الخطاب الآخر مقاربة لأبجدية الشاعر ناقداً - د.علي حداد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
إن الباحث عن الإجابة لا يعدم أسباباً، منها ما يتعلق بالتجارب الجديدة ذاتها، ومنها ما يتوقف عند ظرفيتها الزمانية والمكانية التي

إن الباحث عن الإجابة لا يعدم أسباباً، منها ما يتعلق بالتجارب الجديدة ذاتها، ومنها ما يتوقف عند ظرفيتها الزمانية والمكانية التي وجدت فيها. إن المستوى الفني الذي قدمت فيه هذه التجارب لم يكن بحالة من النضج والتكامل تجعله قادراً على الوقوف بإزاء إقامة شعر الشطرين ومكانته، سواء في مضامينه أو جوانبه الفنية، وهذا ما أدى إلى إضعاف قدرتها على الجذب والتأثير في متلقين ترسخت في نفوسهم وأذواقهم أمثلة شعر الشطرين المتدفقة بمضامينها وفخامة بنائها الفني في لغته وصوره وموسيقاه الضاجة، تبرز ذلك واضحاً طبيعة المواهب الشعرية التي تبنت التجديد ونادت به ومستوى ثقافة شعرائها، مقارنة بما اتسم به شعراء الشطرين من مواهب كبيرة قدمت مستوى شعرياً أصيلاً. وإذا ألحقنا بذلك طبيعة المرحلة التي ظهرت فيها محاولات التجديد الأولى بما لها من خصوصية الوعي ومستوى الثقافة التي تركن في معظم معارفها إلى القديم، أدركنا جانباً من نفور القراء عما يباعد بينهم وما استقرت عنده أفكارهم وذائقتهم الشعرية من أساليب الشعر العربي القديم وآفاقه التي تهيأ لها أن تستجيب لمتطلبات الجماهير من خلال إنشادها في التجمعات والمحافل، وقدرتها في التأثير وتأجيج حماسة المتلقين كانت تلك مرحلة أولى من مراحل استيعاب الشاعر العراقي الحديث لمظاهر الحياة التي أخذت تجدد نفسها من حوله وسعيه إلى تمثل ذلك فيما ينشده من نجاح لتجربته الأدبية. ومايلفت النظر أن هذه المرحلة التي شهدت الاهتمام بتجديد الأساليب الشعرية وتمثل طرائقها وتداول مسمياتها، لم تجد لدى الشعراء العراقيين المجددين الذين نعدهم مرحلة ثانية تلحق بها- من يشير إليها أو يضعها ضمن مصادر التجربة الشعرية التي عدّها منطلقة نحو التجديد، على الرغم من الامتداد الزمني الذي عاشته واهتمام صحف ومجلات عراقية بها، بما يسهل الاطلاع عليها، فضلاً عن وجود عدد من الشعراء الذين كتبوا الشعر المرسل والحر والمنثور ايحاء يواصلون نشاطهم الثقافي والأدبي في المرحلة التي ظهر فيها رواد الشعر الحر الجديد، وتبنى بعضهم ما كان يكتبه أولئك الشعراء، مثلما فعل رفائيل بطي حين أشاد بشاعرية السياب وتنبأ له بالمكانة الشعرية المتميزة، عند تقديمه لديوانه الأول (أزهار ذابلة)([1]). ولو أنهم اكتفوا بعدم الإشارة إلى تلك التجارب السابقة لأمكن تعليل ذلك بما كانت عليه من مستوى فني محدود لم يجدوا فيه ما يشدهم، فتجاوزوه إلى تجارب أكثر نضجاً، ولكن بعضهم لا يكتفي بتأكيد عدم معرفته تلك التجارب بل يهمل الإشارة إلى تجارب تجديد أخرى سبقتها أيضاً. فنازك الملائكة مثلاً تعلن عدم معرفتها بمحاولات التجديد العراقية كلها، بما فيها (البند) الذي كتبه بعض الشعراء العراقيين في القرنين الماضيين أو قبلهما بقليل([2]). ولم يشر السياب إلى محاولات التجديد السابقة، مع أنه عرف بعض دعاتها. ولكنه خلافاً لنازك يتوقف عند البند، ويقارن بينه وبين الشعر الحر، فيرى أن "هناك وجه شبه بين الشعر الحر والبند العراقي. فالشعر الحر منبثق من صميم التراث العربي، أي أنّه مشتق من أوزاننا العربية التقليدية وليس شيئاً طارئاً. لكن هناك بالطبع بعض الخلاف بين البند والشعر الحر من حيث الموسيقى، بصورة خاصة، ومن حيث التركيب أيضاً"([3]).

ويبدو السياب أكثر موضوعية من نازك التي ادعت أنها أول من كتب الشعر الحر- حين يعترف بأسبقية الريادة في الشعر الحر لمحاولات قام بها شعراء عرب من أقطار مختلفة([4]). وهو ما يشاركه البياتي القول فيه([5]). ويشير شاذل طاقة إلى محاولات التجديد الكثيرة في مسيرة الشعر العربي، ليتوقف عند (الموشح) الذي يرى فيه مصدر التجديد لدى شعراء المهجر الذين قدموا تجارب شعرية مستنبطة منه([6]).

وشغلت مسألة ريادة الشعر الحر هؤلاء الشعراء، واختلفوا فيما بينهم عليها وادعاها كل منهم لنفسه، حتى ليخطئ من يظن أنها كانت مقتصرة على السياب ونازك وحدهما. ودخل النقاد في مساجلات طويلة من أجل تسمية الرائد([7])، مثلما حصل سابقاً، حين اختلفوا على تسمية الشاعر العصري، وأيهما أجدر بذلك اللقب أهو الزهاوي أم الرصافي. ورأى بعض النقاد العرب أن شعراء آخرين أحق بريادة الشعر الحر ولا يجوز التسليم بها للشعراء العراقيين سواء أكان السياب أم نازك أم البياتي([8]).

وأمست ريادة الشعر الحر منطلقاً لدى الشعراء العراقيين لتقديم وجهات نظر نقدية يحدد كل منهم فيها مواقفه ورؤيته. تقول نازك الملائكة "كانت أول قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة الكوليرا"([9]) وعن مضمونها تقول: "كتبت تلك القصيدة أصور بها مشاعري نحو مصر الشقيقة خلال وباء الكوليرا الذي داهمها. وقد حاولت فيها التعبير عن وقع أرجل الخيل التي تجر عربات الموتى من ضحايا الوباء في ريف مصر. وقد ساقتني ضرورة التعبير إلى اكتشاف الشعر الحر"([10]).

وتؤكد الشاعرة أنها سبقت السياب في نظم هذا الشعر من خلال وقائع تأريخية تشير إلى أن قصيدتها (الكوليرا) نظمت قبل وصول ديوان السياب (أزهار ذابلة) الذي حوى قصيدته الحرة (هل كان حباً) بنحو شهرين ونصف([11]). فضلاً عن أنها نصت على أن قصيدتها من الشعر الحر، في حين علق السياب في حاشية القصيدة على أنها من "الشعر المختلف الأوزان والقوافي"([12]) ولم يسمها شعراً حراً. ويترسخ اعتقاد نازك بريادتها للشعر الحر حين تعدّ ديوانها الثاني (شظايا ورماد) الصادر عام 1949 الخطوة الأساس التي أرست دعائم التجربة الجديدة بما تضمنه من قصائد حرة كتبت الشاعرة لها مقدمة مسهبة وقفت فيها عند هذه القصائد وأشارت إلى أوجه التجديد فيها، وبينت مواضع اختلافه عن أسلوب الشطرين([13]). وترى الشاعرة أن هذا الديوان بما أثاره من ضجة كبيرة ومناقشات في الأوساط الأدبية كان منطلقاً لاتساع دعوة الشعر الحر وتوجه كثير من الشعراء إلى كتابته([14]).

ويقول السياب في مقدمة ديوانه الثاني (أساطير) الصادر عام 1952: "وأول ما يلتقي به قارئ هذا الديوان نوع جديد من الموسيقى لا عهد به لأغلب قراء الشعر في العراق"([15]). ويشير إلى محاولات التجديد التي حصلت في مسيرة الشعر العربي الحديثة، ابتداء بالشعر المرسل الذي يعده ثورة تناولت وحدة القافية، لحقت بها ثورة أخرى على الأوزان "فهجر كثير من الشعراء المجددين البحور الطويلة واستعاضوا عنها بالبحور القصيرة وقامت دعوة إلى الشعر المهموس، كان أول من قادها الأستاذ الكبير محمد مندور([16]). وهناك فريق آخر ثار على وحدة الوزن، منهم الشاعر الكبير المرحوم الياس أبو شبكة في (غلواء) و(إلى الأبد) وبعض القصائد من (أفاعي الفردوس) والأستاذ خليل شيبوب في قصيدته (القصر القديم والحديقة المهجورة)([17]) وشعراء آخرون"([18]).

ويبدو أن السياب قد تجاهل محاولات التجديد لشعراء عراقيين، لاسيما ما قدمه الزهاوي من شعر مرسل عد به من رواد هذا الأسلوب الشعري ويزداد إصراره على هذا النهج حين يجعل الشعر الحر من مكتشفاته وهو يطالع الشعر الإنكليزي: "لاحظت من مطالعاتي في الشعر الإنكليزي أن هناك (الضربة) وهي تقابل (التفعيلة) عندنا مع مراعاة ما في خصائص الشعرين من اختلاف([19]). فكانت قصيدته (هل كان حباً) فاتحة توجه جديد في موسيقى الشعر، "وقد صادف هذا النوع من الموسيقى قبولاً عند كثير من شعرائنا الشباب، أذكر منهم الشاعرة المبدعة الآنسة نازك الملائكة"([20])، ويعود السياب إلى الموضوع ذاته بعد عدة سنوات، مستفزاً من محاولة تقديم نازك عليه، فينسب الريادة إلى الشاعر علي أحمد باكثير حيث عده "أول من كتب على طريقة الشعر الحر في ترجمته لرواية شكسبير (روميو وجوليت) التي صدرت في كانون الثاني عام 1947، بعد أن ظلت تنتظر النشر عشر سنوات، كما يقول المترجم"([21]). وإذا عرفنا أن شهر كانون الثاني من عام 1947 هو الشهر نفسه الذي صدر فيه ديوان السياب الأول (أزهار ذابلة) أدركنا سبب توقفه عند (باكثير) هذه المرة، فإذا كانت ترجمة باكثير لهذه المسرحية قد وضعت قبل طبعها بعشر سنين فإن قصيدة السياب (هل كان حباً) نظمت قبل طبع الديوان بوقت طويل، وتلك بديهية يفيد منها السياب ليقول بأنه نظم قصيدته قبل أن تنظم نازك قصيدتها (الكوليرا) بما لا يقل عن سنة([22])، هذا إذا ما نظرنا إلى قصيدة نازك بوصفها من الشعر الحر وهو ما لا يراه السياب فهي عنده أقرب إلى  أسلوب الموشح منها إلى  الشعر الحر.([23])

وبعد أن يطمئن السياب إلى  أنه قد حسم مسألة الريادة لصالحه يؤكد أن الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر كانوا مقلدين له وحده، ويعد تلك حقيقة لا مجال لكتمانها([24]).

ويشير البياتي إلى  محاولات التجديد في العصر الحديث، متوقفاً عند الاتجاهات التي ذكرها السياب قبله. ولكنه يختلف عنه في أنه يعدها محاولات في تجديد الشكل وحده، أما تطوير المضمون فقد كان نتيجة لحركة الانبعاث العربية واستيقاظ الروح القومي، ذلك التطور الذي جرف معه المحافظين والمجددين معاً"([25]).

ويدعي البياتي ريادة الشعر الحر لنفسه، متجاوزاً التوقف عند الأسبقية التأريخية فيها، التي لا يمكنه انكار ما للسياب ونازك منها([26])، مع أنه لا يشير إلى  ذلك، فعنده: "أن العبرة ليست في التطوير أو التجديد وإنما العبرة في الإجادة والإبداع، فرب شاعر لا يزال يكتب شعره على طريقة طرفة بن العبد أو النابغة الذبياني، ولكنه يزري بأكثر المجددين.. ورب شاعر آخر يكتب على أحدث ما توصلت إليه القصيدة العربية، ولكنه يقف عاجزاً أمام شاعر قديم، فتطوير الشكل إذن دون المضمون لا قيمة له البتة، والتجديد أو التطوير الحق هو تطوير الشكل والمضمون معاً"([27]).

ويبدو البياتي فيما ما قاله منطلقاً من الرغبة في التقليل من شأن ريادة السياب الأمر الذي أدى به إلى  الوقوع في اضطراب الرؤية والفصل بين التجديد في الشكل والمضمون الذي قامت على أساس ترابطهما الدعوة إلى  التجديد، مثلما عبر السياب مانحاً المضمون أسبقية في ذلك الترابط([28]).

ومع أن البياتي يزري بالشكل في التجربة الشعرية الجديدة يعود فيما بعد ليراه ميزة أساساً فيما كتبه رواد الشعر الحر: "شعرنا أن شكل القصيدة التقليدي لم يعد يفي بحاجات العصر وإن التجديد لا يتناول الموضوعات العصرية([29])" ويشير على نحو غير مباشر إلى  دعوة نازك بأنها اكتشفت الشعر الحر فجأة، فيميل إلى  رفضها من خلال تأكيده أن هذه التجربة نضجت عبر محاولات كثيرة "فمن خلال المعاناة الطويلة اهتدينا إلى  نوع من القصيدة الجديدة يجعل القوالب التقليدية تتكسر تحت أيدينا. وهذه القصيدة الجديدة تمت بشكل عفوي ولم نكتشفها فجأة، كانت نتيجة محاولات وتجارب طويلة"([30]).

وعلى وفق التصور الذي ارتضاه البياتي للتجديد وإضفاء على تجربته الشعرية يعد ديوانه (أباريق مهشمة) الصادر عام 1954 "أبكر المحاولات الجديدة في الشعر العراقي، إذ أن أكبر شعرائنا، وخاصة بدر ونازك في العراق، كانوا يستخدمون الشكل الجديد في الموضوعات القديمة ذاتها. أما في (أباريق مهشمة) فقد حاولت للمرة الأولى أن أعطي رؤية وجودية واقعية للإنسان الحديث في مختلف حالاته، كما حاولت أن أعبر فيه عن مواضيع جديدة تماماً بالنسبة للشعر العربي، حتى أنه حين صدر في 1954 أثار ضجة كبيرة وغطى على كل المحاولات الأخرى التي قام بها الشعراء الآخرون"([31]).

