|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:30 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
فرويد في عيادة سوفوكليس في المجموعة الكاملة لأعماله المسرحية الممتدة بين 1964- 1988، والمنشورة في دار طلاس/ دمشق، عام 1989، يحضر الكاتب المسرحي السوري علي عقلة عرسان أمام القارئ المتأني، ويعرض مسرحياته المتعاقبة وقد انتظمت في رؤية موحّدة، وأداء فني يحمل فرادته دون أي لبس، فهو وسعد الله ونوس الراحل على عجل علمان متميزان- ومتمايزان- في الإبداع المسرحي المرتفع بقوة وجرأة إلى مصاف الإبداع العالمي. وهما في هذا المجال مصدر فخر للحركة الأدبية السورية. وقد توزعت مجموعة الأعمال تلك في جزئين اثنين، كان ختامهما الميمون مسرحية أمومة، التي رأينا أن نخصها بدراستنا الحالية، لأهميتها الفكرية ولما فيها من إتقان في الأداء رغم اختزالها الشديد. تمتد المسرحية المذكورة من الصفحة844 وحتى الصفحة873، أي على مدى ثلاثين صفحة لا غير، ولكن الكاتب يستعرض في هذا الحيّز المحدود أشهر مسرحيات سوفوكليس والتحليل الفرويدي- المغلوط، حسب رأيه- لهذه الأعمال الخالدة، هذا مع تجنب الانزلاق في الذهنية الجافة، ومع تحقيق أداء درامي بسيط، لكنه مبتكر وطريف، ومشوّق، فكيف تأتّى له ذلك؟ بكل بساطة، لقد أسعفه الخيال المبدع باستحضار المسرحي اليوناني سوفوكليس إلى الإذاعة السورية-!!- حيث هو "باستلام" مقدم إذاعي همام لا يتمالك نفسه في بداية المقابلة عن إصدار ضحكة مكتومة، لغرابة الموقف الذي وجد نفسه فيه على حين غرّة. على أن هذا العمل يمكن أن يكون أيضاً لوحة مسرحية أو مجرد "اسكتش" تلفزيوني. وما نسبناها بادئ ذي بدء إلى التمثيل الإذاعي إلا لأنها قدمت كذلك في 14/4/1974 من الإذاعة السورية، ومن يدري، فربما جاءت على هذا الاختزال، وبهذه الصيغة الدرامية المبسّطة لأنها تكرست مسبقاً في واعية الكاتب كمادة إذاعية مسموعة، كما سوف نلاحظ لاحقاً ونحن من جانبنا، سوف نعمد في هذه الدراسة إلى إضاءة: 1- التشكيل الدرامي المسرحي. 2- الموضوعة الفكرية المحورية، وتنويعاتها الرديفة. 3- لننتقل من ثمّ في المقام الثالث إلى مناقشة التحليل الفرويدي ومدى مصداقيته، بعيداً عن رأي علي عقلة عرسان الذي تماهى في هذه المسرحية مع الكاتب اليوناني سوفوكليس، بطل "أمومة"، أولاً وأخيراً. 1- التشكيل الدرامي المسرحي قد يكون من الضروري عند خط الانطلاق في تناول التشكيل الفنّي معرفة "حكاية" المادة الفنية موضوع الدراسة. ومسرحية "أمومة" يمكننا تلخيصها بأنها "مقابلة" مع سوفوكليس المستحضر -بالإبداع الفني لا بتحضير الأرواح- إلى العصر الحديث بغية الدخول في حوار ساخن معه، ومساءلته حول تلك الصورة الذميمة التي رسمها للأم في مسرحياته. فذلك هو العمود الفقري للحكاية. ويتراءى للقارئ أو المستمع- أو المشاهد إذا ما مثلت يوماً على خشبة مسرح- أن بناء المسرحية سوف يكون مترهلاً بالتنظير والنقاش الجاف، رغم طرافة الفكرة، ولكن- كلما مضت "أمومة" قدماً تبيّن له أنها غنية بالتنويع والحركة، كيف؟! حسناً، أثناء النقاش، تحضر بعض شخصيات سوفوكليس معاتبة أو مغاضبة مبدعها، أو متخاصمة فيما بينها لبرهة من الزمن، ويكون من ثم الرجوع الدائم إلى قطبي المسرحية: المسرحيّ اليوناني الغابر ومحاوره السوري الحديث، من وراء ميكروفون إذاعي، أو فوق خشبة مسرح تأخذ إيحاء منصة عالية معلقة في فضاء اللانهاية على امتداد الزمن الإبداعي المطلق. على أن حكاية العمل الفني ما هي أكثر من.. ذريعة للولوج إلى عالم الإبداع: إنها، إذا شئت العظام التي يكسوها خالقها و.. ينشزها كينونة نابضة بالحياة. والتشكيل المسرحي الجمالي هو الذي يبتكر تنويعاته على إيقاع الهيكل العظمي للحكاية، وهي تنويعات تشمل فيما تشمل الثالوث الخالد: حركة درامية+ مكان+ زمان، ولو توخينا مزيداً من الدقة قلنا: بل هي الحركة الدرامية داخل بعدي المكان والزمان. على أن كاتبنا، في حقيقة الأمر، يضع شخصياته عن سابق تصور وتصميم في لا مكان ولا زمان. إنه يريد أن يعالج قضية إنسانية خالدة، لها امتدادها الدائم في كل مكان وزمان، ولذا فإطار عمله هو: اللانهاية مكاناً وزماناً. وبالتالي، فما أغناه عن أية ديكورات أو توضيحات مكانية وزمانية! التوضيح الوحيد يطالعنا في السطر الأول من عمله المسرحي في إيجاز ما بعده من إيجاز: "خشبة مسرح عارية. مكان يشبه الفراغ الأسطوري". ولو أراد القارئ المتأني لغيّر وبدّل دون أي حرج قائلاً: بل هو فراغ الوعي الإنساني في امتداد أغواره المهولة على مسرح الكون الفاغر أمام اللانهاية! وإذا كان الكاتب قد ضبط مقياس الزمن على بعدي الحاضر (المقدم) والماضي (سوفوكليس)، فالبعدان مختلطان متداخلان، لأن الماضي يمثل أمام الحاضر ويتحاور معه، فهو الماضي الحاضر أو الحاضر الماضي، لا همّ، باختصار: إنه المطلق الزماني، ناهيك أن الشخصيات الهاربة من مسرحيات سوفوكليس تتعارك فيما بينها، مثلما تتشابك مع سوفوكليس والمقدم على حد سواء. نعم، المطلق في هذه المسرحية يمتص الآن وكل أوان، فأي عجب أن تكون البداية ومقدم المقابلة يغصّ بضحكة: إنه النقطة الضائعة في محيط هائل، نقطة "تريد" أن تختصر جميع الأمداء!! علماً أن تلك الضحكة تعطي نكهة ساخرة مازحة أرادها المسرحي تلويناً ملطّفاً لمسرحيته، ولكن الإطار العام يظل داخل أجواء ذلك المطلق الكاسح، وهو ما تحسن "قفلة" المسرحية تبيانه بكل جلاء، حيث المقدّم يبتر المقابلة ولم يكن سوفوكليس قد قال "كلمته الأخيرة" بعد!!- المقدم : يا سيدي الطيب سوفوكليس انتهى الوقت المحدد لحديثنا معك ونحن نشكرك. سوفوكليس: سقى الله تراب أثينا.. فقد كنا نجلس في مسرحها ومنتدياتها نتحدث الساعات الطوال ولا يقول لنا أحد انتهى الوقت. سقى الله تراب أثينا.. سقى الله.. المقدم : سيداتي وسادتي نشكركم على حسن إصغائكم ونأمل أن تكونوا قد أمضيتم مع الأمومة في مسرح سوفوكليس وقتاً ممتعاً. تحياتنا لكم وإلى اللقاء (تحديداً نهاية المسرحية ص، 873/874). ترى، فكيف كان تعاقب لحظات الحركة الدرامية وصولاً إلى هذه النقطة الباترة؟ نحن في البداية مع سوفوكليس ومحاوره السوري من خلال مقابلة في.. مسرح دمشق- كما يقول المقدم مخاطباً الجمهور-. وهذا الحوار الثنائي يتحول إلى "لازمة" متكررة، متقاطعة مع "ظهورات" لجميع أفراد.. الأسرة الفرويدية: أوديب وأمه جوكاست- من مسرحية أوديب الملك-؛ أنتيغونا و... "صوت الرسول" إلى الملك كريون- من مسرحية أنتيغونا-؛ كلوتمنسترا وابنتها إلكترا- من مسرحية إلكترا- وفق التسلسل التالي: - الصفحات 844- منتصف 849 :لازمة أولى. - الصفحة 849- منتصف 850 :صوت أوديب يشكو فاجعته. - الصفحات 850- منتصف 852 :لازمة ثانية. - تتمة الصفحة 852 :صوت أوديب يلعن العرّافين. - الصفحات 853- منتصف 856 :لازمة ثالثة. - تتمة الصفحة 856 :صوت الرسول إلى كريون. - جملتان حواريتان ص857 :لازمة رابعة. - تتمة ص857- منتصف 858 :أنتيغونا تحاجّ سوفوكليس بلوعة. - جملتان حواريتان ص858 :لازمة خامسة. - تتمة 858- منتصف 859 :أنتيغونا مجدداً. - تتمة 859- منتصف 861 :لازمة سادسة. - تتمة 861- 866 :خصومة صاخبة بين كلوتمنسترا وسوفوكليس وإلكترا. - تتمة 867- منتصف 872 :لازمة سادسة. - تتمة 872 :إلكترا مجدداً. - 873- 874 :لازمة سابعة (قفلة الختام) وإذا تذكرنا أن صوت أوديب لم ينطلق من أعماق الزمن الغابر إلا بعد تمهيد قصير من جوكاست في جملتين حواريتين لا غير (ص848) تقولهما معاتبة سوفوكليس ثم تختفي، أمكننا القول إن المسرحية قد بنيت في ثماني "محطات" وثماني"انطلاقات". ثلاث محطات أولى يتم الانطلاق منها على التعاقب نحو عالم أوديب وأمه جوكاست. من بعدها محطات ثلاث توجه المسير نحو عالم أنتيغونا، ليكون الاختتام العاصف في محطتين تتوجه البوصلة من خلالهما نحو كلوتمنسترا والكترا. ناهيك أن تراقص البوصلة إياها يظل دائماً وأبداً داخل أجواء الأسرة الفرويدية الموزعة في تلك المسرحيات الثلاث التي فرت منها شخصياتها وحضرت لحماً ودماً إلى العصر الحاضر، باستثناء أوديب الذي لم يحضر منه سوى الصوت البعيد الغور، وكذلك شأن الرسول إلى كريون ملك طيبة. وأما هذا الأخير فقد اكتفى الكاتب منه بالصوت لضآلة شأنه بينما تعمد التعمية على أوديب بالصوت البعيد لا غير تأكيداً على شناعة جريمته، فكأن أوديب يتوارى خجلاً وشعوراً جارفاً منه بالذنب. ويمكن للقارئ أن يعاين بكل وضوح تناظر وتكامل هذه الأجزاء المتفرقة من خلال تساوي الأبعاد الزمانية، لأن ساعة الإبداع الداخلية لدى الكاتب المتميز تحسن توزيع اللحظات الدرامية دون أي تشتت أو نشاز فحضور أوديب وأمه مكافئ -امتداداً زمنياً- لحضور أنتيغونا وكلوتمنسترا على حد سواء. وإذا كانت هذه الأخيرة في صراعها مع الكترا ومع مبدعها سوفوكليس تحتل المسرح لفترة أطول قليلاً فما ذاك إلا على سبيل إتقان البناء "العضوي" الذي تمركز حول موضوع الأمومة: إن كلوتمنسترا هي الأم المبتذلة. ألم تقتل زوجها وتتنكر لولديها إلكترا وأورست؟! هي إذن- لاجوكاست وأوديب- رمز الأسرة الملعونة، والعلاقة الأسرية الموبوءة. فأي عجب أن تحتل مساحة أكبر، وسوفوكليس ما أراد إلا تبرئة جوكاست- وتبرئة نفسه- من الإساءة إلى "طهارة" الأمومة، وقدسية المرتبة التي تحتلها على مسرح المجتمع البشري- أو هذا على الأقل ما أراد علي عقلة عرسان قوله عبر مسرحيته الخاصة! وإذا كان الإطار العام قد اتخذ طابع "المقابلة" -شكلاً- فإن الكاتب يدرك بعمق مزالق مثل هذا الإطار، إذ المسرح حركة قبل كل أمر آخر وها هو يدمج "المتحاورين" في الحركة الدرامية العامة مع ظهور الشخصيات الهاربة من الماضي، لا إقحاماً على سبيل الإيضاح العابر وإنما حضوراً خالداً عبر الزمان والمكان، مع مبدعها ومع كل إنسان لا على التعيين. وما أجمل في هذا السياق انفعال سوفوكليس الجارف حيال وقاحة كلوتمنسترا حتى كادت تصيبه نوبة قلبية!! وها هو المقدّم وقد أسرع ينجده ويستحلفه أن يتماسك! لم نعد إذن في "مقابلة" بل نحن داخل الحركة الدرامية للمسرحية في تجاذب طرفيها: الأمومة المظلومة من جانب -جوكاست تحديداً- والأمومة الملوثة الموبوءة من جانب آخر- هي هنا كلوتمنسترا دون غيرها. ولو أردنا رصد حركة الشخصيات على خشبة المسرح لتعذر علينا ذلك، لأن الكاتب لا يقدّم بهذا الصدد أية إيضاحات، وما ذاك إلا لأنه، كما سبق أن ذكرنا، تخيل العمل سلفاً كمادة مسموعة. فالمتلقي مستمع -في واعية الكاتب- والعمل يتبلور ضمن هذا المنظور. إنها إذن المرة الأولى بعد الألف التي يتأكد فيها أن العمل الإبداعي هو دائماً وأبداً حصيلة لقاء المرسل والمتلقي في القواسم التشكيلية المشتركة. وأما من واتته الجرأة وقال " أكتب لا لأحد" فما تبعث قولته سوى الابتسام. بل إنك أيها الكاتب أمام جمهور، حقيقي أو افتراضي، وجمهورك هو الذي يحدد مسار عملك.. نعم، بالتأكيد، وفق ضوابط وإمكانيات إبداعك الخاص!! وأي عجب والحال هذه، أن تكون أجمل الأعمال التراثية القديمة، هي الأعمال "الشفهية": ألف ليلة وليلة، أو الإلياذة، أو قلقميش أو.. وهل أسعد من الشاعر الجوّال الذي يراقب انعكاس ما يقول على وجوه مستمعيه، وهل أبرع من الحكواتي الذي يقص ويراقب انفعالات جمهوره فيحبك قصته على إيقاع تلك الوجوه المتشنجة المنفرجة على التوالي!! ولكن علي عقلة عرسان يبني عمله المسرحي "أمومة" على مفترق الطريق بين المسموع والمنظور. وجهته الأولى أذن المستمع وما تنقله من إيحاءات، لكن "أمومة" يمكن ببساطة أن تتحول إلى عين المشاهد دون كبير صعوبة، لأن الموضوع في حد ذاته بني أساساً على المطلق الزماني والمكاني.. في "مكان يشبه الفراع الأسطوري". والفراغ كما هو معلوم جزء لا يتجزأ من الديكور المكاني. وهو الفسحة التي ترتسم "بها" و"فيها" الحركة الدرامية. إذن، لقد تعمد الكاتب في موضوعته المميزة بامتدادها الإنساني الخالد أن يجعل الفراغ الهائل ديكوره الأوحد الذي يمتص المكان والزمان على حد سواء متيحاً بذلك سهولة التنقل بين المسموع والمنظور. فلو شاء مسرحي إخراج هذا العمل أمكنه