الخطاب الآخر مقاربة لأبجدية الشاعر ناقداً - د.علي حداد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
الفصل الرابع : وسائل البناء الشعري

*اللغــــة:

لعل اللغة من أبرز سمات النضج العقلي للإنسان، ومجال رقي كيانه وتطوره. وهي في ذلك ظاهرة إنسانية حضارية، رافقت مراحل الحياة البشرية حتى تكاملت صورتها مع تطور هذه الحياة واتساع مضامينها.

ويبدو أن مفهوم اللغة عرضة للتداخل بين مهمتها في أن "تعبر وتبين"([1]) والمصادر التي تجمعت في كيان يمثلها بوصفها بنية تعبيرية معقدة، سواء ما كان منها إلهاماً أو تواضعاً أو تقليداً ومحاكاة([2]). ولكن ذلك لا يمنع من أن نرتضي بعض دلالة تحديد ابن جني في أنها "أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم"([3]) من دون أن يغيب عن البال أنه قد توقف عند صورة أولية للغة قبل أن يتحول بها الإنسان إلى  مرحلة الكتابة، في منعطف معرفي واستجابة حضارية لمتطلبات جديدة في حياته، ولذا يمكننا أن نقول: إن اللغة أصوات ورسوم على نحو رمزي، هي الحروف، يعبر بها الإنسان عن مستويات مختلفة من الدلالة، وتشير اللغة في آفاق تطورها الصوتي إلى  محتويات ذهن المتكلم ووعيه، ومن أجل هذا خضعت في مدلولاتها إلى  قانون التجديد والنماء الذي تسير فيه حياة الإنسان، إذ أن "لغتنا تتغير وطرائق معيشتنا تتغير تحت وطأة التغيرات المادية في بيئتنا في جميع النواحي"([4]).

ويتجاذب آلية الفعل اللغوي في كونه وسيلة توصيل بين متلق منه ومتلق بعد ان: يتمثل أحدهما في مدى ما يتوصل إليه المتكلم باللغة من أفق تعبير شعوري وفكري. ويتمثل الآخر في طبيعة مستوى الاستجابة التي يظهرها المتلقي لدلالة التعبير اللفظي ومستوياته، فإذا أنا حدثتك عن شيء مارسته أو أحسسته فإن ألفاظي هي بالنسبة إلي وسيلة للتعبير عن تجاربي. ولكنها بالنسبة إليك وسيلة لتأدية هذه التجارب"([5]). وإذا كان ذلك موحيا بجانب من دلالة اللغة، هو المستوى الأدائي المباشر، فلا شك في أن طبيعة اللغة بوصفها تجربة صوتية يمكن تنظيمها على نحو خاص يغاير صورتها التعبيرية الأولى التي تقف عند حدود إيصال المعنى، لخلق تجربة (صواتية تعبيرية) مثيرة في بنيتها وصياغاتها إذ أن وظيفة الألفاظ هي التعبير عن المعاني التي خلقها العقل. ومن هنا ضرورة تعقل اللغة والإلمام بقيمتها المعنوية. ولكن للآليات اللفظية فوق ذلك إيقاع صوتي يجعل وظيفتها الأساسية الإفادة والتأثير، ومن هنا ضرورة الإحساس باللغة وإدراك قيمتها الشعورية([6])، وهو ما يظهره الشعر والفنون الإبداعية التي تستعمل اللغة أداة تعبيرها، لتصبح اللغة فيها وسيلة وغاية في الأوان نفسه. فهي وسيلة بإطارها العام في "نقل التجربة الشعورية الإنسانية وتوصيلها"([7])، في الوقت الذي هي فيه "وسيلة وغاية في أداء المعنى والإيحاء به وتأصيله بجو خاص"([8]).

وإذا كان الأدب "علماً وسيلته اللغة"([9]) طبقاً لرأي ابن خلدون وهي الظاهرة الأولى فيه فإن هيئتها في الشعر توحي بخصوصية تركيبها وخروجه بها عن صيغها العقلانية، مستفيداً من أقصى منافذ الإيحاء والتجسيد والطاقة التعبيرية الكامنة فيها، لكي "ينقل إلى  المتلقي تجربة جديدة منفعلة بالحياة"([10]). وهكذا صار الشعر منطلقاً لاكتشاف أعماق اللغة التعبيرية ووسيلة إثرائها، وأمسى الشعراء أقدر الناس على فهم قيمة الكلمة وتجلياتها المؤثرة، فهم إذ يغوصون في أعماق اللغة إنما يكشفون عن مجاهل تعبيرية لم يردها سواهم، ولأجل ذلك كان تصرفهم بها، على نحو يخصهم وحدهم، مبررا، فهم "أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا وجائز لهم ما لا يجوز لغيرهم"([11]).

وكان هذا المسار الذي سلكته اللغة في الشعر أفقاً جديداً تناسقت فيه صياغتها لتبرز خصوصية تعبيرية لما اتفق على وصفه بـ (اللغة الشعرية) التي تتخطى السياق التعبيري الأول إلى  نسق من البناء تتألف فيه الألفاظ والمعاني على نحو ممتلئ بدفقات من الإيقاع الصوتي المنسجم، لتصبح التجربة الشعرية هي التجربة اللغوية ذاتها، عبر محاولة "لخلق تنظيم لنسق أصوات اللغة"([12])، التي تتحول في الشعر إلى  كيان يحمل أهميته في ذاته وليس بما يشير إليه، كيان يزدهي بحيوية دلالات غير اعتيادية تحرك واقع اللغة وتثيره لأن الشعر في ذاته "إزعاج للغة السائدة المألوفة"([13]). وهو ما يجعل سعي الشاعر إلى  اختراق مباشرة التعبير اللغوي من هواجسه الأساس حتى يصبح اختياره لألفاظه معاناة حقيقية، بحثاً عما هو دقيق في قدرته على التجسيد. وفي ذلك يقول كيتس: أريد كلمة أكثر إشراقاً من كلمة مشرق، وأريد كلمة أكثر لطفاً من كلمة لطيف"([14]) مشيراً إلى  ذلك الحس العاطفي الذي يهيمن على رؤية الشاعر بما لا يمكن للغة في حدود عوالمها المدركة، أن تستوعبه.

(1)

تتجاذب مفاهيم شعراء الشطرين للغة مناح عدة، تخضع لرؤيتهم لها، وتستجيب لتصورات أسستها لهم مصادر ثقافتهم. وأولى معظمهم اهتمامه إلى  الحديث عن اللغة الشعرية في إطار نظره إلى  اللغة عامة، وهي حالة متعلقة بطبيعة الأداء التعبيري الذي أقام معظمهم شعره عليه وصلته بمسألة توصيل الفكرة إلى  المتلقي بأقصر السبل.