ويفصح نص البياتي السابق عن تجاوزه لديوانه الأول (ملائكة وشياطين) الصادر عام 1950 الذي عدته نازك من الدواوين الأولى التي أرست دعائم تجربة الشعر الحر في العراق([32])، منطلقاً من نظرته الخاصة إلى  التجديد التي لا يراها في شكل القصيدة الجديد. ولعل البياتي يبالغ في دعوة التجديد التي حملها ديوانه الثاني (أباريق مهشمة) في الرؤية والمضمون إذ لم يقدم مضامين أو مستوى أداء يبتعدان عما كان في دواوين السياب وبلند الحيدري وشاذل طاقة التي نشرت في تلك المرحلة.

يتوقف بلند الحيدري عند الريادة ليؤكد دوره فيها، فيقول إن تجربته الشعرية ابتدأت ضمن الأطر الشعرية الموروثة. ولكن وعيه للتجديد وميله إليه جعله يدرك أن هذه التجربة تفارق العصر وإيقاعه النفسي، "فسعيت أنا ونفر من الشعراء، وعلى رأسهم المرحوم السياب، وكل على انفراد، محاولين إعطاء أبعاد جديدة للقصيدة العربية الحديثة"([33]). ويحاول أن يحقق لريادته أسبقية تأريخية فيدعي أن محاولته لكتابة الشعر الحر قد سبقت الشعراء الآخرين. فما دام مؤرخو هذه المرحلة "قد اعتادوا اعتبار الجدة انطلاقاً من الأساس الأخير: توزيع التفعيلة أقول: لقد كنت أنا- ولا أعرف إن كان بدر في هذه الفترة نفسها قد بدأ المحاولة على هذا الأساس قد بدأت المحاولة منذ عام 1945"([34]). أما تجربة نازك في كتابة الشعر الحر فيقول جازماً إنها "جاءت متأخرة عن تجربتي وتجربة بدر"([35]).

أشار شاذل طاقة في مقدمة ديوانه الأول (المساء الأخير) الصادر عام 1950 إلى  احتواء الديوان عددا من القصائد، جاءت على نسق منطلق لا يتقيد بقافية موحدة، ولا يلتزم عدداً معيناً من تفعيلات البحور، فإنك تجد في البيت الواحد تفعيلة أو تفعيلتين. ولعلك تجد في آخر خمسا، وفي آخر أكثر أو أقل"([36]) وتتردد في هذه المقدمة لفظة (منطلق) "لتحدد التسمية التي ارتضاها شاذل لما كتبه من قصائد جديدة، وهي تبدو وعنده بديلاً عن تسمية الشعر الحر عند الشعراء الآخرين، بما يفصح عن رغبته في استخدام تسمية مغايرة([37])، ويوحي تغاضي شاذل عن تسمية الشعر الحر برغبته في ألا يذكر الرواد العراقيين، يرسخ هذا التصور أنه حين تحدث عن مسار التجديد الذي توقف عند هذه التجربة، لم يشر إلى  ما قدمه أي من شعراء جيله، حتى يبدو لقارئ مقدمته أنه لم يطلع على تجارب هؤلاء الشعراء([38]). ولنا أن نضع موقف شاذل بازاء ما كتبته نازك عنه حين عدته ضمن الشعراء الأوائل الذين كتبوا الشعر الحر([39]). ومثل ذلك ما قال به البياتي في مرحلة لاحقة([40]).

ولا يمكن لدارس موضوع الريادة الشعرية أن يهمل اسم حسين مردان ودوره فيها، ولشخصية حسين مردان وجرأته وغرابة أطواره وأفكاره، وآرائه تأثير كبير في مسيرة الشعر الجديد، وفي إثارة الشعراء الآخرين أن يختطوا لهم نهجاً مغايراً في النظم([41]). ويضفي الشاعر نفسه سمة الريادة على شاعريته "خلقت ضد المحافظة في كل شيء وخاصة في الشعر"([42]). وحين يتحدث عن جيل الرواد يضع لنفسه مكاناً بينهم فيقول: "ولدنا فوق حطام الحرب العالمية الأولى بين مشاعر الضياع والتمزق والاستهزاء من كافة التقاليد والقيم الموروثة"([43]). وحين ينظر إلى  تجربة الموروث الشعري يعدها من وجهة نظر جيله قاصرة عن استيعاب رغباتهم في التجاوز "لم نعثر خلال توغلنا الذي وصل إلى  زمن المعلقات على أي شيء خارق، فالمتنبي والبحتري وابن الرومي أشكال متشابهة لا تصلح كنموذج أو عتبة نقفز من فوقها إلى  داخل غرف ذات زخارف أو مناخ طازج"([44]).

ولا يفوت مردان، وهو يتحدث عن روح الريادة الجماعية التي وجدها في جيله، أن يهاجم الدعوات التي تمنحها لشاعر واحد يتفرد بها، فعنده أن "ما يقال من أن المتمرد الأول هو السياب أو عبد الوهاب البياتي أو نازك شيء يدل على الغفلة والغباء، لأن بذور حركتنا كانت تنمو منذ عهد بعيد، ولو أنها ولدت على أيدينا"([45]).

تحدث هؤلاء الشعراء عن دورهم في ريادة الشعر الحر وتقديم أمثلته. ومع الاعتراف بأهمية الموقف الذي عبروا عنه، وما توافروا عليه من جرأة في اقتحام الذوق الشعري بما يناقض المألوف، تبقى تجربة الشعر الحر خطوة استكملت نهج تجديد سبقتها فيه خطوات أخرى، بما خلقته من حالة تواصل وانشداد لدى جيل من الشعراء الذين تمسكوا، بوعي ناضج، بضرورة أن يخطو الشعر العربي إلى  منافذ تعبير جديدة. وقد عبر حسين مردان عن وعي التجديد الذي امتلأت به نفوس جيل من الشعراء الجدد حين قال: "وقفنا أمام حائط صلد شيد من قبل مئات الشعراء والنقاد القدامى، فنهضنا سوية وبوقت واحد"([46]). فالقول بالريادة الفردية أمر يفقد هذه الحركة كثيراً من مبررات ظهورها في المرحلة التي ظهرت فيها، بظروفها وأحوالها، ويجعلها نتاج ذوق فردي ومزاج خاص بشاعر أو آخر، ولم تكن كذلك، فهي ذوق جيل ورؤيته وبحثه عن ملامح وجوده المعاصر، بدليل أن صفوف المنادين بها لم تضم في تلك المرحلة سوى الشباب، ومن أعمار متقاربة.

وعلى أية حال إن التجربة الشعرية لأي شاعر لا يمكن لها أن تتوقف عند مسألة إدعاء الريادة ليتحقق لها وجود إبداعي مهم ما لم يتصل مسارها بامتلاك وعي التجديد واستحضار صورته في كل خطوة إبداعية لاحقة، وفي ذلك يقول السياب: "ومهما يكن فإن كوني أنا أو نازك أو باكثير أول من كتب الشعر الحر أو آخر من كتبه ليس بالأمر المهم، وإنما الأمر المهم هو أن يكتب الشاعر فيجيد فيما كتبه، ولن يشفع له إن لم يجود- أنه أول من كتب على هذا الوزن أو تلك القافية"([47]).

اهتم معظم هؤلاء الشعراء بتحديد المبررات والدوافع التي خلقت لدى الجيل الجديد تطوراً في الرؤية والتجربة والرغبة في البحث عن أنماط شعرية جديدة يقدم الشعراء من خلالها ذلك كله.

لقد نظرت نازك الملائكة إلى  هذا التطور بمنظار فكري متسع لتجده وليد حالة التلاقي الحضاري بين الأمم، إذ "إن التطور الذي يحدث في الفنون والآداب في عصر ما أكثر ما يكون ناشئاً عن التقاء أمتين أو أكثر"([48])، وهذا يعني، طبقاً لرؤيتها، أن ما حصل من تجديد، مثله الشعر الحر، وهو ما توقف عنده هؤلاء الشعراء ليجدوه أحد مبررات ظهور الشعر الحر، فيشير السياب إلى  تنبهه عليه من خلال مطالعاته في الشعر الإنكليزي([49]) ويعده شاذل من نتائج تأثرهم بتجربة الشاعر الغربي([50])، ويقول حسين مردان: "ساعدتنا رياح الجدة الواردة من الأدب الأوربي على رفع الأنقاض من مفترق الطرق والسير في دروب مفتوحة، فاستطعنا أن نقدم لنهضتنا الشعرية بحرا واسعاً وعميقاً لم يزل يشرب منه الشعراء إلى  اليوم"([51]).

وهذا ما تؤكد نازك أهميته، حين ترى أن من المفيد للشاعر العربي "أن يطلع على الشعر الغربي الذي عاصر هذه الحضارة منذ عدة قرون، ليتعلم منه بعض الدروس، وبخاصة في حقل الجمع بين الفكر المعقد الحديث وروح الشعر"([52])، ومع إدراكنا لأهمية إطلاع الشاعر العراقي المعاصر على الشعر الغربي واستفادته منه يبقى ظننا قائماً على أن ذلك واحد من أسباب كثيرة. ولعل تأثيره لم يكن مباشراً في تجربة الشعر الحر التي ولدت عبر مسار متلاحق الخطوات في التجديد واستيعاب لعمق تأريخي من التطور تمثله الشعر العربي، بما يضفي على الشعر الحر مشروعية المحاولة وصدقها في البحث عما يؤصلها وهو ما آمن به معظم شعراء هذه التجربة. فضلاً عن أن هذا التأثر يستمد وجوده من خارج كيان الشعر العربي وشخصيته التي توقفت عند صيغ تعبيرية، صنعت مبررات البحث عن بدائل لها، وتمثلت بانكفاء كثير من شعر تلك المرحلة إلى  مضامين الشعر الوجداني واهتماماته، بما لا يتناسب وحاجات المرحلة التي كان العراق يمر بها ولا يستجيب لمتطلبات الوعي الجماهيري الذي يريد من الشعر أن يكون ممارسة مؤثرة في محيطها. و لذلك جاء الشعر الحر "ليسحق الميوعة الرومانتيكية وأدب الأبراج العاجية([53]). وضمن هذا التصور لواقعية دور الشعر وجد الشعر الحر حلاً لرفض النزوع الذاتي والانغماز في جو الحقيقة الواقعية([54]).

ولكن المضمون الوجداني لم يكن وحده ما يملأ آفاق الشعر العربي، فقد كان هناك شعر الشطرين وما كان يميل إليه من فخامة في الأسلوب والصياغة التي تجد مثالها في عصور الشعر القديم الزاهرة، فتتعلق بأهدابها وتردد أصواتها. وقد وقف أصحاب الشعر الحر رافضين لكثير من أمثلته، معتقدين أن شعرهم جاء رداً على الشعر الخطابي الذي اعتاد الشعراء السياسيون والاجتماعيون الكتابة به"([55]). لقد نظر السياب إلى  سطوة هذا الشعر المتزايدة، فعد اتجاههم محاولة لإيقاف ذلك، ولعل استفحال خطر الشعر المنبري كان من جملة العوامل التي أدت إلى  ميلاد حركة الشعر واشتدادها"([56]) ويبرر حسين مردان رفضهم للتقليد بأن "القوالب الجاهزة والكلمات القاموسية وسلطة القافية الواحدة تحد من انطلاقتنا الإبداعية الخاصة للابتكار"([57]). وكان عليهم طبقاً لقول البياتي- "وضع حد للمهزلة التي لم ينج منها غالبية الشعراء العرب، ألا وهي الجري وراء القوافي والاستهانة بالقيم الجماعية وبألم الشعب الذي ينتظر من أدبائه ومفكريه أن يلتفتوا إليه"([58])، وإذ كنا نوافق هؤلاء الشعراء فيما ادعوه من مبررات لرفض الشعر الذاتي والتمرد على فكره ومنطلقاته، فقد لا نكون معهم فيما قالوه عن شعر الشطرين الذي تلقف التجربة النضالية للشعب العراقي وعبر عنها، وكانت صوره ومضامينه شعارات لكثير من حالات المواجهة ومواقف التحدي التي عرفتها الجماهير، إلى  جانب نواحيه الإبداعية الأخرى.

أدرك هؤلاء الشعراء طبيعة الظرف التأريخي الذين يعيشون فيه وما يناسبه من رؤية وصيغ تعبير، فسعوا إلى  خلق إبداع أدبي ليس في مقدور أحد أن ينسبه إلى  غير المرحلة التي تمثل قيمها فكراً وتجربة فنية. وكان إدراكهم هذا يعبر عنه بتصورات متعددة، تفصح في الغالب عن أفق الرؤية الذي ينظر الشاعر من خلاله إلى  مسار التجديد ومدياته في التجربة الشعرية المعاصرة.

يؤكد السياب الوشائج التي تسري في التجارب الإبداعية لتجعلها حالة متلاحقة من الإضافات الإنسانية، التي يحتكم فيها إلى  ما تتمثله من وعي التطور الجدلي الذي لا يتحرك فيه الجديد باتجاه التناقض الكلي مع القديم الذي سبقه بل يستوعب ما فيه من جوانب التواصل الحي، "فالشيء الجديد هو دائماً وليد الشيء القديم، وقد كان كامناً كالجنين في أحشائه ذات يوم وإن في الشيء الجديد لكثير من ملامح الشيء القديم، من ملامحه الحسنة التي استطاعت أن تقاوم الفناء"([59]).

وكان السياب مستجيباً لرغبة واضحة في تأصيل التجربة الجديدة التي تبناها مع شعراء مرحلته. وكان ذلك ضرورياً للوقوف بوجه اتهامات الرافضين لشعرهم بدعاوى التقليد للشعر الغربي وإهمال خصوصية الشعر العربي وتجاوز أساليبه، مثلما كان ضرورياً للوقوف بوجه أولئك الشعراء الذين كتبوا الشعر الحر، معتقدين أنه بديل عن السائد من الشعر ورفض مجاني له. وذلك ما دعا السياب إلى  القول بما يقدمه الماضي من تأكيد لسمات شخصية لحمل ملامحها: "فالثورة على القديم لمجرد أنه قديم جنون وانتكاس إذ كيف نستطيع أن نحيا وقد فقدنا ماضينا"([60]).

