يهيجه فيهم كأنه الكهرباء"([33]). ومن منطلق ما يشهده العصر من تطور في العلوم
والمعارف والاختراعات نادوا بأن يكون الشعر العصري" منطبقاً من جميع الوجوه
على ما تقتضيه روح هذا العصر"([34]) من تمثل لقيم الحضارة الجديدة ومظاهرها، ونظم
الشعر في علومها ومستجدات معارفها، حتى بدت هذه الموضوعات لدى بعضهم –لاسيما الزهاوي والرصافي- دليل عصرية
الشاعر وسمة تميزه من الشاعر غير العصري. وهو ما أدى بالشعر طبقاً لرؤيتهم إلى أن
ينحرف من خصوصيته بوصفه تعبيراً عن مدركات النفس ومشاعرها ليصبح نظماً لحقائق
العلم ومدركات العقل يقول الزهاوي: "وأحسن الشعر في نظري ما استند إلى
الحقائق أكثر من العواطف والخيال البعيدين عنها، فكانت حصة العقل فيه أكثر من
حصتهما"([35])، وتبعاً لهذه الرؤية التي تقوم على أساس
التعبير عن الحقائق وترسم خطاها يفتقد الشعر قيمته الفنية لصالح المضمون الذي يعبر
عنه، "أي أن الباعث عليه هو الحاجة النفعية لا الضرورة الجمالية"([36]). ويبدو
أن الشبيبي لم يكن ميالاً إلى هذا الاتجاه في نظم الشعر، فهو يقول عن الزهاوي
والرصافي أن لهما أسلوباً خاصاً "ينظمان بموجبه الشعر في موضوعات العلوم
الكونية وبعض المسائل الطبيعية أو الرياضية. تقرأ هذا الشعر فكأنك تقرأ فصلاً
لكاتب كتبه في موضوعه، فهذا الشعر لا يفرق عن النثر في شيء، ولست من يعجبه هذا
المذهب مطلقاً. ولم أجد فيه ميزة من ميزات الشعر"([37]). ومن
مظاهر التجديد وآفاقه لدى شعراء الشطرين موقفهم من الشعر الغربي فهم لم يطلعوا على
بعض معارف الغرب وعلومه، بما غيّر نظرهم إلى واقعهم ومجتمعهم ورغبهم في التجديد،
فمالوا إليه حسب، بل أتيح لبعضهم الاطلاع على بعض آفاق الأدب الغربي ومجالاته، وأن
يتأملوا في طبيعة الشعر الغربي ومساراته وخصوصيته التعبيرية([38]). وإذا كانت نظرتهم إلى علوم العصر واكتشافاته
دافعهم إلى البحث عن التجديد وتبني وعيه في المعارف والفكر والممارسة الأدبية فإن
ذلك لم يلغ التمييز لديهم بين قدرة الاستجابة للتجربة الإنسانية في العلم والمعرفة
واستيعاب شروطها وتعذر ذلك في التجربة الإبداعية- لاسيما في الشعر- لخصوصيتها
وتباين الأمم فيها، مع أنهم عدّوا الشعر الغربي متطوراً أكثر من الشعر العربي([39]) وتطوره متأت –طبقاً
لرؤية الزهاوي- من كونه "ممثلاً للحقائق في الطبيعتين الخرساء والناطقة"([40])، في حين عدّه الرصافي متطوراً لأن شعراءهم الفحول
"لم يتبعوا خطة التقليد بل مازالوا إلى عهدنا يطلقون العنان لجياد القرائح
لتجول في عالم الحقيقة وتغوص في بحار المجاز تنتقي درر المعاني وتنظمها في أسلاك
البيان"([41])، وحين يقارنون بين هذا الشعر والشعر العربي
يجدون أن منطلق كل منهما مباين للآخر "كان الشعر قد بدأ في الغرب بالخرافة
فترقى إلى الخيال المألوف فالحقيقة، وأما عند العرب.. فإن الغالب على الشعر في
الجاهلية هو الحقيقة والبساطة ثم أكثر فيه الخيال فالخرافة وشاعت أخيراً الصنائع
وهي التي قضت عليه إلى أن تعلم نفر من شعراء العصر أن ينحوا به إلى الحقيقة"([42]). وينظر الشرقي إلى الفرق بين الشعر من خلال
المنطلقات التي يراها تتحكم بالوعي فالشرق "يتغذى بالروح والفؤاد والغرب
يتغذى بلفائف الدماغ"([43]). وإذا كان رأي الشرقي يقترب من واقع الحال
الذي فرضته مكانة الغرب المتطور بعلومه ومعارفه وحال الشرق الذي لا تزال القيم
الروحية والتقاليد تفرض منطقها عليه، فإن موازنة الزهاوي بين الشعرين لا تتقيد
بتصور يقيني أقامه صاحبها على استقراء مراحل تطور الشعر بين الشرق والغرب وما
انتابه في كل مرحلة من تطور وانتقال نوعي. إن الزهاوي الذي بحث في أصل الشعر([44])، واهتم بالشعور ومدى استحضار الشاعر له، يضع
الشعر في منطلقات ليست هي الشعر كله بل بعض ما يظهر عن إيحاءات تعبيرية يستعين
الشاعر بها لإبراز مضمونه فالخرافة والخيال والحقيقة، ليست مراحل للشعر يمكن تقسيم
مساره على وفقها بل هي مجالات رؤية يتحرك فيها المضمون ويغتني بها. ولعل الزهاوي
كان يفكر بشعره وشعر بعض معاصريه حين جعل الحقيقة آخر ما توقف عنده الشعر العربي،
وإلا فإن كثيراً مما كان يكتبه شعراء عرب آخرون كان يغتني بالخيال والصورة ويتجه
نحو التعبير المفعم بالمشاعر الذاتية والرؤى التي لا يصدق فيها وصف الحقيقة مثلما
أوردها الزهاوي. وذلك ما يفصح عنه قسم من شعر المهجر وأبولو. ويعترف هؤلاء الشعراء
بتأثير بعض جوانب الشعر الغربي في الشعر العربي فيعد الزهاوي نزعة التجديد التي
تمثلت الشعور في القصيدة قد "جاءت من الغرب تحمل في أردانها كل ما يمس النفس
ويهيج فيها الإحساس أو يصور الطبيعة"([45]) ويجد في نهضة الشعر العربي وتطوره أوائل القرن
العشرين بعضاً من أوجه التقائه الشعر الغربي، ويحاول أن يدعم رأيه هذا بحالة
تأريخية فيقول: "وبسبب هذا التطور هو التقاحه بأدب الغرب، كما التقح في عهد
العباسيين بأدب الإغريق"([46]). وإذا كان الزهاوي مصيباً بعض الشيء في الجزء
الأول من كلامه فإن ادعاؤه بتأثر الشعر العباسي بأدب الإغريق يجانب الحقيقة
التأريخية، إذ ليس هناك من تأثير حقيقي إلا ما قيل في شعر أبي تمام وتأثره ببعض
كلام المناطقة من غير العرب، وما قيل عن المتنبي واحتمال اطلاعه على بعض أقوال
أرسطو التي جاءت في شعره([47]). ولو أشار الزهاوي إلى تأثير النقد العربي في
عصور ازدهاره، على نحو ما، بالفكر والمنطق الإغريقي لربما كان مصيباً. ويشارك
البصير الزهاوي رأيه في طبيعة التأثير الذي تركه الأدب الغربي في النهضة الأدبية
الحديثة "فإذا كان أدبنا قد نهض في هذا العصر نهضة لا نظير لها في تأريخه
فذلك لأن فريقاً من أدبائنا وقفوا على طائفة من الآداب الغربية وقوفاً لا بأس
به"([48]). ولم
يقف تقديرهم للشعر الغربي وفنونه حائلاً أمام فهمهم لأهمية الحفاظ على خصوصية
الشعر العربي في أسلوبه وطرائقه، وعدوا الميل إلى أساليب الشعر الغربي وأتباعها من
التقليد لا يختلف عن تقليد القديم وأتباعه، "التقليد ذميم سواء كان تقليداً
لشعراء العرب الأقدمين أو لشعراء العرب المحدثين"([49]). وكان الزهاوي يبرر رفضه لتقليد الشعر الغربي
من خلال يقينه بتباين الشعور العربي عن الشعور الغربي "فإن لكل أمة شعوراً لا
يتفق في الغالب وشعور أمة أخرى، قد فرقت بينهما سنة الوراثة في أجيال بعد
أجيال"([50])، أما الرصافي فيرفض التقليد من تصور لا يشير
إلى اختلاف الشعور وحده بل إلى أشياء كثيرة أخرى، فعنده إن أدب كل أمة تعبير عن
"حالتها الروحية المتكونة من العقل والفطنة والشعور والعاطفة والأخلاق
والعادات والدين والخرافات والبيئة والتأريخ. وهذه كلها أمور تختلف اختلافاً كلياً