يعد الرصافي اللغة "واسطة نعرب بها عن أفكارنا ونترجم عن حياتنا ونعبر عن حاجاتنا"([15]). وهو منطلق يقوده إلى  الحديث عما بين لغة الكلام العادي واللغة الأدبية عامة والشعر خاصة من فروق جعلته يتحدث عن لغة للشعر وأخرى للنثر، وهو يقصد في ذلك طرائق التعبير باللغة وخصوصية الاستخدام، وهذا ما يفصح عنه حديث عن قسمة لغة النثر إلى  (علمية) و(أدبية) تعنى الأولى بالإبانة عن المعنى الصريح، في حين أن اللغة الأخرى تنطلق إلى غايات فنية تقصد لذاتها، فضلاً عن دلالة المعنى([16]). ولعل تصور الرصافي يقودنا إلى  ما يشابهه عند (ريشاردز) مع اختلاف المسميات، حين قسم اللغة إلى  (رمزية) تستخدم وسيلة للتعبير عن المعاني المباشرة، وهي التي سماها الرصافي (العلمية)، وأخرى (انفعالية) تقوم على نمط الصياغة التعبيرية الفنية التي تؤثر في المتلقي، وهي عند الرصافي (الأدبية)([17]). وينظر الزهاوي إلى  اللغة بوصفها وسيلة لتأدية المعنى وتوصيله([18]). وهو الرأي الذي يشاركه الشرقي فيه، فيعدها ذات غرض محدد هو (التأدية). وحين ينظر الشرقي إلى  اللغة السائدة في أدب عصره فيراها تفارق مفهوم التأدية، يصرح برفضه لهذا المسلك الذي حول اللغة إلى  ممارسة عقيم أفقدتها قابلية التأثير، من منطلق فهم مخطئ رأى أدباء عصره يقيمون نظرتهم إلى  اللغة عليه، متصورين أن اللغة "مهنة اكتسابية يندرج إليها من زوايا الموسوعات اللغوية فينحت منها ما يثقل على السامع"([19]). ويؤكد الشرقي رفضه لهذا الاتجاه ونأيه بشعره عنه، فيقول: "لأجل ذلك تجدني أحاول الزحزحة عن الاتجاه القديم، فأخرج من الأدب المدرسي حتى لا يكون ما أنظم وقفاً على طائفة خاصة اعتادت أن تجعل معاجم اللغة إلى  جنب الدواوين"([20]).

أما البصير فعنده أن اللغة مما تمتاز به الشعوب من بعضها وتتشكل من خلالها خصوصية كل منها، إذ أن "لغة كل شعب رمز حياته وعنوان مجده وديوان لأدبه وتأريخه"([21]). ويرى الوائلي أن "طابع كل أمة لغتها"([22]).

لم تكن اللغة لتتحرك بمعزل عن حركة المجتمع الذي يستخدمها، ولأجل ذلك نظر هؤلاء الشعراء إلى  صلتها بحركة أهلها ومجتمعهم، رافضين جمودها عن التطور مع واقع الناطقين بها. وقد شبه الزهاوي مسارها في التبدل بما يصيب الجسم الحي فهي "كالجسم الحي يعتورها من حين إلى  آخر التغير، فيزول منها ما يثقل لفظه على اللسان، أو يقصر عن تأدية المعنى، ويشيع ما يخف أو يقوم بوظيفته في التأدية.

وتموت كلمات وتولد أخرى كما تموت الخلايا في الجسد الحي"([23]). ويذكرنا تشبيه الزهاوي هذا بما قال به الشاعر الروماني (هوراس) حين عد اللغة كالشجرة: "وعلى مدى السنين تتساقط الأوراق القديمة وتنمو بدلاً منها أوراق حديثة" ([24]). وما دمنا في صدد الإشارة إلى  بعض أفكار هوراس التي نجد ما يماثلها عند الزهاوي، نشير إلى  قناعتهما المشتركة في مسار اللغة نحو التجدد والنماء مع حياة أهلها. فمثلما كان (هوراس) يرى أن تجارب الإنسان" دائمة التغير والتبدل لأنها آخذة أبدا في الازدياد.. ولا بد أن تستحدث أبدا ألفاظ جديدة وتختفي ألفاظ قديمة"([25])، كان الزهاوي يقول: "ولما كانت الحاجات تتكاثر بتقدم البشر والأفكار تتوسع كانت الآلة اللغة- لابداء الأفكار القديمة المحددة غير كافية للتعبير عن الأفكار الجديدة الواسعة"([26]).

ويتبنى الرصافي الفكرة ذاتها، ليعد اللغة وجوداً يتفاعل مع أحوال أهله فهي "تابعة في أطوارها إلى  أطوار أهلها المتكلمين بها"([27]). وذلك عنده سمة تأصيلها، لأن لغة كل أمة مقياس رقيها، فإذا أردت أن تعرف مبلغ كل أمة من العلم والصناعة والتجارة والسياسة، وغير ذلك من أحوالها الاجتماعية، فانظر في لغتها فإنك تعرف بها مبلغها من ذلك كله"([28]).

ويضرب مثلا بواقع اللغة العربية ومغايرة قدرتها التعبيرية في العصر الحديث لما كانت عليه العصور السابقة، فيرى ضرورة أن ندرك قوانين العصر لنسايره في لغتنا، إذ "لا ريب أن أفكارنا وحياتنا وحاجاتنا اليوم غيرها في زمن امرئ القيس، فكيف نتقيد بلغته وهي قاصرة عن هذه الأفكار وهذه الحياة وهذه الحاجات"([29]). ولن نصل باللغة إلى  ما نريده لها من فاعلية إلا بتفحص آفاق حياتنا وتخليصها من الجمود. وعند ذلك نستطيع أن ننهض باللغة إلى  مستوى تكون فيه صالحة لأفكارنا منطبقة على حياتنا العصرية، كافية لحاجاتنا اليومية"([30]).

ويعد الرصافي الشعر مقياساً مهماً لمعرفة ما تتوصل إليه اللغة من رقي ونضج، ويجد في شعر المتنبي مثالاً مناسباً لانطباق رأيه هذا على اللغة العربية، وما وصلت إليه من تطور في العصر العباسي "فإذا أردت أن تعرف بلغته اللغة بعباراتها من المعاني الدقيقة العليا فاقرأ شعر المتنبي.. فإنك تعرف بشعر هذا الشاعر الكبير مبلغ الرقي الذي ارتقته اللغة بمعانيها في هذا العصر"([31]). ومن هذه الرؤية يحدد الرصافي منطلقاً نقدياً يستعين فيه بالعصر الذي عاش الشاعر فيه، لينظر إلى  تمايز لغة الشعراء، فيرفض النظر النقدي إليه في مستوى واحد من التجربة الشعرية، ويسخر ممن طالبه برأي في شاعرية كل من امرئ القيس والمتنبي، إذ كيف يعرف أشعرهما "وبين المتنبي وامرئ القيس قرون طافحة بأسباب التقدم والرقي في اللغة"([32]). ولا شك في أن نظرة الرصافي هذه تتوقف عند الحديث عن تطور اللغة الأدبية للعصر وليس اللغة عامة التي تتطور مع جوانب الحياة المختلفة ومع موضوعية ما قاله عن لغة الشاعر وعلاقتها بعصره يبقى البحث عن تميز شاعرية أي شاعر غير مقتصر على اللغة وحدها بل يمتد إلى  جوانب فنية ومضمونية أخرى. وهذا ما يجعلنا لا نشارك الرصافي رفضه إجابة من سأله عن المتنبي وامرئ القيس ومن فيهما أكثر شاعرية، إذ يمكن تشخيص ذلك في جوانب ترتبط بالموضوع والرؤية والبناء الفني وصدق التعبير وعمق الشاعرية.

يبدو أن واقع اللغة العربية واجه الشعراء بما يغاير تصوراته النظرية عن اللغة وتطورها، فقد أمست العربية، بفعل عوامل متداخلة وفي مراحل معينة أسيرة التقليد الذي ذبل فيه عودها وتوقف عن النماء، فقيدت حركتها.

ويقلب الزهاوي المعادلة حين يجعل العربية مسؤولة عن انكفاء أهلها وتأخرهم، متصوراً أن "من أسباب تأخر العرب في السباق الاجتماعي ضيق لغتهم عن الإفصاح عما وجد في العالم من علم وآلات وأفكار وآداب"([33]). وكان الرصافي يشاركه في ذلك. وعنده أن اللغة العربية توقفت عن التطور والنمو "لكونها لم تجر مع الزمان فيما أحدث وجدد منذ قرون، فسبقتها اللغات التي جرت مع الزمان نامية" ([34])، وأصبح المتكلم بها عاجزاً عن التعبير عن كل ما يراه من آثار المدنية الحاضرة"([35]).