ومن خلال تأكيد هذه الصلة الحية بماضي الإبداع يصل السياب إلى  مفهومه للتجديد، فهو: "استعراض للماضي، للتراث وإهمال الفاسد منه والسير بالشيء الحسن فيه إلى  أمام.([61]).

وإذا تحددت منطلقات التجديد لدى السياب بتصور لخصوصية التجربة العربية في الشعر كان البياتي ينظر إليها من أفق يتسع لمطامح إنسانية مستمرة فإن أية حالة جديدة من التطور هي محاولة متصلة بوجود حي للإنسان الذي تترسخ في ذاته رغبة "البحث عن ملامح الإنسان المشتركة في كل الأزمنة، مضافاً إليها تجربة الإنسان الحديث"([62])ومع أن البياتي لا تفوته الإشارة إلى  خصوصية كل أمة في طابعها القومي وخصائصها التي تعطي لها لوناً يميزها من غيرها، يقف في رؤيته لمسار التجربة الإبداعية من خلال حالة التواصل الإنساني، إذ "لو نظرنا إلى  تأريخ آداب الأمم المختلفة فإننا نلاحظ بسهولة ويسر التأثيرات الواضحة في تراث كل هذه الأمم"([63]).

ويعطي البياتي ظاهرة التجديد بعداً اجتماعياً واضحاً فيجعلها جزءاً من ظاهرة الحركة في المجتمع الذي تبرز فيه: التجربة الشعرية وتطور أدواتها مرتبطان بظروف المجتمع وبظروف العصر. والثورات الشعرية لا تولد أو تحدث في كل لحظة، وإنما يجب أن تتوفر لها العوامل الموضوعية"([64]). ولعل هذا تأكيد مهم لم يلتفت إليه بعض الشعراء في استحالة أن تكون حركة التجديد في الفنون استنباطاً فردياً لهذا المبدع أو ذاك. ولكن ما يفوت البياتي هنا خصوصية الوعي والحساسية اللذين تنهض بهما ذات الشاعر المبدع، بما ينماز به عن عصره، حتى ليمسي وعيه المتفرد أكبر من وعي عصره، ويصبح به حالة من التمرد والثورة المصغرة في مساحة واسعة من السكون المطبق. واستقراء تأريخ التفرد في التجربة النفسية والقدرة على تجاوز واقع التردي في العصر تشير إلى  أكثر من اسم لشاعر تجاوز وعيه وعي مجتمعه وعصره وطور إبداعه من دون خضوع لما يفرضه عليه العصر، لأنه لم يتوقف عنده، بل مد بصره إلى  ما في الماضي من عمق وتجارب حية اهتدى بها ليحقق جديده، ويجعله استمراراً لها. وقد لا يتوقف هذا التصور عند شاعر واحد أو فنان واحد، فربما تمثل ذلك في تجارب شعراء أو مبدعين كثر، وهو ما قامت عليه المدارس والاتجاهات الأدبية والفنية في إنضاج مساراتها وتجاربها الجديدة. ولعل هذا المنطلق هو الذي توقفت نازك الملائكة عنده حين رأت أن من "يبدأون حركات التجديد في الأمة ويخلقون الأنماط الجديدة إنما يفعلون ذلك تلبية لحاجة روحية تبهظ كيانهم وتناديهم إلى  سد الفراغ الذي يحسونه"([65]). وحين تنظر نازك إلى  دعوة التجديد من خلال البعد الاجتماعي، لا تراها جزءاً من حالة حركة وتطور في آفاق المجتمع بل سد لهذا الفراغ الذي أحس به المجدد نتيجة "تصدع خطير في بعض جهات المجال الذي تعيش فيه الأمة"([66]). وهنا تتداخل المؤثرات النفسية التي استيقظت في ذات المجدد مع ما تسميه نازك "محتمات بيئية قاهرة لا قدرة له على مقاومتها"([67]) يكون لها تأثير كبير في إحداث الجديد وتبنيه مواجهة لهذا الحصار متعدد المؤثرات الذي تعيش فيه ذاته. وهنا تقترب الشاعرة من دعوة اجتماعية الأدب التي لم تنظر إليها بعين التقدير كلياً في بعض المواقف([68])، فهي ترى أن البعد الاجتماعي لا يمكن إغفاله في دعوات التجديد ولذلك تقول: "إن ما يسمونه بدعوة (الفن للحياة) تستريح إلى  مثل هذه الفكرة التي تجعل المجتمع هو الجذر الأساسي لكل حركة أدبية"([69]). غير أنها تنحاز إلى  اجتماعية الأدب على نحو سافر تفارق فيه ترددها السابق حين تتفحص تجربة الشعر الحر في ضوء المعيار الاجتماعي الذي تراها قد حققت استمرارها من خلال استجابتها له، فتجعل نجاحها واستمرارها تعبيراً عن تواصلها معه، "ولعل الدليل على أن حركة الشعر الحر كانت مقودة بضرورة اجتماعية محضة هو أن محاولات وأدها قد فشلت جميعاً"([70]). وتصل نازك عبر ما قالته عن مبررات التجديد والعوامل التي تحركها إلى  القول أن "حركة الشعر الحر حصيلة اجتماعية محضة، تحاول بها الأمة العربية أن تعيد بناء ذهنها العريق المكتنز على أساس حديث، شأنها في هذا شأن سائر الحركات المجددة التي تنبعث اليوم في حياتنا في مختلف المجالات"([71]). ثم تحدد للحركة عوامل اجتماعية تعترف بكثرتها، غير أنها تتوقف عند أربعة منها هي: النزوع إلى  الواقع، الحنين إلى  الاستقلال، النفور من النموذج، إيثار المضمون([72]). وسنحاول مناقشة هذه العوامل من منطلق صلتها بوعي التجديد. كنا نتوقع أن تتحدث الشاعرة فيما يخص العامل الأول عن آفاق التجربة الشعرية التي حملتها القصيدة الحرة باتجاهات مضمونها ومنطلقات الرؤية الواقعية التي تستجيب لمرحلتها وعصرها، ولكن ذلك لم يحصل، إذ انصب اهتمام الشاعرة بالحديث عن الأوزان الحرة التي تختلف عن أسلوب الشطرين فيما تقوم عليه من إيحاء بجو الحقيقة الواقعية التي تتخذ العمل والجد غايتها العليا([73]). وكان باستطاعة الشاعرة أن تتجاوز الأعمام، فتشير إلى  خصوصية الظرف الفكري والفني الذي تمثله شعر الشطرين في المرحلة التي ظهر فيها الشعر الحر أسلوباً جديداً في منطلقاته التعبيرية والفنية التي حملها جيل جديد من الشعراء الشباب، وهو ما وعاه السياب فتوقف عنده قائلاً: "إن الشعر الحر أكثر من اختلاف عدد التفعيلات المتشابهة بين بيت وآخر، إنه بناء فني جديد واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق (الميوعة الرومانتيكية) وأدب الأبراج العاجية وجمود الكلاسيكية كما جاء ليسحق الشعر الخطابي الذي اعتاد الشعراء السياسيون والاجتماعيون الكتابة به"([74]).

إن توقف نازك عند التجربة العروضية للشعر الحر، وعدها سمة نزوع الشعر الحر إلى  الواقع، لا تبدو كافية للنظر إلى  هذه التجربة من وجهة نظر اجتماعية واقعية، إذ لا دخل للبناء الموسيقي في نزوع الشاعر الواقعي أو عدمه. ولو أن الشاعرة تأملت في المسار الذي كان يقوم عليه شعر الشطرين من خلال تجربة أكثر من شاعر، لعل الجواهري أبرزهم لأدركت أن في كثير من شعر الشطرين ما يقوم على تمسك أصيل بالحقيقة الواقعية، متفوقاً في ذلك على كثير من قصائد الشعر الحر التي استجابت لنزعة مثالية أو رؤية مغرقة في ذاتيتها، وفي شعر نازك ما يفصح عن ذلك ويؤكده.

وعدت نازك رغبة الشاعر المعاصر في تقديم شخصية مستقلة لشاعريته عاملاً اجتماعياً دفعه إلى  هذا الاتجاه. ولا نتلمس نحن فيما ذكرته بعداً اجتماعياً واضحاً. ولو أن الشاعرة ربطت بين نزعة الشاعر هذه وما عداها من نزعات، يريد فيها إنسان العصر تحقيق وجوده المتميز، وبحثت المبررات الفكرية والنفسية لها، لامكن موافقتها فيما ذهبت إليه، ولكنها اكتفت بالحديث عن الشاعر الحديث وطموحه في أن "يثبت فرديته باختطاط سبيل شعري معاصر يصب فيه شخصيته الحديثة التي تتميز من شخصية الشاعر القديم"([75])وفي تقديرنا أن هذا الطموح لا يمكن النظر إليه بوصفه عاملاً اجتماعياً لما له من تعلق بشخصية الشاعر وثقافته والدوافع النفسية التي تتألف من تداخل ذلك كله وعلى وفق ذلك نجد توجه الشاعر إلى  التجديد نتيجة عوامل متعددة، وليس بفعل عامل اجتماعي صرف ما دام في حدود ذاتية تخص الشاعر وتجربته.

ويمكن إدراك العامل الثالث (النفور من الأنموذج)، ضمن هذا التطور الذي مر ذكره. ولعله نتيجة للعامل السابق، أكثر من كونه عاملاً مستقلاً، فحين يبحث الشاعر عن شخصية مستقلة تميزه، يعني ذلك أنه يريد تجاوز المثال السائد أمامه، وسيكون رفضه طريقاً إلى  ذلك التجاوز.

وتبدو العوامل الثلاثة الأولى التي ذكرتها نازك مهتمة بالجانب الشكلي لتجربة الشعر الحر. ولذا جعلت الشاعرة العامل الرابع متعلقاً بالمضمون مع أنها تشير إلى  ترابط الشكل والمضمون وكونهما "وجهين لجوهر واحد لا يمكن فصل جزئيه الا بتهديمه أولاً"([76]). ويفصح اهتمامها بالجانب الشكلي عن طبيعة نظرتها إلى  الشعر الحر. وتعدّ الاهتمام بالمضمون سمة مرتبطة بما نراه من ميل العصر الحديث إلى  الإنشاء والبناء([77]). "فالمضمون إذن سمة عصرية، وهذا يعني طبقاً لرؤية الشاعرة- إن العصور السابقة كانت تقوم على "إيثار للأشكال على المضمونات، بينما يريد العصر أن ينشغل الشاعر- بالحياة نفسها وأن يبدع منها أنماطاً تستنفذ طاقاته الفكرية والشعورية الزاخرة"([78]). وتلك مسألة لا يؤيد الشاعرة فيها استقراء موضوعي لمسيرة الشعر العربي، حيث الانشغال الغالب بالفكرة والمضمون، ولو كانت الرؤية الشكلية هي السائدة فيه لترك لنا شعراؤنا القدامى عدداً كبيراً من المحاولات الشكلية وتعدداً في أساليب الشعر.

وكانت قضية الشكل والمضمون ذات بعد نقدي خاص في رؤية معظم أصحاب الشعر الحر حين ينظرون إلى مسار التجديد الذي تهيأ لتجربة الشعر الحر أن تكون عليه، فيختلفون فيه: أهو مضموني أم شكلي أم حالة يتوازن فيها التجديد بينهما؟

لقد نظر بعضهم إلى  الشعر الحر بوصفه تجديداً ابتدأ بالمضمون قبل أي شيء آخر، وهذا ما يؤكده السياب، فعنده أن "لا بد لكل ثورة ناضجة من أن تبدأ بالمضمون قبل كل شيء. فالشكل تابع يخدم المضمون. والجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد، ويحطم الإطار القديم كما تحطم البذرة النامية قشورها"([79]). ويتوقف بلند الحيدري عند المضمون الجديد الذي حمله الشعر، فيرى أن الشعر قد اتخذ مسلك التجديد عندما "ابتعد عن ارتباطه بالحدث الكبير أو المناسبة تقسمه أبواباً وفصولاً، هذا للمدح وذلك للقدح وآخر للغزل، فليس لشيء من الأشياء قيمة نهائية مجردة منعزلة ما دامت تخضع لارتباطات إنسانية متشابكة"([80]). ويتفق على الحلي معهما حين يقول: "إنني مؤمن بأن التجديد في الشعر العربي الحديث ليس منصباً على الشكل الظاهري للعمل الفني في الشعر.. قدر انصرافه إلى  الجوهر، الروح، صدق الأداء النفسي"([81]). ويرى محمد جميل شلش "أن القصيدة العظيمة تكتبها الأفكار العظيمة، ويخلدها المضمون العظيم، ذاتياً، أو إنسانياً عاماً"([82])، منطلقاً من رؤية ملتزمة أراد من الحداثة أن تستوعبها.

وإذا كانت آراء هؤلاء الشعراء تستمد موضوعيتها لديهم من خلال ما حمله الشعر الحر من وعي فكري وثقافي فيه كثير مما لا تجده في مضامين شعر الشطرين، وهو ما راح كل منهم يشير إليه ليحقق لشعره صورة تميزه، فضلاً عن أن تأكيد جدة المضامين واختلافها عما يقدمه الشعر الآخر لا يثير ردود فعل حادة ضد هذه التجربة مثلما حصل مع دعوة التجديد في الشكل التي وقف في وجهها أنصار شعر الشطرين واستهجنوها، مما دفع أصحابها إلى  التنبيه على صلة شعرهم في جانبه الشكلي لا سيما العروضي- بالشعر الموروث وتبنيه لبعض خصائصه.

وتوقف قسم من أصحاب الشعر الحر عند الشكل، فعده أساس التجديد في هذا الشعر، وقدمه على المضمون. يتأكد هذا عند نازك التي ترى أن الشعر الحر في أساسه "دعوة إلى  تطوير الشكل"([83]). ويزداد اليقين بميل نازك إلى  كون الشكل مظهر الحيوية والفعل الشعري المتجدد، عندما نستعيد رأيها الذي عدت فيه المضمون "أتفه مقومات الشعر" ([84]). ويشاطرها البياتي هذه القناعة، فليس هناك من تطوير طبقاً لما يرى- سوى تطوير الشكل([85]). وقد أصبح هذا التطور قضية ملحة، إذ ما عاد شكل القصيدة التقليدية يكفي للتعبير عن مضامين العصر ومستجداته([86]) ولا شك في أن النظرة الموضوعية لا تقتضي الوقوف عند أحد جانبي المسألة الإبداعية بل النظر إليها بوصفها كياناً واحداً متصلاً، تكاملت فيه مبررات التجديد على مستوى من النضج الفكري الذي استجابت له التجارب الشعرية لهؤلاء الشعراء شكلاً جديداً ومضموناً متطوراً، وهو ما أشار إليه معظم هؤلاء الشعراء. فالمضمون الجديد طبقاً لرأي السياب هو الذي يبحث له عن شكل جديد ليبرزا معاً([87]).