بين الأمم"([51]). ويمثل
موقف هؤلاء الشعراء من الشعر الحر جانباً من أفق الرؤية الذي تعاملوا من خلاله مع
مظاهر التجديد. ظهرت
حركة الشعر الحر بعد وفاة الزهاوي والرصافي غير أن ذلك لا يمنع أن نتأمل الموقف
الذي نفترض أن كلاً منهما كان سيقفه من هذه الحركة. إن الوقائع المستخلصة من سياق
أفكارهما تقودنا إلى ما يأتي: كان الزهاوي يهيم بالتجديد ويندفع إلى ضجته أياً كان
مصدرها، وكان يؤمن بتطور مستقبلي للشعر العربي ويقول عن التجديد في شعر مرحلته:
"ولا تحسبن الشعر سوف يبقى على تطوره الأخير هذا ولا يتطور إلى أحدث منه،
فهذا الجمود يخالف سنة الارتقاء، بل الشعر تابع في تطوره تطور الشعوب. ولما كان
تطور الشعوب مستمراً فتطور الشعر مستمر. وسوف يأتي جيل يستخف بضيق الشعور في جيلنا
هذا لسعة شعورهم"([52]). ومن
خلال هذا التصور لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا أنهما سيقفان مؤيدين لحركة الشعر
الحر مدافعين عنها، لو أن نظراتهما إلى التجديد حافظت على مسارها. ومهما يكن فلعل
موقفهما سيكون أفضل من المواقف المترددة أو الرافضة للشعر الحر التي عبرت عنها
آراء الشعراء الآخرين ممن نظموا شعر الشطرين. نظر
الشبيبي إلى التجربة الشعرية الجديدة أول الأمر بعين القناعة بضرورة التجديد الذي
لا يرى فيه خطراً على اتجاه الشعر الموروث: "لا أخشى على مستقبل الشعر ولا
أرى في ثورة الشعراء الشباب خطراً عليه، إذ ليست هناك ثورة على أساليب الشعر
الأصيلة. وإن كان قد ظهر شعراء مجددون تناول تجديدهم المعاني الشعرية فاستلهموا
شعرهم واستوحوا منظوماتهم من شؤون الحياة العامة في هذه البلاد، ومن شعورهم الصادق
بما يشعرون به"([53]). وكان يدعم موقفه هذا برعاية طيبة يسبغها على
هؤلاء الشعراء الشباب. يقول البياتي: "الشاعر محمد رضا الشبيبي احتضننا وكنا
نزوره في البيت ونتردد عليه وكنا نقرأ عليه بعض قصائدنا ونهدي إليه كتبنا التي
كانت قد صدرت في حينها، وكان يشجعنا تشجيعاً كبيراً"([54]). غير أن الشبيبي وبعد سنين لاحقة ترسخت فيها
هذه التجربة وبرزت اتجاهات وأساليب قدم موقفاً معارضاً للشعر الحر ووصفه أنه
"الشعر الذي يدعو إليه القليل من الشباب العاجزين، فالشعر المقفى الموزون هو
شعر العربية في كل زمان ومكان"([55])، أما الشعر الحر فسوف "يعجز عن معارضة
الشعر العربي الأصيل"([56]). ولعلنا نتلمس مبررات هذا الموقف فيما ساد
حركة الشعر الحر من اتجاهات متباينة في مستواها وجدية تعاملها مع التجربة الشعرية
وانغماسها في مسارات باعدت خطاها عن خصوصية الإبداع الشعري، وسقطت في متاهات
التجريب. ولعلنا نجد العذر للشبيبي في موقفه هذا إذا علمنا أن موقف نازك الملائكة،
وهي أبرز رواد هذا الشعر، كان متطابقاً في هذه المرحلة مع ما توقف الشبيبي عنده([57]). وعلى
العكس من الشبيبي أبدى الجواهري –أول
الأمر- رفضاً شديداً للشعر الحر، فكان يصفه بأنه شعر غاية في السوء، ويقول:
"إني أخشى أن أسيء إلى الآخرين وخصوصاً أن الشعراء الذين ينظمون هذا الشعر
كلهم من الشباب الذين أحبهم وأعتز بهم… إنني في الوقت الذي أتمنى لهم التوفيق
فيما ينظمون… أتحداهم إن كانوا يستطيعون تأدية
المهمة الشعرية بقوالبها المألوفة المنحدرة من الأجيال"([58]). ولم
تتغير قناعته بعد ذلك، فهو يشير إلى "أن الشعر الحر كحركة فكرية لم يكتمل
شكلها حتى يمكن إعطاؤها صفة مدرسة مستقلة ثم الحكم عليها حكماً قاطعاً"([59])، وهو موقف يحتاج إلى تأمل، فما الذي يعنيه
الجواهري بمفهوم المدرسة؟ ألم يصبح الشعر الحر مدرسة لها سماتها حقاً؟ ولماذا يريد
للشعر الحر أن يصبح حركة فكرية وهو اتجاه شعري له ملامحه الفنية؟ أما الفكر فلا
يعني حركة الشعر الحر وحدها، إذ تنضوي تحت رايته كل مجالات المعرفة. أما الشرقي
فحين سئل عن رأيه في الشعر الحر انطلق في إجابته من خصوصية الشعر العربي وقوانينه،
ورفض محاولات تجاوز ذلك، "لأن الشعر العربي الأصيل له خصائصه وموازينه
ودقائقه وإعجازه، فإذا حولناه عن هيكله وأسلوبه لا يكون أدباً أو شعراً
عربياً"([60]). ومع
أن البصير يؤكد سطحية متابعته للشعر الجديد ينص على إخراجه من مجال الشعر، لقناعته
بأن "الشعر بلا وزن وقافية نثر لا أكثر"([61]). ويبدو هذا الرأي غريباً من شاعر يعرف أوزان
الشعر معرفة جيدة، وأن الشعر الحر يقوم على بعضها، إذا ما تركنا جانباً اطلاعه على
الشعر الغربي الذي نفترض تأثيره في نظرته إلى حركات التجديد في الأدب عامة والشعر
خاصة. ويقدم
الرصافي النجفي في رفضه البات للشعر الحر موقفاً آخر ينافي قناعات صاحبه التي أقام
عليها وضعه الشخصي، فقد رفض كل القيود الاجتماعية وتفرد في مواقفه، وادعى أن شعره
مثل شخصيته كلاهما جديد مبتكر. ولكن ذلك لم يمنعه من أن يناوئ الشعر الحر بعنف،
فهو يدعو الشعراء إلى "أن يبتعدوا عن قراءة الشعر الحديث وأن ينصرفوا إلى
القديم منه، لأن الشعر الحديث مفسد للذوق ومضعف للقريحة ومضيّق للآفاق الشعرية
التي نراها واسعة جداً في شعرنا الجاهلي والإسلامي"([62]). ويعترف
الوائلي أن الشعر الحر، بوصفه تجربة لها اسمها وطريقتها، قد "أخذ مكانته بين
الشعراء والنقاد ولا سبيل إلى إنكاره"([63]). ويرى أن ما يثير الاهتمام منه قليل إذا قيس
إلى ما يصدر من دواوينه. ويتوقف في هذا الإعجاب عند بعض شعر رواده([64]). يتمثل
في موقف شعراء الشطرين من المدارس والاتجاهات الأدبية جانب من وعي التجديد لدى
بعضهم، مثلما يبرز جانباً من منطلقاتهم النقدية. ولعل تعرضنا لما قدموه في هذا الجانب
لا يعني أننا نشير إلى تواصل فكري واضح تبنوه وعبروا عنه من خلال صلتهم بهذا
الاتجاه أو ذاك وهذه المدرسة أو تلك، بل هي محاولة لتثبيت أفكارهم التي أبرزتها
كتاباتهم النقدية وآراؤهم النظرية التي لا نفترض أنها وجدت لها مكاناً –فكرياً وفنياً- فيما نظموه من شعر خارج
إطار إتقانهم للتجربة الشعرية الموروثة على مستوى البناء وآفاقه، ومعاودتهم النظر
في أفكار عامة ومواقف لا تكاد تشخص استقراراً عند مذهب أدبي محدد، على مستوى
التجربة الشعرية في جوانبها كلها. ولعل تلك مسألة عامة لا تخص هؤلاء الشعراء
وحدهم، إذ نجد مايؤكدها في أغلب مراحل شعرنا المعاصر، فما من شاعر عربي توقف عند
مدرسة أو اتجاه بعينه، منذ بداية تفتح مواهبه الإبداعية حتى نضجها، وليس هناك من
لم يستفد من جوانب فيها، على قدر ما تهيأ له من وعي وتجربة واستجابة لما يناسب
إمكاناته الإبداعية. إن
ما كتبه أي من الشعراء العراقيين عن هذا الاتجاه أو تلك المدرسة لا يفصح في الغالب