بتفاصيل صغيرة: سمعية (تناوب الموسيقى والصمت مثلاً) وبصرية (المؤثرات الضوئية الملونة وتناوب الضوء والظلام، وربما بعض الألعاب الضبابية)، من إحداث كل الحضور الدرامي المؤثر أمام جمهور المشاهدين. وأما في المجال السمعي (مادة إذاعية)، فتبقى المؤثرات الصوتية: قرباً ونأياً مع الأصداء البعيدة الغور إذا لزم الأمر.. دون أن ننسى بطبيعة الحال اختيار الموسيقى المرافقة لبعض المواقف. كلا، لسنا في تحليلنا هذا نلبس مسرحية علي عقلة عرسان ما ليس فيها. لقد أرادها كاتبها مادة مسموعة ولكنه عن عمد ترك الباب مفتوحاً للانتقال بها إلى حيّز المسرح المرئي. إن هذه "النيّات المضمرة"هي التي تحدد اختيارات كل كاتب، وتضبط حدود مخططه الإبداعي المرتسم في واعيته قبل الشروع بالتنفيذ الميداني، ومن واجب كل ناقد أن يتابع دائماً تفاصيل وجزئيات ذلك المخطط المبيّت سلفاً من خلال العمل الإبداعي موضوع الدراسة، وهو تحديداً ما نحاول جاهدين من جانبنا جلاء معالمه دون تحامل أو محاباة. وقد بقي علينا الآن التوقف ملياً عند الكلمة المسرحية لدى كاتبنا، الذي يتبنى في هذه المسرحية وفي جميع أعماله لغة مدروسة متأنية، تحمل طابع الفخامة والبلاغة، وتعتمد جمالية الجمل الحوارية القوية، فهو في هذا المجال قد اختار نموذجه اللغوي دون أي تردد: إنه الأسلوب الكلاسيكي الفخيم، الذي قد يرتفع أحياناً إلى مرتبة الشعر- كما في مسرحية "تحولات عازف الناي"- وتباين علي عقلة عرسان في هذا عن سعد الله ونوس، الذي جعل مسرح اللامعقول- العربي عموماً، والسوري خصوصاً- بغيته واختياره الأثير، ونزل في ذلك المسرح باللغة من عليائها البلاغية والجمالية إلى ما يقرب من الأداء الشعبي.. "المكسر" أحياناً!! وما أجمل هذا التباين، وما أحوجنا في المادة الإبداعية إلى جميع الأضداد المتقابلة. فلولا هذا التنويع اللامتناهي لتحوّل الإبداع إلى نسخة كربون وحيدة تتكرر ببؤس ورتابة، بإضجار ما بعده من إضجار. وقد يتوهّم من يتوهّم أن لغة المسرح الحوارية يجب أن تلتزم البساطة والعفوية لأنها لغة الكلام. ولكن هذا الوهم بعيد الضلالة. فالجملة الحوارية المسرحية تخضع بالضرورة للقولبة الفنية الجمالية، ودون تلك "القوالب" الجمالية التي تنصبّ فيها- حتى، بل تحديداً، عندما تنحو إلى البساطة! -لا تعود سوى ما نراه في بعض "التهاريج" الشعبية المبتذلة، من تعابير غثة، سخيفة وممجوجة. ولابدّ لنا في هذا المجال من التوقف ملياً عند إشكاليتنا النوعية: التعارض المطلق بين لغة الكتابة ولغة الكلام بناءً، إذ هناك لغة معربة تقابلها ها هنا لغة تخلصت من الإعراب إلى غير رجعة منذ قرون عديدة، ومفرداتٍ، حيث تلاعبتِ المؤثرات المختلفة- وعلى رأسها موضع النبر- تحريفاً وتبديلاً للكلمة الواحدة على امتداد الرقعة الجغرافية العربية المترامية. فانظر مثلاً إلى "هذا الوقت" وقد تحولت في لهجتنا الشامية إلى "هلّق"، بينما جعلتها اللهجة المصرية "دي الوقت" ومثلها "هكذا" التي أعطت هنا "هيك" وهناك "كده"، إلى آخر ما في هذه الجعبة من العجائب والغرائب. ولسنا حالة استثنائية، فاللغة كيان حي، والحياة تطور وتحول. ترى، أليست الفرنسية والإيطالية والإسبانية مثلاً مشتقة مباشرة من عاميّات اللاتينية الأشدّ تقعّراً، بينما نصفها حالياً بأنها لغات "رفيعة" و"راقية"؟! لقد حافظت قدسية النص القرآني على استمرارية اللغة الكلاسيكية ولكنها مع ذلك لم توقف تطور اللغة العامية وصولاً إلى عصرنا الحالي، حيث أصبحنا ولكل منّا -كما كان الأمر على امتداد أجيال وأجيال- حساسيتان: فاللغة المكتوبة لا نتفاعل معها إلا في أدائها المتوارث- حتى مع التجديد في بعض التراكيب-، بينما حساسيتنا لا تستنفر لدى الكلام إلا مع العامية، ونقل أي من اللغتين من نطاقها الوظيفي الخاص بها إلى النطاق المغاير لا يثير إلا الاستهجان: فالعامية تجرح حساسيتنا عندما تكتب، والفصحى تجرح حساسيتنا عندما تصبح للمخاطبة. وقد حاول توفيق الحكيم ذات يوم إيجاد مخرج من هذا المأزق المستحكم، فابتكر لغة الحوار المسرحي المبسطة التي يمكن أن تقف على التخوم بين المحكي والمكتوب، لكنه بالتأكيد لم يحل الإشكالية ولم يحقق بكل بساطة، إلا لغته المسرحية الخاصة به، وهذه في نهاية المطاف غاية الغايات لدى كل كاتب. فماذا عن علي عقلة عرسان في هذا المعترك الساخن، والمسرح حوار، والحوار كلام محكي؟! لقد اختار كما رأينا دون أدنى تردد اللغة الكلاسيكية وليس لأحد أن يلومه. فالكلمة المسرحية من بين ضروراتها الدلالية أن تكون بليغة الوقع في الأذن والوجدان- بأدائها الجمالي والرمزي المكثف، وبمطابقتها لواقع حال الشخصيات المسرحية على اختلاف مشاربها وشرائحها الاجتماعية، وهذا ما يمكن أن توفره الكلمة الكلاسيكية لما تحمله -سلفاً- من موروث ثقافي يوحي بالرفعة والسموّ. بل إن هذه الكلمة لا مهرب منها على الإطلاق في الأعمال التاريخية، كما هي حال المسرحية التي هي موضع دراستنا الحالية. وهل يمكن لسوفوكليس وشخصياته "الملكية" المتنوعة التحدث بالعامية السورية مثلاً؟! ولكن كاتبنا لا ينسى أن ينوّع هذه الكلمة ببراعة منتقلاً بها بين حدّي البساطة والعفوية من جهة والبلاغة الخطابية والجزالة المفخمة من جهة ثانية، ففي المشادّة العنيفة بين كلوتمنسترا وسوفوكليس يعنّفها هذا الأخير بعد تماديها في التطاول والمحاجّة الوقحة: "سوفوكليس: أعجب.. أعجب للرذيلة ترفع رأسها وتتطاول وتنظر بعينيها الوقحتين إلى الشمس الطاهرة.. أعجب كيف تطرح حججها السقيمة، أعجب! (لكلوتمنسترا) عودي أيتها المرأة من حيث أتيت.. عودي عليك اللعنة.. إن الأمومة بريئة منك والزوجية المقدسة بريئة منك." (ص865). ومن قبل هذه الجمل الرنانة المبنيّة على جزالة وحماسة الخطابة ها هو سوفوكليس نفسه يشرح بلغة مختلفة، بسيطة وعفوية هذه المرة، قسوة الحالة الاجتماعية والسياسية في أثينا حين كتب مسرحية "أوديب": "سوفوكليس!.. إنكم تذهبون بعيداً في تصوراتكم وتنسون مواطئ أقدامكم. كنا نأكل الثوم والبصل في أثينا، وكانت