إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:30 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
لغز عبد الله عبد

لغز عبد الله عبد

عبد الله عبد يعشش في خلاياك بعد قراءته. يسكنك هاجساً مقيماً لا يبرح أبداً. يهمس لك في مختلف حالاتك النفسية ومشاهداتك الاجتماعية. إنه في أعماقك صوت الوعي، وحالة حميمة من التواصل والتأثر والحضور المستمر. فما سرّ هذا الأثر الباقي على عكس العديد من الكتابات التي تملك عليك إعجابك حين القراءة، ولكنها من بعد ذلك تدخل في أرشيفك الداخلي. بكل حياد وهدوء؟! ألا فإن عبد يكتب بالسكين، وما كلمات قصصه إلا نزف الدم الساخن وقد ترقرق وتماوج على بياض الصفحات واستقام كلمات نابضة بالحياة والزخم والحضور الطاغي. وإن يكن الدم قد تجمّد واسودّ ففيه خلف السواد ظلال من وهج الاحمرار القاني الذي كان في نقطة البداية. وقالوا فيما قالوا في الإبداع الأدبي إنه حالة الوعي المجلّو من تحت رماد اليومي الروتيني، وهذه قصص عبد من بين عيون القصص العربي والعالمي-خير مثال على مصداقية ذلك القول. فهل من عجب أن يرد اسم كاتبنا في بعض قصص زكريا تامر تورية تحت اسم: "عبد الله الكبير، أحسن الله خاتمته(([1]))؟! لقد جمعت المنافسة الإبداعية الكاتبين السوريين، فكانا على الدوام جوادي رهان القصة القصيرة وهما ينطلقان بكل زخم قرب خط النهاية: فكلاهما سابق، وما بينهما مقصّر!

على أن عبد اختط لنفسه أداء قصصياً مختلفاً رغم وحدة المشارب السياسية والمنبت الشعبي المشترك بينه وبين زكريا تامر. وسوف نحاول جاهدين تعقب هذه الفرادة "العبدية" في القصة السورية القصيرة من خلال مجموعاته الثلاث:

1-مات البنفسج، 1969/ وزارة الثقافة/ سورية.

2-السيران ولعبة أولاد يعقوب، 1972/ اتحاد الكتاب العرب/ سورية.

3-النجوم، 1977 (بعد عام من وفاته) /وزارة الثقافة/ سورية.

ومن مآسي القدر رحيل عبد الله عبد السريع قبيل مجموعته الأخيرة في أواخر الأربعينات من عمره 1938-1976 الذي انقضى كومض شهاب خاطف. ترى، فهل انتقص ذلك من مكانته؟ ألا إن الإبداع مقياسه النوعية وليس الكمّ، ولولا ذاك لكان بيتهوفن أقل الموسيقيين شأناً!! وكأني بالمبدع ولا همّ له إلا إيجاد "نموذجه". ومتى استقر على تلك الأرضية الراسخة- وغالباً ما يتحقق ذلك للمبدع الحق منذ العمل الأول- لم يعد له من جهد سوى "تفريع" ذلك النموذج و"تنويعه" إلى ما لا نهاية. وهذا على وجه الدقة ما تحقق لدى عبد الذي تمايز عن رفيق دربه زكريا تامر بتطويع اللغة لكل حالة من حالاته القصصية بينما جعل تامر من اللغة نفسها لعبته الإبداعية الأثيرة. وإذا كان تامر قد انطلق على متن الكلمة الكلاسيكية المجوّفة بنفاقها، وتحنّطها، وطنطنتها الدون كيشوتية، جاعلاً منها مادة السخرية الحلوة- المرّة بروحه الشامية الفكهة، فإن عبد قد يمّم شطر الكلمة الأدبية البسيطة، الملتصقة بموضوعها وصفاً وإيماءً، جاعلاً من اللقطات الإنسانية الفريدة في قاع المجتمع شغله الشاغل. ولم يكن في ذلك إلا شديد الالتصاق بتجربته الشخصية المشبعة بالمرارة والبؤس. إنه من ذلك القاع ذي البؤس الإنساني المزمن على مرّ التاريخ. وما أبطاله المحطمون، المحرومون، المهمّشون إلا رفاق عمره، فهم بالتالي دون أي تكلّف، أو تبشير، أو وعظ، نماذجه الأدبية المختارة، في أصفى حالات الصدق والتواجد الإنساني: وهم دون أدنى شك تحققه الشخصي الأمثل، بعد أن تحول في قصصه إلى صرخة ألم واحتجاج، بينما عربة التاريخ "تهرسه" وتهرس من معه في ذلك القاع المظلم.

فما هو الإطار الجامع المانع الذي يمكننا أن ندرج فيه على زعمنا وظّننا-مجموع أعمال عبد القصصية؟ إنه:

أولاً-   ذلك الدمج الفريد للواقع بالرمز، انتقالاً من أحدهما إلى الآخر بكل يسر وعفوية، أو وقوفاً عند أحد الحدين بكل متانة ورسوخ؛

وثانياً- المراعاة الأصيلة المتميزة لتقنية القصة القصيرة، في أدائها الإبداعي الشديد التكثيف؛

وثالثاً- وأخيراً- اللغة "العبدية" الإبداعية، الخاصة به وحده دون سواه.

1-الواقع والرمز في عالم عبد الله عبد

ينتقل عبد باستمرار من الواقع إلى الرمز، كما يدمجهما أحياناً دمجاً في غاية الإتقان والإحكام. ولكن الواقع المقتطع من أكثر الشرائح الاجتماعية بؤساً يظل منطلقه ومنتهاه. ويمكننا على سبيل المثال توزيع قصص مجموعته الأولى: "مات البنفسج" وفق هذا التقسيم ضمن الجدول التالي:

قصص واقعية/ رمزية

قصص رمزية

قصص واقعية

-ديكنا

-اللعنة

-المتشرّد

-أرض الرجال

-الملاّح وسرّ البلّورة

-الشريطة الخضراء

 

 

-علق

 

 

-مات البنفسج

 

 

-العربة والرجل

 

 

-متاعب "رتيبة"

 

 

-البذور الطيبة

 

 

-الصقر والسلحفاة

 

 

-عودة الأحباب

وتكشف لنا النظرة الأولى إلى هذا الجدول غلبة القصّ الواقعي على ما سواه. ولو تعقبنا أعماله الأخرى لوجدناها دائماً ضمن هذا الهاجس المقيم للهمّ الاجتماعي والإنساني الضاغط بكل ثقله، دون أدنى حاجة لتحويله إلى رموز. ومن يدري، فربما كانت الشرائح المسحوقة هي الرمز الأمثل لوحشية التاريخ، ولا مبالاته الدفينة بعذابات بني البشر على مسرح الكون. على أي حال، لا غنى لنا فيما ارتضينا لأنفسنا من منهج نقدي تطبيقي [شديد الوضوح] أن نتناول كل صنف على حدة، والبداية طبعاً مع القصة الواقعية.

وخير ما نبدأ به مع هذه القصة وقفة تأمل حيال "أبطالها" وهم على التوالي:

1-مات البنفسج (عام 1969)

-المتشرد             : بائس يبحث عن عمل في يوم شتائي عاصف من أقصى المدينة إلى أقصاها.

-الشريطة الخضراء   : طالبة مدرسة، يتيمة الأب، تبدأ طريق الانحراف لتستمر في أكل الجبن الهولندي الذي تحب.

-علق                 : موظفة بسيطة؛ مطلقة؛ صغيرة السن؛ تعيش ضمن "قاووش" مع أسرتها وأسر أخرى ضمن أشد الظروف بؤساً، ونصيبها الضرب باستمرار من والدها لاشتباهه.. بشرفها (ظلماً ودون أي دليل).

-مات البنفسج        : قصة حب غض صامت لشاب بائس، لكنه من فئران الكتب؛ حبه ذاك يتوجه نحو فتاة في رقة وحياء البنفسج.. صبية يافعة، طالبة مدرسة.. لكن تلك البنفسجة تموت بعد زيارة أقارب لها في بيروت، وموتها معنوي: لقد فقدت رقتها وحياءها، وتحولت إلى شخصية لاهية، مبتذلة.

-العربة والرجل       : "عتّال" هرم، يموت حماره "الفهيم" ويتركه وحيداً مع "طنبره" البائس في طلعة "الطابيات" باللاذقية، وحمولته فوق ما يطيق، وها هو يتهاوى وينهار رويداً رويداً.

-متاعب "رتيبة"       : رتيبة المعنيّة فتاة صغيرة تبيع الكعك لبنات مدرسة "الكرمليت" في اللاذقية. ونراها في يوم كانوني عاصف الريح والمطر أمام المدرسة بانتظار قروش الطالبات وهي تحاول عبثاً صد هجمة الريح والمطر.. والجوع!

-البذور الطيبة        : صبي فلسطيني من نابلس بعد الاحتلال الإسرائيلي لها وقد "علق" بين أيدي الجنود وهو يكتب بطباشيره على أرض الشارع: "فلسطين عربية".

-الصقر والسلحفاة    : بائسة أخرى من المعذبات في الأرض، تبيع جسدها لتعيش. إنها السلحفاة المتخفية تحت قوقعة الحذر والخوف، وينقض عليها "صقر" من جماعة.. "الأخلاقية" في حالة تلبّس مع تاجر معروف، فيجرّدها من جميع ما تملك من أساور ذهبية. والأدهى أنه محتال، تقمّص شخصية "الأخلاقي"!!

-عودة الأحباب        : "قاووش" أو حوش بؤس آخر يضطر ساكنوه لإخلائه إلا واحد يرجع إليه وقد خوى من أهليه فينام ولا مؤنس لوحشته إلا أحلامه عن الأحباب العائدين وهو يوزع عليهم الجوائز.. وهماً وحلماً!!

2-السيران ولعبة أولاد يعقوب (عام1972)

وفيها سبع قصص واقعية من أصل عشر وأبطالها على التوالي:

-الأمل                : مستخدم مياوم في إدارة حصر التبغ والتنباك (الريجي)؛ سيف التسريح مسلّط دائماً فوق رأسه، والقروش القليلة التي يتقاضاها لا يمكن أن تزيد لأن المياوم لا يستفيد من الترفيع السنوي لـ "المثبتّين". حلمه إذن التثبيت في عمله، وهذا أمر منوط برئيسه المباشر الذي "يستزلمه" و"يسخّره" لجميع أعماله الخاصة ولكن، دون طائل فالمسكين لا ينجح في مسعاه، إذ يزعج رئيسه أثناء قيلولته بعد الغداء: كان قد طلب منه تنظيف سطح البيت، "إنما".. دون إحداث أدنى صوت!!

-الآباء يأكلون الحصرم: وبطلها موظف صغير، مرتبه البائس يسلّم أولاً بأول إلى الزوجة التي تنظم المصروف بدأب النملة ودقتها، فلا مجال لضياع أي قرش هدراً. المسكين يحلم رغم كل شيء بجلسة "شبوبية" في مقهى "الشباب" الذي كان فيما مضى مقابل الباب الرئيس لمديرية المرافئ باللاذقية: وهل ألذ من كأس شاي مع نفس أركيلة على ذلك الرصيف. إن المرء يستعيد إنسانيته وعذوبة العيش في مثل تلك الجلسة، وها هو يحتال لادخار القروش القليلة، ومغالطة الزوجة في ثمن الخضار والأغراض المختلفة التي يشتريها للبيت. وبعد توفير المبلغ المطلوب، لا يستطيع تحقيق حلمه الغالي: كان ابنه قد طلب منه ذاك اليوم.. كرزاً، والكرز غالي الثمن، لكنه للأمانة والتاريخ لذيذ المذاق، ولا بد من تلبية رغبة ذلك الشيطان الصغير. وهكذا، فالآباء يأكلون الحصرم ويضرسون هذه المرة، وللأبناء الكرز الشهي!!

-طريقة عيش         : محتال بائس، معه أفعى مدجّنة يخفيها في "خرج" معه، ويتجول في القرى من بيت لبيت، ويخرج الأفعى نفسها من جميع بيوت الريفيين المخدوعين بأنه من "الحواة" المهرة في اصطياد الأفاعي:

                       ما العمل؟ لا بد من طريقة لكسب العيش، وإن كان بخداع البسطاء البائسين على يدي بائس بسيط مثلهم!!

-سلّوم                : مشرد خمسيني، ينام حيثما اتفق ويضطر في لحظة بطولة إلى استنفار مكامن الاعتزاز في وجدانه، فيقتل الأفعى المرعبة التي روّعت جميع الأصحّاء الوجهاء (وكانوا يظنونه من المجانين!)

-غربة                : عجوز ستيني محجوز عليه لدى "كنّته" وابنه. وينجح في التملص من سجن البيت فيضيع في المدينة التي انقلبت رأساً على عقب، محاولاً بيأس التعرف على مرابع طفولته الشقية رغم بؤسها.

-وحدة امرأة          : عجوز، قعيدة الفراش، ولا من يرعى شؤونها، في صراعها مع الشلل، والذكريات المريرة، و الأشواق.

3-ونتابع "سبحة" الشخصيات المعذبة في المجموعة الثالثة: "النجوم"، دون أي تفصيل هذه المرة، مكتفين من الشخصية بوضعها الاجتماعي وموقعها على "الخط البياني" لمراحل العمر المختلفة:

-تشرين والخطاف    : موظف بسيط في الأحوال المدنية. شاب حالم بالخلود والتواصل الإنساني.

-الضحك في آخر الليل: مستخدم بسيط في الميناء. في متوسط عمره.

-موجز سريع         : موظف صغير في دائرة ما-!-، في متوسط عمره.

-الوهم والحقيقة      : فتى أشقر جعدي الشعر في مطلع الشباب، و "سلطان" متوسط العمر، شديد البطش والعنفوان.

-البعض يأكل الدجاج: عامل من عمال الميناء؛ في العشرينات من عمره.

-النوم                : موظف صغير، أربعيني، يحلم بعنترة وهو نائم!!

-سليمان ومعلمه     : مستخدم آخر من مستخدمي "الريجي" متوسط العمر.

-الدرويش            : عامل مريض في مقتبل العمر. يستفيد من الضمان الصحي في مؤسسته (الأرجح أنها الريجي أيضاً).

ونرجع مع القارئ إلى أولئك "الأبطال" لنتبين سويّاً أنهم جميعاً:

أ-من أشد الطبقات الشعبية بؤساً وفقراً

ب-وأن منهم الأطفال، وما أقسى بؤس الطفولة!!

ويشذ عن موضوع البؤس للكبار والصغار واليافعين على حد سواء- خيبة عواطف محبّ البنفسج الرقيق الغض في "مات البنفسج"، علماً أن ذلك الشاب العاشق هو من البؤساء أيضاً، ويحمل بالإضافة إلى بؤس الواقع الاجتماعي، بؤس القراءة وما تحمله من أحلام مجنحة. كما تشذ أيضاً قصة "البذور الطيبة" بموضوعها الوطني الفلسطيني، علماً أن بطلها الصبي الصغير هو أيضاً من معسكر الفقراء المحرومين.

ترى، فما سرّ هذا الالتصاق الحميم بالمعذبين اجتماعياً؟ هل يكون هذا الموقف الذي لا رجعة فيه نوعاً من التبشير والوعظ، والتزاماً أدبياً من جانب "عبد" بانتماء يساري محدد؟ لو أن الأمر كذلك، إذن لجاءت قصصه باهتة مملّة، ولما حملت نكهتها الدموية الفريدة. بل عبد الله عبد يعبر عن معاناته الشخصية طفلاً وبالغاً. أما "الريجي" فقد عمل فيها موظفاً بسيطاً، ويعرفها عن ظهر قلب. وأما ميناء اللاذقية وصراع العمال المرير مع "مالكه" العجوز قبل التأميم فقد عاشه وشارك فيه أيام الخمسينات الحافلة بالمجابهات السياسية والاجتماعية الحادة على امتداد الوطن السوري. تلك المعاناة هي التي صقلت موهبة عبد، وبلورت "رؤيته" الإنسانية، وهو في كتابته يؤكد أن الإبداع الأدبي الحق إن هو إلا التعبير الجمالي الأسمى عن التجربة الشخصية للمبدع. كلا، لم يقل عبد لنفسه في يوم من الأيام: "اكتب موضوعاً إنشائياً بليغاً بصيغة القصة القصيرة عن هذا البائس أو تلك، بائعة كعك صغيرة ترتجف في مهب الريح، أو مستخدم مياوم عنقه على الدوام تحت شفرة مزاج رئيسه في العمل. "لم يقل لنفسه هذا أبداً، وإنما كانت الذكريات الموجعة تلحّ عليه، مثلما تضغط عليه ظروف القهر والعوز والذل اليومية، فتتسامى تلك الذكريات، وتتحول تلك الضغوط القاهرة، فإذا هي رؤى تنتفض صارخة بالحياة والألم والخيبة المريرة، وقد تلبّست شخصيات حية نابضة خيالية، نعم، لكنها أشد واقعية من جميع الشخصيات الواقعية، لأنها مشبعة بالصدق منبعاً وأداءً، ومدعّمة بموهبة الخلق الأدبي وما فيه من قدرات هائلة على التخييل والحضور الكثيف.

ويبدو واضحاً أن موضوعتي عبد المحوريتين المستقرتين في وجدانه هما: الوطن والحب. فأما الوطن فهو البؤس الاجتماعي والسياسي والإنساني في أوائل وأواسط وأواخر العمر على حد سواء، مثلما هو بؤس القمع السلطوي كما نراه في قصة "الوهم والحقيقة" من مجموعة "النجوم". فالشاب الأشقر الجعدي الشعر تداس كرامته بأقسى وأشرس ما يمكن على قارعة الطريق، وعلى رؤوس الأشهاد كما يقولون. والسبب؟

بكل بساطة كان يتعارك مع شاب آخر، ويبدو أنهما قد صدما أثناء المشادة (أو بالأحرى لامسا) سيارة فخمة لسلطوي فخم كان يعبر بمحض المصادفة، وهنا كان الغضب الأكبر على الفتى الجعدي الشعر بينما نجح زميله في الفرار!! هنالك أيضاً في موضوعة الوطن حكاية السرطان الإسرائيلي كما في "البذور الطيبة".

فماذا عن الحب؟ إنه استكمال للوحة البؤس بعد تلوينها بمرارة الإحباط وخيبة الأمل: بنفسج غض يموت إلى غير رجعة، وما بعده إلا الشعور بالهجر والوحشة واليأس الكامل. وتعالوا نتمثل هذه الأفكار مجسمة وفق الرسم المبّسط التالي:


ونرى في هذا التجسيم المنظور كيف ينهض بنيان وطن "عبد" على أساس راسخ من البؤس المدعم من الداخل بالقمع السلطوي، ومن الخارج بالبطش الإسرائيلي الكاسح، بينما يستند الحب في وجدان المحب على خيبة وإحباط أمام فقدان البراءة وما فيها من رقة وشفافية وصفاء، بالإضافة إلى عزلة ذلك المحب القاتلة بعد أن تحاصره "أناه" المحطمة الأحلام.

لقد جعلنا بدايتنا القصة الواقعية، وسوف نتبين في القصتين الأخريين: الرمزية والرمزية/ الواقعية، أن موضوعتي عبد الأثيرتين لا تتغيران. إنهما دائماً الوطن والحب، على أننا في هذين المجالين الجديدين نلاحظ غياب عنصر البؤس عموماً ليحتل مركز الصدارة بدلاً عنه: القمع السلطوي، بينما يظل الحب مفعماً بخيبته الموحشة. ونستعرض استكمالاً للشرح هذه القصص بعد ترتيبها أولاً في الجدول التالي:

قصص واقعية/ رمزية

قصص رمزية

المجموعة

-ديكنا

-أرض الرجال

-اللعنة

-الملاح وسرّ البلورة

مات البنفسج

السيران ولعبة أولاد يعقوب

-العصافير وحارس الحقل الخشبي.

-الذبيحة

السيران ولعبة أولاد يعقوب

-الرجل العائم

-النجوم

-السلطان العجوز

-الجياد في الاستعراض

-الذي فقد جناحيه

-الحمامة والكشاش

-البغل

النجوم

ونتجول بادئ ذي بدء مليّاً مع قارئنا مستطلعين على مهل "حكايا" وأبطال القصص الرمزية. فها هنا في "اللعنة" حكاية من حكايات كان ياما كان، وفيها دون شك ملك من ملوك الزمان مطلق البطش والسطوة، غافل القلب والفكر عن عذابات "رعيته" إلى أن يقرر أولئك الرعايا مقاومته بالاستسلام.. للموت!

والمصيبة أن مدينة الملك كان اسمها "مدينة الشمس" فما أبعد المسميّات عن مدلولاتها!! وأمام انقراض الشعب شيئاً فشيئاً بعد أن لم تفلح في علاج مرضه الغريب ذاك جميع العلاجات والإجراءات الملكية السامية، يقرر الملك الرحيل عن المدينة، لكن حاشيته من عسكر وغير عسكر يقتلونه، ثم يقع الاقتتال بينهم وبين ذلك الشعب المستسلم للموت، ولا منتصر إلا النسور المحومة فوق أكداس الجثث!! نحن إذن مع موضوعة الوطن المسحوق ببطش السلطة السياسية، وما يؤدي إليه ذلك البطش من شؤم وموت ودمار.

وننتقل مباشرة في قصة "الملاح وسرّ البلّورة" ضمن مجموعة "مات البنفسج" إلى موضوعة الحب الضائع المشرد، حيث يعيد عبد حكاية أوليس وزوجه بينيلوب المنتظرة، لكن بأسلوب التورية والمواربة. فها هنا أيضاً ملاّح، لكنه يضيع على امتداد اليابسة، منتقلاً من قرية لقرية على الدروب الريفية بحثاً عن "فتاته" المأمولة. ويجدها تنسج ثم تنقض نسيجها أمام باب أحد البيوت، تماماً كما فعلت من قبل بنيلوب انتظاراً "لأوليسها"، ومغافلة للمتقدمين الطامعين بالزواج منها. ويحمل ملاح "عبد" بلّورة سحرية هي إن شئت عزيزي القارئ الكرة الأرضية رمزاً لهموم ومطامح الكاتب الكونية بأبعادها الإنسانية الشمولية. ويعرض الملاح بلّورته على الفتاة، ليرى إن كانت هي حقاً رفيقة الدرب المؤهلة لمشاركته عمق معاناته ورحابة آفاقه المترامية. على أن فتاة الأحلام تفشل في الاختبار: إنها رقيقة، وتتمتع بالذكاء والخيال، لكن ينقصها الفكر والطموح، فهي على عكس بنيلوب الأوديسة تخذل رجلها الذي يمضي من جديد على تلك الدروب الريفية اللامتناهية التشعب والامتداد.

وننتقل إلى المجموعة القصصية الثانية لنرى كيف يتناول "عبد" رمزياً الهمّ الوطني الداخلي والخارجي. نحن أولاً في "العصافير وحارس الحقل الخشبي"، مع "فزّاعة" للطيور في حقل ريفي. وتحمل تلك الفزاعة بندقية خشبية! نعم، بادئ الأمر، تتهيّب الطيور الاقتراب لكنها بعد ذلك تدرك تهافت ذلك الحارس الكاريكاتيري، فتزداد جرأة فهي في نهاية المطاف في ذهاب وإياب، حتى أنها جعلت من رأس الفزاعة مستقرها الأثير! يا لها من حماية هزيلة لأرض مستباحة الحدود! ألا إن تلك الفزاعة هي الصنم الجاهلي الذي بالت عليه الثعالب، كما هو الحال دائماً وفي كل مكان!! وأما "الذبيحة" فهي قصة وليمة طقوسية يتم فيها توزيع ثور غير مقدس على المتزاحمين من حول الطباخ. العنصر الناظم المتردد باستمرار كما اللازمة الموسيقية أنها وليمة تحت أشجار الزيتون!! وعلى جبل الزيتون كان صليب المسيح، وفلسطين الذبيحة من الوريد للوريد هي.. جبل الزيتون الأمثل.. للأضاحي! وما أجمل نهاية تلك القصة حيث المستفيد من قلب الذبيحة يرميه بعد أول قضمة: كان القلب، حتى بعد طهيه، ما يزال ينبض بالدماء!!

قصتان رمزيتان لا غير في المجموعة الأولى إذن ومثلهما عدداً في المجموعة الثانية، لكننا في المجموعة الثالثة: "النجوم" نصبح مع ست قصص رمزية: لقد توسّع لجوء الكاتب إلى الأسلوب الرمزي، وفي هذا، كما رأينا، التفات إلى الهم الوطني سياسياً- وإلى مشكلة الحب المزمنة لديه. ويبرز في تلك المجموعة الرمز الحيواني، فلدينا بغل يختصر عذابه عذاب جميع الكادحين المستلبين، كما تحضر أمامنا جياد عربية أصيلة متحفزة للانطلاق، لكن أين الفرسان؟! لقد أحكم لجمها لتكون مجرد جياد استعراضية مترهلة ومقموعة في آن واحد، ولا همّ لخيّالتها إلا التشاوف و النفخة الباهتة.

وفي النهاية نعيش مأساة.. حمامة، مع "كشاش" حمام مستبد. إنه يستغل حمائمه للإيقاع بكل حمامة ضالة، يضمها إلى سربه، حيث يكون مصيرها الذبح فيما بعد. وترفض هذا الخداع القذر لـ "الرفاق" على درب البؤس حمامة وحيدة لا غير، وتشهد في الجملة الأخيرة كيف تهوي السكين فوق عنقها قصاصاً لها على وفائها لإخوة البؤس والظلم.

فماذا بعد كل هذا؟ بقيت القصص الواقعية/ الرمزية، حيث يعود عبد إلى عالمه الأثير، عالم الواقع الكثيف الحضور لكنه هذه المرة واقع غني بالإيحاءات الرمزية البليغة التأثير. إنها قصص أربع لا غير: قصتان في المجموعة الأولى، وقصة وحيدة في كل من المجموعتين الثانية والثالثة، وهي على التوالي:

-ديكنا

-أرض الرجال

-السيران ولعبة أولاد يعقوب

-الرجل العائم.

ويبرهن فيها عبد أن أجمل الرموز ما شفّ عنه الواقع الحسي المباشر، دون أي تكلّف. فنجد في "ديكنا" الديك البلدي الزاهي الألوان، المتخم أبهة.. و"عنطزة" على دجاجاته المغلوبة على أمرها أمام عظمته وسطوته.. لكنه على عكس التوقعات يهزم شرّ هزيمة في "مبارزة" مع ديك أسود اللون-شديد البأس رغم هزاله وضآلة حجمه!!

وبطبيعة الحال لا بد للديك البلدي رغم هزيمته من متابعة بطشه بدجاجاته المسكينات بعد عودته إلى الخمّ مضرجاً بدمائه وعاره. وأما "أرض الرجال" فترسم في جو كابوسي شديد الوطأة السلم الحلزوني الذي ينقل السجين من حجرته، عفو القارئ بل من زنزانته تحت الأرض، إلى قاعة التعذيب ليتناول "وجبته" اليومية التي لا مهرب منها، وتحضرنا في "السيران ولعبة أولاد يعقوب" حكاية تعيد بناء مأساة يوسف مع إخوته.

إنهم في القصة تلك، شباب تآمروا على صديق ساذج فوضعوه فوق فوهة بئر بعد تغطيتها بغطاء من الصوف.

نعم، لقد جلسوا بادئ الأمر على حافةِ الغطاء، ولكنهم نهضوا من ثمَّ جميعاً فتهاوى الصديق في قاع البئر! تُراه الأخ الفلسطيني الذي أحدق به أشقاؤه بعد إسقاطه في هوة التشرد؟!

ومسك ختامها "الرجل العائم" حيث تجرف مظاهرة لاهبة متشرداً تائهاً، وها هو وقد أحاطت به السواعد والأرجل فضاع وسط الزحام وارتفعت قدماه عن الأرض فهو "عائم" في لجة من اللحم البشري المتراص والهتافات المدويّة:

"يسقط يسقط يسقط!.." هو لا يعلم على وجه التحديد من المعنيّ بـ "يسقط" تلك، ولكنه يرددها من جانبه بحماسة وهو عائم- وهو يعني بها على وجه التحديد والده دون سواه!! وسوف تكون لنا عودة إلى هذه القصة الفكهة لما فيها من جمال وتميز، ولما تحمل من مفاتيح لعالم عبد النفسي.

مناقشة إضافية

رسمنا فيما سبق من صفحات الإطار الإجمالي لعالم عبد الله القصصي المتأرجح بين الواقع المباشر الغني بحضوره الإنساني الكثيف وبين الرمز البعيد الدلالات، سواء أكانت انطلاقة هذا الرمز من خيال إبداعي أم من واقع محسوس. ولا غنى لنا الآن عن وقفة نحاول فيها التعمق إلى ما هو أبعد من الإطلالة العابرة.

ونتساءل بادئ ذي بدء: "لماذا كل هذا البؤس؟ لماذا كل هذه المعاناة المشحونة يا عبد الله عبد؟".

وكأني بأحد المتعالمين وما أكثرهم- يتنطح بأستاذية: "انظر أيها القارئ! ناقدنا هذا يذهب به الشطط إلى حد المطابقة بين الكاتب وعمله!!" وكأني من طرف آخر بالكاتب عبد يتناول حفنة من تراب قبره ويقذفها في وجه هذا الجهبذ هاتفاً من العالم الآخر: "شاهت الوجوه! ألم تسمع إذن أيها الدعيّ قولة من قال [أنا مدام بوفاري]!. سامحك، بل قاتلك الله!" نعم، فلوبير هو مدام بوفاري، والعكس بالعكس. وعالم عبد ليس بالعالم الحقيقي، فالحياة زاخرة بالإشراق والنماذج المغايرة تماماً لما جاء لديه. لكن ما العمل؟ ألا إن الإبداع محكوم حكماً لا رجوع فيه بالتجربة الفردية الأصيلة المتمايزة والمتميزة عن كل ما سواها لدى الآخرين. وها هو من طرف آخر، مزاود يندفع بروح الاستعداء و"تفصيل التهم" منبهاً ومحرضاً- جمهور القراء: "أرأيت أيها القارئ العزيز! أرأيت كيف يعمّق كاتب هذه الدراسة الفردية، ولا يدعو إلى تأصيل الروح الجماعية!!" وما أظن القراء إلا يضربون كفاً بكف عجباً ممّن يجعل من النقد والقراءة عموماً- مادة للشعارات الرخيصة، وممّن يريد للناقد أن يكون "كلب حراسة" في خدمة المزاودات المنافقة ومن يروّج لها بأرخص الأساليب الانتهازية الممقوتة.

وأسارع إلى الاعتذار من القارئ على هذه "المساجلة" التي قد تبدو للوهلة الأولى وهمية، أو استطراداً في غير محلّه. لكنها في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن التخيّل أو الاستطراد الزائد، مثلما هي في صلب موضوع هذه الدراسة. هي بعيدة عن التخيل لأنها مقتبسة مما يطرق آذاننا في أكثر من مجلس ومناسبة، وما يؤذي أنظارنا في أكثر من صحيفة أو مجلة. وهذه الآراء الغريبة التي قدّمنا عيّنات منها لا تمثل فرداً بعينه، أو قلة تعدّ على الأصابع. إنها لسان حال القمع الفكري السائد عموماً في ساحة الإبداع والحياة اليومية على حد سواء، وهي بالتالي من صلب موضوعنا. ولن تعدم في هذا المجال من يهتف بمأساوية تهريجية: "عبدكم هذا لا يكشف عن نضالية الثوريين الشرفاء، ويعكس صورة بائسة مشوهة عن واقع الحياة الاجتماعية في بلدنا، بما لا يخدم دعايتنا المشرقة أمام الشعوب الأخرى!" هذا بالتأكيد ما يمكن أن "يتهم" به عبد. لذلك كان لا بدّ لنا من هذه الوقفة الآنية لدحض كل ما يمكن أن يتردد ملّحناً على هذا الوتر النشاز. ترى، فهل كان عبد غير التعبير الفاجع عن الجرح النازف في خاصرة وطن استباحه البطش الإسرائيلي والبؤس الاجتماعي والإنساني على حد سواء؟؟ وهل هو إلا محاولة لفضح ذلك القمع الوحشي؟؟

وتعالوا نتناول قصته الرمزية "السلطان العجوز" وهي من مجموعة "النجوم" خير شاهد على ما نقول. لقد تركنا تلك القصة جانباً عن عمد، وآن لنا أن نتناولها حالياً جملة وتفصيلاً، في عرضها الكابوسي لكن بهدوء على طريقة كافكا المعروفة- لذلك المسخ البشري الرهيب، بأذرعه الأخطبوطية الهائلة التي يطويها ببراعة مخفياً إياها تحت ثيابه!! فمن يكون ذلك المسخ؟ بالدلالة المباشرة هو دون زيادة أو نقصان سلطان ميناء اللاذقية في الأربعينات والخسمينات كما عرفه أبناء المدينة آنذاك. وكان قدر ذلك الإنسان الشعبي المنبت عبرة من أعاجيب عبر الدهر، إذ انطلق من.. لا شيء، ليصبح أكبر قوة مالية وشبه ميلشوية، ثم ها هو من بعد وضع الدولة يدها على الميناء يعود إلى لا شيء! أما الأماكن التي يرسم عبد إحداثياتها باعتبارها "أذرع" الأخطبوط التي تنشر أحياناً فهي شوارع طوق الميناء. والأعين المطفأة في تلك الأذرع إن هي إلا الأبنية المحيطة من مستودعات وغير ذلك، وهي الأعين التي يلعب الأطفال بالدخول والخروج منها وإليها، غير متنبهين إلى أنهم في "جفون الوحش وهو نائم"، إلا ما كان من عين واحدة بقيت سليمة بلمعة براقة مخيفة. فما تكون تلك العين الوحيدة؟ إنها بالتأكيد عين القمع الوحشي المتربص لا يغفل لحظة واحدة. مثلما أن ذلك "السلطان" غير المتوّج بالدلالة الأعمق والأبعد مدى ليس إلا الوجه القذر لسطوة رأس المال الباطشة، وما يرافق تلك السطوة من قمع وتزوير. ومتى أمسك القارئ بأبعاد هذا المنظور الشمولي، أمكنه أن يقرأ قصص عبد على أنها بنيان عضوي شديد الترابط، متكامل يستضيء بعضه ببعض، مع وقوف الكاتب دون أدنى لبس إلى جانب ضحايا ذلك البطش.. أي إلى جانب نفسه بالذات. تعالوا إذن نعمّق متعتناً معاً ونحن نكتشف مأساوية معاناة الصغيرة رتيبة، بائعة الكعك لبنات مدرسة الكرمليت. فالمدرسة المذكورة تكاد تكون عند مدخل الميناء العامر بكل طيب وشهي، بينما رتيبة ترتعش برداً وجوعاً وقهراً: إنها على حافة النبع الطري المنعش وهي تكاد تقضي عطشاً!! شأنها في ذلك شأن ذلك العامل الذي يضحك ويضحك ولكنه ضحك كالبكا- كما ورد في قصة "الضحك في آخر الليل" من مجموعة النجوم.

إنه "مراقب" في الميناء، وكان قد قضى يومه بأكمله يرعى إنزال حمولة سكر من إحدى السفن. لقد انشقت بعض الأكياس وانهال شلال السكر الأبيض، فاغترف منه الحمّالون ما اغترفوا، لكنه رتب الوضع، وضبط النظام، ورفض بكل نزاهة وشرف أن يمد يده ولو لحفنة صغيرة. وها هو يعود في المساء منهكاً وقد هدّه التعب. إنه يدرك بؤس حياته، ويعلم أن زوجته ليس لديها سوى البطاطا. لكنه حرّك أحلامه باتجاه البطاطا المقلية المتبلة بالكزبرة والثوم والفلفل، ويكاد يشتمّ رائحة حلمه الشهيّ لدى ولوجه إلى البيت. لكنها أضغاث أحلام، ولم يكن بانتظاره سوى بضع حبات بطاطا مسلوقة. لا بأس. وماذا بها البطاطا المسلوقة؟! خصوصاً، إذا اختتمت تلك المأدبة بكأس من الشاي الساخن المحلّى بالسكر الأبيض اللذيذ؟!

على أن ملذات الحياة لا تكتمل ولم يكن بالإمكان تناول الشاوي بعد طول انتظار. والسبب؟ لم يعد في البيت سكر والبقال أصبح يرفض إعطاء زوجته أي شيء بالدين. لقد عام مراقبنا طيلة نهاره في بحر من السكر، وعاد إلى بيته مساء في وقت متأخر وليس لديه حبة واحدة منه!! هنا كان لا غنى عن تحية تلك المفارقة الاجتماعية الناجمة عن بطش البؤس بضحكات منطلقة على مداها الفاجع في ذلك الليل الكالح. ترى، فهل كان ليل ظلام، أم ليل الظلم الاجتماعي والقمع الإنساني؟ كلاهما معاً دون أدنى شك. فما أجمل وما أبلغ ما خطّ قلمك أيها الكاتب المبدع حين ارتبطت بشرطك الاجتماعي والإنساني وحين وقفت مع جميع إخوتك في البؤس والمعاناة!! ألا فذلك قدر كل من تأبى على نطاسية جهابذة الشعارات المجوفة الرخيصة، برغم طنطنتها الفاقعة. ومن هؤلاء المزاودين الضائعين في نهاية المطاف عن سربهم الحقيقي- بطل قصة "سليمان ومعلمه"، حيث أحمد مرتجي، الخبير في مستودع من مستودعات التبغ، يكمل تدجين سليمان، المراقب في المستودع نفسه، ليصبح "خادمه" و "جاسوسه"، ويده للإيقاع بكل شريف في ذلك المستودع. أما أداة القهر والتدجين- فهي دون شك: المال والمحسوبية في التثبيت، ثم الترفيع بعلاوات كبيرة على الراتب.. ناهيك عن الثياب القديمة، من بيت "المعلم" أحمد إلى بيت "الصبي" سليمان، بالإضافة إلى ما تيسّر من بعض فضلات المطبخ!!.

نعم، لرأس المال سطوته وبطشه وله ماله من إفساد الذمم، وتسميم الأجواء الاجتماعية. وهذا ما تكشف عنه مجموعات عبد القصصية المترابطة الأصداء والإيحاءات.

هنا نستطيع، إذا أراد القارئ، الانتقال إلى الدمغة الثانية المميزة لعالم عبد، ألا وهي: البعد الإنساني الشمولي. فهو من خلال المجتمع السوري كما رآه وعاش معاناته في بيئة مدينة اللاذقية التي التصق بها منذ البداية وحتى النهاية، يتوصل إلى الأخوة الإنسانية الشاملة؛ أليس: "كل غريب للغريب قريب"؟

وكذا فكل بائس منبوذ أخ حميم لجميع البؤساء المنبوذين. ناهيك أن المأساة الحقيقية هي: فقدان التواصل. ترى، فهل البؤس إلا الشعور المرير- بالإضافة إلى الجوع والعوز- بالهجر والعزلة و الظلم!

والكتابة الإبداعية هل كانت من جانب عبد إلا محاولة ناجحة لكسر طوق العزلة والوصول إلى الآخر!! على هذه الدعائم الثلاث ينهض بنيان كاتبنا الشامخ:

-الشمولية الإنسانية،

-عزلة "أنا" البائس المسحوق بالظلم

-والصبوة العميقة إلى الآخر.

ويمكننا بهذا الصدد الاستشهاد أولاً بقصة "المتشرد" من مجموعة "مات البنفسج". إننا بالتأكيد في مدينة اللاذقية، ولكن لينظر القارئ كيف افتتح الكاتب- الراوي حكايته:

"يبدو لي في كثير من الأحيان أن هذا ما حدث لأحد الرجال في أحد البلدان الكبيرة المنثورة على قشرة هذا الكوكب"

نحن في مدينة اللاذقية؟ ليكن، فهذا من مقتضيات صدق الشهادة الإبداعية القائمة على المعاناة الحقيقية. على أن هذه المدينة يمكن أن تكون مطلق مدينة في مطلق بلد من بلدان "القشرة الأرضية". وبطلنا المشرد في ذلك اليوم الشتائي العاصف وهو يتجول باحثاً عن عمل يمكن أن نجد عنه مئات الآلاف من النسخ المكررة في جميع أركان العالم. وإذا كانت بداية القصة صباحاً- البحث عن عمل، فإن نهايتها مساءً بعد الطواف في المدينة بأكملها- الرغبة الملحة في التواصل مع الآخر بالحديث عن الوقت "كم الساعة يا أخ" وعن الجو العاصف!! وكان اسم.. "أحد الرجال" ذاك بادئ الأمر: المتشرد، وها هو في النهاية وقد أصبح: الغريب، في تلك المدينة التي نبذته في شوارعها.. وحيداً، في وجه العاصفة الشتائية المقبلة.

ولننظر إلى تلك النهاية المؤثرة و "الغريب" يجرب عبثاً عقد حوار مع عابر طريق:

"ورعدت السماء من جديد وأظلمت الدنيا.

-هل تعرف الوقت يا أخي؟.

-إنها الخامسة والنصف.

فقال الغريب وقد بدأ يخنقه فيض من الدموع.

-أيها المواطن الطيب. إن الـ. جـ. و

ولكن الرجل مضى مسرعاً. وظل المتشرد وحيداً وأحس بأنه جائع ومتعب وبائس وبردان، ورأسه فارغ كالطبل، وأنه لا شيء في هذا العالم المجنون.

وتلفت لآخر مرة حوله، ثم انطوى على نفسه وراح يقص عليها قصة حياته.

ما أمضّ عزلة هذا الغريب المشرد، العاطل عن العمل، وهو يغص بالبكاء رغبة في التواصل والخروج من قوقعته! ولكن، ها هو محاوره عابر الطريق يمضي مسرعاً، ليظل المتشرد: "وحيداً"! إنه لا شيء ليس في مدينته فحسب، ولكن في العالم قاطبة. فما العمل، والعالم الظالم ذاك قد خوى من جميع أهليه؟ لا بد من الانطواء على النفس، واجترار الذكريات المريرة!.

وقد يكون من المناسب، تأكيداً لهذا البعد الإنساني، بل والكوني، الانتقال مباشرة إلى قصة "تشرين والخطاف" في المجموعة ذاتها، حيث يحضر أمامنا عفو الجهابذة إياهم- عبد الله عبد بشحمه ولحمه، بعد تنكره تنكراً لا يكاد يخفي شيئاً خلف شخصية موظف بسيط- ضارب آلة كاتبة- يهرب من عمله منذ الثامنة والنصف، صباح الحادي والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، لينخرط في النظام الكوني لدورة الفصول، محيياً هجرة السنونو، حالماً بالخلود داخل ذلك المدّ الزماني الكاسح. ولأنه عبد دون أي أحد آخر، يهمس صوت القلق الداخلي لديه: "عمر الخيام شاعر خالد، أما أنا فزائل" [ص49].

ونقرأ منذ البداية، أو نسمع بالأحرى الصوت الداخلي للكاتب- الراوي: كيف هي الأشياء في صباح 21 من أيام تشرين الأول في مكان ما من العالم؟! لنعلم أن بطلنا في مدّ النشوة الجارف، في أوج الخريف المتابع بكل تمهل ودقة- لصيرورة الفصول اللامتناهية التقلب، ينفلت من المكان، بل ومن الزمان، باعتبار لحظة الذروة الخريفية تلك نقطة تحول نحو الشتاء المتربص- كعادته منذ بدء الخليقة-. وها هو يؤكد روعة هذا الانفلات من بعدي الزمان والمكان في الصفحة التالية: "ليس أجمل من الحياة في 21 تشرين الأول في مكان ما" [ص49].

وتدفعه هذه الوقفة الضائعة بين الذهول والنشوة على تخوم الكون بامتداده اللانهائي إلى طرح الأسئلة الوجودية الكبرى: "من أنا؟ أين أنا.." [ص50] أو "-أين الله؟ "[ص55]. وها هو نهب الحيرة الممزقة: ".. إني أحس لست أنا.. لأنني روح تائهة ولدت في زمان آخر" [ص52]. ويتعمق هذا الشعور بالاغتراب داخل الزمان والمكان المحددين إلى حد معانقة ما يشبه مفهوم التناسخ. فها هي عربة تكاد تسحقه، ويدق قلبه بعنف ويمسح جبينه المتعرّق بظاهر يده: ".. وفكر: أين رأيت ذلك؟ لكأنه حدث لي مثل هذا من قبل!.."تراه بيير كوري العالم الفرنسي الشهير الذي هرست عربة رأسه في بعض أسواق باريس بعد اكتشافه الفذ هو وزوجته البولونية؟! نحن نتساءل نيابة عن بطل القصة لأنه من جانبه، محتار لا يعلم من يكون، وإن كان على شبه يقين أنه عاش سابقاً تلك التجربة. ولكن التناسخ الذي يمر تلميحاً عابراً يفسح المجال أمام مفهوم الوحدة الكونية الشاملة. فهو في حديقة المدينة يداعب قطعة فخار أثرية: ".. كان قد فرغ لتوه من تفحص قطعة من الفخار الأحمر، خمّن أنها كانت قسطلاً يزخر بالحياة ذات يوم. لقد انتزعها من جدار نفق شقّ مؤخراً، وجلس مقرفصاً يربت عليها مرة ويمسح بها وجهه مرة أخرى () وتلفت في منطقة المرفأ حواليه حيث الحفريات على قدم وساق.

وقال: كم واحدة مثلك هنا، أنتِ لستِ خرساء! [ص54].

أما في نهاية القصة فيتّحد مع تلك الفخارة: ".. تبكي الأعشاش في الخريف ساكنيها.. أما نحن، أنت وأنا، فلنا القدرة على الانحلال. وهذا ما يفتقر إليه الآخرون.. وستعود إليك أمجادك وتتزاحم فيك المياه. وقد أنظر إليك ذات يوم من وراء الخطوط الحمراء عبر الانسلاخات المتعددة.. من يدري؟ ربما بعيون زرقاء".

وما تكون تلك الخطوط الحمراء؟ إنها خطوط الموت الوهمية التي يختم بها موظفو الأحوال المدنية صفحة المتوفّى في سجلاتهم. هم يظنون أن الموت نهاية!! فما أبعد أوهامهم كما يرى بطل القصة، إذ ".. هم وحدهم الذين يموتون. نعم، إنهم يوقعون صك إعدامهم بأيديهم" [ص56]. وهل أضلّ ممن آمن بأن الحياة هي تلك اللحظات الفانية من عمر لاهثٍ عابرٍ، بينما الحياة مدّ كوني جارف لا يعرف التوقف: لا نهاية متجددة باستمرار!!

عند هذه النقطة تحديداً يعانق عالم عبد القصصي رحابة الأفق الكوني والإنساني الشمولي، وترتسم ضمن هذا الأفق الرحب لقطات البؤس وكأنها صرخة الاحتجاج التي يطلقها الكاتب بلغة الإبداع الأدبي أمام عظمة الكون. فالإنسان ما خلق ليكون مسحوقاً، مداناً، مهاناً، بل هو موجود للحرية والكرامة: الخبز والحرية والأخوة حقوقه اللازمة وشرطه الإنساني الأساسي. على أن الإنسان يعيش أيضاً داخل جلده، ضمن حدوده الفردية الضيقة. وغاية الغايات لديه آنذاك التواصل بـ الحب. وما أعجب ذلك الحب العبدي المستحيل!! ترى، فهل يمكننا الإشارة بصدد إشكالية الحب إلى إمكانية وجود نماذج ذكرية مقابل نماذج أنثوية قوامها استحالة التواصل؟! قبل أن نثير احتجاج أنصار حركة تحرر المرأة، نسارع إلى تقديم التوضيح. فلدينا في الأدب العالمي رواية "أميرة كليف" للكاتبة الفرنسية مدام دولافاييت. تلك الرواية القديمة التاريخ (عام 1678) أثارت وما زالت تثير، بغضّ النظر عن قيمتها الفنية الإبداعية، اهتماماً كبيراً على مستوى التحليل النفسي. فالبطلة فيها تمثل "الاستعصاء" الأنثوي الأمثل حيال الملاحقة الذكرية المستميتة. نعم، تسرّبت تقوّلات لبعض الظرفاء من محبّي التصيد في المياه العكرة بأن أميرة كليف ما هي إلا محاولة من الكاتبة "تعويضاً" عن تساهلها العاطفي في بلاط لويس الرابع عشر، بعيداً عن زوجها. ولكن البطلة برغم ذلك، ليست غير نموذج أنثوي شديد الرواج. ولدينا في "ألف ليلة وليلة" حالات قصوى يرتدي فيها "التمنّع" الأنثوي عدوانية صريحة نصبح معها ونحن في شبه ساحة حرب بين الذكر والأنثى، كما هي الحال في قصة أحد أشقاء حلاق بغداد الشهير. والشقيق المعني هو "بقبق" الذي تلاعبت به أيما تلاعب "أنثى"، أو لنقل "الأنثى" تعريفاً على الإطلاق.

هنالك خرج بقبق وخرج معه جميع الذكور تورية من بيت تلك الأميرة اللاهية حليق الذقن والشاربين والحاجبين وشعر الرأس وعاري الجسد بعد ليلة طويلة من التشويق والإثارة- مع الصفع واللطم ومختلف الإهانات-ولكن لم ينل من ليلته تلك سوى.. الوهم! ونجد أيضاً للكاتبة السورية ناديا خوست في مجموعتها "مملكة الصمت" قصة قصيرة بعنوان: "أوسع السجون"، تكاد تكون دون أي اقتباس- مثل رجع الصدى لـ "أميرة كليف": إنها أصداء اللاشعور الأنثوي الكامن في الأعماق، وهو ذاته هنا وهناك. القصة المذكورة من أجمل قصص المجموعة حيث البطلة تلتقي في العالم الآخر مملكة الصمت- بالحبيب الذي تيّمته في الدنيا وتيّمت به ولكنها رفضت على الدوام الزواج
منه-!! وها هو في الآخرة أيضاً يطاردها ويعرض الزواج. فلنقرأ معاً هذا المقطع الختامي من القصة.

"مشيا تحت السرو حتى المنعطف فوقف وسألها: تتزوجيني؟

يا للمجنون! لا يعرف بعد أن ما حرما منه في الحياة لا يستعاد! لا يستعاد شيء أبداً في مملكة الصمت! رفعت عينيها لتبتلعا الدموع، وعندئذ فهم أنه في سجن واسع، لا مخرج منه.. وقرب شجرة السرو سقطت بعض الدموع". فما هو أوسع السجون ذاك؟ إنه دون شك سجن "الأنا" المحاصرة بامتناع اللقاء والتواصل، وهو سجن لا نهائي الحدود حيث كلٌّ أسير جلده! ترى فهل نحن في الحالين أميرة كليف وبطلة "أوسع السجون" -إلا أمام "بقبق" ذكوري جديد يرفض رفضاً مطلقاً- رغم الرغبة فيه..ودون "بهدلة" هذه المرة؟!- ولنتابع الآن، في مواجهة هذا النموذج الأنثوي المستعصي، النموذج الذكوري المفجوع، كما ورد لدى كاتبنا عبد في: "مات البنفسج". نحن هنا أمام صورة مثالية تتعالى فيها الأنثى عن شرطها الواقعي لتصبح "بنفسجاً" يذوب رقة وحياء وتوارياً أو هي "ياسمين" ندي لدى زكريا تامر كما في قصة "البدوي". وبطبيعة الحال لا بد للوجه البشري غير المتعالي أن ينكشف عاجلاً أو آجلاً لتكون فجيعة الذكر أمام تهتك الأنثى!! ولا بد أن القارئ يوافقنا على تكامل هذين النموذجين وأنهما حسب كل المؤشرات مجرد تحايل بريء على شعور عميق بالذنب، يعطل لدى الطرفين على حد سواء التواصل والرؤية المباشرة، حسياً وعاطفياً. وقد نعجب قليلاً أمام هذا الشعور بالذنب المعطّل لأكثر الفعاليات طبيعية لدى الإنسان. أما "ألف ليلة وليلة" و "مملكة الصمت" لدى ناديا خوست فلا تقدمان مباشرة التفسير أو التلميح إلى مكمن العلة. وعلى العكس فإننا نجد لدى أميرة كليف ولدى عاشق عبد التعليل المباشر ودون أدنى مواربة. فالأميرة يتيمة الأب، وتعيش في كنف والدة تهيمن عليها هيمنة تامة، مثلما أن عبد في قصة "الرجل العائم" يكشف بوضوح وقوعه مع عشاقه المفجوعين- في قبضة الأب العاتية. وهل أبسط من أن يعطل الأب المسيطر والأم المهيمنة ولوج عالم الحب بعفوية على الابن والابنة؟! وهل أصدق من أن تكون الأم مصدر الشعور بالذنب لدى الابنة، مثلما الأب منبع الشعور ذاته لدى الابن؟! كأني بفرويد، بمودة ودون تبجح، يشبك ذراعيه أمام صدره، ممازحاً معارضيه: "نعيماً! هل قلت إلا الحق في تحليلاتي المعروفة منذ [علم الأحلام] وحتى [موسى والتوحيد]؟" ونحن من جانبنا سوف نبارك وقفة فرويد تلك ونختم له بالعشرة لكنمع استدراك! فتلك الحالة المستعصية من الشعور بالذنب قد تكون في حالتي أميرة كليف وعاشق البنفسج العبدي من نتاج شخصية انطوائية بينما لا نجد مثل هذا الشعور المذنب لدى أصحاب الشخصية المنبسطة. وأجلى مثال نورده على ذلك شاعرنا العربي أبو فراس الحمداني، الوفي حباً وهياماً لفاتنته، ويا لها من فاتنة في الحي: ".. شيمتها الغدر"! وانظر عزيزي القارئ من بعد ذلك لعبة القط والفأر بكل إتقان وبراعة:

وهل لجو مثلي عن أمره نكرُ

 

تسائلني من أنت [وهي عليمةٌ]

قتيلك، قالت أيّهم فهمُ كثرُ

 

فقلت [كما شاءت] وشاء لها الهوى

نعم، هي لعبة بكل معنى الكلمة، وإذا كان التشبيه بالقط والفأر لا يلبس الموضوع تماماً، فلنصحّح بأنها لعبة "بوكر" مكشوف. على أن شاعرنا الفارس يرفض اللعبة في النهاية ويرمي بالورق أرضاً ويقلب الطاولة على رأس شريكته:

إذا متّ ظمآناً [فلا نزل القطر]

 

[معلّلتي] بالوصل والموت دونه

فنطمئن دون أن يكون قد قال ذلك وضوحاً وصراحة- إلى أنه قد فاز بالوصال المطلوب، إنما بعد.. كرّ وفرّ!!

نستطيع تعداد أمثلة لا تحصى في محاولة لمحاصرة إشكالية الحب مع فرويد ودونه على حد سواء- وذلك موضوع شيق، متنوع، حافل بالغرائب والمفارقات، ومن يدري فقد تكون لنا إليه عودة متى ما طاوع الفكر والقلم والوقت. على أننا حالياً سوف نعود إلى عالم عبد الغرامي، لنؤكد على تلك الشخصية الانطوائية الحالمة، الغارقة في تأملاتها وحساسياتها- الداخلية، كما عرفها في الكاتب كل من عرفوه شخصياً، وكما تشهد عليها إسقاطاته القصصية المتنوعة، خصوصاً في "مات البنفسج" أولاً ثم في "الملاح وسرّ البلورة" ثانياً. ففي القصة الأولى يعرض علينا الشاب العاشق قراءاته العديدة ونراه يطارد حبيبته من بعيد، فهي ليست على جمال القصة الآسر- غير لوحة خيالية يرسمها حسب إملاءات لا شعوره الدفين. أما في القصة الثانية فيحضر أمامنا البطل رحّالةٌ لا يتعب "وكرته" لا تفارقه أبداً وبعد تبادل الحديث العابر مع ناسجة الصوف التي لا تحمل معه الهموم الأرضية نفسها، يغادرها، إنما بعد أن ينتبه إلى أنها تنسج وتضبط مقياس نسيجها على كتفين "أعرض" من كتفيه!! كلا، إنه لا يمت إلى "أوليس" بصلة، بل هو توأم عاشق البنفسج وقد توضح بنيانه الجسدي الهش. ومع ذلك، فما أجمل تلك العاطفة الغضة الندية، وما أروع ذلك العالم البنفسجي الحلم. رومانسية؟ ليكن، أليست الرومانسية من بعض مقومات ومتممات- اللوحة الإنسانية العاطفية؟!

قفلة الختام

حاولنا جاهدين على امتداد هذه الدراسة تبيان مختلف جوانب عالم عبد الله عبد القصصي، رمزاً وواقعاً، و لا ندّعي الإحاطة الكاملة. على أننا لا بد لنا من وقفة مؤقتة هذه المرة- قبل الشروع في القسم الثاني مع التقنية القصصية وصولاً في الثالث إلى اللغة العبدية الإبداعية. هنا، قد يعترض قارئ مدقق متسائلاً: "كان عنوان دراستك: لغز عبد الله عبد، ولم نفهم بعد ما هو هذا اللغز!" على هذا القارئ نردّ: بل توضّح بكل جلاء أن لغز كاتبنا هو لغز الإبداع المحيّر. وقد لاحظنا وراء البساطة والعفوية مدى عمق وتنوع العالم القصصي العبدي، كما تبينّا الغنى الكبير للإطلالات الإنسانية الشاملة التي يوفرها ذلك العالم. كم من التفسيرات والتأويلات لفهم كيفية انبثاق الإبداع، ولكنك في النهاية لا يمكن إلا أن تظل في حيرة من أمرك أمام هذه الظاهرة، خاصة عندما تتحقق العملية الإبداعية بما فيها من تجاوز وجمالية ووعي شمولي ضمن أشد الظروف قساوة. وخير مثال على هذه الظروف الصعبة حياة كاتبنا موضوع هذه الدراسة. فقد بدأ العمل منذ بداية حياته وليس في جعبته سوى الشهادة الابتدائية، ومن طرائف ما يروى أنه حين أراد التقدم إلى فحص الشهادة الإعدادية لم يكن يملك ثمن الكتب المدرسية فاستعارها من نبيل بلوكباشي، وهو ابن مدينته ومن كتاب القصة القصيرة أيضاً. ويروي الأستاذ نبيل أن كاتبنا بعد أن نجح في الشهادة الإعدادية تيّسرت معه وأصرّ على دفع ثمن الكتب تبرئة لذمته- حين لم يكن المبلغ ليتجاوز آنذاك عشر ليرات سورية -!!- ثم ها هو يتابع تحصيله الدراسي الحرّ فينال الشهادة الثانوية، ومن بعدها شهادة الفلسفة من جامعة دمشق، دون أن يترك العمل لحظة واحدة. كفاح عصامي لا يهدأ، وقراءات غنية متنوعة.. لكن.. هناك اللغز الأكبر: الموهبة الفطرية، والصبوة الإنسانية العميقة. ويطل من بعد ذلك الموت المبكّر بالسكتة القلبية عام 1976 ليتوّج اللغز بالسؤال الخالد: ما سرّ الإبداع الخاطف؟ ولكن، مثل كل ألغاز الكون، يظل السؤال دون جواب، ولا يترك في النفس إلا الحيرة والذهول والدهشة. وعبثاً حاول أوديب حلّ الألغاز. نعم، لقد قتل الوحش الرابض على باب مدينة طيبة، ولكنه لم يحل اللغز: أقصى ما جاء به أن الإنسان هو اللغز، ومن يدري فربما أن منبع الإبداع الحق لا يكمن إلا في ذلك اللغز: فلو لم يكن لغز لما كان إبداع ولتبدّد كل ما في الكون من سحر وروعة!!



([1]) قصة: السجن العربي من مجموعة زكريا تامر:نداء نوح".

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244