عن قيمة تأريخية تشير إلى طبيعة الاتجاه الفني والفكري الذي سارت فيه الحركة
الأدبية في العراق أو مدى التأثير الذي تركته فيه مدرسة معينة أو مذهب ما من مذاهب
الأدب والنقد التي وفدت إلينا من الغرب، فما يكتبه الشاعر يخصه وحده ولا يعبر عن
اتجاه عام لأن معظم الاتجاهات والمدارس والمناهج دخلت إلى حياتنا الأدبية والنقدية
في وقت واحد، ولم يكن اهتمامنا بها مرحلياً متدرجاً مثلما نجدها في الأدب الغربي،
فكان الحديث عن الكلاسيكية أو الكلاسيكية الجديدة يدور في كتابات الأدباء والنقاد
العرب والعراقيين في سياق واحد مع الحديث عن الرومانسية والواقعية والرمزية. وإذ
تفتحت ذاكرة الشاعر العربي الحديث ووعيه على هذه الاتجاهات والمدارس وهي تطرق
أبواب ذهنه، لتجعله يبحث عن أشكالها ومظاهرها في أدبه، كان وصولها إليه متأخراً
سنين طويلة عن ظهورها في الغرب الذي غالباً ما يكون قد غادر هذا المذهب الأدبي إلى
جديد سواه، في الوقت الذي تكون له ضجته في الساحة الأدبية العربية. ولعل من الطريف
أن نشير إلى أن العقدين الثاني والثالث من هذا القرن اللذين شهدا في أدبنا العراقي
والعربي دعاوى التقليد والتجديد والعصرية وربط الشعر بالمجتمع والحياة، ومعاودة
النظر في الحديث عن المذهب الرومانسي والاستجابة له. كان قد شهد في الغرب تجاوزاً
للكلاسيكية والرومانسية والواقعية والبرناسية والطبيعية والرمزية. وكان ما يشغل
كثيراً من الأدباء وقتها هو الحديث عن الدادائية السريالية([65]). ظلت معظم إشارات شعراء الشطرين إلى المذاهب
الأدبية عامة لا تدل على رغبة جادة في الاهتمام بها أو السعي إلى استيعاب بعض
جوانبها بل إن الإشارة إليها تكاد تكون منبتة عند الجيل الأول من هؤلاء الشعراء
(الزهاوي والرصافي والشبيبي)، مع أن كلاً منهم اهتم بقدر أو آخر بالتواصل مع
المستجدات المعرفية في الفكر والفلسفة والسياسة وترديد بعض ألفاظها وأفكارها في
شعره. وإذا ما تركنا جانباً طبيعة رؤيتهم لمفهوم الشعر الذي تقاسمته منطلقات رؤية
مختلفة فيها ما هو كلاسيكي وماهو رومانسي([66]) فإن عدم إشارة هؤلاء الشعراء إلى أي من
المذاهب الأدبية يكاد يفضي إلى الحكم بأنهم لم يطلعوا عليها، وهو ما يجانب الحقيقة
التي يؤكدها ما كانت تنشره المجلات العربية من كتابات مختلفة عن المذاهب الأدبية
وما كان يترجم من مقالات الشعراء الغربيين الذين تبنوها، أو ما يكتبه الأدباء
العرب عنها([67]). ويبدو
أن اهتمام شعراء ذلك الجيل بالسياسة والاجتماع والمناداة بما يتردد من دعاوى إصلاح
لم يتح لهم فرصة التأمل في هذه المذاهب أو الحديث عنها في خضم ما توقف عنده وعيهم
والتجربة الشعرية لكل منهم من ثقافة موروثة من جهة، وما توقفوا عنده من مضامين
شعرية أتقنوا التعبير بها، وليست بهم حاجة إلى ما يتعارض مع وسائلها وأساليبها من
جهة أخرى، وكان في قلة اطلاعهم على الشعر الغربي سبب يمكن الحديث عنه، إذ لم نجد
فيهم من يشير إلى اطلاعه على ما كان يترجم منه على نحو مهم([68]). أما قراءته بلغته فليس بالأمر الوارد لأن
أياً منهم لم يتقن لغة أوروبية "تعينهم على الاطلاع على الشعر الأوربي
والتعرف على مراحل تطوره والاقتراب من أخيلته وصوره ومضامينه"([69]) ناهيك عن اتجاهاته الفنية ومذاهبه المتعددة. وتظهر
أولى الإشارات إلى بعض هذه المدارس وأشتات من أفكارها لدى الشرقي والبصير
والجواهري، وهي إشارات تفتقر إلى العمق، وتميل إلى تفسيرات محددة عنها، وغالباً ما
تتوقف عند الدلالة الحرفية للمفهوم، بما يقدم تصوراً مخطئاً له، إذ يتصور بعضهم أن
(الرمزية) هي استخدام الرمز، وهو ما فهمه الشرقي مشيراً إلى ما في ديوانه (عواطف
وعواصف): "أما ما يشبه الرمزية التي جاءت في نواحي الديوان فقد رغبت أن تكون
في الاتجاه الذي أريده لأنها أقرب تعبير عما في النفس من الكبت، ولأنها الصورة
الكاملة للحس الباطني الذي أتحسس به فهي التأدية المستطاعة في عصر لم يمارس حرية
الكلام تماماً ولم يتعود الصراحة في الرأي"([70]). والرمزية
التي عناها الشرقي في ديوانه هي ظاهرة استخدامه لرمز (البلبل) "الذي يستعين
به الشاعر وكأنه يستخدم نوعاً من أنواع (المعادل الموضوعي) ليخلع عليه مجموعة من
الصور وسلسلة من الأحداث والحركات تنبئ عن وجدان الشاعر"([71]). ومن
النظرة العامة ذاتها يفصح الجواهري عن فهمه للواقعية، حين يجدها في التعبير
المباشر عن المضامين التي تؤكد صلة الشاعر بمجتمعه، فالشاعر الأصيل "هو الذي
ينطق بلسان أمته ووطنه"([72]). وعبر هذا التصور يرى الجواهري أن
"الشاعر الخلاق واقعي برغم أنفه"([73]). وهذا المنطق الذي يعبر الشاعر عن واقعيته فيه
حالة غير مدركة من الشاعر، فهو "لا يعرف أنه يقول شعراً واقعياً أو
مثالياً"([74]). وتبدو إشارة الجواهري إلى (المثالية) بإزاء
(الواقعية) مثيرة للسؤال عن مدى فهمه للمذاهب الأدبية والفرق بينها والمذاهب
الفلسفية، فليس هناك مذهب أدبي اسمه (المثالية). ولا يوجد مذهب فلسفي اسمه
(الواقعية). ولعل حالة الخلط التي وقع فيها الشاعر هنا مما يفصح عن طبيعة وعي
الشاعر الفكري، وتوقفه عند أفكار عامة، تخلو من التحليل والعمق. وتزداد
حالة الاضطراب في الرؤية التي ينطلق الجواهري منها حين يرفض أن تكون الواقعية رؤية
فكرية: "وإذا قصدوا بالواقعية تحديد الفكر بمفهوم أو بخطى معينة فهذا أقرب
إلى السخافة لأن الشاعر لا محالة أن يكون واقعياً، أن يكون ينبوع ألم متفجر،
وتبعاً لهذا أن يكون معبراً عن إحساس الناس… لأن الشاعر الأصيل واقعه واقع الدنيا
كلها"([75]). إن
مرتكزات الرؤية التي يقوم عليها رأي الجواهري في الواقعية لا توحي بتصور موضوعي
استوعبه الشاعر بقدر ما تؤكد فهمه العام لها. ولعل أوضح حالة للاضطراب في نظرته
إليها يبرزه إلحاحه على أن يكون الشاعر ينبوع ألم متفجر، ظاناً، أن ذلك أساس في
منطلق الشاعر الواقعي وتمثله لهذا الاتجاه. وليست هذه الفكرة مما تتوقف عنده
الواقعية. وربما كانت الرومانسية أكثر اتضاحاً منها في أي مذهب أدبي آخر([76]). ويتأمل
البصير في مذاهب الأدب الغربي وتجليات صورها في بعض أدبنا العربي. وتلك الحاجة
منتظرة منه بما أتيح له من فرص اطلاع وثقافة وتخصص دراسي. وتفصح كتابته عن ميل إلى
الملاحقة التأريخية، وذلك ما نجده في حديثه عن (الرومانسية)([77]) التي أشار إلى مفهومها وأصولها ومسار تطورها
في الأدب الغربي، مستعيناً بالاسم الذي عرّبت إليه (الابتداعية) وكان المسار
المعرفي يفترض أن يشير البصير إلى المظاهر التي تكشّف فيها المذهب الابتداعي في
أدبنا العربي الحديث، لاسيما أنه عده مذهباً غربياً هو بعض نتاج القرون المتأخرة
