إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
القراءة الأولى:

القراءة الأولى:

الإحداثيات والخطوط العريضة

للوهلة الأولى تتبدى القصيدة لقارئها مدخلاً وخاتمة يتحدث فيها الشاعرُ مثل باقي خلق الله، بينهما متن غريب طويل تأخذ فيه أحرف "الجيم" بعضها بأعناق بعض، زئبقية هاربة، مترادفة أو معطوفة، متلاطمة حيناً، متعانقة حيناً، فيهمس صوت في أعماق ذلك القارئ المحتار في أمره: "ترى، هل كتب الشاعر قصيدته وهو سكران، فجاءت [شروي غروي] لا يُعرف رأسها من ذيلها؟!" وذاك أنّ الهمّ الأول لكل قراءة (أو استماع) أن يتحقق الفهم الإجمالي لـ"الموضوع". فالقصيدة كلام، وتحمل مثل كل كلام "رسالة"، والغاية المرجوة هي وصول هذه الرسالة. هنا لابد من توضيح إضافي لإزالة الالتباس الأول بشأن هذه الجيميّة".. وذاك أن ما تميزت به أعمال خضور اللاحقة لمجلده الأول هو اتجاهها نحو الأداء الملحمي، حيث الديوان مجموعة متكاملة ولا يفهم الجزء (قصيدة أو مقطعاً من قصيدة ) إلا من خلال الكل؛ وبالإضافة إلى ذلك فقد قرر خضور في هذه الأعمال معانقة قضيته السياسية المحددة دون أدنى مواربة: إنه سوريٌ قوميٌ، انتماءْ وولاءً.. وديوان "حصار الجهات العشر" الذي اقتطعنا منه قصيدتنا موضع الدراسة، يحمل الإهداء التالي: "إلى جولييت المير الأمينة الأولى و الأخيرة "! ناهيك أن "الحلم الأول" هو [اغتيال] انطون سعادة، : ولانريد من جانبنا الترويج السياسي، بل وقوفنا هو تحديداً عند تخوم الإبداع الشعري، ولينظر القارئ كيف صور الشاعر موقف الغدر ذاك، دون أي وعظ أو مباشرة مبتذلة:

باغته الردى، وأباح وصلَهْ:

برصاصتين. وخمسِ طعناتٍ.. وقُبْله..!!

أنهوْا مراسيم التشفي

ختَموا حكايةَ عاشقٍ، (القصيدة الأولى في الديوان)

آه "الجيمية" إذن بانت ملامحها وانجلت آفاقها!

وما "الجيم" سوى الحرف الأول من جولييت المير، الأمينة الأولى، فأضاف خضور إليها في مطلع ديوانه: " والأخيرة"، رافعاً إياها دون أي تحفظ إلى درجة.. العبادة، فما قيل "الأول والأخير".. أو "الآخر" إلا لمن هو في مرتبة الألوهية.

ونفهم على الفور السطر الشعري الثامن الذي يفتتحُ النزولَ السريالي داخل البركان المتفجر بالتشكيلات "الجيمية".

جبَل رجيمٌ وجهها

فضمير الغائب في "وجهها" إنما يعود على "الأمينة الأولى".. كما نفهم الأسطر السبعة الأولى التي يتم منها الولوج إلى متن القصيدة، وحيث يدور الحديث عنـ(ـه)، الراعي، الساحر الإيقاع، الذي يمضي مبكراً قبل الأوان ليغيب في مطاوي الغيم، وعنـ(ـها)، القارة المأهولة بغوامض الحنوات.. والتي لهاث صحوتها المنتشي والمذهول والمتوجع في آنٍ يتردد متقطعاً:
"حـ. ـبـ.. ـيـ.. ـبـ.. ي
!!" لكنه يأتي متأخراً بعد رحيل الراعي الذي فتنها. ثمّ نفهم دون عناء القفلة الختامية التي يتماهى الشاعر فيها مع أمينة حزبه الأثير ومع قضيته السياسية التي يجعل منها جوهر وجوده الإنساني، وعنوان مأساته ومعاناته في وطنه، فانظره يقول:

هيَ "وحدَها" فَيضي..

وأوْقيانوسُها وقفٌ لدى شفتيّ

وا أسفاهُ.

غاضَ الحُلْمُ في دَبقِ الأّذانِ..

وكما رأينا فقد تمّ الإعدام مع أذان الفجر!!

 

القراءة الثانية:

العمارة الشعرية والتفاصيل الدقيقة

بعد تلمّس الخطوط العريضة ورسم الإحداثيات العامة، يمكننا الآن التقدم بحذر نحو "الفهم" الدقيق لما قاله الشاعر في قصيدته، بحدّي القول: الواعي وغير الواعي، وأوّل ما يشدّ انتباهنا دقة الصنّعة الشعرية في القصيدة الخضورية عموماً، وفي هذه القصيدة بالذات، رغم أنها تعانق أحياناً أطياف الهذيان والثمل!!

ويدرك فايز خضور بنضج كبير ارتباط الإبداع بمفارقته الأولى والأساسية: ضياعه الخالد بين اللاشعور- خط الانطلاق: ذات المبدع- وبين الشعور- خطّ الوصول: ذات القارئ (أو المستمع)- مثلما يدرك بكل وضوح أن الإبداع الشعري، بينهما، تشكيل جمالي حي وليس قولاً إخبارياً، فها هو السطر الأخير: "لم أرتشفها" يتردد رجع صدى للسطر الأول:

"لم أكتشفها". والسطر الثامن: "حـ. ـبـ.. ـيـ.. ـبـ.. ي". يظل معلّقاً حتى "تنغلق دارته" في السطر (67) "تجمّل يا حبيبي". إن هذه القصيدة تحديداً مجموعة من الأصداء المتجاوبة دون انقطاع على امتداد جميع سطورها، وسوف نلاحق تلك التجاوبات والتوازنات تباعاً، ولكننا سنبدأ أولاً من التشكيل المعماري الأساسي:

أ‌-    الأسطر 1-7: الافتتاحية:

ب‌- الأسطر 8-67: الحركات المتعاقبة.

جـ- الأسطر 68- 78: القفلة الختامية.

1-الافتتاحية:

أما الافتتاحية فجذعها السطر الأول:

-لم أكتشفْها..

يسمق عالياً بحركة متأنية مقدماً بكلمتين هما في حقيقتهما كلمة واحدة: فعل مجزوم بكل حزم- "أنا" الشاعر و "هي" ضمير المجهول، حيث تستمر باقي سطور الافتتاحية لشرح بعض ملامحـ(ها)؛ وفي سياق الشرح يظهر "هو"، الراعي الذي ما يكاد يبدأ بعزف ألحانه الساحرة حتى يصير في مطاوي الغيب "تاركاً.. "هي" في نشوة الصحو تلهث وحيدة: "حبيبي!" ونسمح لأنفسنا بادئ ذي بدء بإعادة ترتيب هذه الافتتاحية. وفق التشابك المعماري المتسلسل بكل إحكام، والمرتفع على أساسٍ، من إملاء الصنعة الدقيقة التي "تبرمجت" عليها فطرة الشاعر "دون أي تكلف، فكأنه في كتابة قصيدته دودة القزّ التي تحكم بخيطان الحرير نسج الشرنقة المغلقة بإتقان وبراعة:

ويرينا هذا التشكيل "حلقات الاتصال" التي تربط كل سطر بما بعده في بناء يتطور بانسجام وتكامل، فـ: "ها.." السطر الأول لابد من توضيحها وهذا ما يوجب قدوم السطر الثاني حيث تصبح "ها" اكتشفها": "هي"، وتشرح هي تلك على أنها قارة، وإذ يلزم من جديد تحديد مدلول "قارّة" في هذا السياق، يكون ختام السطر الثاني، الذي نعلم منه أنها قارة حافلة بالحنوات الغامضة، ويأتي السطر الثالث ليوضح المزيد بصدد الحنوات التي هي في الحقيقة أكثر من غامضة: إنها.. مرصودة، لمن إذن؟ والشرح في السطر التالي: لنفير راعٍ؟ فأي راع من الرعاة هو؟ يأتي التوضيح دون إبطاء، وقبل أن يسأل أحد متى كان رحيل ذلك الراعي، يكون التوضيح: "قبل لهاث صحوتها".. ولابد أخيراً من "إيراد" ماذا ندّ عن ذلك اللهاث المتفجّع، فتكون: "حبيبي" قفلة محكمة تتجاوب مع تأني واختزال الافتتاح في السطر الأول. فإذا أردنا الاقتصار على حلقات الاتصال تلك أمكننا تشكيل الافتتاحية كما يلي:

لنكتشف السمتين الأساسيتين في العمارة الشعرية الخضورية: التناظر والتنامي. فأما التناظر فهو تشابك وتكثيف أصداء متجاوبة باستمرار، فالسطر الأول كناية عن الغموض المجهول الأمداء، والسطر الثاني تأكيد لهذه السمة لأننا أمام.. قارة مترامية الحنوات، والسطر الثالث يزيد غموض الحنوات بالرصد لراعٍ، هو الآخر ساحر الإيقاع، والسحر ضرب من ضروب التعمية والإبهام، ثم ها هو يرحل من "غوامض الحنوات" إلى "مطاوي الغيم" لتكون النهاية الذاهلة. والذهول أليس تتويجاً للغموض والإبهام.. رغم الصحو!! الافتتاحية بأكملها "مرصودة" المفردات للغامض والمجهول، وهي من بعد ذلك ومن خلاله،.. تنمو بإطراد، لتتشكل في عشرين كلمة- أكثر أو أقل قليلاً كلوحة كاملة يقف الشاعر فيها على منبر الكشف والتجلّي-السطر الأول- ويسرّح بصره ساهماً، فترتسم قبالته قارة مترامية- أنثى ووطن في الوقت نفسه- وها هو من طرف آخر راع "يدق النفير"، ثم يمضي صعداً في السماء، وها هي من بعد "نفيره" الأنثى- الوطن في صحوة مذهولة تلهث بوجد مناديةً الحبيب الذي نأى خلف الغيم.

نعم، إنها لوحة متحركة، متشابكة، متكاملة، مكثفة، وفيها جميع الخيوط التي سوف يغزل منها بعد تفريعها- متنُ القصيدة لاحقاً نسيجه هو الآخر، ذلك النسيج الذي نريد الآن التريث في تفحّص "قماشته"، إلى ما بعد معاينة "الموسيقى" التي تتردد أنغامها ليساهم الأداء الميلودي هو الآخر في إيصال الصورة والفكرة، والإيحاء بهما، إيقاعاً ولحناً، "منذ" الافتتاحية.

نعم، فالموسيقى هي في صلب الإبداع الشعري، وهي التي توفر إمكانية التجسيد الحي للكلمات الشعرية التي يتحد فيها الدال والمدلول، على عكس ما يشتهي علماء اللسان، ورغم أنف حقيقة الطابع الإصلاحي المحض للغة الإنسانية. وإذا ما خيّل للبعض أن بحور الشعر هي الموسيقى- ونادراً ما يبتعد خضور عنها- فنحن من جانبنا على يقين بأن :فعولن مفاعيلن.. ليست سوى الإيقاع الناظم، والإيقاع لا يمكن له أبداً أن يكون هو الموسيقى؛ ألا فما أبعد اللحن الموسيقي بين الشطر الأول والشطر الثاني في قول المتنبي:

وموج المنايا حولها متلاطم

 

بناها فأعلى والقنا يقرع القنا

ومن يستطيع إيجاد أية قرابة موسيقية مع قول امرئ القيس، على البحر الطويل أيضاً: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ

أو قوله في معلقّته نفسها:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ معاً

إنها جمل موسيقية متفاوتة الزخم، تسارعاً أو تباطؤاً، شدّة أو ليناً! فأين "سحبة القوس" الطويلة الشامخة في الألف الممدودة:

-بناها فأعلى..

ولين الهاء واللام، من تخبط أحرف القاف بعضها ببعض في:

-والقنا يقرع القنا

ثم أين كل هذا من تدافع "الميمات" و"الجيم" و"التاء" و"الطاء" في الشطر الثاني:

-وموج المنايا حولها متلاطم.

حيث نصبح في عرض بحر جائش الأمواج، بعد أن كنا في الشطر الأول عند أسفل القلعة لا غير. إنها الموسيقى، موسيقى أصوات اللغة على اختلافها، ونظام تعاقبها عفو الموهبة والإلهام، وهذا ما وضعنا أمام قلعة يعلو بنيانها راسخاً شامخاً، بينما الحرب دائرة على قدم وساق بين جدرانها أولاً، وعلى امتداد الأفق المترامي ثانياً، وأما امرؤ القيس فكفته "ألف" ممدودة في "قفا" لينطلق منها مباشرة إلى البكاء تسعفه سبع ياءات "مكسورة" الخاطر، ممدودة، مجروحة، في:

نبـكِ مِن ذِ..كرى حـ..بيبٍ ومنـزِلِ

مع "ألف" الذكرى الممتدة إلى غابر الأيام، وكذا حال المعري هو الآخر الذي يشكو بثّه "بالياءات" المكسورة و"الألفات" الممدودة في:

علّلاني فإن بيض الأماني

وإذا ما اعتمدنا تسهيلاً للعرض الكتابة الصوتية العالمية، أمكننا أن نؤكد من خلال هذه الشواهد، وغيرها كثير، أن صوت [i] مبني على بحة حزينة وفيه وجد ولوعة، ولو حاولنا تعقب جميع الأصوات لوجدنا لها شؤوناً وشجوناً وإيحاءات متفاوتة، هي ما يستخدمه الشاعر دون قصد، وحتى دون وعي. إن الكلمات تضطرب متماوجة في داخله، وتستجيب لحالته النفسية "تموجات صوتية" دون غيرها، فتكون القصيدة تحقيقاً لتجسّد تلك الحالة النفسية (والجمالية) في كلمات! وانظر من ثم إلى امرئ القيس في:

مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبلٍ مُدبرٍ معاً

فما شأن صوت [m] وتعاقباته الغريبة:

[ma]، [mu]، [mu]، [mi]، [mi]

إن "الميم" صوت أنفي مضخّم، فيه "دمدمة" وسرعة في هذا الشطر الفريد من نوعه موسيقياً حيث يعيد امرؤ القيس، دون أن يدري، سيرورة نشوء اللغة الإنسانية، فها هو من: "مِكرٍّ" ينتقل بتغيير صوت [K] إلى "مِفَرٍّ" وها هو من "مُقبلٍ" يمضي بالإبدال البسيط أيضاً إلى "مُدبرٍ" لتكونَ قفلته الباترة في "معاً" راسماً بكل براعةٍ حركة ذلك الجواد الذي لا يهدأ ذهاباً وإياباً، هجوماً خاطفاً وانحساراً سريعاً، والكل في هنيهة عابرة من الزمن فكأن حركاته جميعاً حركة واحدة هادرة صاعقة. ترى، فهل استعار امرؤ القيس "ميماته" المدمدمة الخاطفة من "جيمات" فايز خضور المتوجعة المتلاطمة، أم هي الجيمات مستعارة من الميمات؟..! بطبيعة الحال، لم يستعر أحد من أحد، ولكنها الفطرة الشعرية الموسيقية التي تعيد لأصوات اللغة روحها الحية الأولى، لحظة بدأ الإنسان كشفه الأول والأعظم على الأيام، كشف الأصوات المتباينة المتنوعة، وما فيها من إيحاءات، وعواطف، وما يمكن أن تحمل من معانٍ، وأفكارٍ. وقد نستطيع تلخيص البناء الموسيقي وفق التقسيم التالي:

1-   الإيقاع الناظم.

2-   البناء اللحني، وعماده ركنان:

أ‌-              الحركة الأفقية (الانتشار الزمني تسريعاً وإبطاءً).

ب‌-          الحركة العمودية (التموج حدّة وليناً، صعوداً وهبوطاً).

ونطبق هذا المقياس على افتتاحية قصيدتنا فنجد الإيقاع جلياً ظاهراً في "ضربات" البحر الكامل (متفاعلن متفاعلن متفاعلن) التي يستثمر خضور جميع جوازاتها، فالسطر الأول من "تفريعات" المجزوء في ختام الشطر الشعري، لكن شاعرنا طوّع هذه التفريعة لتكون في المطلع المستقل:

لم أكتْشفْها (متفاعلان).

وهي تفريعة ممدودة، ونفهم هذا المدّ المتعمّد لفصل السطر عن باقي الافتتاحية، وإضفاء وقفة ذاهلة حائرة، وفي الذهول والحيرة وقوف طويل! وانظر من بعد ذلك إلى تناوب "مُتَفاعلن" و"مُتْفاعلن". فالأولى تسرّع الحركة، والثانية تشدّ اللجام قليلاً:

- هي قارّةً..

وهنا اندفاع يُحرك ذهول المطلع الممدود من بعده تمهل وهدوء في:

- مأهولةٌ..

ليكون من ثمّ اندفاع جديد:

- بغوامض الـ

ويستمر هذا التموّج المتناغم، تسريعاً وإبطاءً بنبض أحادي منتظم، دون أن يشذ عن هذه الأحادية الناظمة إلا الإبطاء المزدوج في السطر الرابع:

- راعٍ ساحر الإيقاع يفتنها..

وفي هذا الإبطاء انسجام مع امتداد وشمولية سحر إيقاع ذلك الراعي الذي ترك أثراً باقياً- هذا على الأقل ما توحي به الكلمات المتأنية عند الحديث عنه-.. وفي ختام الافتتاحية يكون تسريع مزدوج أيضاً:

قبل لهاث صحوتها

وهو تسريع مفهوم السياق: إنها الصحوة المرجوة، وهل في الصحو غير اللهفة والاندفاع؟!

هذا الاندفاع الظاهر في الوزن الشعري قد يساوي في قيمته التنظيمية والتطريبية ما لدى الموسيقيين من تعاقب الضربات القوية والضعيفة (دُمْ تكْ)، وهو إيقاع يرفده البناء اللحني بتسلسل الجمل المتعاقبة في تموجات صوتية مموسقة، تشمل الانتشار الأفقي (الترتيب والتعاقب)، والعمودي (التدرّجات)، ونجد هذا البناء الموسيقي في افتتاحية قصيدتنا الجيمية ممثلاً بتشابك الأسطر الشعرية، المتعاقبة بتدفق لا يتوقف إلا ما كان في السطر الأول المقطوع بـ (ها) اكتشفها، وهذا القطع "موقّع" مع السطر السادس المتناظر معه بـ (ها) صحوتها، وهنا قطع يتم "وصله" بكل تمهل في السطر السابع والأخير من الافتتاحية:

1- [لم أكتشفها]                              (وقفة وقطع: محطّ أول)

2-   هي قارةٌ الحنواتِ

      كلّ ……… مرصودةٌ                  تدفق متشابك

      لنفيرِ……… الإيقاعِ

      يفتنها ……… مطاوي الغيم

3-[قبل صحوتها] (وقفة وقطع: محط ثان)

4-[حـ. ـبـ.. ـيـ.. ـبـ.. ي..] (قفلة الختام).

ولينظر القارئ من بعد ذلك في بناء الافتتاحية على جملة فعلية وحيدة هي المحور الناظم منذ السطر الأول، وتتفرع من حوله على التوالي الجمل الإسمية حتى السطر الرابع، حيث يتم الرجوع مجدّداً إلى جملتين فعليتين، تمتدان حتى النهاية، بكل ما لهذا "التوزع اللحني" من تنظيم متوازن للجمل الموسيقية الطويلة والقصيرة:

لم أكتشفها (مدخل اللحن الافتتاحي).

هي قارة (سحبة قصيرة).

مأهولة بغوامض الحنوات (سحبة طويلة)..

كل ثنية (سحبة قصيرة).

مرصودة لنفير راع ساحر الإيقاع (سحبة طويلة)..

يفتنها (سحبة قصيرة).

ويمضي في مطاوي الغيم (سحبة طويلة)..

قبل لهاث صحوتها (سحبة قصيرة وخاطفة)……

حـ. ـبـ. ـيـ. ـبـ. ي (قفلة اللحن الافتتاحي)

تُرى، فهل كان الشاعر إلا أسير التماوجات الموسيقية عندما جعل "المحطّ" الختامي متقطع الأوصال بأقصى ما يمكن من التمهل والإبطاء؟ وهل يمكن لأحد أن يتهمه بأن "حبيبي"، المقطعة الأوصال حسرة وتفجعاً وأشواقاً مريرة هي مجرد تلاعب كتابي بزخرفة فارغة، وفذلكة لا محل لها ولا موجب؟! مثل هذا المتجنّي المتسرّع عليه أن يعيد قراءة الافتتاحية والاندماج مع تموّجها اللحني، وسوف يتخلى عن تجنّيه وتسرّعه!

فإذا انتقلنا خطوة إضافية مع البناء اللحني، رأينا في المقام الأول كيف يتحقق الانتشار الأفقي المتماوج بتعاقب أصوات المدّ الطويل [أ]، [و]، [ي] مع أصوات المدّ القصير، الحركات[..َ]، [..ِ]، [..ُ]، وهي الأصوات التي يُحسن التنوين إقفالها حيث الصوت، أو نصف الصوت بالأحرى، [..ِ،i] يلين بالتنوين ليصبح [..ِ، e]، ومثاله: لنفيرِ[i]، راعٍ [e] وكذلك بالنسبة لـ [..ُ، U] التي تتحول إلى [..ٌ، O]: كلٌ [U]، مرصودة، [O] دون أن ننسى ما لهذه الأصوات من تماوجات شاقولية نزولاً من [i] إلى [u]. مروراً بـ [a] الوسطى، أو العكس، صعوداً من [u] إلى [i]، وهي تماوجات تدعمها الأصوات الجامدة، مثلما يدعمها المدلول الذي تشف عنه تلك الأصوات المتآلفة في كلمات.. فانظر إلى "الصاد" الصادحة في "مرصودة" و"صحوتها". وكان يمكن للشاعر استعمال: "مرهونة" و"يقظتها" مثلاً، دون أي إخلال بالوزن نعم الوزن كان سيظل هو هو، لكن التموج الموسيقي ألزم الشاعر بذلك الاختيار، تماماً مثلما ألزمه بـ"الفاء" النافخة والممتدة حتى الأفق في"نفير" وكان بإمكانه أن يقول "نداء" مثلاً، ولكنها الموسيقى و المعنى-هذه المرة- ..؟؟ لقد فرضا هذه الكلمة دون سواها، إذ النفير يكون لإيقاظ النائمين!

إنه نداء الفجر والضياء، مثلما هو دليل العمل والحماسة. ونستطيع تتبع جميع مفردات هذه الافتتاحية، بأصواتها ومدلولاتها، بتموّجاتها وانتشارها، ولكن لا بد أن نترك للقارئ هو الآخر، حريته الشخصية في استكمال هذه التوجّهات، واستنفار ذائقته الخاصة التي قد تضيف -ويجب أن تضيف لا محالة- تلويناتها وتنويعاتها، على أننا قبل أن نترك الافتتاحية سوف نلخص محاورها، لنرى لاحقاً كيف يمتد متن القصيدة ويتفرع على هذه المحاور لا يجاوزها قيد شعرة فليسمح لنا القارئ إذن أن نعيد تقديم الافتتاحية وفق الرسم التالي، تبسيطاً وتوضيحاً:

ويقدم إلينا هذا التشكيل الاصطلاحي جميع موضوعات القصيدة بمعماريتها المتكاملة، ففي الوسط تقف أنا الشاعر معاناةً وتجليّاً، وهي تكتشف بتواجد الشعر- القارة الغامضة من طرف، والراعي الذي يدفع إلى الصحو من طرف آخر. كما نجد الحدث الذي يحتاج إلى توضيح لاحق:

الرحيل المبكّر إلى السماء، وما هو بطبيعة الحال سوى الموت! وهذا ما سوف نراه في متن القصيدة.

ب- متن القصيدة بحركاته الخمس

دعونا لا نغادر، بادئ الأمر، أنا الشاعر التي هي في آن واحد: المرآة والرائي والمرئي! إنها الذات التي تختصر الوجود لحظة انبثاق القصيدة وهي تهتف مع تلك الولادة الموجعة:

-انفجرتُ وما انفرجتُ

وهذا السطر مفتاح هذا البنيان، ومن عجبٍ أنه جاء عفو الخاطر والبرمجة الدقيقة لا شعورياً- في مركز واسطة العقد، إذ هو السطر /39/ من هذه العمارة الشعرية التي جعلت في /78/ سطراً شعرياً!!.

وما تكون من ثمَّ هذه الجيمات المتفجّرة؟! إن هي إلا بركان "الخوالج" المتدفقة حمماً "مجدولة" في "جمل":

-لجهاد أجرام الجهات جميعها، تلك الجهات التي أطبقت من كل صوب. أليس عنوان الديوان: "حصار الجهات العشر"؟ وربّ قائلٍ: ولكن الجهات أربع لا غير! وسوف نقول لهذا المعترض: هاك جهات ثمانٍ في مستوٍ:

وأضف إليها أيها المعترض جهتي البعد الشاقولي: فوق وتحت! وها أنت وقد ضاقت عليك الأرض بما رحبت، وأصبحت مع الشاعر داخل ما يشبه تابوت محكم الإغلاق

وجرّب ما شئت أن تجرّب الخروج فلن تستطيع! ومهما "انفجرت" فما أظنك إلى "انفراج". ألا، ولا لوم عليك ولا تثريب! بل لعلك تشاركنا بعض الرضا في أن ذلك الحصار قد وفّر للشاعر معاناة الإبداع والخلق. وها هو يعيد، مثل امرئ القيس، إنشاء اللغة في بداياتها، متمحورة في وجدانه حول صوت "الجيم" الذي جمع في إيقاعاته المتوجعة حيناً، والجامحة أحياناً، عقيدته السياسية ووجوده الإنساني بكل ما فيها من خيبات ومرارات، ومن آمال وأحلام، فالجيم رمز الحزب-الحرف الأول من اسم أمينته الأولى- وهو بالتالي، لدى الشاعر، رمز الوطن والإنسان. ثم هو صوت غني بالإيحاءات المتنوعة، فلماذا لا تتمحور اللغة من حوله: -

-إبدالاً:

            جبلْ                      الجمريُّ                      جائح

            جللٌ                      الجوريُّ                     جامح

-أو قلباً:

            جبلٌ                      فرج                         اسفنج

            لجبٌ                     جرف                       بنفسج

-أو قياساً:

            الجرذان                  خجلتُ                       جلجلني

            المرجان                 جمحتُ                      جاملني

-أو زيادةً:

            الوجد                    جفّ                          لجّ

            الوجود                   جفا                          لجوج

-أو اشتقاقاً:

            جرايةً          جائش                       اجتنى

            جاريةً                   جيّشتْ                       تجنّى

وتستمرّ تفجرات هذه اللغة البكر المولودة لتوّها من السطر /8/ حتى السطر /67/، تجربة فريدة في الشعر السوري وغير السوري- وهي تجربة تكشف معاناة وعي أعاد في لحظة توتر قصوى "مسارات" اجتماع الأصوات الإنسانية في اللحظات الأولى لخلق الكلام، وهو الكلام المبين الذي يحقق الوجود المثال، الباقي والكلّي، مقابل الوجود المباشر، الزائل والمشتّت.

كلا، ليست القصيدة بياناً ميدانياً في علم اللسان، وهذا الإبحار إلى المنابع، بل قل هذا النزول إلى الأغوار السحيقة، أجمل ما فيه أنه ينجز بالتفجّرات العفوية، عمارة شعرية فائقة الإتقان والترابط!! فلننظر كيف توزّع متنُ القصيدة إلى حركات متماسكة، تفريعاً وتطويراً لموضوعات الافتتاحية، وفق التقسيمات التالية على امتداد الأسطر الشعرية (8-76):

أ-الحركة الأولى       : 8-19 (ما بعد الجريمة)      Ù تصوير بانورامي

ب-الحركة الثانية      : 20-30(ملابسات الجريمة) Ù تصوير حركي رمزي

جـ-الحركة الثالثة     :31-44 (المقاومة والفشل)    Ù التنامي الدرامي.

د-الحركة الرابعة      : 45-53 (الملابسات مجدداً)   Ù تصوير حركي واقعي.

هـ-الحركة الخامسة  : 54-67 (المقاومة والأمل)   Ù تلاشي الحدة الدرامية.

وكما بنيت الافتتاحية على جذع وحيد "لم أكتشفها"-تفرعت عنه كل السطور الشعرية حتى محطّ: "حبيبي"، فها هو متن القصيدة ينهض شامخاً على جذع وحيد، جملة اسمية هذه المرة، ألا وهي:

جبلٌ رجيمٌ وجهُها

وتستمر هذه الجملة الاسمية متدفقة هادرة في تفريعات لا تنتهي إلا مع نهاية الحركة الأولى.

أليست تلك الحركة تصويراً بانورامياً كما قلنا عنها؟ ومن أحقّ من المبتدأ، يعقبه الخبر على عجل ودون أدنى مواربة، في تصوير واقع الحال بكل ما للواقع من رسوخ واستمرارية ووطأة رازحة؟! ومنذ السطر الأول يتأكد لدينا الهاجس الذي "لمحناه" حدساً في الافتتاحية، فأصبح حقيقة ملموسة و فاجعة، فالرحيل إلى "مطاوي الغيم"، ما هو إلا موت.. بل هو اغتيال! وإذا كان ضمير الغائب في "وجهها" يعود إلى الأمينة الأولى، فهذا الأمر لا يقدم ولا يؤخر، إننا في حقيقة الأمر أمام رمز.. وما الرمز في النهاية إلا.. الوطن والإنسان، وأبعد قليلاً: فاجعية الوجود الإنساني، ولولا هذا التناول الرمزي الواعي كل الوعي لدى الشاعر، لتحولت قصيدته إلى مجاملات رثائية باكية، وهي يقيناً ليست كذلك. نعم، نحن أمام امرأة محددة، لكنها منذ اللحظة الأولى متماهية مع الوطن وهذا ما يفسّر عمق المعاناة.

فوجهها جبلٌ شامخ، والجبل رجيم، لكن.. لا همّ! وبشرتها التي تواري مسامُّها الدمع إسفنج مهيب الظلال من حول الشفتين الكامدتين، وفي الشفتين البنفسجيتين جوع: حب، وشوق، وفراق، وهذا الحزن الجليل الشامخ شاهد لا يكذب، صولجان مرفوع إشهاراً للجريمة. فأي جحيم غضب خلف انفراج العينين الجمريتين! إنها لجّة تكاد تتفجرّ حمماً. كيف لا، والطغيان فاض بطشه الجبار، فهو أمواج هائجة تلطم ذلك الجبل!! وهذا الجبين العالي مكلّل ببياض شعر فضي، جعد ومهيب، ما هو إلا جدل جمان. فأي جمال، ذاك الذي اجتمعت فيه المأساة معانقةَ الجلال والرهبة! إنه إطلالة على هاوية لا قرار لها: جبّ الجريمة الذي هو دون شك جبّ يوسف. وكما كان يوسف ضحيّة إخوته، كان المغدور ضحيّة إخوانه الذين أسلموه للموت، حيلةً وغدراً، ومن عجبٍ أن الجبّ الجاني هو الوطن، والحاكم بأمره فيه جلف إذا بطش، ومع أنه وطن الورد الجوري والمرجان، فالمحكومون فيه، جرذان، فأين المفرّ من الموت والتحنّط على مدى أجيالٍ وأجيال؟ هنا تنتهي الحركة الأولى في السطر /19/ وقد اكتملت معالم هذه اللوحة القاتمة، الغارقة في الحزن، والغضب، والقرف، والرهبة: إنها "بورتريه" الأنثى والوطن معاً، مثلما هي تصوير لظلالٍ هاربة، ظلال جريمة لا بد من تبيان ملابساتها.

قدّمنا الحركة الأولى وكأنها عرض لوجه الأمينة الأولى المهيب بعد الفاجعة بعمر مديد، إذ القصيدة تاريخها /1991/-، وهو وجه يتلامح من خلاله الوطن بأكمله، ولكننا نستطيع دون أدنى تناقض- أن نرى في الحركة الأولى الوطن السوري تحديداً، ولكنه وطن كانت "الجيم" السبيل إلى تأنيثه الجنسي، فتماهى معها لا يفرق بينهما شيء. ونحن بالتالي نستطيع إعادة قراءة الحركة الأولى، فنقول: نحن أولاً أمام سوريا الساحلية لبنان- الممتدة على شواطئ المتوسط، والجبل الرجيم هو جبلها المطلّ على البحر، وأحياناً، كما هي الحال في كثير من خلجان المتوسط، ينهار ذلك الجبل انهياراً عمودياً في لجّة الأمواج، فهو جرف جهيم بحق وحقيقة، وإذا كان المتوسط ناقل الحضارة في التاريخ الغابر، فأمواجه الآن سياط الجور تهوي على الشطآن.

وهذه الأمواج نفسها هي أيضاً "لجين الجمان الجعد"، والشاطئ الطحلبي المنخور الصخور، هو الإسفنج الجليل الذي يشهد في تلألؤ الشمس على الجريمة:

إنه صولجانها الذي لا لبس فيه، وهو صولجان يمتد فوق الموج البنفسجي المتعطش شوقاً وحباً لـ.. هاجره الذي رَحل أو رُحّل- غيلة. فما هو الجبّ؟ إنه سوريا الداخلية التي توصف عن عمد- بأنها "سنجق"، تذكيراً بالماضي التركي العثماني، وهذا السنجق واليه حسني الزعيم حين وقوع الجريمة. لكأن خضور قد أنجز في الحركة الأولى، بالكلمات، ما ينجزه فن التصوير الذي يمكنه أن يعرض منظراً يشف عن منظر آخر، وهو هنا قد وضع وجه الأمينة الأولى وسوريا تشفّ من خلاله، وإن شئت رأيت سوريا يشف من خلالها وجه الأمينة الأولى. ترى، فمن يمكنه بعد أن يشكك في إيحائية الكلمة وقدراتها التعبيرية الخارقة!؟ وهيهات، ألف هيهات لفن التصوير أن يجاري في يوم مجالات سحر الكلام!!.

آن لنا الآن أن نتابع الحركة الثانية بدءاً من السطر /20/ فالوطن كما رأينا في ختام الحركة الأولى بساتين ساحرة، لكن "بستانيّها" دون أن يأبه بالشاعر- الإنسان تطاول وها هو يبدّد "الجوهر" الثمين الذي جادت به شواطئ المتوسط الشامخة، بل هو يمزّق القاموس الجديد. الجريمة، إذن، قتلٌ لطموح شعب، ووأدٌ لولادة أملٍ جديد بانبعاث الوجه السوري المشرق، وجه الحضارة الموغلة في أعماق التاريخ الإنساني، إنه الدم المسفوك على مذبح السلطة الغاشمة، وصفقة بين أصحاب "الجلالات" رجال "المجد الوجيه" الذي لا يقوم إلا على الخدم والجواري.

فما أبهته من مجدٍ، كرسيُّه الصغار، والاستزلام، والجريمة! وكنا رأينا أن البستانيّ الجاني عندما انطلق إلى جريمته لامس كتفه كتف الشاعر-دون أن يفعل هذا الأخير أي شيء!-آه، بل الشاعر هو المجنّي عليه في نهاية المطاف، وهو الذي يتمزَّق بآلام ذلك الغدر، لقد سيق إلى الجلجلة، وصلب وأخذت البستاني- الجلاّد في بطشه عزّة الإثم، فجال، وصال، وجرجر ضحيّته، وأطلق للجنون والإجرام مداهما: إنه البطر الآثم في ذروة طغيانه وتجبّره، ولكن الشاعر الإنسان- الوطن ليس مسيحاً جديداً يصعد باختياره إلى صليبه فداءً للخطيئة. إنه قلبٌ يجيش بالحياة، وها هو الوجدان عقلاً وضميراً- يستجمع شتاته؛ وها هو الوجود يستنفر في الخلية الإنسانية جهازها الحماسي المقاوم، فينتفض القلب نازعاً إلى مثار شوقه وجواه، كما يستجيب المغدور الراحل مبادلاً الوجد بوجدٍ مماثلٍ، صافٍ، نقيٍ، ويجاري ثورة الإنسان مستنهضاً وحافزاً، إلى التصدّي، فيخجل الشاعر الإنسان- الوطن ويجمهر شتات العروق الذبيحة، سلّماً دموياً صاعداً بالحق إلى الأمل الجيّاش، ليكن إذن الانفجار المدوّي! لكن سطوة البطش أطغى-وهيهات أن يكون انفراج! لا همّ، إلى الهجوم مجدّداً، بجيش من العواطف العارمة، وبالكلمة المجبولة بالدم والرفض، لدحر حصار تابوت الموت والجريمة الذي أطبق مغلقاً الجهات العشر جميعاً. لكن، واأسفاه متى كان الشعر يستطيع أن يهزم الطغيان؟! وأين هو الطاغية الذي هزمته كلمة؟! ألا ليس سوى الشاعر يجندل صريع وهمه!.

تنتهي الحركة الثانية والثالثة في ذروة المواجهة البطولية-الخاسرة!!- مع نهاية السطر /44/ بالصرخة المتوجعة:

-جُندلتُ..

وتعقبها على الفور الحركة الرابعة في محاولة ثانية لتتبّع مكامن الداء بعيداً عن رمز الخلجان الجامحة، والقواميس الجديدة، وجلجلة الآلام المتربصّة بالأحلام، ومكمن الداء واقعياً- ذلك الجدار الأصمّ، جدار الجهل والأحلام الملونة بالعواطف والكلمات، ويا له من جدار يرزح هو الآخر تحت وطأة أحذية الجند، وهم أجبن من جراء تلك الصحراء التي ظاهرها عربيّ، وباطنها أعجميّ.. ويالها من أرض أكل جدريّ الوقيعة والصّغار وجهها. وأما "مجسّة" التنظيف فما تحمل إلا الجرب لجيادها الهزيلة، فهي أرض عافتها حتى الطيور الجارحة التي تقتات من الجيف! ثم هاهم حجيجٌ يمَّموا شطر الجمود والاستنقاع، فليلهم جبّة الجنس المكبوت، وأما ليل الوطن فلا يعنيهم، ويخافون من الخطر الداهم فيه، فيبتهجون مهللين للفجر البازغ، فجر الشمس، لا فجر الانبعاث والنصر والبطولة، وحقيقة الأمر، فما هربهم إلى ذلك الضياء الباهت إلا خوفاً من معارك الرجال.

لقد انجلى إذن ثالوث: الجدار /الجند/ الحجيج، وها هو الشاعر ينطلق بدءاً من السطر /54/ في حركة المتن الخامسة والأخيرة، متوجهاً نحو ختام ذلك المتن.

إنه يرجع إلى ذاته، واقفاً أمام فجر "الفجراء" مناجياً إياه أن يلطف هجير القصص الأسطوري، معلناً أنه من جانبه، يحمل ليل الوطن وقد نسي حياله كل متعة، وتأججت في أعماقه نار الحنين إلى الراحل "الهاجر" فتهدّج حتى الصوت في حنجرته لوعةً ووجداً، وها هو الهاجر نفسه يواسي بجلال ومحبة، ويشفي من وجع الجسد والروح، ذلك الوجع الذي كاد يودي بصاحبه إلى الجنون، في عالم غاب عنه العقل إلى غير رجعة. لقد كان الراحل دعوة إلى اليقظة والانبعاث، فهو المخلّص من "جراد" الجنس الذي يأتي على العقل والروح والجسد، وهو الذي يدفع إلى السموّ، ويهدهد هجمة الأحزان، وهو الذي ينشرك مع الشاعر- على امتداد مجرّة مشعة مترامية الأمداء، باعثاً في النفس الطمأنينة والأمل من جديد مع تلك الملاطفة الندية:

تجمَّلْ يا حبيبي..!!

الأداء الشعري

ومع الصبر الجميل، المفعم بالأمل، البعيد عن اليأس، ينتهي متن القصيدة، بعد هذا العصف الهادر على امتداد حركات خمس متلاحقة، متناغمة، متجاوبة، متفجرة بلحنها "الجيميّ" الفريد، ولنا الآن وقفة مع الأداء الشعري في هذا "المتن".

بعد أن حاولنا تقصّي المدلولات التي "أراد" الشاعر مدّها جسر تواصل بينه وبين القارئ- أو المستمع- بل بينه وبين نفسه أيضاً، لأن القصيدة لدى الشاعر المبدع هي في المقام الأول نقلٌ للاشعور الغامض المعتم إلى ساحة الشعور المضاءة بالكلمة الشعرية الكاشفة، والأداء الشعري هو بيت القصيد في كل دراسة نقدية. فليس المهم أن نفهم "ماذا" قال هذا المبدع أو ذاك، وإنما المهمّ والأهمّ أن نتحرّى "كيف" قال ما أراد التعبير عنه.

وسوف نتبين في هذا المجال فرادة الإبداع الشعري الخضوري بارتكازه دائماً وأبداً على بعدي الجمالية الشعرية:

-الموسيقى..

-والعمارة المتكاملة..

مضافاً إليهما ما هو "خصوصيّته" النوعية، ألا وهي التنامي دمجاً:

-للوصف السكوني..

-بالوصف الحركي..

وإضفاءً لصبغة درامية ترتفع في أحيان كثيرة إلى مستوى المواجهة الملحمية، كما هي الحال في هذه القصيدة الجيميّة، حيث تستنفر "أجهزة الوجود" للتصدي لزحف الموت، وحيث تكون المعركة محتدمة على أشدّها بين الماضي والمستقبل، بين الإنسان الحرّ، الجامح، وبين جلاّديه "الوجهاء" المكلّلين بتيجان الدناءة والجنس القميء والجريمة.

مثلما هي معركة صاخبة في داخل النفس، بين اليأس والأمل، بين "الوجع الجنوني" و "التجمّل"، وأخيراً بين الغفلة والحماسة.

ونبدأ من الموسيقى، لا لنعيد ما سبق تفصيله حول الافتتاحية، وهو متكرر بأكثر من صيغة في المتن، وإنما للتوقف مليّاً أمام إيقاعات هذه "الجيمات" المتعاقبة، ولينظر القارئ مثلاً كيف انتقل الشاعر من شاطئ المبتدأ والخبر الممتد على طول اثنتي عشرة جملة شعرية، إلى أعالي خضم الفعل والفاعل، بادئاً تصوير الجريمة في الانطلاق الخاطف للبستاني الجاني نحو جنايته، وقد توّجت "الجيم" بدء الكلمات الأربع للسطر الشعري-المفصّلي:

جنّاتٌ جرى جنّانُها جنبي

معلنةً بهذا الموقع اللافت الموحّد، أن "الهجوم" على "الجيم" قد بدأ. وهذا السطر هو الوحيد الذي تحتل فيه الجيم موقعها الأولي ذاك، بينما بنيت جميع السطور على تفاوت الإيقاع الجيمي، بتناوب ظهورها في أوائل، أو أواسط، أو أواخر الكلمات على التوالي. ولينظر القارئ من ثم إلى هذا المزج الموسيقي الشديد الإيحاء، حين تعانقت "الهاء" و "الجيم" في:

لهوجني هياجُ الهجرِ

كناية عن اللهفة والحنين الجارف وهي موسيقى مغايرة تماماً لاجتماع "اللام" و "الجيم" و "الميم" مع "الياء" المشدّدة في:

لجوجٌ لجّه الجمريّ

كناية عن عصف الغضب الجارف. المتفجّر في العينين الجمريتين. ألا فبمثل هذا الاندماج التام بين "الدال" و "المدلول" تحقق الكلمة الشعرية جميع طاقاتها الإيحائية والجمالية!! ولينظر القارئ المتأني إلى هذا المتن المديد بأكمله، فلن يجد فيه نشازاً واحداً يشذّ عن تلك القاعدة، وسوف يدهش كل الدهشة من تحقق ذلك دون أي تكلّف أو إقحام، وبكل عفوية وانسياب. إنها الموهبة الحقيقية، تلك الموهبة التي نستطيع القول عنها بلغة العصر المعلوماتي إنها نوع من "البرمجة" اللاشعورية الفطرية، وهي برمجةٌ طاغية مهيمنة وتعمل بأدق مما تعمل به أدق الساعات السويسرية.

وننتقل من بعد الموسيقى إلى "العمارة" الشعرية المتكاملة لنجد كيف استأثرت "أنا" الشاعر على الدوام بمركزها المحوري، استكمالاً وترسيخاً لموقعها في الافتتاحية، بل إنها ضمّت إليها "هو" الراعي" و "هي" الأنثى والوطن، مع تطوير وتفريع عناصر التشكيل الأولي الذي يمكننا، استناداً إلى المتن، إعادة رسمه على الصورة التالية:

ويرينا هذا التشكيل المعماري المطوِّر عن سابقه، كيف تعانقت أنا الشاعر مع "هو" و"هي" فهذان الركنان جناحاه، أو هما ثنائية الرئة وهو منهما في مركز واسطة العقد، مركز القلب.

وقد أطبق على هذا الثالوث الإنساني من كل جانب ثنائي الموت، والجريمة بسور مثلث الطبقات:

-طبقته الأولى      الجهالة (عواطف وأحلام وعجز).

-وطبقته الثانية     جند أجلاف (حاضر البطش والقماءة).

-بينما طبقته الثالثة   حجيج يمّموا شطر الماضي وتسلّحوا بالكبت!

ومن جوف ذلك "القبر" تجد أنا الشاعر، مدعّمة بـ "هو" و "هي"، منفذها عبر الطبقات الكتيمة الثلاث إلى الهواء و الحياة. فمن طرف في هذا الجو الندي تتفتح زهرة الأمل بجذورها الضاربة في الحماسة والتصدي؛ ولكنها ليست ساعة النصر، فيبقى للجرح الأليم حلاوة الصبر الجميل، الذي يستمد نسغه هو الآخر من تهدئة الوجع الجنوني، ومن قهر جراد الجنس. وأما الوصول إلى الهواء النقي فيكون بمعركة على مرحلتين، بمنتهى التناظر والتوازن، من بعد مدخل افتتاحي بانورامي يمسح ساحة المعركة بعد المواجهة الخاسرة، فليرجع القارئ إلى تقسيم المتن وتوزيعه في خمس حركات على امتداد /60/ سطراً شعرياً، وسوف يرى كيف كان هذا التوزيع متوازناً، بمعدل /12/ سطراً للحركة الواحدة، أقل أو أكثر بسطر واحد أو سطرين لا غير! ترى، فهل كان الشاعر يعدّ أسطره ويقوم بعمليات حسابية؟ لو فعل، إذن لجاءت قصيدته باهتة مضحكة، والأرجح أنها ما كانت لتكون على الإطلاق. إنها، قلنا ولا بد من التأكيد المرّة تلو المرّة، "البرمجة الفطرية" التي تملي عفو الخاطر الشعري، جماليات الإبداع، وتناظراته التشكيلية الرائعة، الموحية بروعتها، والساحرة، المطربة بسحرها. وهذه الروعة التشكيلية، وهذا السحر البياني المعماري، هما في صلب النشوة الجمالية التي هي من بين أهم أركان التذوق الأدبي، بالإضافة إلى جلاء الوعي، وتحقيق التجاوز بالإبداع الخيالي!

التنامي الدرامي

بقي علينا إعادة التأمل في الحركة الدرامية المتنامية على امتداد متن قصيدتنا موضوع هذه الدراسة. لقد انطلق فايز خضور منذ كلمته الأولى بالرفض، وكان رفضه على الدوام جذرياً لا يهادن، فحمل شعره تلك النكهة الصدامية وحفل بالحركة المستمرة بين كرّ وفرّ، وعندما قرر في مرحلته الشعرية اللاحقة بعد 1980- على امتداد دواوينه الأربعة التي سبق أن أشرنا إليها، الانتقال إلى البعد الملحمي، أكّد على ذلك الطابع الحركي الدرامي، المنتشر على أفق وطني وإنساني شامل، وهيهات أن تجد في القصيدة الخضورية- كما هي حال معظم الشعراء- لوحات وصفية سكونية، مترادفة، متجاورة ترادف وتجاور قبب التكية السليمانية في دمشق! إن عمارته.. آشورية، تشمخ متكاملة، وتعلو في تناغم يثير الدهشة قبل الإعجاب، ولوحاته الشعرية آشورية الانتماء فنياً: إعادة عصرية رائعة للّبوة الجريحة، تلك المنحوتة الفذّة التي تضجّ بالحركة والعنفوان. يقيناً لقد استقى بروجل حركيّته المذهلة في لوحاته الفريدة من مصادر آشورية.. وافقت موهبته دون شك، على بعد الشقة الجغرافية والحضارية، وأمّا فايز خضور فما أغناه عن أن يستقي من حضارة ما بين النهرين، وهو ابن هذه الحضارة، ويحمل "شريطها الوراثي" في كل خليّة من خلاياه!!

فانظر إلى هذا المتن الشعري المديد وهو يضجّ متفجراً.. بجيماته.. حتى في المدخل الوصفي عبر الجمل الاسمية الهادرة. ومن بعد ذلك هذا هو البستاني-الجلاد في حشد من الأفعال البطرة المتلاحقة:

جلجلني

وجفّ

جفا

تجنّى

جال

جرجرني

ويا لها من فورة لا أصدق ولا أبلغ، لانفلات البطش الوحشي من عقاله، ولكن لا بد من لوحة مقابلة للشاعر، مدّعماً بالراعي-المخلّص، تحتشد الأفعال المضادة فيها للمواجهة دون هوادة:

جمعتُ..

جمحتُ..

انفجرتُ..

هجمتُ..

جيّشتُ

وتكون النتيجة فاجعة فتُختصر في فعل واحد لا غير:

جُندلتُ

لماذا إذن؟ بكل تأكيد، إن روح القتال أبعد ما تكون عن الاستسلام للتأوّه واللطم الحزين، وها هو التصوير اللاحق للقوى المنتصرة والكلمات رجمٌ غاضب، ووعد بمواجهة جديدة، إلى أن يحضر الراعي-المخلّص ثانيةً ويهدئ من جماح تلك الثورة الجياشة، وهنا يغيب ضمير المتكلم مستتراً في ضمير المفعول "ي" الملتحم مع ضمير الغائب المستتر برغم حضوره-:

جابهني

جرّدني

اجتباني

هودجني

جمجم بي:

ليكون ختام المتن تلك الجملة التي نقلت إلى ضمير المخاطب المتحد مع ضمير المتكلم طبعاً-:

تجمّل يا حبيبي!

تلك هي السمةُ التي أسميناها "تنامي" العمارة الشعرية الخضورية بأدائها الدرامي الملحمي المميز، وما أحسب أننا ظلمناه، لا ولا ظلمنا أنفسنا- بالتأكيد على تلك الخصوصية الفريدة.

جـ - القفلة الختامية

وماذا بعد؟! لقد عرضنا افتتاحية القصيدة ومتنها إجمالاً وتفصيلاً، وجرّبنا تسليط الأضواء من أكثر من زاوية، وها نحن الآن أمام القفلة الختامية الممتدة من السطر /68/ حتى السطر الأخير /78/، والشاعر يمضي "بعد زوال السكرة، ومجيء الفكرة"، مبحراً في شفقٍ حليبيّ. إذن نستنجد بالشاعر ليسعفنا على الفهم. لقد "ذيّل" ديوانه بخاتمة نثرية يشرح فيها بعض ملامح تجربته الشعرية في خواطر صافية، صادقة، تدفعنا لأن نهمس في أذنه: ليتك تفتتح السير الذاتية التي نحن بأمسّ الحاجة إليها في كتاب جامع، يصبح قدوة ومنارة لكل أديب، فلعلّـ(ـهم) يتشجّعون. ويبوحون ولو ببعض "الحقائق" عن سيرهم التي قد تنير للدارسين طريق البحث والتحليل، وتشرع باب النقد الإبداعي على مصراعيه! ولنقرأ فايز خضور في الصفحة /171/ من ديوانه: "خلال هذا الزمان المحترق، كنت أجاهد لتحقيق أمر، على غاية فاحشة من الصعوبة كما أعتقد- هذا الأمر هو "تنظيم اللاشعور بالقدر الذي يخدم حاجة النصّ لديّ: منهجاً وغاية للشعور" وبعد سطرين اثنين يجلس على كرسي الاعتراف بكل جرأة وصراحة متابعاً شرحه:

" ولم أعتمد على "الفراديس الاصطناعية" الناجمة مغالطةً- عن تعاطي الكحول والمخدرات ومشتقاتها وملحقاتها البهيجة التي "لا بدّ!" منها لاكتمال "المأدبة": مع أنني قارفتها بشجاعة فظة، ولها مني عاطر التقوى والعرفان، فيا طالما أفرحتني. ويا طولما أدمتني وأنهكت خلاياي، ولكنها لم تفلح في تدميري، ولم تهزمني.."..

وكنا في بداية هذه الدراسة قد بيّنا أن قصيدتنا الجيميّة منبعها من تخوم اللاشعور، وأنها على الأرجح- حالة سكرٍ.. واعٍ ومبدع.

وها هو الشاعر باعترافه- "يبصم بالعشرة".. نعم، إن القصيدة كانت نتاج ليلة "عاقر" فيها الشاعر "بنت الكرمة" حتى مطلع الفجر.

وبنت الكرمة هذه، يوضحها لنا بأنها.. العرق، الذي متى مزج بالماء تحول بلونه إلى بياض الحليب، وهو المشروب السوري الذي لا قبله ولا بعده، ولونه ومفعوله- من وراء تسميته بـ "حليب السباع"!! وها هو الشاعر يبحر في ختام رؤاه والكأس الحليبي اللاسع، المخدّر والموقظ معاً، ينتصب أمامه منارة بيضاء هادية، لكنه من جانبه "مدلّهم النفس". كيف لا، وقد خاض معركة ضارية مع الرؤى الهاربة التي تركته وكساؤه "العري"-!- والفراق، ولا ينابيع شهية إلا خيالات تتلامح في مدى عطشه المقيم، ولا عزاء له إلا السخرية الشامتة بالعصافير الهاربة المتعلقة بأذناب الغيبيات.

هنا، لا بد من عودة إلى "جيمه"- هي الأنثى والحزب والوطن- لأنها "وحدها" فيضه الباقي في أعماق الوجدان، وهي رهن شفتيه كلما نطق بالشعر تمجيداً لأوقيانوسها المترامي على امتداد الوجود الإنساني الحرّ المبدع. آه، لكن هذا هو الفجر من جديد، الفجر الذي تمت فيه الجريمة، وهو في الوقت ذاته الفجر الغارق في دبق الطقوس المحنّطة! فأيّ أسف موجع، وقد غاضت الرؤى! لقد لاحت في هنيهة خاطفة أمام البصيرة المستنيرة، ولكن هيهات أن يكون بإمكانه "الاتحاد" بها، و "التلاشي" في إشراقها البهيج، فلا مهرب من الرجوع إلى الواقع المرّ. تلك الرؤى، "لم يكتشفها" الشاعر، وإنما جاءته عفو التجلّي مع كأس بنت الكرمة المترعة، وحالما حضرت تلاشت فلم "يرتشفها". لقد بقيت منها إذن ثمالة في الكأس، متروكة لموعد صحوة لاحقة!.

ونحن بدورنا وما كنا قد "عاقرنا" سوى تلك الرؤى الشعرية المضطرمة في هذه القصيدة الجيمية الغريبة، العجيبة، لا غنى لنا عن أن نضع نقطة النهاية لهذه القراءة الثانية، وأملنا أن نكون قد وفيّنا القارئ حقّه في تقصّي جميع خفايا القصيدة التي عرضناها أمامه..حسبما أرادها مبدعها على زعمنا واجتهادنا-! وبطبيعة الحال، تظل بعد القراءة الثانية هذه قراءات أخرى، لكن، هذه قصة أخرى، وموعدها في تتمة هذه الدراسة بعد استراحة فترة يسيرة من عمر الزمان!

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244