الخطاب الآخر مقاربة لأبجدية الشاعر ناقداً - د.علي حداد

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:28 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
(2)

(2)

على الرغم من أن الشعر الحر محاولة جريئة للخروج على آفاق القصيدة الموروثة، لاسيما في مجال اللغة والموسيقى الشعرية، وتجاوزهما إلى صيغ جديدة، نجد ما حدث من خلال هذه التجربة من تجديد، أدى إلى افتقاد القصيدة لجوانب مهمة من شعريتها، وذلك ما وعاه الشعراء، فهم "حين تخففوا من قيود الوزن والقافية غامروا بالتفريط بما تقدمه الموسيقى التقليدية من مزايا شكلية"([1]). وكان عليهم أن يبحثوا عما يعوض هذا النقص في البناء الشعري، ولأجل ذلك توقفوا عند الصورة الشعرية([2]). وصار بعض ما يشغلهم هو "وضع اليد على أكبر عدد منها وحصرها داخل قفص الكلمات"([3])، وكان حرصهم على الصورة في جانب آخر منه رغبة في استكمال أفق الشاعرية وتخليص القصيدة الحديثة مما شاب الشعر من خطابية ونثرية مباشرة فكانت الصورة ملاذاً خصباً في هذا الشأن لأنها "تتصف بقابليتها على تضمن الحركة والصوت واللون، وهي من خلال ذلك تكتسب حيويتها في القصيدة"([4]) في حين "أن خلوا القصيدة من الصور يعريها، ويفقدها كثيراً من جمالها وأصالتها"([5]) ويبدو أن الالتجاء إلى التعبير بالصورة في الشعر الحر تحول في مرحلة لاحقة إلى حالة من الإفراط غير المرغوب فيه، بسبب تكديس بعض الشعراء لها في قصائدهم. وغدا بناء القصيدة عندهم رهناً بمقدار المتراكم من الصور فيها. ولذلك راح بعضهم ينبه إلى هذه الحالة فيسأل السياب مستنكراً: "هل غاية الشاعر أن يري قراءه أنه قادر على الإتيان بمئات الصور؟"([6]) ويرد حسين مردان على هذا السؤال بقوله: "لعل أخطر ما تتعرض لـه القصيدة الجديدة هو عدم التعامل الجدي مع الصور الشعرية، والنظر إليها كما لو كانت مجموعة طيور ملونة تسقط من سماء غير معروفة"([7]).

ويشير السياب إلى مثال لإضاعة القصيدة في تراكم من الصور العادية يجده في قول البياتي:

-الشمس، والحمر الهزيلة، والذباب

-وحذاء جندي قديم

-وصياح ديك، فرّ من قفص، وقديس صغير

-والعائدون من المدينة: يا لها وحشاً ضرير

-وخوار أبقار، وبائعة الأساور والعطور

كالخنفساء تدب: "قبرتي العزيزة يا سدوم"

وبنادق سود، ومحراث، ونار

تخبو، وحداد يراود جفنه الدامي النعاس([8])

أما محمد جميل شلش فيرى أن السياب "أوتي مخيلة مجنحة فذة، اسعفته كثيراً"([9]) وعنده أن السياب يمثل القمة في استعمال الصورة في الشعر المعاصر، ولكنه يعتمد على أدوات التشبيه كثيراً في صوره، وهو ما لا يجعل كثيراً من صوره مثالاً مهماً في التعبير الشعري الحديث([10]).

وتنبه نازك على أن الصور والعواطف ينبغي ألا تزيد عما يحتاج إليه الهيكل([11]) وتبرر ذلك بأن "تكديس الصور المطلقة أو السائبة دون أي اهتمام يربط أجزاء الصورة وضبطها بالنسبة لموقعها وحركتها الذاتية يجعلها في وضع قلق وغير مستتب من ناحية الإيحاء"([12]).

وتطيل نازك تأمل آفاق الصورة الشعرية فترى أن خلو القصيدة منها، يعريها ويفقدها كثيراً من جمالها وأصالتها"([13]) لأن الصورة تمنح القصيدة شحنة من الصور المفعمة بالحيوية والحركة: "وهذه الشحنة من الصور والمشاعر التي يتلمسها الهيكل الساكن إنما هي في حقيقة الأمر صورة من صور الحركة يحاول بها الشاعر- وهو غير واع- أن يدخل عنصر الحركة إلى هيكله لينقذه من الجمود"([14]).

وتميز بين نمطين من الصور في الشعر: نمط ثابت كالذي يقوم عليه الرسم، وآخر طافح بالحركة والحياة وهو ما تتأكد من خلاله قدرة الشاعر وتمكنه من تجربته([15]) وتساوق الصورة البنائية التي تستند إلى المضمون مع ما تجترحه نازك للصورة من نمط يقوم على الصياغة الموسيقية([16]).

ويبدو أن نازك لا ترى الصورة خاتمة المطاف في التعبير الفني لدى الشاعر، ولأجل ذلك فهي تميز بين نمطين من الشعراء: النمط الأول هو الشاعر الذي يخلق جواً خاصاً، وهو لا ينشغل كلياً بالصورة بقدر سعيه إلى رسم عالم متكامل الأبعاد لقصيدته. وتمثل لهذا النمط بالشاعر (علي محمود طه). أما النمط الآخر فتراه في شعراء مثل نزار قباني ومحمود حسن إسماعيل وبدر شاكر السياب الذين تعدّهم شعراء صور قلما يصلون "إلى خلق الجو الخصب الذي يضفي بصمته على المعاني في القصيدة"([17]). ويبحث حسين مردان عن حالة الترابط بين صور القصيدة كلها، على نحو تتجانس فيه، لأن الصورة المنفردة مهما كانت قدرتها على التجسيد تبقى "محدودة التأثير إذا لم تلتحم بما قبلها أو بما يتبعها من صور أخرى"([18]).