عندهم. غير أنه يتناسى ذلك ليعود إلى شعرنا القديم باحثاً في أسماء الشعراء
القدامى عن شاعر يمكن أن يستشف من شعره بعض ملامح هذا المذهب، ليعارض من وجدها عند
المتنبي واضعاً المعري مكانه، "لا يجوز أن نعد أبا الطيب مؤسس طريقة ابتداعية
في الأدب، ولئن كان هناك مؤسس طريقة جديدة في الأدب العربي فهو رهين
المحبسين"([78]). ولعل هذا التعسف في استخدام المفهوم والتمثيل
له نتاج ثقافة الشاعر الموروثة واستقرار صورتها في وعيه، فضلاً عن نقص في الاطلاع
على آفاق هذا المذهب وتطبيقاته في تجربة الشاعر الغربي أو الشاعر العربي الحديث
على حد سواء. وخلاصة
القول أن طبيعة نظر شعراء الشطرين إلى مذاهب الأدب ومدارسه تبدو محددة الآفاق
وتتردد في فهم ضيق لما يقوم عليه هذا المذهب أو ذاك. وما قدمه الشعراء من ملاحظات
نقدية عنها كانت عامة مما يوحي بطبيعة ثقافتهم واهتماماتهم النقدية ولعل ضيق ما
قدموه من أفكار وآراء عنها كان دافعاً لبعض الدارسين أن يستكملوا جوانب الرؤية من
خلال البحث عما يفصح عن هذه المذاهب في شعرهم. فراح بعضهم يبحث عن الاتجاه الواقعي
في شعر الرصافي([79]) وسمات (الكلاسيكية الجديدة) في شعر الجواهري([80]). والرومانسية لدى الوائلي والشرقي([81]) والصافي النجفي([82]). مع أن أياً منهم لم يكن في حقيقة الأمر
ليتوقف عند رؤية فكرية أو فنية تستوعب منطلقات مذهب أو اتجاه بعينه، من دون معاودة
النظر في أكثر من منهج واحد في الوقت نفسه. (2)
كتبت
عن الشعر الحر دراسات كثيرة سعت إلى تأصيل وجوده وتحديد دلالة مصطلحة ومستوى
الأداء الفني والتعبيري فيه بوصفه أسلوباً جديداً، استوعب التجربة الشعرية
المعاصرة بصيغة تغاير أسلوب الشطرين الذي ظل وحده صيغة التعبير السائدة في الشعر
العربي قروناً طويلة. وبعيداً
عن خصوصية هذا الأسلوب الشعري الجديد وسماته والتسمية التي أشير بها لتدل عليه([83])، اختلفت آراء النقاد والباحثين في الرائد
العربي الذي صاغ المثال الشعري الأول له، مثلما لم يقفوا على المرحلة التأريخية
التي تشير إلى هذه البداية، ومدى ما يمكن إبرازه من صلة لهذه المرحلة الأولى بما
لحق من مراحل أتيح للشعر الحر فيها أن تتوطد صورته ناضجة ومؤثرة بفعل مواهب شعرية
جديدة([84]). ويطيل
قسم من هذه الدراسات النقدية الوقوف عند التجارب الشعرية الأولى التي قدمها شعراء
من الأقطار العربية لاسيما مصر ولبنان، وتغفل على نحو أو آخر تجارب الشعراء
العراقيين في التجديد التي تساوقت مع أمثلتها في الأقطار العربية الأخرى بما يؤكد
رغبة أولئك الشعراء الجادة في تمثل مسارات التجديد ومواكبتها. ولنا أن نعد –فيما يتعلق بالشعر الحر- ما كانت تنشر،
المجلات والصحف العراقية، منذ بداية العقد الثاني، مرحلة أولى لظهور أسلوب هذا
الشعر عندنا، وبأسماء متعددة، تريد أن تكون آفاقاً تعبيرية جديدة إلى جانب ما
لدينا من عطاء شعري ضخم ينهج أسلوب الشطرين الفارض سطوته على مساحة التعبير
الإبداعي في الشعر وهو ما يدعونا إلى الوقوف عنده، قبل تفحص تجربة الشعر الحر لدى
جيل السياب ونازك، وتأمل ما قدموه من مظاهر التجديد في مسيرة الشعر العراقي وصلته
بالتجارب اللاحقة. لقد
ظهر عدد من الشعراء العراقيين الجدد اهتموا بنظم الشعر على وفق أساليب جديدة وأخذت
قصائدهم مكانها في الصفحات الأدبية للمجلات والصحف العراقية التي صدرت منذ بداية العقد
الثاني، وكان معظمهم من الشعراء الشباب الذين تخلوا عن أسلوب الشطرين لسبب أو آخر([85])، ومع بساطة الشعر الذي كانوا ينشرونه وسذاجته
أحياناً، فقد مثل أسلوباً جديداً لم يعهده الشعر العراقي قبل ذلك. ويمكن
القول إن وراء هذا التوجه معاودة أولئك الشعراء النظر في تجربتين شعريتين ظهرتا في
مرحلة متقاربة تمثلت الأولى فيما كتبه (أمين الريحاني) من شعر منثور منذ عام 1904،
متأثراً بما قدمه الشاعر الأمريكي (والت وايتمان) من قصائد في هذا الأسلوب([86]). وقد نشرت الصحف العربية والعراقية قصائد
الريحاني التي قلدها كثير من الشعراء الشباب. وكان قدوم الريحاني إلى العراق عام
1922 واحتفاء العراقيين الكبير به فرصة مناسبة لأن يسير بعض الشعراء العراقيين على
نهجه في كتابة قصائد النثر([87]). وتمثلت
التجربة الأخرى في الشعر المرسل الذي كتبه عدد من الشعراء العرب([88])، وكان الزهاوي رائده والداعية إليه في العراق([89]). وكانت زيارة الزهاوي لمصر وقضاؤه بضعة أشهر
فيها فرصته في تأمل هذه التجربة، ثم الدعوة إليها بعد عودته إلى العراق([90])، لينقسم الأدباء العراقيون بين مستجيب لهذه
الدعوة، ناظماً بعض قصائده على وفقها، ورافضاً لها متهماً صاحبها بتهم عدة([91]). لقد كان لهاتين الدعوتين آثارهما في ظهور
محاولات لكتابة قصائد على وفقهما، تبنت نشرها بعض الصحف والمجلات العراقية التي
صارت منابر لدعاوى التجديد، نشير منها إلى جرائد: العراق وصدى بابل والاستقلال
والمزمار، ومجلات: الحرية واليقين والزنبقة والمصباح والصحيفة، وكان اللافت للنظر
أن بعض أصحاب هذه الصحف والمجلات ورؤساء تحريرها دعاة هذه الأساليب الشعرية
والمروجون لها بما كان يكتبونه من قصائد([92])، فضلاً عن تشجيعهم للشعراء الذين يكتبونها. وتواصل
الاهتمام بنشر القصائد الجديدة في الصحف والمجلات العراقية طوال ثلاثة عقود. وكان
انشغال كثير من الشعراء العراقيين بالتجديد وتقديم أمثلته سمة بارزة فيما نشر من
شعر خلال هذه المرحلة ولكن ذلك كله، وبعد هذه المرحلة الطويلة انتهى إلى الصمت على
نحو يثير التساؤل والبحث عن أسباب توقف هذه التجارب وانقطاع الشعراء عن تطوير ما
قدموه من أمثلة شعرية وإنضاجها. وللمتأمل
أن يقف عند أمر آخر: فإذا كانت قصيدتان، واحدة للسياب وأخرى لنازك، نشرتا عام 1947([93])، قد لفتتا الانتباه وأثارتا قضية الشعر الحر
لتبرز إلى مستوى المواجهة مع الشعر السائد مجدداً، وكانتا مثالين تتبعهما الشعراء
الشباب المتطلعون إلى أساليب شعرية جديدة فلماذا لم تحدث محاولات التجديد التي
كتبت قبل هاتين القصيدتين حالة مماثلة من الفعل والحركة في الواقع النقدي العراقي؟
ولم انتهت إلى النسيان والانزواء لتخلي الساحة الشعرية لشعر الشطرين؟([94]). إن
الباحث عن الإجابة لا يعدم أسباباً، منها ما يتعلق بالتجارب الجديدة ذاتها، ومنها
ما يتوقف عند ظرفيتها الزمانية والمكانية التي وجدت فيها. إن المستوى الفني الذي
قدمت فيه هذه التجارب لم يكن بحالة من النضج والتكامل تجعله قادراً على الوقوف
بإزاء إقامة شعر الشطرين ومكانته، سواء في مضامينه أو جوانبه الفنية، وهذا ما أدى
إلى إضعاف قدرتها على الجذب والتأثير في متلقين ترسخت في نفوسهم وأذواقهم أمثلة