ولعل ذلك منطلق يفتقر إلى  الموضوعية، لأن اللغة إنما تستجيب لدواعي أهلها في التعبير، وتجري معهم إذا ما تقدموا، وليست هي التي تقف في وجه مطامح أهلها وتطور آفاق مجتمعهم، وذلك ما كان الشعراء يعونه حقاً حين يتأملون لغتهم. يقول الزهاوي: "ولا ذنب للغة في ذلك بل الذنب كل الذنب يعود إلى  أبنائها الآخذين بخناقها، فهم الذي ضيقوا عليها، فلم يدعوها تتنفس"([36]) وهو ما يشاركه الشبيبي فيه، فيعد ضعف اللغة بعض ذنب أهلها، لا سيما قادة الرأي فيهم، الذين لم ينظروا إليها بعين الاهتمام والرعاية.([37]) ويسارع هؤلاء الشعراء إلى  تأكيد أصالة اللغة العربية وسماتها التعبيرية العالية، ويدعمون ذلك بأدلة مستمدة من استقرائهم لمسارها فهي عند الرصافي: "لغة راقية جداً، ومن أغنى اللغات كلها وأرحبها صدراً، لما فيها من اختلاف طرق الوضع والدلالة، واطراد التصريف والاشتقاق وتنوع المجاز والكناية وتعدد المترادف، وغير ذلك من النحت والقلب والإبدال والتعريب"([38]).

ويلاحق البصير المسار التأريخي للغة العربية مؤكداً حيويتها فقد "كانت لغة أمة بدوية وثنية، ولكنها استطاعت مع ذلك أن تعبر عن كل ما جاء به الإسلام من أحكام جديدة وفرائض.."([39]). وتصل به هذه الملاحقة إلى  القول إنها "غير عاجزة عن القيام بحاجة أمة متحضرة إلى  الإبانة والإفصاح، وأن صرفها ونحوها ليسا أصعب نحو وصرف عرفهما تأريخ اللغات"([40])، معتمداً في تأكيد رأيه دراسة مقارنة بينها وبين اللغة الفرنسية([41]).

ويتحدث الوائلي عن الطاقة الكامنة في اللغة العربية: "وأعني بها طاقة التوليد وقابلية التطور، والاستعداد لأن تستوعب في قوالبها كل معنى من معاني الحياة"([42]).

تراود هؤلاء الشعراء أفكار مختلفة تؤكد رغبتهم في تخليص العربية من جمود حركتها وإنهاضها لتستعيد حياتها المتجددة، مدركين صعوبة ذلك، حين يضعون أنفسهم في مواجهة مع المحافظين الذين يرفضون ذلك فيتمسكون بالقواعد الثابتة "ولا يجوزون أن يعتورها شيء من التغيير مهما كان طفيفاً"([43]). أولئك الذين يسخر الرصافي من مواقفهم أن "ليس من الموافق لروح هذا العصر أن لا ننشد الشعر إلا بلغة امرئ القيس"([44]) وهي النبرة ذاتها التي يستعملها البصير في قوله: "ومن عجائب متناقضاتنا أننا نتمنى للغتنا أكبر حظ من الازدهار، ولكن على أن تبقى كما كانت وقت ظهور الإسلام؟ ([45]) ويقدمون بعض التصورات بوصفها وسائل جديدة تتمكن العربية من خلالها أن تواكب العصر وتجري معه. فيوكل الزهاوي جانباً من هذه المهمة إلى  الشعراء، لا سيما المبرزون منهم: و"للشاعر الفحل أن يولد في اللغة إذا مست الحاجة كلمات لم يأت بها من جاء قبله فتغنى بذلك اللغة"([46]). ويتوسع في الأمر ليعطي مثل هذا الامتياز لكل كاتب كبير، فيجوّز استعمال الكلمات التي شاعت في الصحف الراقية بقلم كبار الكتاب([47])، ويبدو أن الزهاوي كان يثق بقدرات المبدعين الكبار في إغناء مجالات التعبير اللغوي ولأجل ذلك يمنح امتياز الابتداع في اللغة للكتّاب الكبار الذين شاعت كلماتهم في الصحف الراقية. وكأن الزهاوي مقتنع بأن الشاعر الفحل والكاتب الكبير لا يخشى منهما أن يحدثا في اللغة ما يخالف سياقها أو يخرج عن نظامها، لأنهما أحرص على قوانينها اللفظية من سواهما.

ويبدي الرصافي تساهلاً أكبر في أمر الإضافة إلى  اللغة لتوسيع مجالاتها التعبيرية، فيبيح استعمال ما تداولته الألسن من ألفاظ ومسميات جديدة لم يكن للعربية سابق عهد بها لأن ذلك في نظره مجال حيوي لإنمائها لا يمكن مجافاته بمبرر صلته بواقع من لا يملكون الحرص على قواعد اللغة ونظامها اللفظي من عامة الناس، فعنده أننا ينبغي ألا نتحاشى استعمال ما تداولته ألسن العوام من هذه الكلمات الحديثة، فإن اللغة إنما تتقرر بشيوعها واستعمالها في ألسنة العامة"([48]).

ويؤكد الرصافي هذا المنطلق حين يعد (التعريب) وسيلة مناسبة لتوسيع مجالات التعبير اللفظي، "لأنه إحدى طرق النمو في اللغة"([49]) وهو ما يناهضه الشبيبي، لأن التعريب طبقاً لرأيه- خطر على العربية التي ليست بها حاجة إليه، فهي "غنية بالمصطلحات الخاصة من جل العلوم والفنون، ولكن يعوزها التنقيب والبحث الدقيق"([50]). ويجد الشبيبي البديل في تيسير بعض قواعد اللغة وتسهيلها([51]).

ويرفض الشرقي وجود ما يسمى من الألفاظ بالشاذ أو النادر في كيانه اللفظي: "إني لا أعرف معنى للشاذ أو النادر إلا ما كان فيه غموض في التأدية لقلة استعماله([52]). ويرى في إعادة الحياة إلى  مثل هذه الألفاظ وسيلة من وسائل إغناء اللغة "وحبذا لو وسعنا لغتنا الضيقة اليوم بأن ندس في قصيدة أو مقال بعض النادر أو الشاذ حتى يذيع ويكون مألوفاً ومأنوساً"([53]).

نادى هؤلاء الشعراء وهم يتحدثون عن الشعر بالبساطة منطلقاً لإيصال الأفكار والمضامين التي يحملها الشعر الذي ارتضوا له طابع الاستنهاض وتأدية المهمات الاجتماعية والسياسية فكانت دعوتهم إلى  اللغة السهلة تنطلق من رغبتهم لأن يصل الشعر إلى  الناس.

ولعل دعوة التبسيط وهاجس الشعراء في الاقتراب من الجماهير والتعبير عما يشغلها كان وراء توقف بعضهم عند (العامية) بعين التأمل رغبة في استثمار بعض ألفاظها في الكتابة. فكان الزهاوي منذ وقت مبكر- قد نادى بضرورة تهذيب العامية واتخاذها لغة للكتابة([54]).