في حين يرى البياتي أن تطور الشكل من دون المضمون لا قيمة له البتة([88]). والشكل والمضمون الذي يسميه علي الحلي الجوهر- مرتبطان ببعضهما فلا يمكن النظر إليهما مجزئين([89]). ومع أن حسين مردان يعد الشكل "عنصر الإثارة في العمل الفني"([90]) يبادر إلى  تأكيد أهمية ترابطه مع الموضوع: "علينا أن نوفق بين المواد وطريقة البناء بعناية وانسجام وإن أي إهمال لأحد الجانبين يشوه عملنا الفني ويعدمه([91]).

ويؤكد محمد جميل شلش: أن روعة المضامين العظيمة المتساوقة مع البناء الفني الجيد هي التي تبقى"([92]).

كان على الأجيال اللاحقة لجيل رواد الشعر الحر أن تقدم رؤية شعرية تخصها، وتفصح عن وعي التجديد الذي جعلته منطلقها في محاولة تخطي التجربة التي قدمها الرواد وجيلهم، وكان ذلك طموحاً مشروعاً- في مستوى الرؤية النظرية- يغني تجربة الشعر الحر، ويشير إلى  رغبة الأجيال اللاحقة من الشعراء في تمثيل لحظتها التأريخية المعاصرة، لأن وعي التجاوز، هو الذي يمنح الجيل الطالع هويته ومبرر وجوده ومكانته في تأريخ الشعر، إذ لا جدوى من أن يقول جيل ما قاله جيل سابق"([93]). ولا شك في أن هذا الطموح لا يمكن تحقيقه بالرغبة الصادقة وحدها، أو بالإدعاء والمجازفة بالتخطي اللذين يفتقران إلى  العمق وقدرة الإضافة والتجديد، وهو ما استطاب الوقوف عنده كثير من أولئك الشعراء، مكتفين برفض تجارب من سبقهم، ومهتمين بأخرى تدعي التجديد أكثر من أن تفصح عن مثاله الإبداعي المهم لديها. إن ذلك يستدعي "أن يقوم الجيل الجديد بمراجعة نقدية واسعة لعطاء الجيل السابق، في ضوء فهم جديد، أكثر معاصرة وغنى واتصالاً بمنجزات الشعر العالمي، ونبض اللحظة الحضارية المعاصرة"([94])، فهل تحقق هذا فيما قدمه بعض من شعراء ذلك الجيل من أفكار نقدية، لينعكس في المثال الشعري الذي ارتضوه معبراً عن تلك الأفكار ومبرزاً إياها؟

لعل (البيان الشعري)([95]) واحدة من محاولات أولئك الشعراء لتقديم نمط من الرؤية النقدية التي تمتلك وعي مرحلتها، وتفصح عن منطلقاتها لدى جيل شعري ينتسب الشعراء الموقعون على البيان إليه، وهو ما سمي بجيل (الستينات)، عبر عن ذلك سعي أصحاب البيان الأربعة([96]) إلى  أن تكون أفكاره "وجهاً لحركة جيل من الشعراء"([97]).

ويأخذ البيان أهميته فضلاً عما تضمنه من أفكار ومنطلقات رؤية من خلال أنه لم يكن تعبيراً عن وعي ذاتي لشاعر واحد بل مجموعة من الشعراء الذين التقوا عند قناعة تدور حول الشعر وتلتقي عندما يهم مبدعه من أفكار ومجالات تعبير([98])، لتفترق عند خصوصية الوعي الفكري والميول السياسية التي تشغلهم. وينطلق شعراء البيان من القناعة بأن التجربة الشعرية التي قدمها الرواد أمست عادية ومألوفة وهي بحاجة إلى  طاقة تجديد تعيد لها حيويتها. وتلك أهمية أخرى للبيان، جعلته محل إثارة لكثير من الأدباء الذين وقفوا معه أو ضده. وتنقسم أفكار البيان الشعري إلى  محاور عديدة منها: طبيعة العلاقة التي تقيمها القصيدة مع العالم الخارجي الذي تبدأ تعاملها معه" من خلال افتراض جوهري ذي أهمية خاصة، هو أن العالم ناقص، وكذلك الموجودات والأشياء. وما دام كل شيء في حالة مستمرة نحو الولادة والموت فإن من المستحيل البحث عن حقيقة ثابتة ضمن الزمان والمكان"([99]) ويتوقف البيان عند اللغة ومستويات الأداء فيها، فيرى "أن المنطق يشكل جوهر التركيب النثري باعتباره أداة إيصال وتفاهم بين الناس"([100]). ولكن هذا الإيصال محمل بوعي شخصي للكلمات، ولهذا تظل انطباعاتنا عن الكلمة متباينة، ذات جذور شخصية"([101]). وإذا كان هذا هو نصيب اللغة النثرية، فأية معاناة يعيشها الشاعر الذي يدرك أن الشعر "اختراق ما هو يومي إلى  ما هو مكشوف إلى  ما هو غير مكشوف"([102]).

وتقوم (منطقة الشعر) طبقاً لتسمية البيان على ما يأخذه الشاعر من العالم الذي حوله" ولكن عالم الشاعر ليس هذا العالم المرئي الذي تسوده قوانين منطقية فحسب، وإنما هو: العالم المرئي + العالم اللامرئي + العالم الشخصي + الأجيال والأزمنة"([103]). ولأن عالم الشاعر على وفق هذه الرؤية مصاغ صياغة خاصة داخل حلم يوحد كل الموجودات في لحظة واحدة"([104])، واهتم البيان الشعري بما سماه (صناعة الحلم) الشعري وطرائق الوصول إليها، بما يحقق "دحر سيطرة العقل الواعي وتخديره"([105]).

وينتهي البيان عند الإطار الفني للقصيدة الحقيقية التي "لا توجد في الوزن أو القافية أو التحرر منهما. إنها توجد حيث ترف أجنحة الشاعر بقوة نحو عالم الحقيقة، من دون أي سقوط في عبوديات شكلية معينة" ([106]). وهذا يعني أن البيان لا يرفض قوانين القصيدة الموسيقية ولكنه يجعلها تحت سلطة الشاعر يصوغ قوانينها التي تناسب قصيدته، "إلا أنها لا يمكن أن تكون قانوناً عاماً لكل قصائد العالم"([107])، إذ "لا توجد أشكال موحدة للقصيدة على الإطلاق في أي زمان"([108]). ومن هذا المنطلق يرى البيان أن محاربة التجارب الشعرية الجديدة في لغتها ومضامينها وأشكالها التعبيرية "غير مجدية، لأن تراثنا العربي الغني ليس عبدا لشكل معين دون غيره"([109]).

كان الشاعران حسين مردان ومحمد جميل شلش بين الأدباء الذين أثارهم

البيان الشعري فتصدوا لمناقشته. فقد تابع حسين مردان أفكار البيان، مفصلا الحديث في المنطلقات الأساس التي قام عليها ومصادر الرؤية السريالية التي تبنى أصحابه بعض سماتها. ورأى في البيان جهداً نقدياً، ولكنه يفتقد الدقة والتقصي([110]) أما محمد جميل شلش فرأى في البيان "صورة لتخبطات وجودية ممزوجة بصوفية عصرية في إطار محرف.. صورة تدعي لنفسها الثورية من خلال هذه العوالم المتناقضة"([111]). وتوقف عند الوسائل المقترحة لخلق الحلم الشعري فشارك حسين مردان في رفضه تعطيل الوعي كلياً بها، فهي وسائل تلغي شخصية الشاعر ودوره في مجتمعه([112]).

لم تبق للبيان الشعري اليوم إلا قيمة تأريخية، بوصفه وثيقة لمجموعة شعراء من مرحلة معينة. ولكن ذلك لا يمنعنا أن نتفحصه، مبدين بعض ملاحظاتنا عليه. يحيلنا البيان الشعري إلى  تجارب مماثلة لشعراء غربيين مثل (البيان السريالي) الذي كتبه أندريه بريتون عام 1924([113])، وقبله بيان الشعر الذي كتبه مجموعة من الشعراء الشباب الروس الذين أسسوا لما سمي بالحركة المستقبلية([114]).

ومع سعة الطموح الذي دعاه شعراء البيان ظل مجموعة أفكار نظرية توزعت بين البحث في عالم الحلم الشعري والحديث عن اللغة. وبدت فيه واضحة حالة التناقض بين ما يتحدث عنه أصحابه من أفكار عن الشعر والمنطلقات الفكرية التي عرفوا بها.

وإذا امتلأت نفوس شعرائه بدعاوى الحداثة والتجاوز فإن كثيرا من الأفكار التي حملها بيانهم كانت إعادة لما ذكره رواد الشعر الحر قبلهم. فقولهم: "ما دام كل شيء في حالة حركة مستمرة نحو الولادة والموت فإن من المستحيل البحث عن حقيقة ثابتة ضمن الزمان والمكان" ([115]) يعيدنا إلى  قول نازك: "إن الشعر وليد أحداث الحياة، وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب أحداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها"([116]). وقولهم: "إن الشاعر نبي صعب الفهم"([117]) يذكرنا بما يماثله عند السياب والبياتي وشاذل طاقة"([118]).  وقولهم: "أن ولوج منطقة الشعر أشبه ما يكون بولوج مدينة أسطورية مسحورة غامضة"([119]) شبيه بوصف البياتي للشاعر أنه "مدينة حقيقية.. مدينة كبيرة مترامية"([120]).

ويحمل البياتي كثيراً من الاضطراب والتشويش حين يتردد أصحابه بين الدعوة إلى  الشيء ونقيضه، فهم يدعون إلى  ولادة جديدة للإنسان ولكنهم يعلنون أن الموت هو "الوجود النقي المتألق داخل ما هو نهائي" ([121]). وفي الوقت الذي يعلون فيه مكانة الحلم في العمل الفني، ويشيرون إلى  وسائل تخدر العقل وتعطله، لولوج عالم الحلم، يتحدثون عن الدور الذي يمكن للشعر أن يقوم به في الحياة والوجود الإنساني، ويضعون الحقيقة غاية له: "إننا نكتب الشعر من خلال صبوة الروح للتماس مع الحقيقة"([122]). ولا تتضح في البيان إمكانية التوفيق بين أن تكون القصيدة "مساهمة كاملة في خلق مناخ الثورة"([123]) وقولهم: "إن الشاعر الذي يطرق عوالم غير مطروقة قد يتحرر من كل شيء، حتى من اللغة، لتصبح القصيدة لوحة أو صورة (فوتغرافية) أو مجرد رموز ومعادلات"([124]).

ويبدو أن هذا البيان ظل مشروع رؤية ارتبطت بمجلة شعر 1969 وهيئة تحريرها، ولم يتح له أن يمتد في تأثيره إلى  مجال التجربة الشعرية لشعراء مرحلته أو مواقفهم النقدية. وكان أول ما يقف وراء ذلك عدم توفر القناعة الكافية بما احتواه البيان كله حتى لدى الشعراء الموقعين عليه، وهو الأمر الذي لم يخفه هؤلاء الشعراء أنفسهم، وفي ذلك يقول سامي مهدي: "لعل هذا أو ذاك منهم لا يتفق حول كل ما ورد في نص البيان.. والحق أن البيان قد صيغ ليكون معبراً عن مجمل آرائهم جميعاً. وأكثر من ذلك إن الصياغة حاولت أن تكون مرنة إلى  درجة التعبير عن مجمل حركة الجيل ([125]).

أتيح لأصحاب الشعر الحر مجال واسع من الإطلاع على الاتجاهات والمذاهب الأدبية، واستطاعوا الإلمام بجوانب مما تقوم عليه من رؤية وتفسير وتعامل مع الأدب ونقده، وكان هذا جزء من ازدياد إطلاع الشاعر العراقي على الأدب الغربي وتعدد اهتماماته وحرصه على رفد معارفه بأسباب الثقافة الحديثة ومنطلقاتها، بما تقدمه حركة النشر والترجمة ووسائل الاتصال الأخرى، ودأب كل شاعر منهم على تطوير ملكاته الإبداعية.

وقد أعطت رغبة الشعراء الجادة في التواصل مع ما تفصح عنه الاتجاهات المختلفة ثمارها فيما خلقته من حركة أدبية ونقدية واضحة وما رسمت به الأدب والنقد العراقي من مظاهر التجديد والحداثة وفي تعدد المواقف التي تتبنى في كثير من الأحيان منطلقات متضادة، يقف بعضها بمواجهة بعض. وكان من مظاهرها ما تمثل في تلك المواجهة المستمرة بين السائد من الأفكار والوارد الجديد عليها وما برز من مساجلات ووجهات نظر أية كانت طبيعة مستواها ونضجها([126]). وتفصح كتابات شعراء التجربة الجديدة عن الاتجاهات الأدبية المختلفة عن اهتمام جاد لا يخص شاعراً بعينه، يقدم عن هذا الاتجاه أو ذاك إشارات عابرة، بل أخذ يعبر عن نقلة واضحة في وعيه واهتمامه، بما خلق مستوى من القناعة التي يشترك فيها أكثر من شاعر، يتفقون في الموقف والرؤية. ولعل في إشارات بعضهم إلى  الرومانسية، أو في توجه بعضهم إلى  تبني الاتجاه الواقعي والدعوة إليه ما يؤكد هذه الحالة.

ولم تمنع رغبة الشعراء الصميمة في التوصل إلى  إدراك واضح لما تقدمه هذه الاتجاهات والمدارس حصول حالة التداخل والخلط في النظر إلى  مفاهيمها وما يعبر عنه كل منها. وقد ترك ذلك آثاره في اضطراب الرؤية والتشتت الواضحين اللذين عبرت عنهما أفكار محدودة وسطحية في التصور اتضحت فيما كتبه بعض هؤلاء الشعراء عن هذا المذهب أو ذاك.