شعر الشطرين المتدفقة بمضامينها وفخامة بنائها الفني في لغته وصوره وموسيقاه
الضاجة، تبرز ذلك واضحاً طبيعة المواهب الشعرية التي تبنت التجديد ونادت به ومستوى
ثقافة شعرائها، مقارنة بما اتسم به شعراء الشطرين من مواهب كبيرة قدمت مستوى
شعرياً أصيلاً. وإذا ألحقنا بذلك طبيعة المرحلة التي ظهرت فيها محاولات التجديد
الأولى بما لها من خصوصية الوعي ومستوى الثقافة التي تركن في معظم معارفها إلى
القديم، أدركنا جانباً من نفور القراء عما يباعد بينهم وما استقرت عنده أفكارهم
وذائقتهم الشعرية من أساليب الشعر العربي القديم وآفاقه التي تهيأ لها أن تستجيب
لمتطلبات الجماهير من خلال إنشادها في التجمعات والمحافل، وقدرتها في التأثير
وتأجيج حماسة المتلقين كانت تلك مرحلة أولى من مراحل استيعاب الشاعر العراقي
الحديث لمظاهر الحياة التي أخذت تجدد نفسها من حوله وسعيه إلى تمثل ذلك فيما ينشده
من نجاح لتجربته الأدبية. ومايلفت النظر أن هذه المرحلة التي شهدت الاهتمام بتجديد
الأساليب الشعرية وتمثل طرائقها وتداول مسمياتها، لم تجد لدى الشعراء العراقيين
المجددين –الذين
نعدهم مرحلة ثانية تلحق بها- من يشير إليها أو يضعها ضمن مصادر التجربة الشعرية
التي عدّها منطلقة نحو التجديد، على الرغم من الامتداد الزمني الذي عاشته واهتمام
صحف ومجلات عراقية بها، بما يسهل الاطلاع عليها، فضلاً عن وجود عدد من الشعراء
الذين كتبوا الشعر المرسل والحر والمنثور ايحاء يواصلون نشاطهم الثقافي والأدبي في
المرحلة التي ظهر فيها رواد الشعر الحر الجديد، وتبنى بعضهم ما كان يكتبه أولئك
الشعراء، مثلما فعل رفائيل بطي حين أشاد بشاعرية السياب وتنبأ له بالمكانة الشعرية
المتميزة، عند تقديمه لديوانه الأول (أزهار ذابلة)([95]). ولو أنهم اكتفوا بعدم الإشارة إلى تلك
التجارب السابقة لأمكن تعليل ذلك بما كانت عليه من مستوى فني محدود لم يجدوا فيه
ما يشدهم، فتجاوزوه إلى تجارب أكثر نضجاً، ولكن بعضهم لا يكتفي بتأكيد عدم معرفته
تلك التجارب بل يهمل الإشارة إلى تجارب تجديد أخرى سبقتها أيضاً. فنازك الملائكة
مثلاً تعلن عدم معرفتها بمحاولات التجديد العراقية كلها، بما فيها (البند) الذي
كتبه بعض الشعراء العراقيين في القرنين الماضيين أو قبلهما بقليل([96]). ولم يشر السياب إلى محاولات التجديد السابقة،
مع أنه عرف بعض دعاتها. ولكنه خلافاً لنازك يتوقف عند البند، ويقارن بينه وبين
الشعر الحر، فيرى أن "هناك وجه شبه بين الشعر الحر والبند العراقي. فالشعر
الحر منبثق من صميم التراث العربي، أي أنّه مشتق من أوزاننا العربية التقليدية
وليس شيئاً طارئاً. لكن هناك بالطبع بعض الخلاف بين البند والشعر الحر من حيث
الموسيقى، بصورة خاصة، ومن حيث التركيب أيضاً"([97]). ويبدو
السياب أكثر موضوعية من نازك –التي
ادعت أنها أول من كتب الشعر الحر- حين يعترف بأسبقية الريادة في الشعر الحر
لمحاولات قام بها شعراء عرب من أقطار مختلفة([98]). وهو ما يشاركه البياتي القول فيه([99]). ويشير شاذل طاقة إلى محاولات التجديد الكثيرة
في مسيرة الشعر العربي، ليتوقف عند (الموشح) الذي يرى فيه مصدر التجديد لدى شعراء
المهجر الذين قدموا تجارب شعرية مستنبطة منه([100]). وشغلت
مسألة ريادة الشعر الحر هؤلاء الشعراء، واختلفوا فيما بينهم عليها وادعاها كل منهم
لنفسه، حتى ليخطئ من يظن أنها كانت مقتصرة على السياب ونازك وحدهما. ودخل النقاد
في مساجلات طويلة من أجل تسمية الرائد([101])، مثلما حصل سابقاً، حين اختلفوا على تسمية
الشاعر العصري، وأيهما أجدر بذلك اللقب أهو الزهاوي أم الرصافي. ورأى بعض النقاد
العرب أن شعراء آخرين أحق بريادة الشعر الحر ولا يجوز التسليم بها للشعراء
العراقيين سواء أكان السياب أم نازك أم البياتي([102]). وأمست
ريادة الشعر الحر منطلقاً لدى الشعراء العراقيين لتقديم وجهات نظر نقدية يحدد كل
منهم فيها مواقفه ورؤيته. تقول نازك الملائكة "كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر
قصيدتي المعنونة الكوليرا"([103]) وعن مضمونها تقول: "كتبت تلك القصيدة
أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها. وقد حاولت فيها
التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد
ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر"([104]). وتؤكد
الشاعرة أنها سبقت السياب في نظم هذا الشعر من خلال وقائع تأريخية تشير إلى أن
قصيدتها (الكوليرا) نظمت قبل وصول ديوان السياب (أزهار ذابلة) الذي حوى قصيدته
الحرة (هل كان حباً) بنحو شهرين ونصف([105]). فضلاً عن أنها نصت على أن قصيدتها من الشعر
الحر، في حين علق السياب في حاشية القصيدة على أنها من "الشعر المختلف
الأوزان والقوافي"([106]) ولم يسمها شعراً حراً. ويترسخ اعتقاد نازك
بريادتها للشعر الحر حين تعدّ ديوانها الثاني (شظايا ورماد) الصادر عام 1949
الخطوة الأساس التي أرست دعائم التجربة الجديدة بما تضمنه من قصائد حرة كتبت
الشاعرة لها مقدمة مسهبة وقفت فيها عند هذه القصائد وأشارت إلى أوجه التجديد فيها،
وبينت مواضع اختلافه عن أسلوب الشطرين([107]). وترى الشاعرة أن هذا الديوان بما أثاره من
ضجة كبيرة ومناقشات في الأوساط الأدبية كان منطلقاً لاتساع دعوة الشعر الحر وتوجه
كثير من الشعراء إلى كتابته([108]). ويقول
السياب في مقدمة ديوانه الثاني (أساطير) الصادر عام 1952: "وأول ما يلتقي به
قارئ هذا الديوان نوع جديد من الموسيقى لا عهد به لأغلب قراء الشعر في
العراق"([109]). ويشير إلى محاولات التجديد التي حصلت في
مسيرة الشعر العربي الحديثة، ابتداء بالشعر المرسل الذي يعده ثورة تناولت وحدة
القافية، لحقت بها ثورة أخرى على الأوزان "فهجر كثير من الشعراء المجددين
البحور الطويلة واستعاضوا عنها بالبحور القصيرة… وقامت دعوة إلى الشعر المهموس، كان
أول من قادها الأستاذ الكبير محمد مندور([110]). وهناك فريق آخر ثار على وحدة الوزن، منهم
الشاعر الكبير المرحوم الياس أبو شبكة في (غلواء) و(إلى الأبد) وبعض القصائد من
(أفاعي الفردوس) والأستاذ خليل شيبوب في قصيدته (القصر القديم والحديقة المهجورة)([111]) وشعراء آخرون"([112]). ويبدو
أن السياب قد تجاهل محاولات التجديد لشعراء عراقيين، لاسيما ما قدمه الزهاوي من
شعر مرسل عد به من رواد هذا الأسلوب الشعري ويزداد إصراره على هذا النهج حين يجعل
الشعر الحر من مكتشفاته وهو يطالع الشعر الإنكليزي: "لاحظت من مطالعاتي في
الشعر الإنكليزي أن هناك (الضربة) وهي تقابل (التفعيلة) عندنا مع مراعاة ما في