ويدعو بلند الحيدري إلى الصورة العميقة الفاعلة والمتحركة مع آفاق فعل القصيدة([19]) ويتحدث السياب عن الخيال مرادفاً للصورة، وهو ما يحيلنا إلى رأي الرصافي قبله. ويعد الموروث مصدراً مهماً في إغناء الخيال. ويرد على من زعموا باكتفاء وجود الخيال في الشعر الغزلي دون سواه، لاسيما الشعر الحماسي، فيرى "أن كلا النوعين من الشعر يحتاج إلى الخيال. ولهذا وجب علينا دراسة الشعر القديم لأن فيه السبك الممتاز والبلاغة الرصينة واللغة السليمة"([20]). ولا يفصح السياب في حديثه عن صلة السبك والبلاغة واللغة بالخيال. ولعله كان يرى فيها ما يتمنى الشاعرية ويفتح لها مجالات متسعة من الخلق الموحي الذي يستثمر فيه الخيال وتتعمق الصورة.

*الموسيقى:

عد أرسطو الإحساس بالنغم من دوافع الشعر الأساس إلى جانب المحاكاة. وكان رائده في ذلك ما يتفرد به الشعر من خصوصية البناء المتسق الموسيقى فيه عن سواه من الفنون اللفظية الأخرى([21]). وأضاف كولردج إليه تفرد الشاعر بين الناس في روحه الموسيقية التي تلهمه الشعر، "لن يستطيع الرجل الذي تخلو روحه من الموسيقى أن يصبح شاعراً أصيلاً أبداً" ([22]). ومسوغ هذا الرأي عنده القول بتوقف الموهبة الشعرية في جوهرها عند عنصر الموسيقى أكثر منأي عنصر آخر:

"فالصورة شأنها شأن الأحداث المثيرة والأفكار الصادقة والمشاعر الشخصية كل هذه الأشياء بالإضافة إلى فن جمعها أو صياغتها في صورة قصيدة، قد يستطيع أي فرد موهوب وعلى قدرة من الاطلاع أن يكتسبها بالجهد المتصل، كما يكتسب المرء حرفة من الحرف... أما الإحساس بالمتعة الموسيقية، بالإضافة إلى القدرة على توليد هذا الإحساس لدى الغير فإنما هو هبة الخيال وحده. ومن الممكن تنمية هذا الإحساس وتثقيفه، ولكن يستحيل تعلمه"([23]).

وليست موسيقى الشعر إطاراً خارجياً تتحرك فيه مضامين الشعر بل جزء مهم من بنيته يكتنف المضمون ومنطلقات التعبير عنه ويسير معها باتجاه تكامل الرؤية وانسجام مكوناتها التعبيرية والفنية جميعاً، لأن "موسيقى الشعر ليست شيئاً مستقلاً عن معناه"([24]). ويمكن التثبت من ذلك بمحاولة إخراج أية قصيدة من ثوبها الموسيقي ونثر معانيها وسنلاحظ تشتت المعنى ومحدوديته، وهو ما يؤكد عمق صلة المعنى بإطاره الفني الذي تفصح عنه موسيقى الشعر وتلازمهما معاً.

إن صلة الشعر بموسيقاه لا تعكس رغبة مجانية يندفع الشاعر منها لتأليف كلامه وصبه في قوالب فنية لا تتبنى بعداً إنسانياً تقوم عليه. فالشعر تعبير عن دواخل إنسانية مستثارة أو منفعلة، والشاعر في سعيه إلى تنسيق بنائه الشعري، موسيقياً إنما يتمثل في واحدة من أوجه وجوده محاولة إنسانية للوقوف بوجه واقع الإنسان الذي لا يمنح روحه إلا ما يقلقها. واقع دائم التبدل والتناقض، بما لا يمنح الإنسان فرصة مناسبة لتأمله "فحياتنا تتبدل كل لحظة، والعمر يهرب، فلا نقوى على إيقافه، فنتوسل بلحظات الإيقاع واستمرار العودة التي توهمنا بالدوام والثبات، وتنسينا إلى حين سرعة الزوال"([25]).

وإذ ظلت وشائج الشعر بموسيقاه غير منبتة على مر العصور فقد ظل يعرّف غالباً من هذه الوجهة بوصفه تعبيراً فنياً، فما الشعر إلا "الفكر الموسيقي"([26]) وهو "تنظيم لنسق أصوات اللغة"([27]).

وربما اتضحت قيمة البناء الموسيقي في تحديد معظم النقاد العرب القدامى لمفهوم الشعر، مع أنهم لم يشيروا إلى لفظة الموسيقى صراحة، مستعيضين عنها بألفاظ تدل عليها كالوزن والقافية أو البناء أو النظم. ولعلنا نتوقف عند مفهوم قدامة بن جعفر للشعر كونه قولاً موزوناً مقفى دالاً على معنى([28]). الذي أضاف إليه ابن سينا عنصر الخيال، فقال إنه "كلام مخيل مؤلف من أقوال ذوات إيقاعات متفقة متساوية متكررة على وزنها متشابهة حروف الخواتيم"([29]). وكان ابن طباطبا العلوي يرى أن الشعر "كلام منظوم بائن عن المنثور الذي يستعمله الناس في مخاطباتهم"([30]).

وتقوم موسيقى الشعر على أركانه ثلاثة هي: الوزن والقافية، والإيقاع. وينظر إلى الوزن بوصفه "أعظم أركان الشعر وأولاها به خصوصية"([31]). وكان كولردج يرى أن الوزن بمفرده "ليس إلا مثيراً للانتباه"([32]) ولكنه يعده "الشكل المميز للشعر"([33]). وإذا كان الإنسان قادراً على تأليف الكلام وتنسيقه، فإن الوزن هو الذي يجعل ذلك الكلام شعراً، لأن الشعر "تأليف موزون"([34])، وليس الوزن وجوداً مدركاً من خارج الشعر بل تداخل أساس في كيانه، ولذلك وصف بأنه "ما يتقوم به الشعر، ويعده من جملة جوهره"([35])، وبالوزن تتدفق العاطفة الشعرية وتبرز آفاق القصيدة متكافئة في نظامها ومتحركة باتجاه الخلق الفني المعبر، لأن الوزن "أحد عناصر التخييل الشعري"([36]) التي تنمي مسار القصيدة وتمنحها طاقة التجسيد.

وتلحق القافية بالوزن، لأنه على رأي ابن رشيق- "مشتمل على القافية وجالب لها ضرورة"([37]) وهي "شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر"([38]).