روائح السمك تملأ شوارعنا.. لسنا فقط هذه التماثيل والمعابد وصورها التي توزع عليكم اليوم." (ص856). ومع هذه التقابلات المتباينة بساطة وجزالة، والمستمرة على امتداد مسرحية "أمومة" نضع نقطة النهاية في إطلالتنا الشمولية على مقومات التشكيل الدرامي المسرحي فيها، لننتقل مباشرة إلى تحري موضوعتها المحورية: ضلال التحليل الفرويدي لمسرحية "أوديب الملك" وما يلحق بهذا المحور من تفريعات رديفة تغني النسيج الفكري فيها. 2 - الموضوعة المحورية والتفريعات "... إن ما نرغب فيه الآن هو أن نتحدث معك عن دور المرأة الأم من خلال مسرحياتك التي وصلت إلينا". هكذا يوجّه المحاور السوري دفّة "أمومة" منذ البداية في الصفحة /847/، وهو يشرح لسوفوكليس الغاية من "استدعائه" وكان هذا الأخير على وشك الاسترسال في ندب حظه بعد أن علم بضياع معظم مسرحياته تقريباً. بل هناك ما هو أبعد لأن المسرحي اليوناني في واقع الأمر موضوع تقريباً في قفص الاتهام، والتهمة الموجهة إليه أمام محكمة العقل والضمير يعرضها المحاور السوري في الصفحة نفسها: "المقدم: لقد ارتكبت أنت يا سيد سوفوكليس ما لم يجرؤ على ارتكابه أحد من الأولين أو الآخرين بحق الأمومة والمرأة الأم". نحن إذن مع تهمة "تدنيس" صورة الأمومة حيث أوديب الخاضع للعنة القدر يقتل أباه أولاً، ثم يتزوج أمه ثانياً، وها هو ثالثاً يستولدها الأبناء الذين هم في الوقت ذاته، إخوته وأبناؤه!! وإذا كان سوفوكليس يريد التأكيد على حتمية القدر، وتعذّر الفرار من "المقدّر والمكتوب"، فلماذا لم تسعفه إلا هذه الحالة السفاحية البغيضة؟! ناهيك أن فرويد العصر الحديث قد جعل من الحالة الأوديبية مرتكز تحليله النفسي المعروف!! بالخط العريض، تلك هي الاتهامات التي يرشق بها المقدّم السوري محاوره اليوناني الرفيع الشأن. وللردّ على هذا الاتهام الشنيع يتحرك سوفوكليس على محاور عدّة: أ- أولها، إحالة مسرحه إلى الواقع الاجتماعي والسياسي في أثينا آنذاك. ب- وثانيها، الاستعانة بحياته الشخصية ومجمل أعماله المسرحية لدحض ما يوجه إليه من تلفيق. ج- أما ثالثها وآخرها، فهو إبراز الأمومة الملعونة- وهي هنا كلوتمنسترا وليس جوكاست- من طرف، وتوكيد صورة الأمومة الحانية النبيلة من طرف آخر- أنتيغونا، ومن بعدها إلكترا-. أ- ونبدأ مع الواقع الاجتماعي والسياسي لنعلم مدى سيطرة رجال الدين واتخاذهم "العرافة" من بعض وسائلهم الدنيئة لفرض ما يريدون. فالكاهن ترزياس قال لأوديب ما قال كي يبعده ويتخلص منه، "لأن أوديب لا يسير كما يريد الكاهن" [ص851] والكاهن ترزياس نفسه هو الذي كان قد قال النبوءة نفسها للأب لايوس وكان ابنه أوديب قد ولد لتوّه، وغايته التخلص من أوديب مقدّماً: "فلو عاش أوديب كابن للايوس وملك بعده لأصبح الحكم من بعده ملكياً وراثياً ولسقطت سيطرة ترزياس في عزل الحاكم وتنصيب غيره فخسر ذلك السلاح. واليونانيون لا يريدون الحكم الملكي أيضاً. على الأقل كان هناك حزب كبير من الديمقراطيين وهم قادرون على التعاون مع الكهنة وعقد صفقات مصالح.. من مصلحة الكهنة أن يبقى تعيين الحاكم بأيديهم." [ص851- 852] ومن جانب آخر، فلا يجوز تجاهل واقع أثينا المرير عام 429 ق.م، حين كتب سوفوكليس مسرحية أوديب تحديداً. إنها حرب البلوبنيز وأثينا محاصرة: "الحصار والطاعون أكلا الناس أكلاً.. وسقط بيركليس من جرّاء ذلك وأبعد عن المدينة ولعب الكهنة دوراً بشعاً مستغلين العامة وأصحاب الأغراض والغايات.." [ص855] مسرحية "أوديب الملك" إذن فيها.. إلاّ!! فلماذا لا تكون كما يقول سوفوكليس في "أمومة" علي عقلة عرسان "قصة بيركليس حاكم أثينا آنذاك؟".. لقد فعل معه كهنة دلف الكثير ليتخلّصوا منه واتهموه بأبشع التهم" [ص854] والمسرحي اليوناني الأشهر ابن أثينا فلم لا يربط أعماله بالوضع السياسي والاجتماعي لمدينته الفريدة، في أوج القرن الخامس قبل الميلاد، الذي ربما كان -قبل عصرنا الذري المذهل- أغرب مراحل التاريخ حيث تمت بلورة مجمل النتاج الحضاري الإنساني حتى حينه، ضمن إطار المحيط المشرق لحوض المتوسط العامر بالإبداع منذ بدايات الاجتماع البشري!! ومن الجدير، بعد هذا الدفاع الموفق لسوفوكليس عن مسرحية "أوديب الملك" أن نتابع الآن، ومن "أمومة" تحديداً، هذه الخلاصة الختامية كما هي واردة حرفياً في الصفحتين 854- 855: "المقدم : إذن ليست القضية قدرية ولا كما ذكر فرويد. سوفوكليس : من فرويد هذا؟ المقدم : عالم نفساني اتخذ من أوديب نموذجاً لعقدة نفسية حملت الاسم نفسه. سوفوكليس : ماذا قال عن أوديب؟ المقدم : قال إن أوديب عشق أمه في الصغر.. وكره أباه لأنه الخصم الذي ينافسه في حب الأم ولهذا قتله وأخذ مكانه.. وهو يرى أن هذه الأمور تتم في مراحل الطفولة الأولى.. في السنوات الأولى من عمر الطفل. سوفوكليس : ولكن أوديب الصغير لم يعش مع أمه سوى يوم أو يومين كما ذكرت في المسرحية ربما لم يكن يرى أو يميز المرئيات خلالهما. فمتى عشقها عشق الذكور وشعر نحوها بشعور الرجل ومن ثم استحوذ بها لايوس من دونه وتعقد أوديب.. متى حصل كل ذلك.. في يوم أو يومين كانت فيهما جوكاست في حالة النفاس ما هذا التخريف.. المقدم : عفواً.. إن فرويد عالم كبير. سوفوكليس : فليكن.. فليكن.. إنما أقول ما أرى أنه المنطق. المقدم : لك رأيك.. أما نحن فنحترم فرويد.." كلا، لم نورد هذه الفقرة بأكملها عبثاً: إنها، أولاً، تلخيص بارع لموضوعة "أمومة" المحورية، مثلما هي، ثانياً، مرتكزنا ومرجعنا في القسم الثالث والأخير من هذه الدراسة لمناقشة سوفوكليس- طبعاً ومن ورائه علي عقلة عرسان- في عرضه ودحضه في الوقت نفسه للتحليل الفرويدي. وعلى أي حال، فإننا نتابع هذه الفقرة لنختتم تفسير مسرح سوفوكليس انطلاقاً من الواقع الاجتماعي والسياسي السائد حينذاك في أثينا. فهل وفينا ذلك الواقع حقه؟ بالرجوع إلى ما هو وارد في "أمومة" نعم. وأما بالرجوع إلى المادة التاريخية الغنية، فلا. وليس لنا أن نخوض مطولاً في هذا المجال حتى لا نتحول إلى البحث التاريخي الخالص، ولكن لا غنى عن الإشارة العابرة إلى أن القرن الخامس قبل الميلاد كان حافلاً بالأحداث بدءاً بالحروب مع الفرس الذين عبروا بحر إيجه وعلى رأسهم ملكهم داريوس ولكنهم هزموا على يد الاثينيين في "ماراتون"؛ وها هي أثينا من بعد ذلك تدفع بجيوشها المنتصرة داخل المنطقة الآسيوية وصولاً إلى صلح كالياس عام 449 ق.م ومن بعد الحروب مع الفرس التي سميت الحروب الميدية، ها هي الحرب الضاربة بين أثينا وسبارطة، وهي الحرب التي تحكمت في سيرورة الثلث الأخير من القرن الخامس قبل الميلاد، وكانت نتيجتها وبالاً على أثينا حيث كانت الغلبة هذه المرة لسبارطة، بانتظار القرن الرابع قبل الميلاد حيث قيّض لطيبة تحقيق الغلبة على سبارطة. ليكون من بعد ذلك تدمير طيبة على يد الإسكندر عام 335 ق. م ولم يكن بيركليس في هذا السياق إلا تتويج الظفر الكاسح على الفرس وهو من استلم الحكم عام 461 في الرابعة والثلاثين من عمره، فكان عصره أزهى حقب تاريخ أثينا، وخلال تلك الحقبة الذهبية شيدت أروع الآثار، وتفنن فيدياس، واسخيلوس وسوفوكليس، وتبلورت الأسماء الكبرى في الفلسفة، سقراط (470- 399) وتلميذه الخالد أفلاطون (428- 348). ولابد بالتالي لقارئ- أو مستمع- أو مشاهد- "أمومة" من أساس تاريخي واضح ليستكمل استمتاعه عن طريق الفهم الدقيق للإيحاءات والإسقاطات التاريخية تفسيراً لمسرح سوفوكليس. ويبرهن علي عقلة عرسان في هذا المجال عن إلمامه الواسع بالخلفية السياسية للمسرح اليوناني، وعن متابعته الشمولية لتلك الحقبة بغية ربط الحركة الفنية والفكرية بالواقع الحيّ الملموس، وهي نظرية في النقد الأدبي والفكري شديدة الرواج، وربما كانت من أصدق المقاربات للمادة الإبداعية. ب ـ استكمالاً وتدعيماً للواقع السياسي والاجتماعي يقدم سوفوكليس حياته الشخصية أولاً وأعماله ثانياً لدحض الافتراء الموجه إليه. وها هو في الصفحة 846 يعرّف بنفسه: "ولدت في قرية كولونا.. وعملت كاهناً وسياسياً وكاتباً مسرحياً". ولدى سؤاله عن المنصب السياسي الذي شغله، يشرح لنا أنه كان مسؤولاً عن المال في عهد بيركليس العظيم، وأنه شارك في بعض الحروب، الرجل إذن من المطلعين على خفايا الأمور، ومن أقرب المقربين إلى كواليس السلطة، دنيوية ودينية على حد سواء. وها هو يشرح شرح الضليع العارف: "أنا لم أسمع زيوس أو أبوللو أو غيرهم من الآلهة يتكلمون.. رغم أنني كنت كاهناً، ولكنني سمعت الكهان يدبجون النبوءات ويعيدون صوغها بأسلوب شعري ومسجوع ثم ينطقون باسم أولئك الآلهة المساكين" [ص850- 851]. وفي هذا الإثبات لكذب النبوءة التي لفقها ترزياس للقضاء على أوديب منذ ولادته. ترزياس ذاك إذن متآمر؟ ويؤكد سوفوكليس على ذلك ويستشهد بما جاء في مسرحية "أوديب الملك" على لسان أوديب الذي نسمع صوته ينبعث من الأغوار السحيقة في نجوى مأخوذة من المسرحية التي حملت عبء توضيح مأساته الفاجعة: "أوديب: يريد أن يسقطني، ويُثل عرشي، هذا الساحر، هذا الماكر.. هذا المشعوذ الخائن الذي لا يرى إلا المال، والذي هو أعمى في فنه، وإلا فأنبئني متى كنت كاهناً بصيراً.. ما بالك حين كانت تلك الكلبة تلقي عليك ألغازها، لم تقل كلمة واحدة لتنقذ أهل هذه المدينة؟ فلم يكن تفسير ذلك اللغز لأول طارئ على المدينة، وإنما كان خليقاً بكهانة الكهان. لقد ظهر حينئذ ألاّ حظ لك من علم تلقيه في نفسك الطير، أو توحيه إليك الآلهة." [ص852]. ناهيك أن لسوفوكليس كما يقول في الصفحة 846"... ما يزيد على مائة وعشرين مسرحية. وقد نلت الجائزة الأولى ثلاثاً وعشرين مرة فعلى أي شيء نلتها كل هذه المرات إذا كان لي سبع مسرحيات فقط؟" ويؤكد له المقدّم مجدّداً أنه لم يتبقّ من مسرحه سوى سبع مسرحيات لا غير: "إياس -فيلوكتيتس- الكترا- أنتيغونا- المرأة التراقينية- أوديب الملك- أوديب في كولونا" ومن الطبيعي بالتالي أن يدافع سوفوكليس عن نفسه مع نهاية "أمومة" تقريباً: ".. إن الأم معطاء حنون في مسرحي.. ولكن ما ذنبي إذا لم تصلكم من مسرحياتي إلا نماذج من الأمهات مشوهات النفوس مثل كلوتمنسترا.. إن عندي أندروماخا وهيكوبا: أين هما؟ ولكن المقدّم لا يهتمّ لهذه الحجة ويسرع كما سبق ورأينا ببتر المقابلة لأن وقتها قد انتهى ولابد من تحية وداع.. على السريع! وضمن هذا السياق من الشؤون والشجون الشخصية يبثّ سوفوكليس المقدّم همومه المريرة وهو يتذكر كيف أقام ابنه دعوى عليه في المحاكم متهماً إياه بفقدان الأهلية وبأنه.. خرف، والسبب بكل بساطة أن ذلك المسرحي الذي بلغ حدود الثمانين اتخذ لنفسه خليلة فتاة صغيرة السن: "أما كان من حقي أن أصادق امرأة بعد طول الوحدة؟.." [ص860] وتكون مناسبة طيبة لشرح مأساة المرأة في المجتمع الاثيني آنذاك، وهذا كما قال ديموستين: إن بنات الهوى للذة والخليلات لصحة أجسامنا اليومية والأزواج ليلدن لنا الأبناء الشرعيين ويعنين ببيوتنا.." ويستنتج سوفوكليس في ختام هذا الشرح: "..لقد أفسدنا المرأة فأفسدت المرأة بعض القيم في حياتنا" [ص870] ويصاب المقدّم بدهشة، لأن تلك الصورة المخزية من شاهد عيان تصدمه وهو الذي يحمل أجمل الصور عن عصر بيركليس الزاهي، فيطلب المزيد من الإيضاحات، وتجدر متابعة هذا المقطع الصغير الشديد التكثيف والدلالة: "سوفوكليس : يا بني.. يا بني.. آخ.. ماذا أقول لك.. أيعرّي الإنسان نفسه وعصره. إنكم تحملون عنا أجمل الصور وأحلى الأفكار. فلماذا نفسد ذلك عليكم. المقدم : إننا نبحث عن الحقيقة. سوفوكليس : الحقيقة؟! كم أهيل عليها من التراب عبر العصور. وما زال جوهرها يشع ويغري الناس بالبحث عنها.. ربما كان برقها خلّباً يا بني، ولكنه مغرٍ.. نركض خلفه كما يركض العطشان خلف السراب.. إيه.. يا بني.. أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد الحقيقة، كما أعرفها أنا." نعم، إن الحقيقة شخصية -رغم شموليتها- ولا يعرفها إلا من يعيشها ويعانيها. ويسترسل سوفوكليس في استعراض الشذوذ الذي كان سائداً في أثينا وتعاظم شأن المحظيات وعلى رأسهن اسبازيا، خليلة بيركليس، ولا ينسى بالطبع لا يئيس: "التي