ويبدو أن معظم هؤلاء الشعراء كانوا يجمعون بين أهمية الإطلاع على هذه الاتجاهات وتأكيد المستوى الثقافي والفكري الذي توقفت عنده شخصية كل منهم والتجربة الشعرية التي لا ينبغي للشاعر أن يطيل التأمل في شيء آخر سواها. ولذا مال معظمهم إلى  الفكرة التي تقول: إن المدارس والمناهج وما تقوم عليه ليست بقضية مهمة كثيراً للشاعر الذي يستفيد من الإنجازات الفكرية والفنية كلها، من دون أن يخضع موهبته لافق ضيق فيها، فعلى الشاعر طبقاً لما يراه السياب أن يتقن عمله ولا يهم بعد ذلك من أية وجهة نظر كان قد انطلق فيه([127]). في حين يشير البياتي إلى  أن الشاعر المجدد في أي عصر لا يلتزم بمدرسة شعرية معينة، وإنما يستفيد من المكتسبات الفنية التي تحققها المدارس الشعرية"([128]).

وتقيم نازك رفضها لاهتمام الشاعر العربي بما تقوم عليه النظريات الأدبية الغربية من نظرها في واقعنا الشعري الذي ترى أنه "مثقل بالمشاكل وفي وسع همومه أن تشغلنا أعواماً طويلة قبل أن نفرغ لتطبيق النظريات([129]).

وينطلق حسين مردان في نظره إلى  هذه المسألة من خلال شاعريته التي أقامها متمرداً فيها على المذاهب والاتجاهات وطموحه في أن يخلق منهجه بنفسه يقول: "إني لا أومن بأي مبدأ ولا بأي اتجاه فكري أو أدبي في العالم. وربما يرجع ذلك إلى  أني أحاول أن أخلق شخصياً اتجاهاً أو مدرسة جديدة في الشعر والأدب"([130]). ويفصح ما يقوله عن نزعة ذاتية اتصف بها هذا الشاعر، فهو يريد أن يحقق ما رفضه لدى الآخرين، إذ كيف يصنع اتجاهاً أو مدرسة من لا يتوقف عند أي منها ليستفيد منه في تحقيق بغيته، لا سيما أن الشاعر نفسه يشير إلى  حالة التواصل بين المناهج في تطورها بقوله: "تمر كل مدرسة أدبية أو فنية بعدة مراحل تطورية قبل أن تصل إلى  ذروة الصبا ثم تأخذ مسارها العكس نحو قاع شيخوختها النهائي. فالمدرسة الرومانتيكية كانت لها ثلاثة أدوار مهمة وطويلة إلى أن وصلت إلى  الرومانتيكية المادية عبر المذهب السريالي. والسريالية نفسها بدأت من اللاوعي ثم ربطت عالمها الداخلي بالخارج في دورها الثاني"([131]).

وإذا كان حسين مردان يمتلك طموحه الفردي في ابتداع مذهب أو اتجاه يخصه فإن ما يتوقف السياب عنده يؤكد طموحاً أكبر في أن تظهر في الأدب العربي اتجاهات أو مدارس أدبية جديدة، وحين لا يجد السياب ذلك يبرره بقوله: "أن المذاهب الأدبية لا تظهر إلا نتيجة لوجود نهضة أدبية وحركة أدبية قوية. وإن عمر مثل هذه الحركة عندنا قصير، بحيث لم يسمح حتى الآن بظهور هذه المدارس المختلفة"([132]). ويلاحظ أن السياب جعل الامتداد الزمني كفيلاً بإنضاج مذاهب جديدة تتكئ على النهضة الأدبية التي تميزت بها مرحلة ظهور الشعر الحر، ولم يتحقق ذلك حتى وقتنا الحالي، على الرغم من مرور مرحلة زمنية طويلة نسبياً. وفات السياب أن يشير إلى  عوامل مهمة في ظهور أي مذهب أدبي تتمثل في مرحلة من التطور الفكري الذي يصاحب التغيرات الحادة في قوانين حركة المجتمعات والأمم، وما يفرزه ذلك من وعي جديد، يتيح للمبدعين في مجال المعرفة الإنسانية تحويل هذه التغيرات إلى  رؤى وتجارب جديدة. ولعل متابعة عوامل ظهور الاتجاهات والمذاهب تؤكد ما ذهبنا إليه.

وتتطلب ملاحقة موقف الشعراء العراقيين المعاصرين من المدارس الأدبية النظر إلى  ما كتبوه عنها من خلال وضع كل مدرسة منها في سياقها التأريخي الذي  ظهرت فيه وهذا أمر لا يتعلق بنظرة هؤلاء الشعراء إليها أو يحدد صيغة زمنية لإشارة كل منهم إليها، بقدر ما يقدم تصوراً متدرجاً لها.

لم يتوقف هؤلاء الشعراء عند الكلاسيكية طويلاً، ولعل مبرر ذلك أن تجربتهم عدت- في نظر قسم منهم ثورة عليها مثلما هي ثورة على سواها([133])، وقناعة آخرين أن ما تقوم عليه يشكل تضاداً كبيراً مع منطلقات الفكر الثورية التي أرادوا لتجربتهم أن تستوعب مظاهرها([134]). ولعل ما كتبه حسين مردان عنها أبرز الإشارات إليها([135])، إذ تحدث عن بدايات ظهورها، مبرراً ذلك بعوامل عدة، مشيراً إلى  ازدهارها في ظل الإقطاع، ملاحقاً مسار تطورها في المراحل اللاحقة، لينتهي عند القول أنها "المدرسة الوحيدة التي لم يهفت بريقها أبدا على الرغم من مظاهر الذبول التي تلوح في ملامحها القديمة، وذلك لقدرتها على الكمون والنمو في الخفاء بطرق مختلفة، فهي تستسلم للسبات زمناً ثم تعود وقد لبست سوارا جديدا، كما هو الحال في النيكوكلاسيكية- وفي قسماتها التي تعود إلى  ما قبل عصر النهضة"([136]).

ومع قول حسين مردان بازدهار الكلاسيكية في ظل الإقطاع مرة وفي "كنف البرجوازية"([137]) مرة أخرى، يشير إلى  وجهة جديدة لها في العصر الحديث، حين يراها "تحظى إلى  اليوم بدعم كبير من الجماهير البسيطة، ولم تزل أنفاسها القديمة تبدو في آثار هذا الفنان أو ذاك. ولربما عادت إلى  عزها في أجيال قابلة فهي لم تعجز عن التسرب إلى  الواقعية الاشتراكية الحديثة، وقد لا تعجز في المستقبل عن التغلغل في المدارس الفنية الآتية"([138]). ويبدو أن نبوءة الشاعر هذه مستمدة من نظره إلى  واقع الشعر العراقي وسيادة الاتجاه الكلاسيكي فيه. وعلى الرغم من الطابع النظري الذي يكشف إشارات الشاعر تبقى عامة وتشير إلى  جانب من ثقافته الخاصة واتكائه على بعض المصادر التي لم يذكرها في مقالاته، فضلاً عن أنه لم يهتم بتقصي صورة هذا الاتجاه وآفاقه في أدبنا العربي ولم يتوقف عند مظاهره في العصر الحديث.

ويعطي هؤلاء الاتجاه الرومانتيكي قدراً أكبر من اهتمامهم. ولعل وراء ذلك التأمل والاهتمام تأثرهم في مراحل معينة في حياتهم ومسيرتهم الشعرية في بعض مظاهره، وتعرفهم أمثلته وشعراءه، وسعي بعضهم إلى  متابعة هذا الشاعر الرومانسي أو ذاك فيما كتبه من بدايات شعرية أو توقف عنده من قراءات أدبية عامة([139]) وقد حاول بعضهم الإشارة إلى  مرحلتين من الرومانتيكية في الشعر العراقي([140])، الأولى: ما شهدته المرحلة التي تلت الحرب العالمية الثانية من حركة دائبة في الأدب العراقي باتجاه التجديد واستلهام التجارب الشعرية العربية والعالمية التي تتبنى أفق الاتجاه الرومانتيكي وتقدم أمثلته. وفي ذلك يقول الشاعر شاذل طاقة: "إن هناك جيلاً من الأدباء فتح عينيه على انتشار واسع للأدب الرومانتيكي وتتلمذ على بحيرة لامارتين وآلام فرتر وليالي دي موسيه وعبرات المنفلوطي.. وأخيراً علي محمود طه"([141]).

ويبدو أن هذه المرحلة من الانشغال بالرومانتيكية ومثالها لم تدم طويلاً عند هؤلاء الشعراء لانشغالهم بقضايا النضال والثورة واتجاههم إلى  الالتزام والكتابة الواقعية، فغادروها إلى  مراحل أخرى([142]). وحين نظر بعضهم بعد زمن إلى  ما خلفته تلك المرحلة وجد أن عهدها في الشعر العربي كان: "عهد الميوعة حتى الدموع وإطلاق العنان للعواطف والخيال"([143]).

أما المرحلة الثانية التي وضعوها للرومانتيكية فلعلها تبرز في المراحل المتقدمة من شاعرية كل منهم، بعد انشغالهم الطويل بالتعبير عن الالتزام وتمثل الاتجاه الواقعي ومنطلقاته. لا سيما أنهم لا يكادون يتفقون على تسمية خاصة بهذه المرحلة، فيترددون في ذلك بين أكثر من تسمية واحدة وكل منها محاولة توفيقية بين اتجاهين . فإذا كان السياب قد ارتضى لها تسمية (الرومانسية الجديد)([144]) فإن حسين مردان يسميها (الرومانسية الواقعية)([145]). ويسميها بعض الأدباء والدارسين (الرومانتيكية الثورية)([146]) وأياً كانت التسمية فإنهم يتفقون على مفهوم متقارب لها، يقوم على "أن يلتحم (الشعر) بالحياة وكينونة الفرد والأمة، وبهذا المعنى وحده يستحيل الشعر الوجداني الذي كان يحسب من خلجات النفوس الرقيقة واضطراباتها الباطنية المبهمة المعبر عنها بالرموز.. ويزداد كثافة وعمقاً وإحساساً بالمسؤولية والتصاقاً بواقع الأمة وحياتها. وبذلك يلتقي الشعر الواقعي والشعر الوجداني على صعيد واحد ليخد ما قضية الإنسان والفن معاً، حيث تلتحم النظرة النفاذة إلى  الواقع والعاطفة المنفعلة الصادقة التحاماً متعاضداً في وحدة القصيدة وديناميتها"([147]).

ويرى السياب أن المرحلة الجديدة تخلصت من كل عيوب المرحلة الأولى: "فبينما كان الشاعر يعبر عن عواطفه تعبيراً مباشراً مشحوناً بالميوعة والمبالغات في الخيال أصبح الآن لا يعبر عن تلك العواطف إلا عن طريق التعبير عن عواطف سواه من الناس، ينتقيهم من الحياة أو من التأريخ والأسطورة"([148]).

وبعيداً عن مراحل الرومانتيكية وأنماطها كان حسين مردان الوحيد الذي خصها بمقالة منفردة، تحدث فيها عن مسارها وآفاق تأثيرها. ولكنه وقع في فهم مضطرب لها وأصدر عنها أحكاماً متعجلة. ففي الوقت الذي رأى أنها لم تكن نتاج نزعة فردية لم يعلق على دعوى (جوته) في أنه و(شلر) مبدعا هذا المذهب، قاصرا الأمر على التسمية وحدها([149]). كما أنه جعلها محصورة بالأدب وحده([150])، غافلاً عن ذلك الكم الهائل من العطاء الرومانتيكي في مجالات الإبداع الأخرى([151]). ويشخص حسين مردان أسباب انهيارها بقوله "فالهروب من دخان المعامل دفع بالرومانتيكية إلى  الإغراق في الخيال بحيث صارت عبدة للتناقض فساهمت بذلك في تشويه الحقائق الخاصة بالخبرة الإنسانية كما أن رعايتها المفرطة للمضمون قد أضعفت قابليتها على النمو الطبيعي"([152])ومع أن كلاً من هؤلاء الشعراء بدأوا خطواتهم الإبداعية معاودين النظر في أمثلة الشعر الرومانتيكية وشعرائه فقد تعرض هذا الاتجاه لنقد شديد منهم إذ عاد السياب في مرحلة لاحقة إلى  ما ساد ديوانيه (أزهار ذابلة) و(أساطير) من مظاهر هذا الاتجاه ليبررها بعوامل نفسية خاصة به([153])، منطلقاً من الموقف الفكري الذي يتبناه في تلك المرحلة من حياته([154])، معبراً عن رفضه لقيود هذا الاتجاه، وأصبح يرى الرمانسيين الذين يسكنون الأبراج العاجية ليسوا سوى خدّام للمستعمرين بصورة غير مباشرة"([155]).

ويرى البياتي أن الشعر الرومانتيكي "تزييف فج للواقع الذي نعيشه وتعبير مسطح عن الجوانب الهامشية فيه"([156]). ومع أن شاذل طاقة يعدها محاولة للتخلص من أثار التقريرية والمباشرة وتأليف الشعر مثلما يؤلف كلام الصحف ينظر إليها على أنها "انهزام أمام المسؤولية وعشق للقمر وذوبان وتخاذل واستكانة أمام المرأة"([157])، وهي السمات التي لا يرتضيها الشاعر الملتزم الذي يبحث عن آفاق التعبير الإنساني المؤثرة([158]).

وكان الشاعر الحلي وحده الذي نظر بإعجاب إلى  التجربة الشعرية الرومانتيكية لدى بعض الشعراء العرب، فعنده أن "عمر أبو ريشة ومحمود حسن اسماعيل وجورج صيدح وعلي محمود طه لم يعالجوا الشعر من حيث الكيان الخارجي للتعبير الشعوري إلا على أساس البحور التي قيدها الفراهيدي.. ولكن شعور هؤلاء.. ينبض سحراً ويقطر جمالاً ويدق عاطفة بل فناً عميق الغور وإبداعاً يصل إلى  ذروة الخلق التجديدي"([159]). فكأنه يفصح بذلك عن صلة شاعريته في بعض مراحلها بما قدمه هؤلاء الشعراء واهتمامه بشعرهم، الأمر الذي حدا بالسياب إلى  القول عنه أنه "طور رمزية محمود حسن إسماعيل تطويراً جعله يتميز بأسلوب خاص ينفرد به"([160]).

كان لظروف العراق السياسية وطبيعة الواقع الفكري الذي ساد فيه أثر كبير في توجيهات الأدب إلى  التعبير عن هذه الحالة والاستجابة لها، الأمر الذي خلق ظرفاً مناسباً لتقبل الاتجاه الواقعي في الأدب العراقي منذ أوائل العقد الرابع([161]).