وقد عرفت القافية على أنها "أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة وتكرارها يكوّن جزءاً مهماً من الموسيقى الشعرية، فهي بمثابة الفواصل الموسيقية يتوقع السامع ترديدها"([39]).

ومع أن القافية لفظة من جملة ألفاظ تشكل البيت الشعري إلا أن الانتماء عندها جعلها محل عناية خاصة وتأمل، لما يمكن لها أن تضفيه على القصيدة من وقع موسيقي ينسجم به المعنى، وتترسخ إيقاعاته. ومن أجل هذه الخصوصية، كان لها في شعرنا العربي تقديراً خاصاً، فأفردت لها المؤلفات التي تدرس موسيقى الشعر باباً خاصاً تدرس فيه مستقلة عن الوزن.

وليست القافية حكراً على الشعر العربي وحده فقد عرفها شعر الأمم الأخرى وأشار بعض الباحثين إلى أنها انتقلت إلى الشعر الأوروبي عن طريق التأثر بالشعر العربي. فهي لم تكن موجودة في الشعر الإنكليزي حتى القرون الوسطى لتدخل فيه من خلال التأثر بالشعر الفرنسي والإيطالي، اللذين استفاد بعض شعرائهما من الشعر العربي عن طريق الأندلس([40]). ولم ينقطع الشعراء الأوربيون المعاصرون عن الاهتمام بالقافية، فقد "عادت القافية هذه الأيام تحتل مكاناً مهماً بعد أن تجددت وانتعشت، بفضل التئامها مع إيقاع الكلام البسيط"([41]).

ولا تتكامل حدود موسيقى الشعر بالوزن والقافية وحدهما بل من خلال نسيج التلاؤم بين الألفاظ وما تحمله من معنى والوزن الذي تقوم عليه وتآلفهما وانسجام الألفاظ وتناسق أصواتها، وذلك ما يشتمل عليه مفهوم (الإيقاع) الذي "يقصد به وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام أو في البيت، أي توالي الحركات والسكنات على نحو منتظم"([42]). وهو في الشعر وفي النثر أيضاً.

فالإيقاع صورة أشمل من الوزن، وما الوزن إلا "صورة خاصة للإيقاع"([43]) وبقدر ما يقوم عليه الوزن من تصور تستمد قوانينه من خارج المضمون وما يتحرك في آفاقه من أفكار وأحاسيس، يقوم الإيقاع على تأمل للقوى الخفية التي تربط الكلمة بسواها. وهو ما أدركته نظرية النظم عند الجرجاني فوضعه في فصاحة اللفظ وتناسب العبارة([44]).

والإيقاع ظاهرة صوتية وموسيقية في الوقت ذاته، لأنها "تقوم على التكرار المنتظم ويؤدي الزمن فيها دوراً مهماً"([45])، فهو ملاحقة للبنية الداخلية التي تنسجم مكوناتها وتتناغم صياغتها في سياق من التعبير الذي يتمسك بفواصل زمنية، وهو لا يتوقف عند مستوى التنظيم الصوتي بل يتواصل انسجامه مع المعنى. لأن "الإحساس بالإيقاع يتغلغل بعيداً وراء مستويات الفكر"([46]).

ومع أن الإيقاع سمة فنية في الكيان اللفظي المؤثر قد نجد بعض صورها في صياغات النثر كما هو الحال في الشعر، فالشعر يأخذ سمة فاعلة في تواصل انثيالات الشعور وموسيقيته، عبر تداخله مع عنصر الوزن واتفاقهما في التدفق الموسيقي. ولذلك يصح القول أن الإيقاع والوزن يتلاحقان ليكتمل أحدهما بالآخر. فحين يصدر الإيقاع من بنية لفظية تتأمل المضمون وتستوعب مجالات التعبير فيه يفرض الوزن على الموضوع فيكون الإيقاع من داخل الموضوع، في حين يكون الوزن من خارجه([47]).

(1)

لم يتوقف شعراء الشطرين عند عنصر من عناصر الشعر الفنية مثلما وقفوا عند موسيقى الشعر، مد يمين النظر فيها، ومؤكدين شاعريتهم من خلالها، ومناقشين محاولة إحداث تغيير أو تجاوز لأي من جوانبها. وكان رائدهم في هذا التوجه قناعتهم في أن الشعر تجربة موسيقية قبل أي شيء آخر. عبر عن ذلك قول الزهاوي:

فليس خليقاً أن يقال له شعرُ([48])

 

إذا الشعر لم يهززك عند سماعهِ

والرصافي:

كما رنحت أعطاف شاربها الخمر([49])

 

وما الشعر إلا كل ما رنح الفتى

ومن هذا التصور عرف الزهاوي الشعر بأنه "الكلام الكَبير الموسيقي"([50]) وهو تعريف فيه شيء من الجدة وكان الوزن محط عنايتهم الأولى في الحديث عن موسيقى الشعر، مستلهمين في ذلك أفكار النقد العربي القديم في هذا الجانب، ومستجيبين لمستوى من الوعي والثقافة المعاصرين، من خلال الاطلاع على تجارب جديدة، تناقش الوزن وتتملاه طويلاً: "فالوزن للشعر قبل كل شيء"([51]) طبقاً لرأي الزهاوي. وهو ضرورة لازمة فيه "فهو الذي يحرك ساكن الوجدان فينا عند سماع هذه الألحان... وإن الكلام الفعال لابد أن يقترن بالوزن، فلا يكون الشعر شعراً إلا إذا امتزج هذان"([52]).

أما الرصافي فيرى الوزن لازمة للشعر منذ أن وجد ولدى كل الأمم، فلم "نعهد أمة من الأمم الغابرة ولا الحاضرة تغنت بشعر لا وزن فيه"([53]).

لعل سعة ما كتبه كل من الزهاوي والرصافي عن الوزن يعطي صورة واضحة عن طبيعة فهم شعراء الشطرين له، في الوقت الذي تشير إلى مدى انشغال الشاعرين به واستفاضتهما في مناقشته. ولأجل ذلك نتوقف عند آرائهما عادين ما كتباه مثالاً مناسباً لموقف شعراء الشطرين منه.