خصائص الشعرين من اختلاف([113]). فكانت قصيدته (هل كان حباً) فاتحة توجه جديد
في موسيقى الشعر، "وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولاً عند كثير من
شعرائنا الشباب، أذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة نازك الملائكة"([114])، ويعود السياب إلى الموضوع ذاته بعد عدة
سنوات، مستفزاً من محاولة تقديم نازك عليه، فينسب الريادة إلى الشاعر علي أحمد
باكثير حيث عده "أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير
(روميو وجوليت) التي صدرت في كانون الثاني عام 1947، بعد أن ظلت تنتظر النشر عشر
سنوات، كما يقول المترجم"([115]). وإذا عرفنا أن شهر كانون الثاني من عام 1947
هو الشهر نفسه الذي صدر فيه ديوان السياب الأول (أزهار ذابلة) أدركنا سبب توقفه
عند (باكثير) هذه المرة، فإذا كانت ترجمة باكثير لهذه المسرحية قد وضعت قبل طبعها
بعشر سنين فإن قصيدة السياب (هل كان حباً) نظمت قبل طبع الديوان بوقت طويل، وتلك
بديهية يفيد منها السياب ليقول بأنه نظم قصيدته قبل أن تنظم نازك قصيدتها
(الكوليرا) بما لا يقل عن سنة([116])، هذا إذا ما نظرنا إلى قصيدة نازك بوصفها من
الشعر الحر وهو ما لا يراه السياب فهي عنده أقرب إلى أسلوب الموشح منها إلى
الشعر الحر.([117]) وبعد
أن يطمئن السياب إلى أنه قد حسم
مسألة الريادة لصالحه يؤكد أن الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر كانوا مقلدين له
وحده، ويعد تلك حقيقة لا مجال لكتمانها([118]). ويشير
البياتي إلى محاولات التجديد في العصر
الحديث، متوقفاً عند الاتجاهات التي ذكرها السياب قبله. ولكنه يختلف عنه في أنه
يعدها محاولات في تجديد الشكل وحده، أما تطوير المضمون فقد كان نتيجة لحركة
الانبعاث العربية واستيقاظ الروح القومي، ذلك التطور الذي جرف معه المحافظين
والمجددين معاً"([119]). ويدعي
البياتي ريادة الشعر الحر لنفسه، متجاوزاً التوقف عند الأسبقية التأريخية فيها،
التي لا يمكنه انكار ما للسياب ونازك منها([120])،
مع أنه لا يشير إلى ذلك، فعنده:
"أن العبرة ليست في التطوير أو التجديد وإنما العبرة في الإجادة والإبداع،
فرب شاعر لا يزال يكتب شعره على طريقة طرفة بن العبد أو النابغة الذبياني، ولكنه
يزري بأكثر المجددين.. ورب شاعر آخر يكتب على أحدث ما توصلت إليه القصيدة العربية،
ولكنه يقف عاجزاً أمام شاعر قديم، فتطوير الشكل إذن دون المضمون لا قيمة له البتة،
والتجديد أو التطوير الحق هو تطوير الشكل والمضمون معاً"([121]). ويبدو
البياتي فيما ما قاله منطلقاً من الرغبة في التقليل من شأن ريادة السياب الأمر
الذي أدى به إلى الوقوع في اضطراب
الرؤية والفصل بين التجديد في الشكل والمضمون الذي قامت على أساس ترابطهما الدعوة
إلى التجديد، مثلما عبر السياب
مانحاً المضمون أسبقية في ذلك الترابط([122]). ومع
أن البياتي يزري بالشكل في التجربة الشعرية الجديدة يعود فيما بعد ليراه ميزة
أساساً فيما كتبه رواد الشعر الحر: "شعرنا أن شكل القصيدة التقليدي لم يعد
يفي بحاجات العصر وإن التجديد لا يتناول الموضوعات العصرية([123])"
ويشير على نحو غير مباشر إلى دعوة
نازك بأنها اكتشفت الشعر الحر فجأة، فيميل إلى رفضها من خلال تأكيده أن هذه التجربة نضجت عبر محاولات كثيرة
"فمن خلال المعاناة الطويلة اهتدينا إلى نوع من القصيدة الجديدة يجعل القوالب التقليدية تتكسر تحت
أيدينا. وهذه القصيدة الجديدة تمت بشكل عفوي ولم نكتشفها فجأة، كانت نتيجة محاولات
وتجارب طويلة"([124]). وعلى
وفق التصور الذي ارتضاه البياتي للتجديد وإضفاء على تجربته الشعرية يعد ديوانه
(أباريق مهشمة) الصادر عام 1954 "أبكر المحاولات الجديدة في الشعر العراقي،
إذ أن أكبر شعرائنا، وخاصة بدر ونازك في العراق، كانوا يستخدمون الشكل الجديد في
الموضوعات القديمة ذاتها. أما في (أباريق مهشمة) فقد حاولت للمرة الأولى أن أعطي
رؤية وجودية واقعية للإنسان الحديث في مختلف حالاته، كما حاولت أن أعبر فيه عن
مواضيع جديدة تماماً بالنسبة للشعر العربي، حتى أنه حين صدر في 1954 أثار ضجة
كبيرة وغطى على كل المحاولات الأخرى التي قام بها الشعراء الآخرون"([125]). ويفصح
نص البياتي السابق عن تجاوزه لديوانه الأول (ملائكة وشياطين) الصادر عام 1950 الذي
عدته نازك من الدواوين الأولى التي أرست دعائم تجربة الشعر الحر في العراق([126])،
منطلقاً من نظرته الخاصة إلى
التجديد التي لا يراها في شكل القصيدة الجديد. ولعل البياتي يبالغ في دعوة
التجديد التي حملها ديوانه الثاني (أباريق مهشمة) في الرؤية والمضمون إذ لم يقدم
مضامين أو مستوى أداء يبتعدان عما كان في دواوين السياب وبلند الحيدري وشاذل طاقة
التي نشرت في تلك المرحلة. يتوقف
بلند الحيدري عند الريادة ليؤكد دوره فيها، فيقول إن تجربته الشعرية ابتدأت ضمن
الأطر الشعرية الموروثة. ولكن وعيه للتجديد وميله إليه جعله يدرك أن هذه التجربة
تفارق العصر وإيقاعه النفسي، "فسعيت أنا ونفر من الشعراء، وعلى رأسهم المرحوم
السياب، وكل على انفراد، محاولين إعطاء أبعاد جديدة للقصيدة العربية الحديثة"([127]).
ويحاول أن يحقق لريادته أسبقية تأريخية فيدعي أن محاولته لكتابة الشعر الحر قد
سبقت الشعراء الآخرين. فما دام مؤرخو هذه المرحلة "قد اعتادوا اعتبار الجدة
انطلاقاً من الأساس الأخير: توزيع التفعيلة أقول: لقد كنت أنا- ولا أعرف إن كان
بدر في هذه الفترة نفسها قد بدأ المحاولة على هذا الأساس –قد بدأت المحاولة منذ عام 1945"([128]).
أما تجربة نازك في كتابة الشعر الحر فيقول جازماً إنها "جاءت متأخرة عن
تجربتي وتجربة بدر"([129]). أشار
شاذل طاقة في مقدمة ديوانه الأول (المساء الأخير) الصادر عام 1950 إلى احتواء الديوان عددا من القصائد، جاءت
على نسق منطلق لا يتقيد بقافية موحدة، ولا يلتزم عدداً معيناً من تفعيلات البحور،
فإنك تجد في البيت الواحد تفعيلة أو تفعيلتين. ولعلك تجد في آخر خمسا، وفي آخر
أكثر أو أقل"([130])
وتتردد في هذه المقدمة لفظة (منطلق) "لتحدد التسمية التي ارتضاها شاذل لما
كتبه من قصائد جديدة، وهي تبدو وعنده بديلاً عن تسمية الشعر الحر عند الشعراء
الآخرين، بما يفصح عن رغبته في استخدام تسمية مغايرة([131])،
ويوحي تغاضي شاذل عن تسمية الشعر الحر برغبته في ألا يذكر الرواد العراقيين، يرسخ
هذا التصور أنه حين تحدث عن مسار التجديد الذي توقف عند هذه التجربة، لم يشر
إلى ما قدمه أي من شعراء جيله، حتى
يبدو لقارئ مقدمته أنه لم يطلع على تجارب هؤلاء الشعراء([132]).