ويبدو أن ما عناه الزهاوي من تهذيب يقوم على البحث في العامية عما يساير العربية ويحافظ على قواعدها، إذ "لا يسوغ للشاعر العربي مخالفة قواعد اللغة العربية فإن الإعراب دليل المعاني"([55]). وهو منطلق الزهاوي الذي تمسك به في الحفاظ على السياق التعبيري للعربية، من دون أن يغيب عن باله أن العامية تفارق قوانين الفصيحة التي كان يرى أن مفارقتها مما "يجعل الناس فوضى في التعبير فيزول التفاهم باللغة الفصحى وتموت العربية"([56]).

وكان اندفاع الرصافي إلى  المناداة بالعامية والاهتمام بها أمرا مستغرباً وهو الشاعر الذي درس الفصيحة على أيدي أساتذة يقدسونها، وحمل علمه باللغة بعض الباحثين على دراسته بوصفه لغوياً([57]). لم ينظر الرصافي إلى  العامية بوصفها لهجة في كلام العرب تختلف باختلاف أوطانهم وبيئاتهم، وهي كائن لغوي هجين، بل عدها (لغة). وبما نلمح في رأيه هذا بعض منطلقات الدراسات اللغوية التي درست اللهجات العربية على أنها لغات ([58])، ولم يغب عن بال الرصافي ما في العامية من عيوب، ولكنه نظر إليها بمنظار مجاراة العصر وترسم آفاقه، فرآها تقترب من ذلك أكثر من الفصيحة، وعنده أن "للغة العامية اليوم مزية لا تنكر، وذلك أنها على علاتها نراها جارية مع الزمان في مفرداتها، فهي تنمو كل يوم بالأخذ من غيرها، بخلاف العربية الفصحى، فإن جمودنا فيها، واقتصارنا منها على ما نراه في معاجم اللغة قد رماها بالتوقف عن النمو حتى أصبحت متأخرة عن لغات الأمم الحاضرة"([59]).

ويندفع الرصافي بهذا الاعتقاد فيرى أن ما في الفصيحة من مزية الأعراب، وافتقاد العامية ذلك لا يعد انحطاطاً في العامية بل ارتقاء وتطور: "لأن الأعراب عن كان حاجة في الكلام فوجود الحاجة نقص وزوالها كمال. وإن كان قيدا له فسقوط القيد إطلاق والمطلق أحسن حالاً من المقيد"([60]) وإذا كانت وجهة النقاش التي أقامها الرصافي على أساس المنطق تبدو لصالحه في إطارها العام فإن حقيقة الأمر في النظر إلى الإعراب في العربية لا تجعله قيداً خارجياً مفروضاً عليها، بقدر ما هو سياق لفظي دلالي، يتمسك بنسق صوتي منظم، ويجسد المعنى من خلال حركة الإعراب، وهو مما يميز العربية ويؤكد قوة الأداء فيها.

ولعل في شخصية الرصافي المتسمة في بعض جوانبها بالشعبية والالتصاق بالبيئة المحلية، وحضور صورة الواقع في ذهنه ما جعله يميل إلى تجنيد التعبير العامي ويجد فيه خصوصية لغوية يتأملها. ليصل به الأمر حد الإعجاب بالشعر العامي، ودعوة شاعره المبرز حينذاك (الملاعبود الكرخي) إلى  مواصلة النظم بالعامية، طالباً منه التخلي عن الرغبة في نظم الشعر بالفصيحة:

أمسى كقرعكَ جلموداً بجلمود

 

وإن قرعك بالفصحى مسامعهم

ويبدو أن صدور هذا الرأي عن الرصافي مقترن بظرف خاص وحالة نفسية جعلت الشاعر يائساً من قدرة الشعر الذي كتبه على التأثير في مجتمعه، بسبب الواقع الثقافي. وليس لنا أن نحمله محمل القناعة الراسخة عنده. وقد لا يخرج في جانب منه عن كونه احتفاء بشعر الكرخي ومجاملة لشاعره.([61]).

لعل موقف معظم هؤلاء الشعراء من العامية لا يقوم على أسس النظر إلى  اللغة وحدها بل يتسع لملاحظة حركة المجتمع والناس، ويستجيب لمسارات التأثير والاستجابة. ولم يكن للثقافة التي تلقاها الشاعر تأثير كبير في اختياره موقفه من العامية. يؤكد ذلك ما يمكن أن يتلمسه المتألم لما توقف عنده شاعران هما: الشبيبي والشرقي اللذان عاشا في مرحلة زمنية متقاربة وبيئة واحدة، وتلقيا معارف يمكن أن يشار إلى  تجانسها، فكل منهما قد تعلم في تلك الحلقات اللغوية القديمة في مدينة تعنى بأساليب اللغة الفخمة والتركيب الجزل والجمل البليغة، ثم نال الإجازات العلمية في مجموعة من هذه العلوم القديمة"([62]).

لقد اختلف هذان الشاعران في موقفهما من العامية كثيراً، فحين رفض الشبيبي العامية وناهض دعواتهما([63])، محض الشرقي العامية عنايته، فكان من أوائل دارسيها والمهتمين بها، حيث خلص من تتبعه لها إلى  أن وجودها جاء "نتيجة تحريف وقلب وتصحيف للفصحى، يرجع قدمها إلى  زمن الناطقين بها"([64]).

أما الجواهري فلم يكتف برفض العامية وحدها بل اتسع الأمر لديه ليشمل ما يراه سائداً في الكتابات الصحفية التي عدها مصدر أضعاف لملكة اللغة، إذ "أن لغة الجرائد التي تخرج عليها كثيرون من كتابنا وأدبائنا لا تنتج إلا نمطاً كتابيا لا يقوى على مجابهة النقد والتحليل، ولا يخوض في الفكر والتتبع، ولا يعين الناشئين على إيجاد ملكة قوية"([65]).

على قدر صلة ما قالوه من آراء بموقفهم من لغة الشعر فإن أيا منهم لم يكن ليفرط بقوانين اللغة العربية وخصائصها اللفظية وأساليب صياغة الشعر من خلالها. فإذا كان الزهاوي قد عد شعره رسالة نفسه التي كتبها إلى  أبناء وطنه بلغة يفهمونها ([66]) فإنه يؤكد حرصه فيها على "منازع تلك اللغة وأسلوبها، واختيار أفصح ألفاظها وأبلغ جملها"([67]). وذلك عندما يريد إيصال شعوره إلى الآخرين. فمن خلال هذا السياق التعبيري الذي تتمسك العربية به يمكن أن يخلق في أذهان المتلقين شعوراً مثل شعوره([68]). لأن المعاني الشعرية "دقيقة في الغالب، لا تشبه بقية المعاني، فلا تقدر أن تعبر عنها إلا لغة أهلها التي قد تولدت لتعرب عن خفايا قلوبهم"([69]). ولأجل هذا الحرص على اللغة يعد الزهاوي غزارة مادتها لدى الشاعر شرطاً من الشاعرية ([70]). ويوضح الوائلي هذا الرأي بقوله: "فغزارة المادة في رأي الزهاوي كما هي في رأي كثير من النقاد- شرط من شروط الشاعرية ومما لا شك فيه أنه لا يعني بغزارة المادة اللغوية استيعاب المفردات التي تحتاج إلى  شرح وتفسير وإنما يعني سلامة اللغة من الابتذال والركة ومن مخالفة القواعد المعروفة([71]) ويؤكد الشرقي حرصه الكبير على الفصيحة وجمالها([72]).

ويتوقف الجواهري عند ما للكلمة من قيمة عليا في الإبداع الأدبي، فعنده أن الكلمة الصالحة الباقية هي تجربة قاسية ومراس متمكن ومعاناة شاقة وإدراك عميق وحس مرهف. وهي إلى  ذلك كله قدرة على التحويل والتطوير وعلى المزاج، وعلى مماشاة المزيج، بحيث تبدو صرفاً خاصاً، إنها قدرة على الخلق والإبداع، وهذا هو سر الكلمة"([73])، ولأجل ذلك ينادي بضرورة المحافظة على الصياغة العربية الفصيحة والتمسك بها لأنها مفتاح صلتنا بتراثنا وحفاظنا على شخصيتنا القومية "إننا نريد أسلوباً في الكتابة والتعبير يعيننا على التقرب من الثقافة العربية الإسلامية والتفهم لآثار أولئك الفحول الذين كانوا أكثر منا معرفة بمقتضيات زمانهم وخدمة لبلادهم وأنفسهم"([74]).

(2)

لم تكن الوجهة الموسيقية التي عبرت عن جديدها في الشعر الحر وحدها منطلق التجديد في هذه التجربة الشعرية، فقد كان للنظر إلى  اللغة على وفق رؤية مغايرة مكان بيّن في أفكار شعرائها وطرائق تعبيرهم، منطلقين من اهتمام جاد بدور الكلمة ومسارها في الشعر وقيمتها الشعورية وقدرتها على التدفق العاطفي. ولأجل ذلك لا يمكن لمن يتفحص تجربة الشعر الحر تجاوز ما استجد فيها من آفاق مبتكرة لصياغة الجملة الشعرية وإدراك لتجليات فعلها في القصيدة التي أراد لها أصحابها أن تكون نقلة متميزة في مسار الشعر العربي.

لقد تنبه الشعراء على قيمة الكلمة التي تصنع وجودها اللغوي الخاص في الشعر، لأن اللغة "من الأسباب التي يجب أن يوضع عليها الإصبع"([75]) وعبر تأمل لهذا الوجود المتواتر والمدهش الذي يكتنف اللغة فقد عدت "الجسر الوحيد الذي يربط بين الوجود الفاني والوجود اللامتناهي والوجود الذي سيولد"([76]) لأنها مرتبطة بمسار الفعل الإنساني الذي لا تكل خطاه عن الحركة.

وإذا كانت اللغة تكوينا من "رموز واصطلاحات وضعها الإنسان وحاول أن ينميها ويغذيها ويطورها"([77])، فإن هذه الرموز والاصطلاحات ومن خلال مرافقتها لوجود الإنسان، اغتنت بمضامين تجدد حركته وحاجاته وتطوره الحضاري. ولذلك صارت اللغة محصول الذهن الإنساني عبر عشرات القرون"([78]) واستمدت حيويتها من قدرة الاحتواء التي جسدها الإنسان من خلالها ليجعلها وعاء تجربته، فاللغة "كيان حي تكمن فيه العواطف والذكريات والألوان والأحلام"([79]) وأمسى ما يتحدث به الإنسان من ألفاظ ومفاهيم ذا قدرة تجسيدية تفصح عن صورتها في اللغة، إذ "أن الحضارة والألم والجمال مفاهيم تكمن في اللغة نفسها، أي أن الحضور في اللغة هو المعادل للوجود الذي يغنى باستمرار"([80])، وما وجود الإنسان في واحدة من صوره الفاعلة إلا وجود لغوي، فلقد "اعتمد تأريخ الإنسان كله على الكلمة. ولقد كان للكلمة دائماً، وفي مختلف مراحل تطورها، منذ كانت تمتمة وإشارة، إلى أن أصبحت رمزاً ومعنى، أثرها العميق في تطور الحياة والمجتمع"([81]).

وصلة اللغة بالوجود الإنساني عامل أساس في تطورها، لأن "حاجة الناس إلى  الكلمة هي التي تبعث حياتها، ولن تعيش كلمة بغير ذلك"([82]). وبهذا أمست اللغة تعبيراً عن الذات الاجتماعية، تتأثر بظواهرها ومتغيراتها([83]). وإذا كان للغة هذا الوجود المتأثر بسياقات الحياة ومتغيراتها فإن كل عصر يبرز وجوده اللغوي المناسب له، من دون أن يكون ذلك حالة منبتة عما سبقها فـ "لكل عصر أو فترة لغة خاصة به، ولكن هذه اللغة تولد من اللغة السابقة"([84]). أي أن اللغة الجديدة ستحافظ على أساسيات التعبير الذي تقوم عليه حالات التبدل التي تجري ضمن نسق اللغة الواحدة مهما تعددت أساليبها في العصور، وذلك ما حدا بالسياب إلى  القول: "إن لكل لفظة تأريخاً يختلف من لغة إلى  لغة، ولها كيان خاص يستمد ألوانه من ذلك التأريخ"([85]). وهذا التبدل في شحنة التعبير الذي تمتلكه الكلمة "الكائن" الذي يحمل المعنى"([86]) لا يعني تغيرها في نسقها الصوتي أو ما تدل عليه مباشرة بل فيما يستجد بها من قدرة تتمثلها وهي في سياق تعبيري يجمعها بسواها، ومن هنا تأتي أهمية دراسة الكلمة وتفاعلاتها العضوية مع الكلمات الأخرى([87]).

يطيل معظم هؤلاء الشعراء التوقف عند اللغة الشعرية فيراها السياب تقوم على "المعاني وتداعيها ومزج الوعي باللاوعي وتلوين الأمل بالذكرى"([88]). ويبدو أن السياب يتوقف هنا عند تجربته فيستمد من سماتها مفهوماً عاماً للغة الشعر، ينطلق فيه من تأمل يتسع لكل التجربة الشعرية وليست لغتها وحدها. فإذا كان مزج الوعي بسواه مما يمكن تلمسه في لغة الشعر فإن ما تبقى من مفهوم السياب لا تكاد تجد له تعلقاً إلا بخصوصية تجربته الشعرية. وتتداخل صورة المفهوم عند نازك بين الصورة المباشرة من خلال إيصال المعنى وضرورة التلاحم بين البناء اللفظي ومضمونه فهي ترى أن اللغة في الشعر "عنصر تكون لاهم عناصر الإبلاغ والتعبير، وإن اللفظ الجيد يحمل المعنى الصحيح، وإن قوة التعبير كامنة في الألفاظ، لأن أية قصيدة سامية الفكرة مبتذلة التعبير لا تثير الإعجاب"([89]).

ولا يضع البياتي تصوراً عاماً لمفهوم اللغة الشعرية، فهو يبحث عن طبيعتها في تجربة الشاعر، لأن اللغة عنده "ليست منفصلة عن تجربة الشاعر وعالمه فهي جوهر تجربته"([90])، في حين يجد بلند الحيدري مفهومه في طبيعة الصياغة اللفظية للشعر، لأن الكلمة "جزء من حركة عامة تشمل القصيدة كلها، ولا بد لها أن تجد مكانهاً في تركيب جديد للبيت"([91])، منطلقاً من قناعته أن اللغة الشعرية "لغة ضمن اللغة"([92])، أي أنها إقامة لكيان تعبيري شديد الخصوصية في مكوناته وما يجسده. ومن هنا تصبح للقصيدة فكرتها التي لا يمكن التعبير عنها بغير لغة الشعر، وعندما نقول باستحالة ترجمة القصيدة إلى  قطعة نثرية فإنما نقول ذلك انطلاقاً من خصوصية لغة القصيدة. فالقصيدة الجيدة.. تمتنع بأنفة وكبرياء على لغة النثر"([93]).