وكان الشعر مجالاً خصباً لأن يتجه الشعراء العراقيون فيه إلى  التعبير المباشر عما يتردد في مجتمعهم وعصرهم. ولم يكن ذلك بمقتصر على الشعر الحر وحده، فقد ساوقه شعر الشطرين في ذلك، واستوعبت القصة والرواية والمسرحية جوانب من هذا الاتجاه وقدمت أمثلته، بما هيأ ظرفاً مناسباً لأن ينشط دعاة هذا الاتجاه على صعيد الممارسة النقدية. وكان الشعراء العراقيون من أبرز أولئك الدعاة. ولنا أن نقف عند شاعرين منهما: هما السياب والبياتي. يردد السياب مفهوم الواقعية الذي تبناه الشاعر والناقد الإنكليزي ستيفن سبندر، وهو مفهوم يستمد تصوره لها من خلال التعبير عن الحقيقة وإظهارها فهي التي "تمكن الشاعر أو الفنان من تحليل مجتمعه تحليلاً يحوي أكبر قدر ممكن من الحقائق ولا يهم بعد ذلك من أية وجهة نظر انطلق"([162]).

ويرى أن الاتجاه الواقعي في القصة "أول ما عرفه الأدب العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين"([163]) ولكن هذا الاتجاه "سرعان ما اندحر أمام الاتجاه الرومانتيكي الذي يمكننا القول بأن مصطفى لطفي المنفلوطي كان رائده الأول أو من أوائل رواده"([164]). ويبدو أن السياب توقف عند الأدب القصصي العربي الذي كان يكتب في مصر جاعلاً إياه تحديداً للبعدين الفني والتأريخي في دخول الاتجاه الواقعي إلى  الأدب العربي، من دون أن يقدم تبريراً لذلك. فهو لم يحاول أن يجد صلة بين أسبقية القصة العربية إلى  الاتجاه الواقعي من مجالات الإبداع الأخرى وطبيعة البناء الفني الذي قامت عليه القصة في أمثلتها التي كتبت حينذاك، فضلاً عن أثر القصة الغربية، لا سيما الفرنسية منها في هذا التوجه، حيث كانت فرنسا الموطن الأول للانشغال بالاتجاه الواقعي، وعد تطور القصة فيها على أيدي روائيين كبار فيها من عوامل ازدهار الواقعية وتطورها([165]). ولا يخفى على المتأمل أهمية هذا العامل في ظهور القصة الواقعية في مصر ثم انتقال هذا الاهتمام إلى  البلاد العربية الأخرى، ولا سيما العراق، أما رأي السياب في اندحار الاتجاه الواقعي في القصة العربية أمام الاتجاه الرومانتيكي فليس له ما يؤيده تأريخياً أو فنياً، ففي الوقت الذي كان المنفلوطي وسواه يكتبون القصة الرومانتيكية أو يترجمونها إلى  العربية كان الاتجاه الواقعي يبرز أكثر نضجاً وتطوراً في قصص طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وسواهم وإذا نظرنا إلى  المسألة بمقياس فني فإن الواقع خلاف ما قاله السياب فقد اندحر الاتجاه الرومانتيكي، الذي لم يكن في حقيقته ندا للاتجاه الواقعي، أمام الاتجاه الأخير وما عاد إلا صورة محدودة الملامح في تأريخ الأدب العربي([166]). وإذا نظرنا إلى  واقع القصة والرواية العراقية يتأكد ما قلناه على نحو ناصع. فإذا كانت القصة العراقية قد بدأت واقعية من خلال قصص (محمود أحمد السيد) ومن جاء بعده من كتاب القصة (عبد المجيد لطفي وعبد الملك نوري وذنون أيوب وسواهم)([167])، فإنها ظلت في الغالب أمينة لهذا الاتجاه، في حين أن القصص والروايات التي تبنت الاتجاه الرومانتيكي لا تكاد تبرز حضوراً مهما في مسيرة الأدب القصصي في العراق.

وأولى السياب الشعر العراقي عنايته وهو يحدد للواقعية ملامحها في الأدب العراقي، فقد تغلغلت روح هذا الاتجاه في الشعر واستقام صوتها في معظم الأصوات الشعرية العراقية متساوقاً مع القناعة الفنية لدى كل منهم على صعيد البناء- مما أدى إلى  المحافظة على القيم الموروثة. وتلك حقيقة تنبه السياب عليها حين نظر في مفهوم الواقعية مقترحاً لها تسمية (الاتجاه) بدلاً من (المدرسة)، حين أسمع شخصاً يتحدث عن المدرسة الواقعية في العراق أود لو أنه استعاض عن ذلك التعبير بسواه: الاتجاه الواقعي. إن الواقعية اتجاه يمكن أن يندرج تحت لوائه شعراء من شتى المدارس الشعرية"([168]). وعلى هذا الأساس يرى أن الكتابة عن المدرسة الواقعية في الشعر العراقي "ليست يسيرة. أن معناها الكتابة عن الشعر العراقي كله بكل مدارسه المختلفة"([169]) إذ أن كل الشعراء الذين يستحقون أن نسميهم شعراء هم واقعيون من الشاعر الفحل الشيخ محمد رضا الشبيبي إلى  أستاذنا الأكبر محمد مهدي الجواهري، إلى  خالد الشواف بديباجته الشوقية.. إلى  كاظم جواد.. إلى  علي الحلي"([170]). وكان على السياب ألا ينسى الرصافي والزهاوي   في إشارته. ولعل كونهما قد توفيا سبباً في إهماله الإشارة إليهما.

ويشير السياب إلى  أهمية الاتجاه الواقعي بما يمنحه للشعر من مكانة مؤثرة في مجتمعه، ويعده طريقاً مهماً لنشر الأدب بين الجماهير([171])، غير أنه يطالب الشاعر ألا ينساق وراء سهولة التعبير ومباشرته من خلال هذا الأسلوب، بل عليه أن يستحضر وعي المبدع وروحه: "إن خير ما يروج به الأدباء الواقعيون للاتجاه الواقعي هو أن يجوّدوا في أدبهم ويبلغوا به أعلى ما يستطيعون من درجات الإبداع"([172]). ولأجل هذا الحرص عاب السياب على البياتي بعض قصائده التي رآها تقدم صورة مشوهة للاتجاه الواقعي([173]).

ويرى البياتي أن أكثر أدباء العراق "يجهلون أو ليس لهم إلمام عميق بمفهوم الواقعية بمختلف اتجاهاتها، فالواضح أن ما استطاع تحقيقه الأدباء المذكورون هو الأخذ بجانب واحد دون غيره، ألا وهو التصوير الآلي لظواهر الحياة الاجتماعية مع غض النظر عما يكتنف هذه الظواهر من أسباب ودوافع"([174]). وكان شعر السياب هدفاً لمطاعن البياتي فيما ساد الشعر العربي من محاولات التعبير الواقعي، إذ عاب عليه بعض ما ورد في شعره من دعاوى الواقعية، مخاطباً إياه بقوله: "إن الواقعية يا سيدي ليست (ترلللا) وإنما هي في البساطة والعفوية والأمل في مستقبل الإنسان"([175]).

وحاولت نازك أن تجد للمذاهب الأدبية تأثيراتها في الجانب الموسيقي من الشعر، فسعت إلى  تلمس هذه المؤثرات وطبيعتها بين الشعر الحر وشعر الشطرين لتصل إلى  القول: إن أوزان الشعر الحر تتيح للشاعر المعاصر أن يهرب من الأجواء الرومانتيكية إلى  جو الحقيقة الواقعية التي تتخذ العمل والجد غايتها العليا. "وقد تلفت الشاعر إلى  أسلوب الشطرين فوجده يتعارض مع هذه الرغبة عنده، لأنه من جهة مقيد بطول محدود للشطر وبقافية موحدة لا يصح الخروج عنها، ولأنه من جهة أخرى حافل بالغنائية والتزويق والجمالية العالية"([176]).

ويحمل هذا الرأي كثيراً من التناقض، لا سيما حين يأتي من نازك الملائكة التي كانت تؤكد عشقها لأوزان الشعر العربي، إذ أن أوزان الشعر الحر وهو ما لم يخف على نازك- هي نفسها أوزان شعر الشطرين. وكان الحري بالشاعرة أن تتوخى الدقة فتشير إلى  طبيعة البناء الموسيقي للشعر الحرفي خصوصية التعامل مع الوزن الشعري بالصيغة التي لا توحي أنها تتحدث عن أوزان للشعر الحر هي غير أوزان شعر الشطرين كما يلوح من حديثها. وكان عليها أن تفعل هذا في إشارتها إلى  ما تلمسته من صلة بين الأسلوب الشعري والاتجاه الفكري والفني الذي يتبنى قيمه وأفكاره، إذ لا تتضح العلاقة بينهما بالصيغة التي أشارت الشاعرة إليها، فليس شعر الشطرين وحده الذي يمكن أن تغمره الأجواء الرومانتيكية ولا يمكن للشعر الحر أن يتمثل الاتجاه الواقعي ويكون صيغة التعبير الفنية الوحيدة عنه فهما أسلوبان شعريان، يمكن لكل منهما أن يبرز المضمون والرؤية والتجربة التي يريدها الشاعر سواء أكانت واقعية أم غيرها. وتداخلت عوامل متعددة في أن يتحول الحديث عن الواقعية إلى  اتجاه جديد فيها هو (الواقعية الاشتراكية) التي عرفت بكونها رسم صورة للواقع لا تقوم على ما فيه حسب بل كما ينبغي أن يكون([177])، فكون الأديب واقعياً "لا يعني على الإطلاق نقل صورة الواقع بل محاكاة نشاطه. وهو ليس تقديم نسخة من خلال ورق شفاف أو طبع صورة منه، بل المشاركة في البناء الخلاق لعالم لا يزال في طور التكوين"([178]).

وقد تلقف الأدباء العراقيون هذا الاتجاه بأسماء مختلفة، فهو (الواقعية الاشتراكية) تارة، وهو (الواقعية الحديثة) تارة أخرى، من دون محاولة تمييز الحدود الفاصلة بينهما([179])، بما خلق اضطراباً في إشارات الأدباء إليهما وفي استخدامهما.

ولم تخرج إشارات الشعراء إلى  هذا الاتجاه عن تصور عام يتوقف عند الرغبة في تبني الأفق الفكري الذي استوعب هذا الاتجاه صورته ومحاولة البحث عن خطوطه وملامحه في الأدب العراقي. لا سيما حين ربط بعضهم بين هذا الاتجاه والمجتمع الذي يظهر فيه، مثلما فعل البياتي الذي قال إن مثل هذا الاتجاه لا يتضح إلا في مجتمع اشتراكي([180]). وكان هذا يعني طبقاً لرؤيته- استحالة وجوده في الأدب العراقي، وهي فكرة يفندها الاهتمام الذي أولاه المبدعون لهذا الاتجاه وسيل الدراسات والقصائد والقصص الذي تبنت رؤيته.

وأولى الشعراء العراقيون الاتجاه الرمزي عنايتهم. وكان لكل منهم منطلقاته الخاصة في هذا التوجه.

كانت نازك تعد الرمزية ثمرة طبيعية للغموض الذي يغلف النفس الإنسانية بألف ستر، مما يؤدي بها إلى  التعبير الغامض الملتوي، ترفده الذكريات المطمورة التي حفظها العقل الباطن، وما عاد العقل الواعي يتذكرها([181]).

ولكنها حين تنظر من زاوية صلة الشعر بالمتلقي تجد أن الشعر الرمزي لا يلقى الاستجابة المناسبة بسبب أن هذا الاتجاه يحمّل اللغة أثقالاً من الرموز والأحلام الباطنية والخلجات الغامضة واتجاهات اللاشعور([182]).

ويؤكد السياب منذ مرحلة مبكرة أنه ليس بشاعر رمزي. أما ما توحي به بعض قصائد ديوانه الثاني (أساطير) من إشارات ورموز غامضة، فهي حالة يعنيها، رغبة منه في ألا يعرف الناس ما يقصده فيها من أفكار وتعبيرات خاصة به([183]).

وكانت الرمزية من المدارس التي اهتم حسين مردان بالكتابة عنها([184]). ناظراً إليها على أنها المرحلة الأخيرة المتطرفة من الرومانسية([185])، ذاكراً أبرز شعرائهافي الغرب، ولا يشير إلى  أي من الشعراء العرب الذين عدوا من أنصار هذا المذهب في شعرنا العربي، مثل اليأس أبي شبكة، وسعيد عقل وسواهما من الرمزيين. ويرى أن الرمزية، بتوجيه عنايتها إلى  الألفاظ وهجرها المعاني "ابتعدت عن الحياة وحبست نفسها داخل غرفة مقفلة هي ذات الشاعر"([186]).

اهتم شعراء التجربة الشعرية الجديدة بما يغني القصيدة ويوسع من مداها التعبيري، ويضفي على بنائها طاقة تعبيرية مؤثرة. وكان لهم في هذا الجانب تأمل نقدي مهم لاستعمال الأسطورة والرمز في القصيدة الجديدة وطبيعة الأفق التعبيري الذي يقوم عليه، بما عدّه الشعراء والنقاد "إحدى الإنجازات المهمة في القصيدة العراقية الحديثة"([187]).

وللوقوف على طبيعية الرؤية التي تنبه عليها هؤلاء الشعراء عن الرمز وفاعلية وجوده في القصيدة ينبغي القول أن بعضاً من استعماله هو مما عرفه عدد من الشعراء مثل الزهاوي الذي رمز بـ (ليلى) لبلاده([188])، والشرقي الذي جعل (البلبل) رمزاً يناجيه، ويبث له همومه وأفكاره([189])، ولكن هذا الفهم للرمز يقوم على نظرة مباشرة ترى أن الرمز عدول عن التعبير الصريح إلى  سواه، ليمسي الرمز تلميحاً بالأمر الذي نظم الشاعر قصيدته من أجله. ومن ذلك قول البصير في قصيدته (الليل والصبح)([190]):

فوق عرش الأفق تاجا فانعقد

 

رب ليل كلكل النجم لـه

فحسبت الشهب إذ تطفو زبد

 

ماجت الظلماء أمواجاً به

فأقامت دونه الأنوار سد

 

رام أن يغرق فيها بدره

وأقر الحكم فيها فاستبد

 

تخذ الجو لـه عاصمة

وشعاع الشمس يتلوه مدد

 

فغزاه الصبح في جيش السنا

للدجى كان لها النجم زرد

 

فصم الفجر عرى سلسلة

شمله مثلهم صار بدد

 

مثل جور الترك قد كان لذا

حملة الظلماء شعب يضطهد

 

فكأن الأفق إذ تقهره

عربي مد للعلياء يد

 

وكأن الفجر إذ حرره

وقد رأى الوائلي أن في القصيدة رمزاً "استغله البصير في الناحية السياسية كما استغله غيره من الشعراء المعاصرين. فالليل والنجوم والظلماء والصبح والفجر كلها رموز ذات دلالات سياسية"([191]).

ويبدو الرمز في القصيدة وتعليق الوائلي عليها متجهاً إلى  ناحية التعبير الذي قام فيه مضمون غير مباشر بنقل فكرة الشاعر التي قصدها. وإذا كانت هذه وجهة محددة قام عليها فهم الرمز وطرائق استخدامه فقد أفصحت التجربة الشعرية الجديدة عن مفهوم ورؤية تضع للرمز خصائص تعبير وسمات فعل مستوحات من اسم الرمز وما يكتنفه وجوده المعين- سواء أكان مصدره أسطورياً أو تأريخياً أو من نسج الخيال الشعبي.

ويبدو أن الغاية التي استخدم فيها الرمز أول الأمر هي ذاتها التي ذكرها الوائلي. وفي ذلك يقول السياب: "ساعدت الظروف السياسية التي كانت البلدان العربية تمر بها حيث الإرهاب الفكري وانعدام الحرية- إلى  اللجوء إلى  الرمز، يعبرون بواسطته عن تذمرهم من أوضاع بلادهم السياسية والاجتماعية على السواء، وعن أملهم في انبعاث ينتشلها من موتها"([192]).

ويؤكد السياب أن استعمال الرمز في هذا الاتجاه تجربة عراقية خاصة: "نشأ الرمز أول ما نشأ في العراق. وكان السبب سياسياً محضاً. ولقد كنا نحاول في زمن نوري السعيد (في زمن العهد الملكي المباد) أن نهاجم هذا النظام. ولكننا كنا نخشى أن نهاجمه صراحة. فكنا نلجأ إلى  الرمز تعبيراً عن ثورتنا عليه"([193]). ولعل تلك مرحلة أولى في استعمال الرمز، تلتها مراحل نقلته إلى  مجالات تعبير أكثر عمقاً وأوسع دلالة، وهو ما توقف السياب عنده حين حدد لاستخدام الرمز والأسطورة آفاق تعبير مهمة في التجربة الشعرية الحديثة([194]).

وتتردد القناعة باستخدام الرمز لدواع سياسية عند علي الحلي الذي يقول: "لا يمكن توهج الرمز الموحي في الشعر إلا عبر ظروف استثنائية أو مراحل خانقة من مسيرة التأريخ البشري لها مسبباتها وأنماطها. ففي عهود الطغيان و(الدكتاتورية) تنشط الحركة الرمزية في الشعر بصورة مكثفة، ويتزايد عدد الشعراء الرمزيين، كما حصل في فرنسا قبل ثورتها العارمة عام 1789، أو في العراق خلال العهد الملكي"([195]). وعنده أن هذا الاستعمال للرمز الموحي مع سبق الفهم الذاتي "هروب مدرك يمارسه الفنان من سطوة الغضب السلطوي الذي يثيره الحرف المكشوف والكلمة الواضحة. وهو على أية حال يمتلك شرعية الصدق الفني والحياتي لوجوده ضمن شروط الواقع الذي تفرضه تلك المرحلة"([196]).

ترى نازك أن الرمز "تلميح" إلى  الأشياء.. وهو يمنح القصيدة أعماقاً تستثير الفكر وتفسح آماد الخيال"([197]). ولا تشير نازك إلى  طبيعة الرموز الشعرية ومصادرها. ولكنها تميّز بين استعمال الرمز في القصيدة على نحو لا يقدم المضمون إلا من خلال إيحاءات خاصة والاتجاه الرمزي الذي يعنى شعراؤه بتصوير الجهات المبهمة من النفس، والغوص وراء الأحلام وعوالم ما خلف الوعي، مما يلتمسه دعاة الرمزية التماساً من خلال الاهتمام بموضوعات التحليل النفسي([198]).

وتحول الرمز في مفهوم الشاعر عبد الوهاب البياتي له إلى  (قناع) "يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجرداً من ذاتيته، أي أن الشاعر يعمد إلى  خلق وجود مستقل عن ذاته"([199]). ويحدد البياتي ملامح الرموز والشخصيات التي تصلح قناعاً والتي وجدها في التأريخ والأساطير، فيشترط لهذه الشخصيات سمات دالة، إذ ينبغي للشاعر أن يبحث عن الشخصية التي يجد فيها ما يجعلها مهيأة لاستيعاب المضمون الذي يريده، على أن تراعى في ذلك أيضاً الحداثة والسمة المتجددة التي تحملها الشخصية التأريخية والأسطورية، فبعض الشخصيات لا تصلح موضوعاً معاصراً على الإطلاق وذلك لانعدام السمة الدالة فيها"([200]).

وقد حقق الشاعر عبد الوهاب البياتي فيما كتبه عن القناع سبقاً تأريخياً "إذ كان أول من أشار إلى  هذا الأسلوب إشارة دقيقة وتحليلية لطبيعته، كانت مهمة لكي يأخذ القناع مكانته بوصفه مصطلحاً نقدياً وأسلوباً أدبياً له خصائصه"([201])،



([1]) ينظر: السياب، أزهار ذابلة، المقدمة بقلم رفائيل بطي، ص3.

ويسأل يوسف عز الدين عن هذا الأمر بقوله: " فهل كانت صدفة أن يقدم رفائيل بطي لبدر شاكر السياب ديوانه أم أن السياب عرف بالحركة الشعرية التي قامت زمن رفائيل، وقرأ الشعر الذي نشره رفائيل؟ "في الأدب العربي الحديث، ص249.

([2]) تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص12. ولعل من يبحث في المستوى الثقافي الذي تهيأ للشاعرة، لكونها من أسرة مثقفة تهتم بالأدب وتقرض الشعر، يتوصل إلى ما يخالف ادعاء الشاعرة بعدم اطلاعها على ما كانت تنشره الصحف والمجلات العراقية من قصائد تبنت محاولات التجديد أو سماعها بها.

([3]) السياب، جريدة صوت الجماهير، ص3.

([4]) ينظر: السياب، أساطير، ص5.

([5]) يقول البياتي: "لقد بدأت حركة تطوير الشكل في شعرنا المعاصر أول ما بدأت على أيدي شعراء المهجر في الأمريكتين وتأثرت بها مدرسة (أبولو) في مصر، وأخذت شكلاً جدياً أكثر على يد الشاعر المصري المرحوم (خليل شيبوب) وقد أعقبت محاولات خليل شيبوب محاولات أخرى، منها محاولة للأستاذ أحمد باكثير في ترجمته الشعرية لروميو وجوليت. وبجانب هذه المحاولات تقف أيضاً محاولات شعراء لبنان، وخاصة في الفترة الواقعة بين 1940-1945" (الولي، ص38).

([6]) يقول: "إن هذا الضرب ليس مبتكراً، فإن جذوره ممتدة في الشعر الأندلسي. وكان شعراء الأندلس موحين به إلى شعراء المهجر". طاقة، المجموعة الشعرية الكاملة، ص23. وينظر: في جنة عبقر، مجلة الثقافة، العدد 704، ص11.

([7]) ينظر: إحسان عباس، عبد الوهاب البياتي والشعر الحديث، ص8. ولؤلؤة، البحث عن معنى، ص33. ونهاد التكرلي، البياتي، رائد الشعر الحر وعبد الجبار داود البصري، السياب رائد الشعر الحديث.

([8]) ينظر: غالي شكري، شعرنا الحديث إلى أين، ص32. وحسن توفيق، ص273.

([9]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص23.

([10]) المصدر نفسه.

([11]) تقول: "نشرت هذه القصيدة في بيروت ووصلت نسخها- تقصد مجلة العروبة التي نشرت القصيدة فيها في العدد الصادر أول كانون الأول 1947- بغداد في أول كانون الأول 1947، وفي النصف الثاني من الشهر نفسه صدر في بغداد ديوان بدر شاكر السياب (أزهار ذابلة) وفيه قصيدة حرة الوزن له من بحر "الرمل". ويلاحظ أن الشاعرة جعلت يوم صدور العدد في بيروت اليوم ذاته الذي وصلت فيه بغداد. ولانظن أن أي مطبوع يصدر في قطر عربي يمكن له أن يصل إلى قطر عربي آخر في اليوم نفسه، آخذين بالنظر طبيعة النقل ووسائل الاتصال بين الأقطار العربية. وإذا كانت المجلة شهرية فإن طبع الديوان في القاهرة ووصوله إلى بغداد مسألة قد تأخذ أشهراً.

([12]) تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص25.

([13]) ينظر المصدر نفسه.

([14]) ينظر: المصدر نفسه. وتحاول نازك أن تعطي لديوانها هذا أهمية استثنائية فتقول: إن السنتين التاليتين لنشرها والسياب قصيدتهما لم تشهدا اهتماماً بالشعر الحر ولم تنشر الصحف أية قصيدة منه، حتى صيف عام 1949 حيث صدر هذا الديوان. ويفند السياب هذا الرأي بقوله: "نشرت أنا في تلك الفترة مالا يقل عن خمس قصائد من الشعر الحر في الصحف البغدادية والنجفية. كما نشر بلند الحيدري قصيدة أو أكثر في مجلة الأديب". الآداب مناقشات العدد السادس، حزيران 1954، ص69.

([15]) السياب، أساطير، ص5.

([16]) يشير السياب إلى ما نشره محمد مندور عن الشعر المهموس في مجلة الرسالة عام 1943، وما دار حوله من نقاش على صفحات المجلة نفسها.

([17]) نشرت في مجلة الرسالة، العدد 545، القاهرة 13 ديسمبر 1943، ص998.

([18]) السياب، أساطير، ص5.

([19]) المصدر نفسه.

([20]) المصدر نفسه.

([21]) السياب، مناقشات، الآداب، ص69.

([22]) جعل السياب سنة 1946 تأريخاً لكتابته هذه القصيدة. ينظر: السياب، الشعر والشعراء في العراق الحديث، جريدة الأيام، بغداد، 25 تشرين الثاني 1962، ص3. وأعيد نشره تحت عنوان (الشعر العراقي الحديث منذ بداية القرن العشرين) مجلة الثقافة، دمشق، العدد السادس، تشرين الثاني 1962، ص10 وما بعدها.

([23]) ينظر: السياب، مناقشات، الآداب، ص69. وقد أطلق الشاعر كاظم جواد الوصف نفسه على قصيدة السياب، فقال مخاطباً السياب: "وإذا كانت قصيدة (الكوليرا) ليست من الشعر الحر فكذلك قصيدتك (هل كان حباً) ليست من الشعر الحر، إنها أقرب إلى  الموشح منها إلى  ذلك اللون من الشعر.. فليس في القصيدة سوى اختلاف عدد التفاعيل في بعض أبياتها عن مثيلاتها في أبيات أخرى. وليس هناك.. أي تحرر من القافية" الآداب، مناقشات، العدد 7، تموز 1954، ص57.

([24]) المصدر نفسه.

([25]) الولي، ص38.

([26]) يقول عن السياب: "كان أبرز شاعر مواكب لحركة التجديد في الشعر " (مجلة شعر 1969، العدد 4، ص94). ويقول عن نازك: "إن نازك من حيث الشكل- تسبقنا جميعاً، وكانت لها محاولات أبكر من محاولاتنا" مجلة شعر، بيروت، العدد 37، ص66.

([27]) الولي، ص37-38.

([28]) ينظر: الولي، ص12. حيث يقول السياب: "الجوهر الجديد هو الذي يبحث له عن شكل جديد ويحطم الإطار القديم كما تحطم البذرة النامية قشورها.

([29]) البياتي، مجلة شعر، العدد 37، ص63.

([30]) المصدر نفسه.

([31]) البياتي، مجلة شعر، ص65

([32]) تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص25

([33]) وليم الخازن ونبيه البان، كتب وأدباء، بيروت 1970، حديث مع بلند الحيدري، ص85.

([34]) يوسف الصائغ، مقابلة مع بلند الحيدري، مجلة الأديب المعاصر، العدد 5، بغداد 1973، ص101

([35]) المصدر نفسه ص102.

([36]) ينظر: طاقة، المجموعة الشعرية الكاملة، ص22.

([37]) ويكون شاذل في هذا قد سبق محمد النويهي الذي أطلق التسمية ذاتها على الشعر الحرفي كتابه (قضية الشعر الجديد) الصادر عام 1964.

([38]) طاقة، المجموعة الشعرية الكلمة، ص25

([39]) تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصرة، ص25.

([40]) يقول البياتي عن شاذل: "كان نشطا وبدأ معنا. وكان مساهماً في حركة التجديد "مجلة شعر 1969، العدد 4، ص94.

([41]) الخياط، الشعر العراقي الحديث، مرحلة وتطور، ص136.

([42]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص154.

([43]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص154

([44]) المصدر نفسه.

([45]) ينظر: المصدر نفسه، ص155.

([46]) المصدر نفسه.

([47]) السياب، مناقشاته، مجلة الآداب، ص69.

([48]) الملائكة، الديوان، 2: 28.

([49]) ينظر: السياب، أساطير، ص5.

([50]) ينظر: طاقة، في جنة عبقر، ص11.

([51]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص155.

([52]) الملائكة، رسالة إلى  الشاعر العربي الناشئ، ص42.

([53]) السياب، الآداب، حزيران، 1954، ص69.

([54]) تنظر: الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص43.

([55]) السياب، الآداب، حزيران 1954-ص69.

([56]) السياب، الالتزام واللاالتزام،ص248.

([57]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص155.

([58]) البياتي، مجلة الأديب، آذار 1954.

([59]) السياب، مجلة السينما، العدد 42- 19 تموز 1956، ص

([60]) الولي، حديث السياب، ص10.

([61]) المصدر نفسه.

([62]) المصدر نفسه ص34.

([63]) المصدر نفسه.

([64]) العكش، حديث البياتي، ص223.

([65]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصرة، ص42.

([66]) المصدر نفسه.