ولنا أن نضع موقف شاذل بازاء ما كتبته نازك عنه حين عدته ضمن الشعراء الأوائل
الذين كتبوا الشعر الحر([133]).
ومثل ذلك ما قال به البياتي في مرحلة لاحقة([134]). ولا
يمكن لدارس موضوع الريادة الشعرية أن يهمل اسم حسين مردان ودوره فيها، ولشخصية
حسين مردان وجرأته وغرابة أطواره وأفكاره، وآرائه تأثير كبير في مسيرة الشعر
الجديد، وفي إثارة الشعراء الآخرين أن يختطوا لهم نهجاً مغايراً في النظم([135]).
ويضفي الشاعر نفسه سمة الريادة على شاعريته "خلقت ضد المحافظة في كل شيء
وخاصة في الشعر"([136]).
وحين يتحدث عن جيل الرواد يضع لنفسه مكاناً بينهم فيقول: "ولدنا فوق حطام
الحرب العالمية الأولى بين مشاعر الضياع والتمزق والاستهزاء من كافة التقاليد
والقيم الموروثة"([137]).
وحين ينظر إلى تجربة الموروث الشعري
يعدها من وجهة نظر جيله قاصرة عن استيعاب رغباتهم في التجاوز "لم نعثر خلال
توغلنا الذي وصل إلى زمن المعلقات
على أي شيء خارق، فالمتنبي والبحتري وابن الرومي أشكال متشابهة لا تصلح كنموذج أو
عتبة نقفز من فوقها إلى داخل غرف
ذات زخارف أو مناخ طازج"([138]). ولا
يفوت مردان، وهو يتحدث عن روح الريادة الجماعية التي وجدها في جيله، أن يهاجم
الدعوات التي تمنحها لشاعر واحد يتفرد بها، فعنده أن "ما يقال من أن المتمرد
الأول هو السياب أو عبد الوهاب البياتي أو نازك شيء يدل على الغفلة والغباء، لأن
بذور حركتنا كانت تنمو منذ عهد بعيد، ولو أنها ولدت على أيدينا"([139]). تحدث هؤلاء الشعراء عن دورهم في ريادة الشعر
الحر وتقديم أمثلته. ومع الاعتراف بأهمية الموقف الذي عبروا عنه، وما توافروا عليه
من جرأة في اقتحام الذوق الشعري بما يناقض المألوف، تبقى تجربة الشعر الحر خطوة
استكملت نهج تجديد سبقتها فيه خطوات أخرى، بما خلقته من حالة تواصل وانشداد لدى
جيل من الشعراء الذين تمسكوا، بوعي ناضج، بضرورة أن يخطو الشعر العربي إلى منافذ تعبير جديدة. وقد عبر حسين مردان
عن وعي التجديد الذي امتلأت به نفوس جيل من الشعراء الجدد حين قال: "وقفنا
أمام حائط صلد شيد من قبل مئات الشعراء والنقاد القدامى، فنهضنا سوية وبوقت
واحد"([140]). فالقول
بالريادة الفردية أمر يفقد هذه الحركة كثيراً من مبررات ظهورها في المرحلة التي
ظهرت فيها، بظروفها وأحوالها، ويجعلها نتاج ذوق فردي ومزاج خاص بشاعر أو آخر، ولم
تكن كذلك، فهي ذوق جيل ورؤيته وبحثه عن ملامح وجوده المعاصر، بدليل أن صفوف
المنادين بها لم تضم –في
تلك المرحلة –سوى
الشباب، ومن أعمار متقاربة. ([5])
وهي عنده: أعمال محمد علي باشا، والحرب العالمية الأولى، وفتح قناة السويس فهي
"النوافذ الكبيرة التي أطل بها العالم العربي على العالم الجديد"، مجلة
الحرية، فتاوى الحرية، العالم العربي في الربع الأول من القرن العشرين، العدد 1،
تموز 1925، ص388. ([8])
بطي، حديث الزهاوي، ص23. ويلاحظ أن أفكار الزهاوي وقبله الرصافي في هذه المسألة
ترديد لبعض أفكار دارون عن النشوء والارتقاء التي شاعت بين الناس في تلك المرحلة
بعد أن ترجمت نظريته إلى العربية. ينظر: حلمي مرزوق، تطور النقد والتفكير الأدبي،
القاهرة 1966، ص 370 وما بعدها. ([18])يقول
الزهاوي:إني لا أنظر إلى القديم والجديد من حيث الزمان بل أنظر إليهما من حيث
النزعة "الإصابة"، ص36. ([26])الزهاوي،
الديوان، 1: 236. ويرفض
الزهاوي أشكال التقليد جميعاً، لأنه يرى أن التقليد "ذميم سواء كان تقليداً
لشعراء العرب الأقدمين أو لشعراء الغرب المحدثين" ويعده "تكراراً لشعور
هو لغير صاحبه" مجلة لغة العرب، ص117-118. ([32])
الرصافي، حديث الرصافي، مجلة الحرية، ص12. ويشير
البصير إلى أن دواوين الشعراء العصريين احتوت أبواب الشعر القديم من مديح وهجاء
ورثاء ونسيب إلا أن شيئاً من التجديد والإصلاح أدخل على هذه الأبواب تمثل في
الاعتدال استخدامها ونبذ المبالغة. وأضيفت أبواب جديدة صنفت بعض الدواوين على
وفقها، فهناك (الكونيات) و(الفلسفيات) و (الاجتماعيات) و (التأريخيات) وسواها. ينظر:
البصير، جولة في الشعر، مجلة دار المعلمين، ص34 وما بعدها. ([38])
أشار معظمهم إلى أنه قرأ بعض الشعر الغربي مترجماً، مع إشاراتهم إلى صعوبة نقل
الشعر من لغة إلى أخرى، لأن الشعر –طبقاً
لرأي الرصافي- "قد يشير إلى المعنى من طرف خفي إشارة يصعب نقلها" (مجلة
الحرية، حديث الرصافي، ص17) ويؤكد الزهاوي ذلك بقوله: "لم تر أن الشعر العربي
إذا ترجمته إلى الأفرنجية كيف يضيع ماله من الرونق والرواء. وأن الشعر الأفرنجي
إذا نقلته إلى العربية كيف يكون غثاً بارداً" (سحر الشعر، ص51). ([56])
الشبيبي، مجلة الفكر، العدد 9-10، آذار –نيسان
1960، ص8. ويقول
في وقت لاحق أن الشعر الحر "ضرب من التقليد لأساليب مألوفة في غير العربية من
اللغات الغربية، وأدب كل أمة يجب أن ينتزع من أوضاعها وأساليبها الأصيلة في
التعبير" ولكنه يستثني الشعر الذي احتوى المضامين الأخلاقية والقيم
الإنسانية، "فإذا كان الشعر الحر الذي يسمى كذلك ينهض بهذه المهام فهو شعر،
وإذا عجز فهو من سقط المتاع" جريدة البلاد، 3 مارس 1962. ([61])
البصير، جريدة الراصد، 2 آب 1969. ويذكرنا موقفه هذا بموقف مماثل لعباس محمود
العقاد حين رفض الشعر الحر وأحاله إلى لجنة النثر. ينظر: غالي شكري، شعرنا الحديث
إلى أين؟، ص51، في حين أنه دعا إلى التجديد منذ وقت مبكر من هذا القرن. ينظر: عبد
الحي دياب، ص135 وما بعدها. ([64])
ينظر: المصدر نفسه. وقد بقي الوائلي حتى وقت متأخر يرى أن كثيراً من هذا الشعر
عبارة عن نزوة عابرة في مسيرة الحضارة العربية الحديثة، لأنه لا يمتلك جذوراً قوية
تضمن له البقاء والتطور بسبب استخدام اللغة فيه على نحو غريب، وتقليد شعرائه بعضهم
بعضاً في الغموض والإيهام. ينظر: المطبعي، ص125. ([77])
ينظر: البصير، كيف يتطور الأدب، مجلة المعرض، الجزء العاشر، بغداد، أغسطوس 1926،
ص519 وما بعدها. ويشير تأريخ نشر المقالة إلى أن البصير كتبها قبل مغادرته العراق
للدراسة. ([79])
ينظر: صلاح خالص، القومية والاشتراكية في شعر الرصافي، مجلة الثقافة الجديدة،
العدد 8، السنة السادسة، 1959، ص222. وصالح جواد الطعمة، الثقافة الجديدة، العدد
9، 1959، ص51. ([82])
ينظر: تركي كاظم جودة، الرومانسية في شعر الصافي، مجلة الأقلام، العدد 6 شباط
1966، ص164 وما بعدها. ([83])
ينظر: عبد الواحد لؤلؤة، البحث عن معنى، بيروت 1983، ص140 وما بعدها، وطراد
الكبيسي، شجر الغابة الحجري، ص43 وما بعدها، وس موريه، ص70 وما بعدها. ([84])ينظر:
س موريه، ص70 وما بعدها، وغالي شكري، شعرنا الحديث إلى أين؟ بيروت 1968، ص32، وحسن
توفيق، ص273 وما بعدها. ([85])
يبرر يوسف عز الدين ذلك بضعف ثقافتهم العربية الأصيلة وقلة اطلاعهم على آدابها
لاسيما حين يرى أن أغلبهم ممن لم يتعلم في المساجد (في الأدب العربي الحديث، ص217)
ولا يتوقف عد طبيعة الثقافة الحديثة التي تلقاها بعضهم وإتقانه لغة أجنبية،
ومعاودتهم النظر في أساليب الأدب الغربي واتجاهاته. فضلاً عن أن معظمهم كانوا من
أبناء الطوائف غير المسلمة، الأمر الذي أتاح لهم فرصة أوسع للاطلاع وقراءة الأدب
الغربي ومحاولة تقليده. ([87])
كان الزهاوي والرصافي من بين المحتفين بالريحاني، فقد نظم كل منهما قصيدة في
استقباله، مدح فيها شاعريته واتجاهه التجديدي. ينظر: الزهاوي، الديوان، 1: 331.
والرصافي، الديوان، 1: 393. ([90])
ينظر: الهلالي، الزهاوي في معاركه الأدبية والفكرية، ص64. ولا يعني ذلك أنه بدأ
بنظم الشعر المرسل في هذا الوقت، إذ كانت قصيدته (الشعر المرسل) قد نشرت في المؤيد
عام 1905، بما يجعله أول شاعر حاول كتابة هذا النوع من الشعر. (ينظر س.موريه،
ص25). ([94])
رأى عباس توفيق أن مرد ذلك يعود إلى "انشغال العراقيين بالمضمون والغاية منه
وتوجيههم الأدباء إلى المسلك الواجب عليهم اتباعه انشغالاً واضحاً وإعراض كثير
منهم لذلك عن الشكل" (عباس توفيق، ص251). ([95])
ينظر: السياب، أزهار ذابلة، المقدمة بقلم رفائيل بطي، ص3. ويسأل
يوسف عز الدين عن هذا الأمر بقوله: "… فهل كانت صدفة أن
يقدم رفائيل بطي لبدر شاكر السياب ديوانه أم أن السياب عرف بالحركة الشعرية التي
قامت زمن رفائيل، وقرأ الشعر الذي نشره رفائيل؟ "في الأدب العربي الحديث،
ص249. ([96])
تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص12. ولعل من يبحث في المستوى الثقافي الذي
تهيأ للشاعرة، لكونها من أسرة مثقفة تهتم بالأدب وتقرض الشعر، يتوصل إلى ما يخالف
ادعاء الشاعرة بعدم اطلاعها على ما كانت تنشره الصحف والمجلات العراقية من قصائد
تبنت محاولات التجديد أو سماعها بها. ([99])
يقول البياتي: "لقد بدأت حركة تطوير الشكل في شعرنا المعاصر أول ما بدأت على
أيدي شعراء المهجر في الأمريكتين وتأثرت بها مدرسة (أبولو) في مصر، وأخذت شكلاً
جدياً أكثر على يد الشاعر المصري المرحوم (خليل شيبوب)… وقد أعقبت محاولات
خليل شيبوب محاولات أخرى، منها محاولة للأستاذ أحمد باكثير في ترجمته الشعرية
لروميو وجوليت. وبجانب هذه المحاولات تقف أيضاً محاولات شعراء لبنان، وخاصة في الفترة
الواقعة بين 1940-1945" (الولي، ص38). ([100])
يقول: "إن هذا الضرب ليس مبتكراً، فإن جذوره ممتدة في الشعر الأندلسي. وكان
شعراء الأندلس موحين به إلى شعراء المهجر". طاقة، المجموعة الشعرية الكاملة،
ص23. وينظر: في جنة عبقر، مجلة الثقافة، العدد 704، ص11. ([101])
ينظر: إحسان عباس، عبد الوهاب البياتي والشعر الحديث، ص8. ولؤلؤة، البحث عن معنى،
ص33. ونهاد التكرلي، البياتي، رائد الشعر الحر وعبد الجبار داود البصري، السياب
رائد الشعر الحديث. ([105])
تقول: "نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها- تقصد مجلة العروبة التي نشرت
القصيدة فيها في العدد الصادر أول كانون الأول 1947- بغداد في أول كانون الأول
1947، وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان بدر شاكر السياب (أزهار
ذابلة) وفيه قصيدة حرة الوزن له من بحر "الرمل". ويلاحظ أن الشاعرة جعلت
يوم صدور العدد في بيروت اليوم ذاته الذي وصلت فيه بغداد. ولانظن أن أي مطبوع يصدر
في قطر عربي يمكن له أن يصل إلى قطر عربي آخر في اليوم نفسه، آخذين بالنظر طبيعة
النقل ووسائل الاتصال بين الأقطار العربية. وإذا كانت المجلة شهرية فإن طبع
الديوان في القاهرة ووصوله إلى بغداد مسألة قد تأخذ أشهراً. ([108])
ينظر: المصدر نفسه. وتحاول نازك أن تعطي لديوانها هذا أهمية استثنائية فتقول: إن
السنتين التاليتين لنشرها والسياب قصيدتهما لم تشهدا اهتماماً بالشعر الحر ولم
تنشر الصحف أية قصيدة منه، حتى صيف عام 1949 حيث صدر هذا الديوان. ويفند السياب
هذا الرأي بقوله: "نشرت أنا في تلك الفترة مالا يقل عن خمس قصائد من الشعر
الحر في الصحف البغدادية والنجفية. كما نشر بلند الحيدري قصيدة أو أكثر في مجلة
الأديب". الآداب مناقشات العدد السادس، حزيران 1954، ص69. ([110])
يشير السياب إلى ما نشره محمد مندور عن الشعر المهموس في مجلة الرسالة عام 1943،
وما دار حوله من نقاش على صفحات المجلة نفسها. ([116])
جعل السياب سنة 1946 تأريخاً لكتابته هذه القصيدة. ينظر: السياب، الشعر والشعراء
في العراق الحديث، جريدة الأيام، بغداد، 25 تشرين الثاني 1962، ص3. وأعيد نشره تحت
عنوان (الشعر العراقي الحديث منذ بداية القرن العشرين) مجلة الثقافة، دمشق، العدد
السادس، تشرين الثاني 1962، ص10 وما بعدها. ([117]) ينظر: السياب، مناقشات،
الآداب، ص69. وقد أطلق الشاعر كاظم جواد الوصف نفسه على قصيدة السياب، فقال
مخاطباً السياب: "وإذا كانت قصيدة (الكوليرا) ليست من الشعر الحر فكذلك
قصيدتك (هل كان حباً) ليست من الشعر الحر، إنها أقرب إلى الموشح منها إلى ذلك اللون من الشعر.. فليس في القصيدة سوى
اختلاف عدد التفاعيل في بعض أبياتها عن مثيلاتها في أبيات أخرى. وليس هناك.. أي
تحرر من القافية" الآداب، مناقشات، العدد 7، تموز 1954، ص57. ([120]) يقول عن السياب: "كان
أبرز شاعر مواكب لحركة التجديد في الشعر " (مجلة شعر 1969، العدد 4، ص94).
ويقول عن نازك: "إن نازك –من
حيث الشكل- تسبقنا جميعاً، وكانت لها محاولات أبكر من محاولاتنا" مجلة شعر،
بيروت، العدد 37، ص66. ([122]) ينظر: الولي، ص12. حيث يقول
السياب: "الجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد ويحطم الإطار القديم كما
تحطم البذرة النامية قشورها. ([131]) ويكون شاذل في هذا قد سبق
محمد النويهي الذي أطلق التسمية ذاتها على الشعر الحرفي كتابه (قضية الشعر الجديد)
الصادر عام 1964. |