يتوقف معظم هؤلاء الشعراء عند الكلمة بوصفها أساس التركيب اللغوي وابتناء عوالم الشعر من خلالها هو ما أعطاها فاعلية خاصة في نسقها الصوتي، لا سيما في اللغة العربية التي يراها شاذل طاقة ملأى بالصياغة الشعرية، بما يشد ذاكرة العربي إلى  الاستئناس بلغته، فنحن "قوم يهزنا الحرف، وتطربنا الكلمة، وإننا أصحاب لغة ذات حضارة"([94]). وإذا كان الحرف الواحد لا يعطي أكثر من رنة مجردة، وبالتصاقه بآخر تولد الكلمة"([95])، فقد أعطى ذلك للفظة دوراً مهما في مسار تجربة الشعر الحر ولذلك صار "من بين الأشياء التي يؤكدها الشعر الحديث الاهتمام باللفظة"([96]) لقد أقام الشاعر المعاصر تجربته على بناء شعري موروث تمثل قيمة الأساس وكانت اللغة هي عمق صلته بموروثه، وقد ورث الشاعر فيها إرثاً هائلاً من الألفاظ التي خلفها له الأوائل. وبعض هذه الألفاظ كما رآها السياب- رثت لكثرة ما تداولتها الألسن والأقلام والشاعر مكلف أن يعيد إليها اعتبارها وينفخ فيها من روح الشباب([97]). وهذه الفكرة ذاتها يقدمها البياتي على هذا النحو: "هناك لغة جاهزة تشبه أوراق الأشجار الميتة وقد يستخدمها كثير من الشعراء، وهناك لغة بالرغم من وجودها تولد من جديد وتكتسب أبعاداً ورموزاً جديدة عبر عملية الخلق الفني. وهذا ما يميز الشاعر الحقيقي عن الشاعر المقلد"([98]).

أما نازك الملائكة فتنطلق من موقف يمتزج فيه التصور الفني الذي ينبغي للأديب استحضاره بمحاولة إدراك البعد النفسي الذي يكتنف مسار التجربة الإبداعية في نسقها اللفظي، فترى "أن الألفاظ تصدأ وتحول وتحتاج إلى  استبدال بين حين وحين. وقد رأينا أن هذا الاستبدال وظيفة الأديب يقوم بها وهو نصف واع، لأن الوعي التام قلما ينتج شيئاً ذا قيمة"([99]). ويكاد هؤلاء الشعراء يتفقون على السمة الظرفية للفظة وضرورة النظر في قدرة هذه الكلمة أو تلك على أن تواصل فعلها الأدائي المؤثر عبر الأزمنة وهو ما تفتقده كثير من الألفاظ التي يتطلب أمرها البحث عن بدائل لها أو البحث عن كيفية تعبيرية تعيدها إلى  الفاعلية والتأثير. ويتفقون على أن هذه المهمة تنبعث من قدرة الشاعر وموهبته.

وتحيلنا آراؤهم في هذه المسألة إلى  آراء نقاد آخرين، منهم ريشاردز الذي يقول: "إن بعض الكلمات نتيجة لطول الاستعمال قد أصبح مجاله أضيق من مجال غيره، ولذلك يلزمه لكي يعبر عن صفاته أن يوجد في ظروف أكثر غرابة"([100]) ويعيدنا تشبيه البياتي بعض الألفاظ بأوراق الشجر اليابسة إلى  تشبيه (هوراس) المماثل([101]).

ويلفت الانتباه في رأي نازك توقفها عند مسألة الوعي التي يمارس الأديب صورتها في استبدال بعض الألفاظ بسواها، وتأكيد الشاعرة عدم جدوى الوعي التام في هذا الجانب([102]). ولا يتيح لنا قولها هنا أن نبرره إلا إذا نظرنا إلى  علاقة الشاعر بلغته ومقدار حصيلته منها، وتجسد وجودها عنده خزينا معرفياً متراكماً، يستفيد منه في أدبه من دون أن يكون ذلك غاية يتوقف عندها، بقدر ما هو كشف لقدراته اللغوية وفهم لقيمة الكلمة ودورها في الشعر.

أدرك هؤلاء الشعراء معاناة الشاعر المعاصر في تعامله مع اللغة فأبرزها بعضهم من خلال مقارنتها بما كان الشاعر القديم قد جابهه في شعره. فقد كان الشاعر الجاهلي مثلاً "يتحدث بلغة أهله وقومه، أما الآن فإن الازدواج اللغوي قد حدد التوسع الفكري بصورة عامة والشعري بصورة خاصة"([103]). ويمثل السياب لذلك بالقافية، بعيداً عن وجودها الموسيقي الخاص، إذ ينظر إليها بوصفها قضية لغوية تخص لفظة محددة "فبينما كان في وسع الشاعر الجاهلي أن يكتب قصيدة على قافية اللام مثلاً تتألف من ستين بيتاً نرى الشاعر الحديث لا يستطيع أن يستعمل من هذه القوافي الستين سوى عشرين أو أقل"([104]). ويشاركه بلند الحيدري في قناعته هذه، فيقول: "لقد كان شاعرنا القديم يرهق نفسه وقواميسه في البحث عن مفردة تمد بعمر قصيدته عشرين بيتاً أخرى، تشهد له بطول النفس"([105]). وإذ صح ما ذكره الشاعران حيناً فلا شك في أنه لا يصح دائماً، ولا يحكم به على جميع الشعراء القدماء. وربما أشارت رؤيتها هذه إلى  موقف ذهني حاولا فيه خلق تصور يعكس جانباً مما يقع فيه الشاعر المعاصر من حصار ومحدودية في التعبير، ليس في مجال القافية وحدها بل البناء الشعري كله. ولعل في توقفهما عند القافية- مع أن الشعر الحر قد تجاوز صيغتها الموحدة- محاولة لتبرير اتجاه الشاعر المعاصر إلى  هذا المسار التجديدي.

تلحق نازك الملائكة بالازدواج اللغوي الذي تحدث عنه السياب بوصفه عائقاً أمام ثراء لغة الشاعر المعاصر ما تسميه (الألفاظ القاموسية) التي تخلق انقطاعاً في حالة التواصل بين القارئ والشعر، فعندها أن لغة القصيدة "تكون عنصرا أساسياً في كفاءة الهيكل، فهي أداته الوحيدة، ولذلك ينبغي أن تحتوي على كل ما تحتاج إليه لكي تكون مفهومة. وهذا هو السبب في نفورنا اليوم من استعمال الألفاظ القاموسية غير المألوفة في لغة العصر. ذلك أن هذا يحتفظ بجزء من معنى القصيدة في خارجها، في القاموس. وهذا يتعارض مع التعبير ومع لحظة الإبداع عند الشاعر"([106]).

ومع أن مسألة الألفاظ وخصوصية ما يناسب الشعر منها مما تحدثت عنه الدراسات البلاغية محددة أشكال المستكره منها ومبررات ذلك من وجهة جمالية وصوتية، لا نكاد نجد إشارة إلى  ذلك عند نازك، فهي لا تذكر طبيعة الألفاظ التي تسميها القاموسية وتقصد الألفاظ التي تستلزم العودة إلى  المعجم اللغوي لفهم معناها فلا شك في أنها على بينة من أن هذا الموقف لا يشتمل على كل ما في المعجم من ألفاظ، لا يعني عدم شيوعها أنها غير صالحة للاستعمال المعاصر إذ ما استطاع الشاعر المعاصر بعث الفاعلية الفنية فيها، لا سيما أن نازك تمنح الشاعر دوراً كبيراً في صنع اللغة الشعرية لعصره، لأنه قادر على أن "يدخل تغييرا جوهرياً على القاموس اللفظي المستعمل في أدب عصره، فيترك استعمال طائفة كبيرة من الألفاظ التي كانت مستعملة في القرن المنصرم، ويدخل مكانها ألفاظاً جديدة لم تكن مستعملة"([107]). وليس ذلك طبقاً لقناعة توقفت عندها نازك مبكراً بالشيء الكثير على الشاعر، لأن "شاعراً واحداً قد يصنع للغة ما لا يصنعه ألف نحوي ولغوي مجتمعين"([108]). ولأن الشاعر وحده هو "الذي تتطور على يديه اللغة، أما النحوي واللغوي فلا شأن لهما بها. النحوي واللغوي عليهما واجب واحد هام، واجب الملاحظة واستخلاص قواعد عامة من كلام المرهفين من الكتّاب والشعراء"([109]).

وإذ تبدو نازك واقعة في رأيها هذا تحت سلطان التأثر بصورة الشاعر العربي القديم وموقفه من علماء اللغة والنحو، كالذي نجده فيما ذكر عن الفرزدق مثلاً([110])، فلا شك في أنها تدرك جيداً أهمية دور النحوي واللغوي الموقوف في وجه منزلق الشاعر المندفع بحرية التعبير إلى  خطأ استعمال اللغة وخرق القاعدة التي هي جزء أساس من كيان الجملة العربية ونسقها الصوتي المتصل بقانونها الخاص، وهو ما دعت إليه نازك في مرحلة لاحقة، حين لاحظت استشراء ظاهرة الخطأ اللغوي وكسر بعض الشعراء أبسط قواعد اللغة([111]). لقد منحت نازك على نحو عام- هذا الامتياز للشاعر المبدع الذي ترى أنه "بإحساسه المرهف وسمعه اللغوي الدقيق يمد للألفاظ معاني جديدة لم تكن لها. وقد يخرق قاعدة مدفوعاً بحسه الفني، فلا يسيء إلى  اللغة وإنما يشدها إلى  الأمام"([112]). ولعل ما أشار إليه الشعراء سابقاً يمثل تصوراً عاماً لمستوى الفهم الذي يريدون من الشاعر أن يتوافر عليه وصولاً إلى  حالة الالتحام بين وعي الشاعر لتجربته وصياغتها بألفاظ اللغة، وهو ما دعا البياتي إلى  القول: إن مشكلة الشاعر مع اللغة "هي مشكلته مع نفسه، فحينما يستطيع أن يسيطر على اللغة ويجعل منها جزءاً من سلوكه ونظرته وتجربته، عند ذاك تسقط الأسوار بين الشاعر واللغة، ويصبح الشاعر هو اللغة واللغة هي الشاعر"([113]) أي يتجاوز الشاعر وجوده المادي مثلما تخلص اللغة من إسار وجودها الخارجي لتصير ملكا للشاعر يعيد تشكيله على هيئة تخصه وحده وتشير إليه، مثلما لا يبقى من وجود الشاعر إلا ما تمثلته لغة قصيدته وأخبرت عنه وهو ما عبرت عنه نازك بقولها: "إن الشاعر لا يستعمل اللغة وإنما تستعمله هي، أي أنها تعبر عن ذاتها على لسانه وتحيا وتتسع وتكتشف أسرارها"([114]).

أثارت قضية الإزدواج اللغوي التي صاحبت الشاعر المعاصر بين لغة يكتب شعره فيها وأخرى يتكلم بها، آراء متباينة في مواقف الشعراء من العامية، توزعت بين رفضها أو الدعوة إلى  استنطاقها وجودها اللفظي في الشعر المعاصر.

كان السياب يرى أن العامية "لا تستطيع أن تتحمل القضايا التي يعالجها الشاعر العربي المعاصر"([115]). وربما كان منطلقه في ذلك طبيعة الأداء في العامية وما تقوم عليه من أفق تعبيري محدد يراه السياب غير قادر على استيعاب وعي الشاعر المعاصر ومجالات تفكيره المتسعة للفكر والثقافة والمعارف الأخرى . لا سيما حين تقترن العامية عنده بمستوى ثقافي واجتماعي هي نتاج تجاربه وهو ما تبرز نازك في جانب منه رفضها الشديد لسياق التعبير بالعامية الذي تراه منفراً للنفس العربية لأنه ينقلنا إلى  آفاقنا المتخلفة. والعامية تعكس العواطف البدائية الساذجة وضحالة الفكر، فضلاً عن أنها تسقط الترابط الذي تتوافر عليه اللغة العربية الفصيحة.([116])

وإذا كان بلند الحيدري يميل إلى  القول بأهمية بعض الألفاظ العامية وقيمتها التعبيرية([117])، فإن هذا الموقف يأخذ مداه المتسع لدى حسين مردان([118]) الذي يرى "أن بعض الكلمات الفصحى قد فقدت معظم حيويتها وخمدت فيها الحركة فهي أشبه بكرات من زجاج كثيف لا ينبعث منه أي شعاع أو حرارة. في الوقت الذي نجد بعض الكلمات العامية تحتفظ في داخلها بكميات كبيرة من التدفق اللوني واللهب المشرق والموسيقى الحادة"([119]).

قادهم إحساسهم بضيق اللغة التي اكتسب كل منهم حصيلة معينة منها إلى  البحث عن آفاق جديدة، تتساوق مع المعجم اللفظي لهم فتغنيه وتمده بحيوية تعبيرية حافلة بما هو مؤثر وغني بطاقات فنية مبتكرة وقد رأى السياب وجود ذلك في الأسطورة بأجوائها وشخصياتها ومجالات التجسيد الرمزي من خلالها. ولأجل هذا عد توجهه إلى  الأسطورة ذا مبررات للغة نصيب فيها: "مما يدفعنا إلى  استخدام الأسطورة في الشعر. أن الألفاظ فقدت معانيها الأصلية في كل المجتمعات البشرية القائمة اليوم، بينما ظلت الأسطورة محتفظة بجدتها ومعناها الأصيل"([120]).

وترى نازك أن الأديب المرهف هو الذي تتطور اللغة على يديه. ومثل هذا الأديب: "لا بد أن يملك ثقافة عميقة تمتد جذورها إلى  صميم الأدب المحلي، قديمه وحديثه، مع إطلاع واسع على أدب أمة أجنبية واحدة على الأقل، بحيث يتهيأ له حس لغوي قوي، لا يستطيع معه، إن هو خلق إلا أن يكون ما خلق جمالاً وسمواً. فإذا خرق قاعدة أو أضاف لوناً إلى  لفظه أو صنع تعبيراً جديداً أحسسنا أنه أحسن صنعاً، وأمكن أن نعد ما أبدع وخرق قاعدة ذهبية"([121]).

ويرى حسين مردان أن إغناء اللغة الشعرية يمكن أن يتم عن طريق الاستفادة من الألفاظ العامية، التي لا تستعمل لذاتها حسب، إذ يمكن بها "تطوير اللغة عن طريق انتقاء بعض الكلمات العامية المعبرة ودمجها في لغتنا الفصحى"([122]) ويعد هذه وسيلة فعالة "لذبح ودفن الكلمات الفصحى المريضة لتحل مكانها الكلمات العامية التي تحمل كل صفات الحياة النابضة"([123]). ولعل في هذا الرأي نوعاً من افتقاد الموضوعية، فما الأسس التي نضعها لمعرفة صحيح اللغة من مريضها؟ وإن بانت هذه الأسس فهل يتفق على صحتها المعنيون باللغة جميعاً؟

سعى بعض هؤلاء الشعراء إلى  تجاوز الجانب النظري من النقد اللغوي وإيجاد منافذ تطبيقية لما توقفت عنده نظراتهم إلى  لغة الشعر. وكانوا في نقدهم التطبيقي على بينة من أبرز سمات المنهج اللغوي في النقد تقوم على ركنين أساسيين هما: إظهار ما في النص الشعري من أخطاء لغوية ونحوية "لمعرفة مدى مجاراة النص لضوابط اللغة، ومجاراته للمعهود من نظمها وقواعدها"([124])، والنظر الذوقي والجمالي الذي يتفحص النص "لمعرفة ما في لغته من جمال أو قبح، وسمو أو هبوط"([125]). ومما يلاحظ على ما كتبه الشعراء في هذا الجانب غلبة رؤية التقويم والتصحيح وإظهار المساوئ والأخطاء على النظر إلى  ما في النص من أداء لغوي ومتفوق في مواصفاته اللغوية.

لعل نازك الملائكة أكثر هؤلاء الشعراء اهتماماً بملاحقة الخطأ اللغوي والنحوي الذي رأت الشعراء يقعون فيه. وقد دعت النقاد إلى  عدم التساهل مع الشعراء في هذا الجانب([126]). ومن يقرأ كتابيها (قضايا الشعر المعاصر) و(الصومعة والشرفة الحمراء) يجد لها تصويبات كثيرة لما وجدته من خطأ لغوي أو نحوي فهي تعترض على قول علي محمود طه:

فاسكبي الخمر وارشفيه، على رنة الوترْ

وإذا شئت فاسقنيه، على نغمة المطرْ([127])

وترى أنه استعمل (اسقنيه) في خطاب المؤنث بدلاً من (اسقينيه)([128]) وتعترض على جزمه الفعل (يعصي) من غير داع إلى  ذلك في قوله:([129])

أبد الدهر ولو كان الها([130])

 

أقسمت لا يعص جبار هواها

ومن أمثلة هذا الاتجاه لدى السياب اعتراضه على قول أحد الشعراء:

حس كجنح البوم

وقوله :

وغدا ألم الجنح

لأن (جنح) تدل على معنى غير معنى (جناح)([131])

ويبدو أن هؤلاء الشعراء كانوا ميالين في التطبيق النقدي إلى  التمسك بالقاعدة اللغوية كثيراً، فالسياب يعترض على أحد الشعراء جملة اعتراضات، بسبب بعض الكلمات التي استعملها على غير ما هي عليه، معتمداً على الضرورة الشعرية التي تبيح له ذلك، وهو ما لا يميل إليه السياب، إذ لا يرى مبرراً لهذه الضرورات، مثل صرف الممنوع من الصرف، في قول هذا الشاعر([132]):

أما زال ميناها أشما وراسيا

والصواب أن يقول (أشم). وقول آخر (يا تدمرا) والصواب (يا تدمر)([133]).

ولا يميل السياب إلى  حذف الهمزة من الكلمة الممدودة كجعل (الصحراء) (الصحرا) و(ميناؤها) (ميناها) وعنده أن ذلك عيب ينبغي للشاعر الحديث تجنبه ما استطاع إلى  ذلك سبيلا([134]).

ومثل هذا عند نازك اعتراضها على قول نزار قباني:

فإذا كنت واقعاً لا أكونُ([135])

 

أنا مادمت في عروقي همساً

إذ ترى أن كلمة (أنا) قد وقعت مبتدأ لخبر محذوف يدل عليه المقام، تقديره كائن أو موجود. وهذا استعمال غريب لا جذور لـه في النحو العربي"([136]). ومثل ذلك عند نازك أيضاً اعتراضها على إدخال اللام على الفعل، كقول أحد الشعراء:

أقفاصه الترن في الهياكل

وعدم اعتدادها بالشواهد النحوية القديمة التي ورد فيها هذا الاستعمال([137]).

يستعين بعض هؤلاء الشعراء بذوقهم اللغوي حكما نقدياً ينظرون من خلاله إلى  شعر غيرهم، باحثين فيه عما يرونه فاقدا للسمات الفنية التي يقوم الشعر عليها. ولعل شيوع النثرية في كثير من القصائد أبرز ما توقفوا عنده. فحين ينظر السياب إلى  قول البياتي:

وعلى الرصيف

جوعان يبحث عن رغيف

والشارع الممتد يزخر بالجموع

من ثائرين مزمجرين

فليسقط المستعمرون

يا.. يسقط المستعمرون([138])

يرى أن هذا اتجاه نثري يحيل الشعر إلى  ما يشبه المقالات الافتتاحية للجرائد([139]). ويرد عليه البياتي مؤكداً أن في شعر السياب كثيراً مما انحدر نحو النثر والسطحية([140]). ويشير إلى  قصيدة السياب (من رؤيا فوكاى)([141]).

وتفهم نازك النثرية بأنها "خلو لغة القصيدة من هذا الأثر الخفي الذي يرقرقه الشاعر في الألفاظ. لأن الشعر النثري هو الكلام المنظوم الذي لا تشع ألفاظه المعاني الجانبية ولا ترسم جوا"([142]). وتشير إلى  قصيدة (قصة راشيل شوازنبرك) لنزار قباني([143])، مثالا للنثرية في الشعر، فلغة هذه القصيدة "كلام نثري الروح وإن احتوى على مسحة من الوزن.. لأنها خلو من النغم والصور والجو وكل ما يجعل الشعر شعراً"([144]).

ويلمح حسين مردان هذه النثرية في أبيات للجواهري منها قوله:

برد الندى ومسيل السلسل الخصرِ([145])

 

وثمّ حيث الضفاف الجرد ينعشها

فيرى مردان أن (ثم) تقريرية يضيق بها الذوق الشعري([146]).

ويجد في شعر البياتي أمثلة كثيرة لطغيان النثرية([147])، ويشير إلى  قصائده:  (فيت مين) و(الملجأ العشرون)([148]).

* الصورة:

لا يكاد يكون هناك مجال إبداعي يمنح الصورة أهمية بالغة كالشعر، فما القصيدة إلا صور تجسدها الألفاظ على نحو خاص، وما الشعر إلا التفكير بالصورة([149]).

وتستمد الصورة الشعرية أهميتها مما تتمثله من قيم إبداعية وذوقية وتعبير متوحد مع التجربة ومجسد لها. وهذا يعني أن الشعر في جوهر بنائه ليس محاولة لتشكيل صورة لفظية مجردة، لا تتغلغل في روحها عاطفة صاحبها، فهي في جانب كبير منها سعي لإحداث حالة من الاستجابة المشروطة بفنية البناء الشعري. ولأجل ذلك عرفت بأنها "رسم قوامه الكلمات المشحونة بالإحساس والعاطفة"([150]). أي أنها لا تفصح عن قيمة كبيرة في العمل الفني إذا ظلت تراكماً ذهنياً لا تظهر في كيانه قدرة الإيحاء العاطفي فالصورة على وفق تصور كولردج لها- "مهما بلغ جمالها ومهما كانت مطابقتها للواقع، ومهما عبر عنها الشاعر بدقة، ليست هي الشيء الذي يميز الشاعر الصادق، وإنما تصبح الصورة معياراً للعبقرية الأصيلة حين تشكلها عاطفة سائدة، أو مجموعة من الأفكار والصور المترابطة أثارتها عاطفة سائدة"([151]).

ولعل ذلك ما عبر عنه باشلار بقوله: "إن كل ما تحتاجه الصورة هو ومضة من الروح"([152])، وما سبقه إليه الرومانتيكيون حيث كانوا يخلطون مشاعرهم بالصورة الشعرية، فيناظرون بين الطبيعة وحالاتهم النفسية. ويرون في الأشياء أشخاصاً تفكر وتأسى، وتش