وإذا كان أرسطو يرى "أن الشروط الأساسية للشعر قد تكون في الكلام المنثور وبالعكس فإن مجرد النظم ليس كافياً لأن يجعل الكلام شعراً"([54]) فإن الزهاوي والرصافي آمنا بجانب من ذلك. فكان الزهاوي يؤيد وجود خصوصية تعبيرية للنثر ولكنه يراه في منزلة دون الشعر([55]). وكان الرصافي يقول: "ليس كل منظوم بشعر ولا كل شعر بمنظوم"([56]). غير أنهما يخالفان أرسطو بتأكيدهما أن الوزن خاصية يتقدم الشعر فيها على النثر. وهو الذي قاله ابن رشيق قبلهما، في قوله "كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه"([57]). ويرى الزهاوي أن الشعر أكثر تأكيداً في النفوس من النثر "لما فيه من النغمة، ولقابليته للحن الموسيقي"([58]). وذلك ما يجعله "أعلق بالأذهان لسهولة حفظه وأبقى في تنازع البقاء لحرص الناس على إنشاده والاستشهاد به، وحفظ الوزن لـه من الضياع"([59]).

ولعل قوله الأخير في حفظ الوزن للشعر يعيدنا إلى ما ذكره الجاحظ عن أهمية الشعر ومنزلته عند العرب وتفضيلهم له على النثر "لأن الحفظ إليه أسرع والأذان إلى سماعه أنشط، وهو أحق بالتقييد وبقلة التفلت. وما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور. عشره ولا ضاع من الموزون عشره"([60]).

ومن خلال انشغالهما بالجانب الموسيقي اهتما بالبحث عن مصدر الشعر فبحث الزهاوي في صلة الشعر بالغناء([61]). ورأى أن الغناء "تولد من امتدادات تلك الأصوات وانقطاعاتها المتخللة إياها، وارتفاعاتها وانخفاضاتها، بعد أن أخذت أشكالاً معينة، بسبب التكرار وإقبال الجمهور عليها، إلى أن صارت كلما قلدها أحد تعيد في السامعين والسامعات تلك الإحساسات"([62]) أما الشعر "فمتولد من تلك الأصوات والانقطاعات التي تتخللها بإعادتها أو زيادة مقطع عليها، أو حذفه، أو تبديل مقطع بآخر تدل على إحساسات جديدة"([63]). ويصل الزهاوي من خلال جوانب التماثل بينهما إلى القول أن الشعر والغناء "شقيقان قد تولدا من إحساس واحد"([64]).

ويقترح مساراً يتصور أن الشعر سار فيه "فالشعر في أصله كلمة تنطق بها المفجوعة مكررة إياها... كما إذا قالت: (ويلي ويلي) و(أوه أوه) بفترات قصيرة، أو قالت (قد ماتوا قد ماتوا) أو (ياويلنا يا ويلنا)... إلى غير ذلك من الكلمات التي يكررها المفجوع. ثم تقدموا فيه، فأخذوا يؤلفونه من تفاعيل ثلاث أو أربع. ثم جعلوا يغيرون بعض تلك الكلمات مع المحافظة على الوزن. ثم جعلوا يؤلفون بين الكلمات من وزنين مختلفين. وقد كان الشعر في أوله شطراً واحداً، ثم جعلوه شطرين متطابقين، ثم جعلوه عدة أبيات موافقة لأول شطر من غير إعادة شيء من الكلمات إلا الروي الذي هو بمثابة عضو أثرى للكلمة التي كانوا يعيدونها"([65]).

إن ما يذكره الزهاوي هنا محاولة تأمل فردي أراد منها تقديم تصور لمراحل تطور الشعر حتى استقراره على ما هو عليه الآن، متخذاً الشعر العربي مثاله في تحديد خطوات التطور.

ومع مشاركتنا للزهاوي قناعته في كون الشعر "مثل الأحياء قد مشى على سنن الارتقاء من البسيط إلى المركب"([66]) لا نجد من الوقائع والتصورات ما يسند المسار الذي حدده لتطور الشعر. أو ما يجعلنا لا نفترض تصوراً لمسار آخر قد سلكه الشعر في تطوره. فلم يكون التفجع والحزن مصدراً أولاً للشعر؟ وما الذي يمنع أن يكون مصدره الترانيم الدينية وطقوسها أو حالات الفرح أو الحماسة لاسيما أن الزهاوي لم يهمل أهمية الانفعالات النفسية في البحث عن مسار تأصيل الشعر. فهو يرى "أن الأوزان نشأت من التهيج، فإن الإنسان إذا تهيج تهيجاً عصيباً اكتسب كلامه انتظاماً، وهذا الانتظام هو شيء من الوزن([67]). وعبر هذا التصور ينكر أن يكون للوزن وجود خارج إطار هذه الانفعالات التي يجسدها الشعر: "وقد ظن الكثيرون أن للأوزان حقيقة في الخارج، فجعلوا يتساءلون عن كيفية العثور عليها. وهذا خطأ فإن الوزن هو هذا الذي يقوله الموتور أو المتحمس عند ثورة إحساساته ويكرره. فإذا كان شديد التأثير- وهو لا يكون مؤثراً إلا إذا تألف منه تفاعيل متناسقة- شاع وغنى به غيره، فكان وزناً من الأوزان"([68]).

ويتفق الرصافي مع الزهاوي في القول بصلة الشعر بالغناء، ويضيف الرقص إليهما، فعنده "أن الغناء والرقص غريزتان من غرائز الإنسان، كما أن النطق غريزة فيه. وما الشعر إلا وليد هاتين الغريزتين، فإن النطق، وهو أسنى مظهر من مظاهر الشعور، لما اقترن بالغناء تولد الشعر"([69]).

ومن خلال تساوق غريزة النطق بالغناء يقوم الرصافي بترتيب بعض مما يراه خطوات في طريق ترتيب أصل الشعر، فيرى أن "مسافة ما بين الكلام والوزن قد قصرت بالسجع"([70]) وإن المسافة "تزداد قصراً عندما يقترن السجع بالغناء"([71])، وقد تطور السجع ليولد نغماً صوتياً مكرراً هو القافية([72]) وإذا انتظم إيقاع السجع في مرحلة لاحقة كان الرجز "أول مولود من أوزان الشعر"([73]) لأنه "أسهلها على القريحة وأخفها على الطبع وأقربها إلى النثر. وما الفرق بينه وبين الكلام المسجوع سوى وزن قريب المأخذ سهل التناول"([74]) فضلاً عن أن "احتمال وقوعه في الكلام أكثر وأقوى من احتمال وقوع غيره من الأوزان"([75]).