لم تترك لذي وقار وهيبة في أثينا، هيبة ولا وقاراً.." [ص871]، علماً أن التاريخ الأثيني عرف أكثر من لا يئيس، ربما كانت أشهرهن عشيقة ألسيبياد، القائد الأثيني الذي تتلمذ على يد سقراط. وتظل الغاية النهائية التنديد بالتحليل الفرويدي، فكيف لم ينتبه فرويد إلى أن نبوءة ترزياس وما نجم عنها من سفاح ما كانت إلا دناءة من بين جملة دناءات؟! ج- هنا لابد لنا من الانتقال إلى ما في "أمومة" من إدانة لكلوتمنسترا، مقابل تبرئة جوكاست وأوديب، والتأكيد على إشراق وجه الكترا التي لعبت دور الأم مع أخيها أورست، بالإضافة إلى سمو ونبل أنتيغونا التي ظلت الأمومة الحانية حلمها بعد أن كرّست نفسها لخدمة قضية الحرية والتصدّي للظلم. ولنبدأ مع كلوتمنسترا التي تعاونت مع عشيقها إيجيستوس على قتل زوجها أغاممنون في الحمام، بعد عودته الظافرة من حصار طروادة، وكان قد اضطر، انصياعاً لنصيحة العرّاف، أن يضحّي بابنته "يفجينيا" استرضاءً للآلهة، وإنجاحاً للحملة اليونانية على طروادة. ولننظر إلى حوار الكترا ووالدتها: "كلوتمنسترا : إنك دائماً تنعين عليّ أنني قتلت أباك.. نعم فعلت ذلك، لقد نال جزاءه بما استحق. الكترا : لا.. إن أبي لا يستحق المصير الذي آل إليه.. فقد ضحّى بأختي طلباً لرضى الآلهة.. ولكنك لم تقتليه أنت انتقاماً لأختي المسكينة كما تزعمين، وإنما اندفعت إلى ذلك مفتونة بحب ذاك المجرم الذي تعيشين معه.. عشيقك الذي أجلسته على عرش أبي وشاركته فراشه؛ قتلته تكليلاً للفسق والفجور." [ص863]. وفي موضع أبعد قليلاً، بعد أن تندب كلوتمنسترا قتل ابنها لها بالتعاون والتواطؤ مع أخته، تنبر في وجه سوفوكليس! "-كلوتمنسترا (...) تجعل الابن يقتل أمه. يذبحها.. أهذه هي القيم التي تحملها وتقدمها للأجيال؟.. فتتصدى لها ابنتها اليكترا دون هوادة. وعامداً متعمداً يتجاهل كاتبنا أورست الذي تمت الجريمة على يده: إنه في الواقع لم يكن إلا الأداة في يد شقيقته: "الكترا: أم فاجرة.. تعاونت مع عشيقها على قتل زوجها.. وأثمت في فراشه واستمرت في تعاطي الإثم، واستخدمت ابنتها كالعبيد وأذلتها، وأرادت أن تقتل ابنها، هذه هي أنت. أتسمّين هذا تصرّف أم، وتطلبين أن تعاملي على أنك أم، وتخرجين من حفرتك المقيتة لتتكلمي عن القيم وأنت تجرَين خلفك أسود العار؟!" هنا يدخل سوفوكليس ضمن المشادة ويصبح جزءاً من الحركة الدرامية: "سوفوكليس: أجيبي يا كلوتمنسترا. أجيبي ابنتك كلوتمنسترا: أنت وهي ضدي. سوفوكليس: القيم والشرائع والقوانين الإنسانية كلها ضدك.." [ص864- 865] الكترا، والحال هذه، هي -على ذمة سوفوكليس ومن ورائه دائماً مبدعه علي عقلة عرسان- صاحبة قضية ولا تخاف في الحق لومة لائم. لقد نذرت نفسها لإحقاق الحق وللمبدأ الأخلاقي الأسمى الرافض للغدر والإثم. وهي في هذا المجال بمنزلة الأم -البديل بالنسبة لأورست وها هي تندبه بعد أن حمل إليها ما قيل إنه.. رماده، وكان قد أجهز على أمه كما خططت له إلكترا التي تناجيه الآن: "-.. إلى أي حال صار ما بذلت من العناية بطفولتك، تلك العناية التي تعودتها والتي كنت أحتمل في سبيلها هذه المشقة الحلوة، فما كنت في ذلك الوقت أعز على قلب أمك منك على قلبي.." [ص872]. وبطبيعة الحال فهذه الفقرة مأخوذة من مسرحية "الكترا" لسوفوكليس، وجاءت ضمن السياق الدرامي لـ "أمومة" علي عقلة عرسان بكل براعة وعفوية. ويشيد سوفوكليس بهذه العاطفة الصادقة ويلفت نظر المقدم إلى أنها نموذج من بين نماذج عديدة على سمو المرتبة التي يرفع إليها الأمومة في مسرحه، على عكس ما هو منسوب إليه، ظلماً وتسرعاً وسوء فهم. ثم ها هو يسارع إلى تقديم النموذج الآخر، أنتيغونا- التي نذرت حياتها للتصدي لبطش السلطة الملكية وقوانينها المتذرعة بالمصلحة العامة ومنطق الدولة. لقد خالفت أوامر الملك كريون- وانتصرت لشقيقها القتيل بولينيس، وفي سبيل هذه القضية النبيلة حرمت على نفسها الزواج- وبالتالي الأمومة- وهو حرمان يبدو أنها، مع تقادم الأزمان بدأت تعاني من وطأته، فهي تعاتب سوفوكليس بمرارة فيرد عليها هذا الأخير: "سوفوكليس : لقد كانت الفرصة سانحة أمامك ولكنك رفضت. أنتيغونا : متى؟ سوفوكليس : كان خطيبك هيمون يريدك وكنتما على وشك الزواج وإنجاب الأطفال.. ولكنك فضلت شيئاً آخر.. المجد ومقاومة السلطة الغاشمة والوقوف إلى جانب الحق والعدل وأشياء أخرى. أنتيغونا : لست نادمة على ذلك، ولكن ألم تسخرّني له أنت (صمت) ألم تحكم عليّ أنت بذلك؟ سوفوكليس : أنتيغونا الرائعة.. لم أعن مطلقاً بالمخلوقات الضعيفة.. ولذلك أوكلت لك ما أحب من مهام.. هكذا أردت أن تكون المرأة. أنتيغونا : بلا زوج ولا أولاد. سوفوكليس : إذا اقتضت المصلحة العليا ذلك وحالتك استثناء (...). انتيغونا : (...) مازال في حلقي غصة ألم لأنني لم أكن أماً.. الأطفال، يا لجمال الأطفال.. (تبتعد) نم يا صغيري.. نم.. نم.. يا صغيري" [ص857- 858]. إنها إذن أمومة مهيضة الجناح في الواقع، محلّقة، عالية في الحلم. وما أقرب المسافة -وإن بعدت- بين الحلم والواقع! لنقل بالأحرى إنها أمومة حوّلها نبلها نحو قضية أسمى، وهي بالتالي "ظهور" آخر من ظهورات الكترا. عند هذه الخلاصة يحق لنا الانتقال إلى القسم الثالث والأخير من هذه الدراسة، لنرى من في عيادة من بموجب "أمومة" علي عقلة عرسان: سوفوكليس في عيادة فرويد أم العكس. وإن كان الأرجح أن الإثنين خضعا للتحليل في عيادة علي عقلة عرسان التي افتتحها على خشبة مسرح في مكان.. "يشبه الفراغ الأسطوري". دعونا لا نستبق الأمور، لنضع نقطة إذن ونتابع مع: 3- مناقشة واستدراك قلنا منذ البداية إن مسرحية "أمومة" على تكثيفها واختزالها، قد تكون من أغنى ما كتب علي عقلة عرسان، بناء ومضموناً. وأي عجب، وهي بتاريخ قديم يعود إلى ما ينوف عن ربع قرن!! إنه سن الشباب، وما أشد صخب وتدفق دماء الشباب النضرة، المتفجرة حماساً واندفاعاً. لقد لخصّ الكاتب قراءاته اليونانية المسرحية، وأبعد من ذلك، قدّم وجهة نظره الشخصية في التحليل الفرويدي الذي حاول الاستفادة من