([67]) المصدر نفسه

([68]) ينظر: المصدر نفسه، ص261 وما بعدها.

([69]) المصدر نفسه.

([70]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص42.

([71]) المصدر نفسه

([72]) ينظر: المصدر نفسه، ص43-50.

([73]) ينظر: المصدر نفسه، ص43.

([74]) السياب، مجلة الآداب، العدد السادس، حزيران 1954، ص69.

([75]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص44.

([76]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص47.

([77]) ينظر: المصدر نفسه، وكذلك د. عبد الرضا علي، ص46.

([78]) المصدر نفسه.

([79]) الولي، ص12

([80]) بلند الحيدري، خواطر في الشعر العراقي الحديث، ص48.

([81]) الحلي، مجلة الآداب، العدد 4، نيسان 1954، ص

([82]) شلش، جريدة العمل المغربية، ص17.

([83]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص56

([84]) المصدر نفسه، ص202، وتنظر: ص263.

([85]) الولي، آراء في الشعر والقصة، ص34.

([86]) البياتي، مجلة شعر، ص63

([87]) ينظر: الولي، حديث السياب، ص12.

([88]) المصدر السابق، حديث البياتي، ص38.

([89]) مردان، الشعر العربي في خطر، جريدة الأخبار، بغداد 1 حزيران 1956.

([90]) المصدر نفسه.

([91]) المصدر نفسه.

([92]) شلش، مجلة ألف باء، العدد 535، ص49.

([93]) عبد الجبار عباس، مرايا جديدة، بغداد 1981- ص197.

([94]) المصدر نفسه.

([95]) تنظر: مجلة شعر 1969، العدد الأول، السنة الأولى، بغداد، مايس 1969، ص3-16.

([96]) هم: سامي وفاضل العزاوي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم.

([97]) سامي مهدي، جيل جديد من الشعراء، مجلة شعر 1969 العدد الأول، ص104.

([98]) نسب بعض الأدباء البيان الشعري إلى  الشاعر فاضل العزاوي وعدوه صياغة لأفكاره ورؤيته (ينظر: طرد الكبيسي، شجر الغابة الحجري، ص435. ومحمد جميل شلش، تأملات في البيان الشعري، جريدة الثورة، 25 حزيران 1969). وقد حدثني الشاعر سامي مهدي عن ظروف كتابة البيان وإعلانه. فحين تقرر إصدار مجلة شعر 1969 واختير سامي مهدي رئيساً لتحريرها كان الشاعران خالد علي مصطفى وفاضل العزاوي ضمن هيئة تحريرها. وصار الاتفاق أن يكتب فاضل العزاوي افتتاحية للعدد الأول، تبشر بالمجلة واتجاهها الأدبي. وبعد إطلاع بقية الشعراء على ما كتبه العزاوي، ارتأوا إضافة أفكار جديدة وتعديل أخرى، وبعد إعادة صياغة ذلك كله اقترح أحدهم تسمية هذه المقدمة (البيان الشعري) وأن يوقع عليه الشعراء الثلاثة. وكانت الصدفة عاملاً في وجود الشاعر فوزي كريم قريباً منهم فدعوه إلى التوقيع عليه معهم، ليظهر البيان بعد ذلك حاملاً تواقيع الشعراء الأربعة. (من حديث شخصي مع الشاعر سامي مهدي، في 24 نيسان 1990).

([99]) البيان الشعري، ص3.

([100]) البيان الشعري، ص4.

([101]) المصدر نفسه، ص5.

([102]) المصدر نفسه.

([103]) المصدر نفسه، ص6

([104]) المصدر نفسه.

([105]) المصدر نفسه، ص7.

([106]) المصدر نفسه، ص14.

([107]) المصدر نفسه.

([108]) البيان الشعري ص14.

([109]) المصدر نفسه، ص15. وسعى شعراء البيان إلى  إيجاد مبررات لمحاولات التجديد في لغة الشعر ونظامه الموسيقي من خلال الوقوف عند خصوصية البناء اللغوي والصوتي للجملة القرآنية فرأوا أن عظمة القرآن الكريم فضلاً عن كشوفاته الروحية "تكمن في لغته وأشكاله التي افلحت في أن تكون لغة العصر والمستقبل أيضاً" (البيان الشعري، ص15) ولعل اتخاذهم من القرآن الكريم مثالاً للتذكير بإمكانات التعبير الفني التي تضاف إلى  ما لدينا من شعر محاولة لتقديم مبرر يحمل جانباً روحياً وتقديساً خاصاً لا يمكن الاختلاف عليه، لينفذوا من ذلك إلى  تبرير دعاوى التجديد في الشعر، لا سيما قصيدة النثر.

([110]) ينظر: مردان، الأزهار تورق داخل الصاعقة، ص163-184. ويبدو أن ما كتبه لم يكن نقداً للبيان وحده بل محاولة لكتابة بيان مضاد، لا سيما حين نجده قد أسهب في الحديث عن أفكار ومواقف لم ترد في البيان.

([111]) شلش، تأملات في البيان الشعري، جريدة الثورة، بغداد 25 حزيران 1969.

([112]) ينظر: المصدر نفسه.

([113]) ينظر: علي جواد الطاهر، الخلاصة في مذاهب الأدب الغربي، ص81.

([114]) صدر هذا البيان عام 1921 بعنوان (صفعة في وجه الذوق العام) وكان الموقعون عليه أربعة شعراء، بينهم ما يكوفسكي. وتقوم أفكار المستقبليين على عدم القناعة بالمثل الأدبية السائدة، والدعوة إلى  التحرر منها، متذرعين بأن الفن شكل من أشكال الحياة الأكثر دفقاً وحيوية، وقد نادوا بضرورة إيجاد شعر يهتم بالحياة الواقعية المعاصرة، ينظر: بورا، التجربة الخلاقة، ص111 وما بعدها.

([115]) البيان الشعري، ص3

([116]) الملائكة، الديوان، 1:5.

([117]) البيان الشعري، ص5.

([118]) تنظر: ص91 من هذا البحث.

([119]) البيان الشعري، ص5

([120]) البياتي، الديوان، 2: 79.

([121]) البيان الشعري، ص3.

([122]) المصدر نفسه، ص7

([123]) المصدر نفسه، ص12

([124]) المصدر نفسه، ص14.

([125]) سامي مهدي، شعر 69، العدد الأول، ص104.

([126]) لا يعني تداول مسميات هذه الاتجاهات والمدارس وأفكارها تأسس وجود محدد لها في آفاق النقد الأدبي العراقي، مثلما لا يمكن تقسيم الأدب والنقد ولا سيما الشعر ونقده على وفقها، غير أن ذلك لم يمنع وجودها بحدود اهتمام الشاعر العراقي بها وانشغاله بآرائها، من دون أن يكون ذلك منطلقاً باتجاه التبني الكلي لهذا المذهب أو ذاك.

([127]) ينظر: السياب، الالتزام واللاالتزام، ص251.

وتقول نازك: "إن الشعر وليد أحداث الحياة وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب أحداثها، ولا نماذج معينة للألوان التي تتلون بها أشياؤها وأحاسيسها ولا تناقض في هذا الرأي وما يقسم إليه النقاد الشعر من مدارس ومذاهب، حين يقولون: "كلاسيكي، رومانتيكي، واقعي، رمزي، سريالي.. "فهذه كلها ليست قواعد، وإنما هي أحكام" "الديوان، 2: 7.

([128]) البياتي، مجلة شعر، شتاء 1968- ص65.

([129]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص299.

([130]) مردان ، جريدة البلاد، بغداد، 31 آب1961.

([131]) حسين مردان، الازهار تورق داخل الصاعقة، ص161. ويقول أيضاً:"أصبحت المرحلة الأخيرة المتطرفة من الرومانتيكية نقطة الانطلاق للمدرسة الرمزية. ويدل ذلك على امتزاج وتداخل المذاهب الفنية والأدبية مع بعضها". الطاهر، من يفرك الصدأ،ص131.

([132]) السياب، صوت الجماهير، ص3.

([133]) ينظر: السياب، الآداب، مناقشات، حزيران 1954- ص69.

([134]) ينظر: البياتي، مجلة شعر، العدد 37- ص63.

([135]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص120.

([136]) مردان، الازهار تورق داخل الصاعقة، ص161.

([137]) الطاهر، من يفرك الصدأ، ص121.

([138]) المصدر نفسه، ص122

([139]) يمكن تلمس ذلك في البدايات الشعرية لجيل الرواد وما توقفت عنده قصائدهم الأولى من موضوعات، فضلاً عن التأثر على نحو وآخر بهذا الشاعر الرومانسي أو ذاك.

([140]) ينظر: مؤيد العبد الواحد، مقدمة السياب، ص ب

([141]) طاقة، نحو التزام عربي في الأدب، ص54.

([142]) ينظر: مؤيد العبد الواحد، المقدمة للسياب، ص ب

([143]) المصدر نفسه.

([144]) المصدر نفسه.

([145]) ينظر: الطاهر، من يفرك الصدأ، ص122.

([146]) ينظر: طراد الكبيسي، شجر الغابة الحجري، ص82.

([147]) طراد الكبيسي، شجر الغابة الحجري، ص82.

([148]) مؤيد العبد الواحد، ص ب.

([149]) ينظر: الطاهر، من يفرك الصدأ، ص123.

([150]) المصدر نفسه.

([151]) ينظر: المصدر نفسه ص125. حيث أشار الطاهر في الهامش إلى  أن الرومانتيكية لم تقتصر على الأدب وحده.

([152]) المصدر نفسه، ص124.

([153]) ينظر: ماجد السامرائي، رسائل السياب، ص40.

([154]) ينظر: العبطة، ص83.

([155]) حسن توفيق، ص129.

([156]) محمد مبارك، ص121.

([157]) طاقة، نحو التزام عربي في الأدب، مجلة الأقلام، ص54

([158]) ينظر: البياتي، مجلة شعر، العدد 37، ص63.

([159]) الحلي، مجلة الآداب، العدد الرابع، نيسان 1954- ص67.

([160]) الولي، حديث السياب، ص16.

([161]) ينظر: مطلوب، النقد الأدبي الحديث في العراق، ص355، وعباس توفيق، ص562 وطراد الكبيسي، شجر الغابة الحجري، ص83.

([162]) السياب، الالتزام واللاالتزام، ص251.

([163]) السياب، المصدر نفسه، ص252.

([164]) المصدر نفسه.

([165]) فضل، ص21

([166]) ينظر: عبد المحسن طه بدر، تطور الرواية العربية الحديثة، القاهرة 1976، ص190 وما بعدها.

([167]) ينظر: محمود أحمد السيد، المجموعة الكاملة، المقدمة بقلم علي جواد الطاهر، ص16.

([168]) الولي، ص15-16.

([169]) المصدر نفسه.

([170]) المصدر نفسه.

([171]) ينظر: السياب، وسائل تعريف العرب بنتاجهم الأدب الحديث، الآداب5، العدد العاشر، تشرين أول 1956، ص100.

([172]) الولي، حديث البياتي، ص18.

([173]) ينظر: المصدر نفسه.

([174]) الولي، حديث البياتي، ص32

([175]) المصدر نفسه، ص37.

([176]) الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص43.

([177]) ينظر: فضل، ص28. ومحمود الربيعي، ص49.

([178]) غارودي، واقعية بلا ضفاف، ترجمة حليم طوسون، القاهرة 1968-ص226.

([179]) ينظر: مطلوب، النقد الأدب، ص349. وعبد الإله أحمد، الأدب القصصي في العراق، ص34 وما بعدها.

([180]) البياتي، مجلة المثقف، العدد 2، تشرين الثاني 1958، ص117.

([181]) تنظر: الملائكة، شظايا ورماد، المقدمة، ص15

([182]) ينظر: المصدر نفسه. وكذلك د. عبد الرضا علي، ص170 حيث درس مفهوم الرمز وطبيعته عند الشاعرة.

([183]) ينظر: السياب، أساطير، ص6.

([184]) من اللافت للنظر أن حسين مردان أهمل الكتابة عن الواقعية فيما كتبه عن المدارس الأدبية.

([185]) ينظر: الطاهر، من يفرك الصدأ، ص131.

([186]) المصدر نفسه.

([187]) اطيمش، ص121.

([188]) ينظر: الزهاوي، الديوان، 1: 21-26-394-396-549.

([189]) ينظر: علوان، ص432 وما بعدها.

([190]) ينظر: البصير، البركان، ص19.

([191]) الوائلي، شعر البصير السياسي قبل الثورة، مجلة الرابطة، العدد 1، النجف 1975، ص57.

([192]) السياب، الالتزام واللاالتزام، ص250.

([193]) السياب، حوار، مجلة ألف باء، العدد 431، كانون الأول 1976، ص35.

([194]) فضلاً عن الدافع السياسي يشير السياب إلى  الدافع الروحي: "فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، أعني أن القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح. وراحت الأشياء التي كان بوسع الشاعر أن يقولها، أن يحولها إلى  جزء من نفسه، تتحطم واحداً فواحداً، وتنسحب إلى  هامش الحياة. إذن فالتعبير المباشر عن اللا شعر لن يكون شعراً. فماذا يفعل الشاعر إذن؟ عاد إلى  الأساطير، إلى  الخرافات التي ما تزال تحتفظ بحرارتها، لأنها ليست جزءاً من هذا العالم. عاد إليها ليستعملها رموزاً، وليبني منها عوالم تتحدى منطق الذهب والحديد "مجلة شعر، بيروت، العدد الثالث، تموز 1957، ص112.

ويبدو أن السياب قد تأثر بقوله فاغنر عن الأسطورة أنها "حقيقة مدى الدهر ومضمونها مهما كثفناه، يبقى مضموناً لا ينضب له معين مدى الأجيال "ينظر: جلال الخياط، الأصول الدرامية في الشعر العربي، بغداد 1982- ص28.

([195]) علي الحلي، مجلة الجامعة، العدد 6، ص34.

([196]) المصدر نفسه

([197]) الملائكة، الصومعة والشرفة الحمراء، ص167.

([198]) ينظر: المصدر نفسه.

([199]) البياتي، الديوان، 1: 38.

([200]) المصدر نفسه.

([201]) علي حداد حسين، قصيدة القناع، دراسة لبعض نماذجها في الشعر المعاصر، مجلة الأقلام، العدد 11-12، بغداد، تشرين الثاني كانون الول 1987- ص259.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244