ولعل فكرة الرصافي عن تطور الكلام إلى شعر تبدو على شيء من الموضوعية إذا ما قورنت بأفكار الزهاوي، لاسيما أن الرصافي تحدث عن مسار لتطور صوتي- موسيقي لا يرتبط بمشاعر معينة أو عاطفة خاصة.

وتتسم أفكار الشاعرين بالرغبة في عدم التوقف عند أوزان الشعر العربي المعروفة، مع اعترافهما بقيمة هذه الأوزان وأهميتها([76]) ولكنهما يعدان الثبات على ما توصل إليه القدماء من الأوزان مما ينافي حركة الحياة ويعارض منطق الأشياء في التبدل وعدم التوقف عند حالة واحدة.

يرفض الزهاوي: "أن نبقى نحن العرب جامدين على الطراز الأول الذي استحسنه أجدادنا في الشعر، فأنا أكثر الناس ميلاً إلى التجدد والتقدم بالشعر تقدماً يناسب ارتقاءنا في العلوم والحضارة"([77]). ويؤكد الرصافي ذلك بقوله أن القدماء "لم يقصدوا حصر أوزان الشعر العربي في البحور الستة عشر، وإنما هم نظروا فيما بلغهم من أوزان الشعر... ويجوز أن يأتي آخر فيجد أو يوجد لنا وزناً آخر غير هذه الأوزان. فلا مانع للشعراء اليوم أن يأتونا بأوزان جديدة خارجة عن هذه... وأما حصر أوزان الشعر في هذه البحور الستة عشر كما يقول الجامدون على القديم فليس بصحيح ولا معقول"([78]). ويبرز الرصافي ذلك من خلال التذكير بصلة الشعر بالغناء، إذ "إن الشعر لم تكن الحاجة فيه إلى الوزن إلا من أجل اقترانه بالغناء وإذا كانت ألحان الغناء وأنغامه غير محدودة لزم أن تكون أوزان الشعر غير محدودة أيضاً"([79]). أما الزهاوي فيجد لتوقفنا عند أوزان الخليل مبررات تتصل بواقع حال الشخصية العربية في العصر الحديث، فعنده أن جمودنا على القديم من الأوزان هو كجمودنا على كثير من العادات الموروثة سبب كبير لتأخرنا في الشعر عن الغربيين الذين سبقونا فيه أشواطاً"([80]).

ولعل اهتمام الزهاوي هنا منصب على فكرة التجاوز لما هو سائد من أوزان الشعر العربي وبحثه عما يجد فيه سمات العصرية التي شغلته طويلاً، لأنه عندما يضع أوزان الشعر العربي مقابل أوزان الشعر الغربي مثلاً يجد أوزاننا أرقى من سواها([81]).

وليست الدعوة إلى الكتابة بأوزانه خارج ما استقرأه الخليل بالجديدة، فقبل الرصافي والزهاوي قال السكاكي: "فلا يظنن أحد الفضول عندهم في الباب من ضم زيادة على ما حصروه ليست في كلام العرب"([82]).

وأباح الزمخشري النظم على ما ليس معروفاً من الأوزان([83]). ولم يتوقف الأمر عند حدود الكلام وحده، إذ قام بعض الشعراء بمحاولات الخروج على العروض العربي ونظموا أشعارهم بما لم يألفه الشعراء قبلهم([84]).

ولعل أفكار الشاعرين في الدعوة إلى التجديد الموسيقي تأخذ جانباً من المنطقية حين نجدهما قد تمثلا قناعتهما بصلة الشعر بالغناء، وهو ما أفاد منه الزهاوي في تحديد مسارب التجديد الموسيقي في الشعر، فإذا كانت دعوة الرصافي إلى التجديد في هذا الجانب لم تفصح عن نفسها بتصور بيّن لما يمكن استثماره في إيجاد الأوزان الشعرية المتطورة أو الجديدة كانت دعوة الزهاوي أكثر توفيقاً مع خلال المصادر التي رآها مناسبة لذلك فهو يدعو إلى الاستفادة من أساليب التلحين والغناء العصرية: "وأي تثريب على الشاعر إذا نظم بلغة فصيحة على أوزان تلائم الأغاني العصرية التي ينظمها اليوم أصحاب الأناشيد في مصر وسورية"([85]). ويتضح جانب من السياق المنطقي الذي يستخدمه الزهاوي لتأكيد رأيه في مناقشة آفاق العلاقة بين الشعر والغناء التي يميل إلى القول بتبدلها في كل عصر. فيرى أن الأغاني العصرية تختلف عما كان يغنى في العصور السابقة من الشعر الذي قام على أوزان الخليل. وإذا استجدت في هذا العصر ألحان جديدة "فالاحجى أن يكون اليوم بين الأوزان التي انتقلت إلينا من الأقدمين أوزان لنا تطابق ما في عصرنا من الألحان الجديدة"([86]) ويرى فيما يكتب من شعر عامي مصدراً آخر يمكن استثمار بعض صياغاته الموسيقية في إنضاج أوزان شعر جديدة([87]). وتتضح خطورة  الفكرة التي ينادي الزهاوي بها حين نلاحظ أنه يستعين بتصور خاص للغة الشعر التي يراها مناسبة لاستنطاق الموسيقى الشعرية الجديدة، فهو يدعو إلى جعل لغة التكلم لغة للشعر "فإذا قدرت أن تجعل لغة التكلم لغة الشعر تولد الأوزان الجديدة من نفسها"([88]). وتبدو غرابة فكرة الزهاوي هذه في كونها غير ممكنة التحقق في هذا العصر الذي عرف ازدواجاً لغوياً بين ما نتكلم به وما نكتب. ولعلها تحمل في طياتها اعترافها بأن التجديد في الأوزان سيبقى في الوقت الحاضر تصوراً نظرياً غير متحقق، وتظل أوزان الخليل وحدها مسار التجربة الشعرية العربية، حتى يتحقق ما تمناه الزهاوي من توحد لغة الكلام بلغة الشعر والكتابة.

لم يشر شعراء الشطرين إلى مفهوم خاص للقافية. ويبدو أنهم قصدوا بهم غالباً الكلمة الأخيرة من البيت الشعري متجاوزين حالة الخلاف بين الفراهيدي الذي حددها بالأصوات التي تتألف من الحرف المتحرك قبل آخر ساكن حتى آخر حرف من البيت، والأخفش الذي عدها آخر كلمة في البيت إطلاقاً([89]).

واختلف هؤلاء الشعراء-لاسيما الزهاوي والرصافي- في النظر إلى أهمية القافية في الشعر، فكان الزهاوي يرى أن "لا تعلق لها بالموسيقى التي تقوم بالوزن وحده"([90]). وهذا يتفق ورأي قدامة بن جعفر([91]). في حين يجد الرصافي أن "الشعر بلا قافية مخالف للغاية المطلوبة التي لأجلها وجد الشعر وهي الغناء"([92]).

ويحاول الزهاوي وضع تصور نظري للكيفية التي ظهرت فيها القافية ومراحل تطورها حتى وصلت إلى ما هي عليه في الشعر. فيرى "أن شعراء العرب في القديم الأقدم من الجاهلية كانوا في مناحاتهم وأعيادهم كلما ندبوا أو تحمسوا يكررون الجملة في لحن واحد، كما يفعل الأعراب اليوم عند تحميسهم، وهو ما يسمونه (الهوسة). ثم تقدموا فصاروا يكررون آخر كلمة في الشطر، جاعلين ما يقولونه يدور عليه، ثم تقدموا، فاكتفوا بإعادتها في آخر كل بيت. وهكذا إلى أن جعلوا يكتفون بتكرار حرف واحد مكان الكلمة في آخر أبيات القصيدة، هو الروي"([93]).

ويصل من خلال هذا كله إلى القول أن القافية في صورتها الحالية "بقية من جناس كان يلتزمه قوم في القديم لم يصل تأريخ الأدب إليهم"([94]). وهي "عضو أثرى قد زال معظمه"([95]).

ويبدو أن الزهاوي مغرم بتأصيل العناصر الموسيقية في الشعر، فلقد مر بنا ما ذكره عن الوزن. ولعل ما قلناه في صدده يمكن إيراده هنا لمناقشة أفكار الزهاوي عن القافية.

ويرى الرصافي أن القافية أسبق في ظهورها من الوزن، من منطلق رأيه بأن مصدرية الشعر تبتدئ من الكلام المسجوع، حيث تبدو السجعة في الكلام صورة أولى للقافية في الشعر([96]).

اختلف الزهاوي والرصافي في موقفهما من القافية. فكان الزهاوي يرى أنها "قيود ثقيلة في أرجل الشعر العربي الذي يرسف منها، ولا يكاد يمشي حراً كما يجب أن يمشي. وكم شاعر خسر المعنى لانصرافه إلى القافية"([97]). ويعدها عائقاً في طريق التجديد:

والشعر يعوزه الجديدُ

 

كل الفنون تجددت

من قواميسه القيودُ

 

ما قام حتى أثقلته

اختلفت قوافيها القصيدُ([98])

 

ما ضر سامعها لو

وتقوم قناعة الزهاوي في الدعوة إلى نبذ القافية على عدة مبررات. فهي عنده سبب تقصير الشعر العربي عن اللحاق بالشعر الغربي"([99]). ومنطلقه في ذلك أمران: أولهما أسبقية الشعر الغربي للشعر العربي في مراحل التطور والآخر تصوره أن الشعر الغربي لا قافية فيه. أما الأمر الأول فيقوم على نظرة الزهاوي إلى الشعر بوصفه جزءاً من الكيان المعرفي والحضاري للمجتمع والأمة. وبما أن الغرب قد قطع أشواطاً كبيرة في التقدم والرقي فإن شعره على وفق ذلك متطور بمقدار لا يمكن للشعر العربي الوصول إليه. وغاب عن باب الزهاوى أن الشعر في كثير من جوانبه لا يخضع لمسار التطور العلمي والثقافي بقدر ما يتطلب تواصلاً مع العمق الروحي والعاطفي وصدق المشاعر. أما ظنه بانعدام القافية في الشعر الغربي فهو ما يؤكد اطلاعه المحدود على ذلك الشعر الذي لم يفتقر نظمه إلى القافية([100]). وهو ما رد به الرصافي عليه بقوله: "لا صحة لما يقال أن الشعر الإفرنجي لا قوافي لـه. وإنما نعلم أن بعض الشعوب الإفرنجية تفننوا في قوافي شعرهم فنوعوها، وباعدوا ما بينها، لا أنهم أخلوا شعرهم من القافية بالمرة"([101]) ولم يمنع ذلك الرصافي من التوقف عند طبيعة القافية في الشعر ليعد القافية في الشعر العربي "أصعب مما عند الغربيين... إذ الروي عندهم ساكن دائماً، وعندنا متحرك بحركة مختلفة"([102]).

ويقوم المبرر الثاني لرفض الزهاوي للقافية على أنها سبب فقدان الشعر القصصي عند العرب ([103]). وهو أمر يثيره لديه وجود هذا النمط من الشعر في الآداب الغربية. ولاشك في أنه يقصد الشعر الملحمي الذي عرفته الأمم الأخرى كاليونان والرومان([104]). لأن الشعر القصصي موجود في الأدب العربي ولم تقف القافية مانعاً لنظمه.

والقافية عند الزهاوي مسؤولة عن "قلة الابتكار وتفاهة المعاني والموضوعات عند العرب"([105])، ولأن الشاعر يخسر المعنى بسبب انصرافه إلى القافية حتى "لكأنهما الحجر الأساس لبناء أبياته. فهو لم يتحر القافية للمعنى بل تحرى المعنى للقافية، فجاءت معانيه متناقضة"([106]). ولعل في رأيه هذا تحاملاً غير مقبول على الشعر العربي الذي لم تقف القافية فيه حائلاً أمام الشاعر الكبير كي يبدع في شعره، وأن يبتكر من المعاني والموضوعات ما خلده الزمن.

ويضيف الزهاوي مبرراً آخر لنبذه القافية يجده في اللغة العصرية التي يراها قد حددت مجال التعبير لدى الشاعر العصري بعد أن تخلصت من الألفاظ المهجورة" ولا يرد عليّ أن شعراء الجاهلية كانوا يستطيعون أن يأتوا بالقافية لكل معنى يريدونه فإن اللغة كانت يؤمئذ أوسع منها اليوم، إذ لم يمت منها-كما في عصرنا- أربعة أخماس مفرادتها، بتعاقب العصور.. ولم يبق للشاعر إذا عز عليه إن لم يهمل القافية إلا أن يأتي بالكلمات المهجورة"([107]).

ويجد في مقدار صلة الشعر بالمتلقين الذين تعودوا على القافية سبباً يضيفه إلى قوله بأنها ليست بلازمة كل اللزوم للشعر فهي "لا تطرب إلا الذين اعتادوا سماعها وإنّها إذا أهملت- وسوف تهمل- بضع سنين لا يجد السامع فيها ذلك الطرب، كما أن الذين يطربون بالجناس مثلاً لا يطربون اليوم بعد إهماله كل هذه السنين"([108]) فضلاً عن أن "السامع لبيت منفرد لا يرتاب في كونه شعراً، وإن لم يسمع قرينه"([109]).

وينتهي الزهاوي إلى الدعوة لتخليص الشعر العصري من القافية، ولكنه ينظر إلى الأمر بشيء من العقلانية، فلا يدعو إلى إسقاطها منه دفعة واحدة. لأن الذوق السائد يستقبح تعطيل الشعر من القافية مرة واحدة" وقد ألفها أكثر من ألف وخمسمائة سنة"([110]). ويجد الحل المناسب في تبديلها بعد كل عدد محدد من الأبيات: "إن خير طريق للخلاص من عبئها هو أن يحافظ الشاعر في قصيدته على البحر سواء أكان من بحور الشعر القديمة أم الجديدة وأن ينتقل بعد كل بضعة أبيات إلى روي جديد، فإن القصيدة لا تخلو من مطاليب مختلفة مع مناسبة بعضها لبعض"([111]).

ومن خلال استقرائه لمسار الشعر العربي يعلن الزهاوي قناعته بأن القافية ستزول، لأنها "عضو أثري قد زال معظمه وسوف يزول ما بقي منه من جسد الشعر بتوالي الأيام"([112])، لأنه يرى أن الشاعر سيكون أمام خيارين، فإما أن يضحي بالمعنى للقافية أو بالقافية للمعنى"([113]) ويرجح الزهاوي الأول الثاني: "ليكون الشاعر حراً يسهل عليه أن ينظم ما يشاء من المعاني"([114]). ولعل نبوءة الزهاوي في تخلص الشعر من القافية الموحدة قد تحققت بعد سنين من وفاته، وعلى أيدي أصحاب الشعر الحر.

وإذا كان الزهاوي قد مثل الرأي الداعي لنبذ القافية فقد عبر الرصافي عن الرأي القائل بضرورة وجودها في الشعر، لأنه يرى أن "الشعر بلا قافية مخالف للغاية المطلوبة التي لأجلها وجد الشعر وهي الغناء"([115]).

وتبدو آراء الرصافي بمثابة ردود تناقش أفكار الزهاوي وتعارضها. فهو يرد على الزهاوي قوله بخلو الشعر الغربي من القافية: "وأنا وإن كنت لم أطلع على الشعر الإفرنجي لعدم معرفتي لغة أجنبية فقد أطلعت على المتفرنجين من شعراء الأتراك الذين قلدوا شعراء الإفرنج تقليداً مطلقاً، ومشوا في أشعارهم على آثارهم... فلم أرَ شعرهم خالياً من الوزن ولا من القافية"([116]). وغاية ما يراه عندهم "أنهم يباعدون في القوافي ويتجوزون فيها، لا أنهم يهملونها بتاتاً"([117]). كما يعيب على الزهاوي ادعاءه بأن تكرار القافية يخلق الملل في نفس السامع، ويرد عليه بحكم ورود القافية في الشعر العربي: "إن بعض الناس عابوا على الشعر وقوافيه بأنها تكرار ممل، وذلك وهم منهم، فإن القافية لا تتكرر في الشعر بل تكرارها عيب عند العرب يسمى بالايطاء. وإنما يتكرر منها حرف واحد وهو الحرف المسمى بالروي، فالمعنى في كل قافية غير المعنى في سواها"([118]).

وبقدر صحة هذا الرأي فيما يتعلق بالقافية فإنه يحمل في الوقت نفسه جانباً من تحامل الرصافي على الزهاوي في مرحلة من مراحل علاقتهما التي كانت عرضة للسوء والقطيعة. ولاشك في أن الرصافي كان واثقاً من فهم الزهاوي لإحكام القافية وصورة حرف الروي الذي يتكرر وحده ليس الكلمة الأخيرة التي تأتي حروف القافية منها. ولم يقل الزهاوي بأن القافية تتكرر من حيث المعنى بل تكرارها الموسيقي وحده.

توزع بقية شعراء الشطرين بين ما قال به الزهاوي وما قال به الرصافي وإذ لم نعثر للشبيبي على رأي صريح فيما يتعلق بالقافية فإنه قال في إحدى قصائده ما يضعه في صف من يزرى بها:

بعداً لشعرٍ بالقوافي يلجم([119])

 

أبدعت نظم الشعر غير مقيد

ويصدق هذا الرأي على الشرقي الذي يقول عن شعره: "أنحرف عن القصيدة المطولة ذات الوزن المديد إلى الشرقيات والموشحات لما في ذلك من حسن الإيقاع وبراعة الاختصار"([120]).

وكان الموقف المؤيد للزهاوي أكثر وضوحاً لدى البصير الذي نادى بأن لابد لنا من إعلان حرب على وحدة القافية"([121]).

أما الجواهري فقد واءم بين الوزن والقافية، ولم ير انفصالاً لأحدهما عن الآخر، لأنهما أهم خصائص "مدرسة الشعر الأصيل التي لم تعجز عن أداء النغم"([122])، بما لها في أوزانها وقوافيها من فلسفة خاصة عميقة "فهي كالأبواب والمصاريع على سعة ورحب لأن يدخل منها الشاعر وتدخل الفكرة، بما يوافق كل بحر منها. فقد تجد هناك شاعراً طالما عالج الفكرة بهذا البحر، فتكون حبيسة ذاتها لا تخرج للوجود، حتى يكتشف بحراً آخر بتفعيلة أخرى، فينطلق إلى ما لا نهاية"([123]).

ومثلما يرى الجواهري في القافية خصوصية فنية، يعد التخلص منها مما لا يقدم جديداً بقدر ما يفقد الشعر وضعيته التعبيرية الخاصة([124]).

انتهت دعوة الزهاوي إلى التخلص من القافية إلى أن يدعو إلى الشعر المرسل بوصفه صيغة تعبيرية شعرية تقدم تطوراً في هذا المسار، مثلما تعكس نقلة في رؤية الزهاوي للشعر استجاب فيها إلى ما وقع عليه بصره من أساليب تجديد في الشعر.

ومع أن الزهاوي لم ينظم من الشعر المرسل سوى قصيدتين نجد ما كتبه عنه جعله رائداً له في العراق، ومن رواده في الشعر العربي الحديث([125]) وإذ أيد دعوة الزهاوي إلى الشعر المرسل من أيده([126]) فإن الرصافي كان على رأس المناوئين لها، منطلقاً من حرصه على نظام القصيدة العربية الموحد القافية. ولا يبدو رد فعل الرصافي على دعوة الشعر المرسل قائماً على نظرة موضوعية وتحليل منطقي، بل نتيجة لخلافه مع الزهاوي، ومحاولة كل منهما النيل من مكانة الآخر. يقول الرصافي: "وجل ما يتجلى لي من هذا الشعر الذي يسميه صاحبه بالمرسل، إنما هو اقتران الرعونة بالشعور وخلط السخافة بالظرافة وإدغام التفاهة بالنباهة، وطلب السمعة من وراء البدعة"([127]). ويلاحظ أن الأوصاف التي أطلقها الرصافي عامة ليست ذات مضامين نقدية أو هدف موضوعي، فما معنى اقتران الرعونة بالشعور؟ وكيف يمكن دعم التفاهة بالنباهة وهل هذه أحكام نقدية أو هي تصورات عن شخصية صاحب دعوة الشعر الحر (الزهاوي) وليس عن شعره؟.

وكانت قضية الشعر المنثور من القضايا الأخرى التي لم يتفق عليها الزهاوي والرصافي. وإذا كان الزهاوي يمثل جانب التجديد في الدعوات السابقة وكان الرصافي يمثل المحافظة فإنهما في قضية الشعر المنثور يتبادلان المواقع، ليمسي الرصافي مجدداً والزهاوي محافظاً. فقد كانت آراء الرصافي تقوم على القول أن سمة الشاعرية موجودة في النثر مثلما هي في الشعر([128])، وهما وإن اختلفا في شيء فهو ليس اختلافاً يتمثل في احتواء أحدهما خصائص معينة تميزه من الآخر، فالشعر، "سمي شعراً لا لكونه ذا وزن وقافية بل لكونه في الغالب يتضمن المعاني الشعرية"([129]). ولكل من الشعر والنثر مساره التعبيري، فالشعر "واسطة لبيان إلى المعاني الشعرية، أي لبيان سانحات الحس والخيال، بخلاف المنثور فإن الغالب فيه أن يكون واسطة لبيان ما هو من ثمار العقل ونتائجه"([130]). ومن هذا المنطلق قال الرصافي بأن الشعر المنثور يؤثر بمعانيه التي تفعل في النفس ما يفعله الإنشاد المقترن بالنغم والإيقاع([131])، واقترح له تسمية (الشعر الصامت) "لخلوه من الوزن والقافية وافتقاده إلى الإنشاد تبعاً لذلك"([132]). وأبدى إعجابه بأمثلة الشعر المنثور الذي يكتبها (أمين الريحاني) و(جبران خليل جبران) مع رأيه الخاص فيما كتباه، فهما "وإن كانا مجيدين في صناعتهما إلا أنهما ليسا من المبتدعين فيها على ما أرى بل من المتتبعين لأهل الغرب والمقتبسين من آدابهم([133]). "كما أن الرصافي أعجبه ما ينظمه بعض الشباب من الشعراء العراقيين([134]) بل قام بكتابته أيضاً في تقريظه لكتاب (الشيطان) لمراد ميخائيل([135]).

وعلى الرغم من تبني الزهاوي لدعوة التخلص من القافية ونظم الشعر المرسل ظل يدعو إلى "أن يكون مشياً في الطريق الأمثل الذي نحن سائرون عليه كما سار أجدادنا غير جانحين عنه إلى طريق جديد لم تألف المشي عليه أقدامنا. ومن هذه الرؤية رفض الزهاوي الشعر المنثور لأنه رآه "ليس من الشعر في شيء مهما كانت صورته ومهما سموه شعراً، وذلك لخلوه من الموسيقى"([136]). وإذا كان الشعر المرسل عنده تطوراً في مسار الشعر العربي فقد عد الشعر المنثور "تطوراً في النثر لا في النظم، وليس من الشعر المصطلح عليه عند الأدباء في شيء بل هو رجوع إلى النثر المسجع الذي دالت دولته منذ أمد بعيد"([137]). ولا جل ذلك فهو يرفض إطلاق وصف الشعر عليه([138]).

(2)

كانت أوضح جوانب التجديد التي قدمتها تجربة الشعر الحر ما ظهر في المجال الموسيقي الذي قامت عليه هذه التجربة، فلقد "أدرك رواد الشعر الحر أن العصر الحديث الذي يعيشون فيه يستوجب التعبير عنه بأسلوب شعري جديد يلاحق إيقاعاته ويتمثل مظاهره، مقتنعين بأن الأساليب الموسيقية الموروثة ما عادت قادرة وحدها على أداء ذلك، ما لم يأتها من يحاول إحداث روح جديدة تستمد أصالتها من الموروث وتستوعب رؤية العصر وآفاقه&