مسرح سوفوكليس -بعض الأعمال تحديداً- ولابد أن يكون القارئ قد تبيّن الآن هذا الغنى الكبير من خلال البناء: أ - وضع "أمومة" على مفترق المسموع والمرئي، بما يخدم الانتقال بين الحدّين دون أدنى صعوبة. ب - دمج الماضي والحاضر في زمن مطلق، وتحييد الزمان والمكان لصالح ذلك المطلق الإنساني. ج- تطعيم "أمومة" بمقاطع من مسرحيات سوفوكليس دون أي إقحام فأنت مع (المسرح/ ضمن المسرح) ببراعة وتشويق. د- تلوين الشكل المعماري الخارجي بإطار "المقابلة الحوارية" التي تندرج بين الحين والحين ضمن اللعبة الدرامية. هـ- وأخيراً، إحكام النسيج اللغوي وفق مقتضيات الحال والشخصية، على أساس كلاسيكي يتفاوت بساطة وجزالة. كما يتبين الغنى نفسه من خلال المضمون: أ- استعراض الحياة العامة والخاصة للمسرحي اليوناني سوفوكليس. ب- مع تفسير عابر لثلاث من أهم مسرحياته. ج- بالإضافة إلى استعراض الحياة الاجتماعية والسياسية، والأخلاقية لأثينا القرن الخامس قبل الميلاد، إبّان الحقبة الذهبية لحكم بيركليس. د- ناهيك عن تقديم المفهوم النقدي الأدبي الذي يربط العمل الإبداعي بعصره، ومبدعه وظروفه. هـ- وفي نهاية المطاف، قبل وبعد كل هذا، الردّ على التحليل الفرويدي، جملة وتفصيلاً، بخصوص عقدة أوديب تحديداً. ونحن نريد الآن في مناقشتنا الختامية لمسرحية "أمومة" الوقوف إلى صف علي عقلة عرسان في أمور، ومخالفته في أمور. فأما ما نبصم عليه بالعشرة دون تردد فيطال: أ -القراءة التفسيرية لأي عمل إبداعي. ب -الطريقة البارعة في بناء الحجج والمواقف لدحض التأويل الفرويدي للإبداع.. والتاريخ. وأما ما لا نستطيع إلا التحفظ حياله بكل شدة فهو: ا -إلغاء القراءات التأويلية الإضافية للعمل الإبداعي. ب -التعتيم على عمق نظرية التحليل الفرويدي، وتجاهل جميع أبعادها الشمولية. -الموقف المؤيد: ا - نعم، لقد جاء علي عقلة عرسان بفهم دقيق لمسرحيات سوفوكليس موضع المناقشة، وقدم في هذا المجال إضاءات لماحة مأخوذة مباشرة من الواقع الاجتماعي والسياسي لأثينا ومن الحياة الشخصية للمسرحي اليوناني الغابر، الوثيق الاتصال دون أي لبس بناسه وزمانه. وهو في تفسيراته تلك يبيّن الخطأ الكبير الذي يقع فيه النقد حينما يتجاهل ارتباط كلّ إبداع بواقعه أولاً وأخيراً. ألا فما أضلّ النقاد في اجتهاداتهم المجنحة التي يضيع معها حتى المبدع نفسه، فيقف مذهولاً، ويتساءل بدهشة كبيرة: أنا حقاً من يتحدثون عنه، والنص المدروس هو نصّي؟!!" ويختتم دهشته ضارباً كفاً بكف وهو يردّد في واعيته: "اللهم إني بريء، ولا علاقة لي بكل ما قيل، مدحاً وإطناباً كان أم ذمّاً وتسفيهاً. وحقيقة الأمر أن الكتابة تواصل ولو كان الكاتب مع "أناه" دون سواها لما كانت كتابة. وإذا توخينا الدقة قلنا: لما كان إبداع على الإطلاق، قولاً أو كتابة. فمن لا يريد التلاقي مع الآخر، يعتكف، فيلتزم الصمت أو يكسر قلمه ويمزق أوراقه. كما أن الكلمة فعل وعي، والوعي دائماً في موقفٍ موجّه وموظّف وصاحب الكلمة هو المرسل أولاً، هذا صحيح، لكنه لا يستطيع إلا أن يكون ثانياً المستقبل أو المتلقي وعلى ضوء هذا التلقي الافتراضي يقوم دائماً بتعديل "إرساله" وصولاً في النهاية إلى أفضل شروط التلقي، وهنا يكون النص قد استقر في منتصف المسافة بين مرسل الكلمة ومتلقيها، وها هو "الفهم" أو"التواصل" أو"التواجد"، أو ما شئت من مصطلحات وقد تحقق في حالته المثلى. للنص الإبداعي دون أدنى شك معنى محدد وأساسي، وهذا المعنى مشترك بين طرفي عملية الإبداع: إنه -لو سمح لنا القارئ- نوع من "التواطؤ البريء". وهذا المعنى المشترك في متناول الفهم لا محال، إذ كل عناصر النصّ أشبه ما تكون بمجموعة روافد تصب جميعها في النهر الموحد المجرى الذي فجرّه وأجراه صاحب الكلمة بدءاً من لحظة الخلق الأولى في إبداعه. هذا المعنى المحوري المقصود، المبيّت سلفاً، هو ما تكتشفه القراءة الأولى التي هي في حقيقتها الغاية التي وجد النص من أجلها. وما أبرع علي عقلة عرسان في "قراءاته" الأولى لسوفوكليس، وما أصدق وأبلغ تأكيده لهذه القراءة كضرورة لا يجوز بحال من الأحوال القفز من فوقها أو تجاهلها: إنها القراءة التفسيرية بعيداً عن أي تأويل أو اجتهاد!! ب - وما أبرع علي عقلة عرسان ثانياً في بناء مواجهته الدرامية بين سوفوكليس وفرويد، فأحسن-فنياً- إضعاف حجة فرويد وجعل غريمه سوفوكليس يحصره في "خانة اليك" دون كبير صعوبة، ونستعيد بهذا الصدد استذكار ما ورد في الصفحتين 854- 855، حين تساءل سوفوكليس بخبث لذيذ: "من فرويد هذا؟" وبعد أن يشرح لـه المقدم بألمعية مشكوك في نزاهتها من يكون هذا "الفرويد" وما هي نظريته العتيدة، لا يتمالك سوفوكليس أن ينبر بحدة: "... ما هذا التخريف؟!" ويدفع كاتب "أمومة" مقدمه السوري المغلوب على أمره ليدافع بخبث عن "فرويد": "عفواً.. إن فرويد عالم كبير". ترى فأين هو ذلك العالم الكبير ضمن السياق الدرامي ونظام المحاجّة الذي تحكم في سير النقاش؟ إنها السخرية المبطنة بخبث! لقد وضع فرويد في مرتبة التخريف حين نسب إليه- على ذمة شارحه المقدم السوري- قوله إن أوديب عشق أمه طفلاً- علماً أنه لم يرها-، وأنه تعقدّ من والده الذي استأثر بها- علماً أنه لم يعرفه، فقتله وأخذ موضعه- علماً أنه لم يدرك كنه كل ما جرى معه!! وبعد أن ينجح سوفوكليس- يحركه علي عقلة عرسان بحنكته الفنية- في دفع "التهم" الأوديبية الموجهة إليه، مبرئاً في الوقت نفسه ساحته وساحة أوديب وأمه جوكاست من كل شائبة، يقدّم نموذج كلوتمنسترا برهاناً ساطعاً على الفساد الحقيقي الذي يمكن أن يعتري الأسرة. إننا حيالها نستعيد توازن القياس الأخلاقي في الموروث: فالمرأة لا عيب فيها إلا عندما تكف عن أن تكون زوجة صالحة وأمّاً رؤومة؛ وهذا هو العيب الشنيع الذي وقعت فيه كلوتمنسترا، قاتلة زوجها، والمنصرفة إلى عشيقها، والمتنكرة لابنتها، والساعية لإزاحة وقتل ابنها الصغير. الفساد الأسري إذن ليس قضية أوديبية ولا يحزنون. ناهيك أن الكترا لا تتقاعس عن دورها الأمومي حيال أخيها أورست، مثلما أن رديفتها أنتيغونا تتسامى بروح الأمومة فيها إلى أعلى عليين، دفاعاً عن الحق، والحرية، والنزاهة المطلقة. إنه بناء فني أحكم مبدع "أمومة" حياكة نسيجه المتكامل المتداخل، واستطاع بذلك النسج الفني المتقن الانتصار للفكرة التي بنى عليها عمله: الأمومة طهارة ورسالة حب وقداسة، وصاحبنا فرويد.. ذهب بعيداً في تأويلاته! الموقف المتحفّظ: أ - لقد أجرى علي عقلة عرسان القراءة التفسيرية لأعمال سوفوكليس فأجاد، ولكنه تجاهل- وهو خير العارفين- شأن القراءات التأويلية اللاحقة المفتوحة الآفاق إلى ما لا نهاية. وأول هذه القراءات التحليل النفسي، على أساس فرويدي أو غير فرويدي. نعم، الإبداع وعي، ولا يتجلى إلا في ساحة الوعي، ولكن من يستطيع أن يغفل منابعه اللاشعورية؟ وهل من يستطيع جازماً أن يفسّر هذا الإبداع في سيرورة التطور والارتقاء للتاريخ الإنساني؟! ما الدافع إليه، وما هي الغاية النهائية من ورائه؟! كل ما يمكن أن يقال بهذا الصدد محض اجتهادات، لكنها اجتهادات معلّلة، تحمل دون أدنى شك جانباً من الحقيقة العامة رغم نكهتها الشخصية والفردية. والتحليل النفسي أحد هذه الاجتهادات التي تغني القراءة التأويلية للإبداع، وليس لأحد إنكار مصداقيتها. لك مطلق الحق في تبني أو رفض هذا التحليل. هذه حريتك ومعتقدك وبناؤك النفسي والاجتماعي.. و... لكنك لا تستطيع إسقاطها كلياً واعتبارها بدعة أو تخريفاً أو ما شابه. وإذا كان علي عقلة عرسان قد أجاد فنياً في تفنيد فرويد، فإنه في سبيل تحقيق هذه الغاية الفنية المرجوة، تعمّد التعتيم على مجمل النظرية الفرويدية، ولا يمكننا في معرض النقاش الفكري إلا أن نتناول جميع أعماق هذه النظرية لنرى إن كانت حقاً على تلك الدرجة من التساهل والسطحية. فليس أوديب "المعقد" إلا حلقة من حلقاتها.. التطبيقية، في نهاية العرض الفرويدي. إن الإنسان قد قطع شوطاً مديداً من الغابة الأولى وظلمة المغاور البدائية، وصولاً إلى الشكل الأسري المعروف داخل البيت الحديث. ناهيك أن فرويد من سلالة الإنسانيين الذين تخلوا إلى غير رجعة عن تعقب "لماذا" الكون ميتافيزيقياً، وآثروا دراسة "كيف" الحياة، داخل دائرة المعاينة العلمية المحايدة، ومن بعد وضع الإنسان في محور الكون. ضمن هذين المسارين، التطوري والإنساني، رتّب فرويد نظريته المعروفة، الثلاثية الأبعاد، فالشخصية الإنسانية قوامها الشعور وما دون الشعور، واللاشعور، وإذا شئت بتعبير آخر فلديك الأنا والأنا الأعلى والهو. ذلك "الهو"، ذلك الغور "اللاشعوري"، هو الإرث القديم المحمول في الأعماق منذ ليل الغابة والكهف. ونحن بهذا التلخيص لا نأتي بجديد، ولا نعلم أحداً ما لا يعلم- وخصوصاً مبدع مسرحية "أمومة"- ولكننا نريد أن نلفت النظر إلى ما أغفله كاتبنا -عن سابق تصور وتصميم- بغية إحكام الحبكة الفنية لصالح لسان حاله، سوفوكليس. نتابع إذن تلخيصنا بالتبسيط نفسه لنقول إن فرويد، كما حال جميع الإنسانيين، يريد فهم حركة وتطور الحياة الإنسانية، فقال من جانبه بالرغبة تفسيراً ببعديها: اللذة والألم، وبمصدريها غريزة البقاء تقابلها غريزة الموت. والرغبة كامنة، نعم، منذ الطفولة الأولى، وتوجّه النشاط الانفعالي والعاطفي، دون أن تكون بطبيعة الحال قادرة على التحقق الجنسي، وإنجاز التناسل لاستمرار النوع. إنها طاقة مطمورة، قيد التحضير لسنّ البلوغ. وهذه الرغبة الكامنة هي التي توجه تعلق الابن بالأم مقابل تعلّق الابنة بالأب. وبهذا الصدد، ألم نردد جميعاً، بمناسبة أو بغير مناسبة، كلمة العرب المأثورة: "كل فتاة بأبيها معجبة!!" على أن هذا التعلق بـ"ممثل" الجنس الآخر منذ السنوات الخمس الأولى لا يحمل طابع العقدة، ولا يسبب أي إشكال. وإنما "العقدة" مولدها في الأسرة الممزقة الأركان حيث يتجاذب الأب والأم عواطف وميول الابن والابنة. وهذا التجاذب هو الذي يعطل في سن البلوغ القفزة التي لا غنى عنها بعيداً عن سور العائلة نحو الاستقلال النفسي عاطفياً وانفعالياً. ولا تظهر العقدة إلا ضمن تلك الأسر الممزقة وبأشكال مختلفة متباينة، دون أن ننسى أن عقدة أوديب إياها، تقابلها عقدة الكترا. وإذا تذكرنا أنّ أنتغونا هي ابنة أوديب، وأن الملك الذي تصدت لبطشه هو خليفة والدها كريون، الذي استلم الملك في طيبة لبرهة وجيزة بعد مقتل لايوس، ثم عاد إلى كرسي الحكم بكل عظمة وتشف، بعد رحيل أوديب مفقوء العينين، إذا تذكرنا كل هذا، وعلمنا أيضاً أن كريون هو خالها، أدركنا أننا في المسرحيات الثلاث- وليس في أوديب الملك فقط- كنا وبقينا مع أعضاء "الأسرة الفرويدية"، وهذا ما يعيه علي عقلة عرسان تماماً، وإن تعمد- عن قصد- إغفاله والالتفاف عليه. ومن طرف ثان، فهل عشق أوديب أمه في الصغر، خلال يوميه اليتيمين اللذين قضاهما قربها؟ لم يقل سوفوكليس ذلك، ولا قاله فرويد. وإنما المسرح "تطهير" ويتم من خلاله التخلص من النوازع والدوافع المعذبة الضاغطة. وقد مُثلت تلك الحالة الآثمة أمام المتفرجين، فخلّصهم عذاب أوديب من مشاعر الذنب، ولقنهم الدرس والعبرة على خشبة المسرح. وهذا أيضاً ما يدركه علي عقلة عرسان دون أدنى شك. فذاك ميدان تخصصه ومجاله المعرفي والإبداعي. لكن ما العمل والبناء الفني حيلة بارعة، محكمة التنظيم والتدبير، بما يخدم الفكرة التي يريد المبدع توصيلها بالإيحاء والإقناع الفني هذه المرة؟! التعتيم على شمولية فرويد إذن كان ضرورة فنية، وإضعافه أمام سوفوكليس لم يكن إلا بغية إنجاح "أمومة" كما قدر لها مبدعها. وتلك في نهاية المطاف متعة جمالية إضافية من بين مجموعة المتع التي توفرها تلك المسرحية المحدودة حجماً، اللامتناهية فنياً وتاريخياً، وإن كان القارئ لا يملك في النهاية إلا أن يبتسم للطريقة المبسطة التي تمت بها هزيمة فرويد ومدرسته التحليلية المعروفة على امتداد قرننا العشرين الذي أوشك على الأفول، وما تزال تلك المدرسة على أهميتها، ولا ما يشير حتى تاريخه، أنها إلى أفول عن قريب، أو في المدى المنظور. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |