إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
ناصيف يشّرق نحو الشمس

ناصيف يشّرق نحو الشمس

لكل مبدع رائعته التي يتجاوز فيها ذاته أو يستكملها بأسمى ما فيها-، مثل "الوباء" لهاني الراهب أو "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر، ومثل "الطريق إلى الشمس" التي هي، في هذا المجال، رائعة الروائي السوري عبد الكريم ناصيف. وقد تعمّد الكاتب إضافة عنوان "شعبي" فقال: "تشريقة آل المرّ". كان لدينا في التراث الشعبي "تغريبة بني هلال"!! ومن كان لديه "تغريبة" فما أحراه أن يستكمل الدائرة بـ "تشريقة" تكون رجع الصدى، مثلما هي المرتسم الحديث للأثر الغابر!! وهذا ما كان. وفي دراستنا الحالية لهذه الرواية الصادرة عن اتحاد الكتاب العرب في سوريا عام 1992، سوف نتقصّى الشروط الأدبية التي لا غنى عنها في أي إبداع -أياً كانت مدرسته-:

1-وحدة التشكيل

2-الصدق الفني

3-إبداع النموذج الخاص

4-الملاءمة

لن نضيع إذن في متاهات تنظيرية من خارج العمل المدروس، بل نناقشه بروية وتفهم من الداخل. وبادئ ذي بدء، نسأل ما هذه التشريقة مكاناً وزماناً وموضوعاً؟ المكان: قرية "الريحانة" الجبلية في ريف اللاذقية. الزمان: أوج الحرب العالمية الأولى والأتراك العثمانيون يحاولون عبثاً التصدي للهجوم المشترك الفرنسي- الإنكليزي. الحرب على قدم وساق، ولا تقوم الحرب إلا بالرجال، والمطلوب من الريحانة تقديم خمسة عشر شاباً من خيرة شبابها للانطلاق إلى حرب "الترعة" المقصود: قناة السويس- حيث الجبهة النازفة بالدماء. ولكن الشعب السوري لم يلق من الاحتلال العثماني على مرّ القرون الطويلة إلا الغطرسة والظلم والتجويع والإهمال، فكيف يقبل أبناؤه الانطلاق إلى الموت المجاني دفاعاً عن استعمار مستبد؟ هذه الحالة النفسية العامة هي السائدة في الريحانة، والشباب المطلوبون للجندية يحاولون التهرب، لكنهم يساقون تباعاً على مدى شهر، إلا عزيز المرّ الذي ينجح في التمّلص، على أنه أخيراً خوف التنكيل بأهله- يقرر تسليم نفسه للدرك لكن دون إهانات أو إذلال. ويشترط لهذه الغاية أن يستسلم في ساحة الريحانة أمام أهل القرية المجتمعين. أبو شعيب، رئيس المخفر، التركي المتغطرس المتجبر، يحاول إهانة عزيز وجلده علانية بالسوط، فيسحب عزيز السوط من يده ويلقيه أرضاً.

وتكون شبه معركة يستنفر فيها الدرك على أهل القرية جميعاً. وينجح عزيز في الفرار إلى الغابة القريبة، بينما عائلته، برفقة بعض العائلات الأخرى، تهاجر أثناء ذلك الهرج والمرج باتجاه الشرق، وصولاً إلى الجفتليك:

"-وأين الجفتليك؟

-شرقي حماه تجد جبال العلا. هناك يبدأ الجفتليك الشرقي حيث البادية والعربان، وحيث لا درك ولا جند" (ص66)

هكذا يشرح أبو سعدى لعزيز الذي عاد بعد أيام إلى القرية يستقصي أخبار أهله، فيدله على السمت الشرقي الذي يجب أن يتخذه ليلحق بأهله المهاجرين، الذين كانوا في واقع الحال قد حطوا رحالهم في منطقة كثيرة المياه قرب "الصابرة"، واسم تلك المنطقة على ذمة الكاتب- "أم العيون". سمت الشمس إذن هو سمت الحرية والهرب من الظلم والاستبداد. ولذلك يبدو منطقياً أن تختتم الرواية والشريف ناصر يدخل دمشق منتصراً، وفي ركابه عزيز المرّ ضمن أفراد الثورة العربية، ويكون هذا الختام تتويجاً رائعاً لذلك "التشريق" الذي افتتحت به الرواية. وها هنا يبدو الموضوع وقد تحدد بكل دقة: المجتمع السوري المتفجر بالنقمة عشية وغداة إشراق شمس الحرية والاستقلال- وإن لبرهة يسيرة من الزمن-. لكن بين تشريق آل المرّ (وعثمان، ومسعود، والساهي، وحمود) إلى أم العيون على تخوم البادية، وبين دخول القوات العربية الظافرة إلى دمشق، تدور أحداث وأحداث على امتداد الخمسمائة وثلاثين صفحة التي تتألف منها الرواية. ناهيك أن "الطريق إلى الشمس" ثلاثية، و "تشريقة آل المرّ" ما هي إلا الجزء الأول من تلك الثلاثية، وإن كان هذا الجزء الأول مكتملاً بذاته، باستثناء الأصداء المترددة في الفصول الأخيرة حول خيانة وغدر الإنكليز، وحول وعد بلفور، وهي أصداء تظل معلقة في الفراغ مما يشكل تمهيداً لا شك فيه للولوج إلى الجزء الثاني الذي سوف يتابع بالتأكيد رسم ملامح ذلك الغدر، وكيف اغتال الإنكليز والفرنسيون الحلم الوطني العربي بمعاهدة سايكس-بيكو.

إبداع النموذج الخاص

في ومضة الإلهام الأولى للإبداع تضطرب أعماق الروائي- قل إن شئت: لا شعوره- بخيالات شخصيات نابضة بالحياة وإيقاع أحداث متداخلة ومتعاقبة، ولكن على الكاتب أن يعثر دائماً على نموذجه الخاص الذي هو مثل القالب الذي يسبك فيه ومضة الإلهام تلك ويعطيها شكلها المحسوس، الكلمة. ولقد ابتكر الإبداع البشري في بداياته أيام المشافهة- النموذج الميثولوجي في المستوى الأعلى، والحكاية الخرافة في المستوى الأدنى، مثلما أبدع لاحقاً- على التخوم بين المشافهة والكتابة- الملحمي، والفروسي، والتاريخي، وصولاً إلى عصرنا الحديث- عصر الكلمة المكتوبة- حيث غرق في ما لانهاية له من نماذج روائية ليس أكثرها تنويعاً وغرابة لا معقول كافكا. وكنا وما نزال نعجب لروائيينا وهم يضربون صفحاً عن تراثنا الغني: حي بن يقظان، رسالة الغفران، المقامات، ألف ليلة وليلة، الأدب الشعبي في تنوعه المذهل! هذا مع العلم أن كاتباً فذاً مثل فولتير اشتق نموذجه الدرامي دون مواربة من ألف ليلة وليلة، بل ووضع لبعض أعماله عناوين عربية كحكاية صادق: “Zadig” مثلاً! ويبدو أن عبد الكريم ناصيف، رغبة منه في إزالة عجب من يعجب ولهفة كل ذي لهفة، قرر أن يختار لروايته النموذج الشعبي، وتحديداً نموذج "تغريبة بني هلال". وكان اختياره يخضع لعاملي الصدق الفني والملاءمة. إذ الكاتب لا يختار اعتباطاً، فما هو بالمنشئ ذي الديباجة، بل هو مبدع يتجسد وعياً وعاطفة، كينونة وصيرورة، فيما يكتب. كما أنه من خلال نموذجه المختار يهرب بكل زخم وجوده الإنساني بعيداً عن إطار الزمن الضائع زمن الحياة-، لينبعث داخل زمن الخلود والديمومة زمن الحكاية-. وحسب كل الظواهر فروائينا عبد الكريم ناصيف مسكون بالأدب الشعبي يتسلل هنا وهناك في أعماله المختلفة، على الأقل من خلال البطل النموذجي الذي يتحقق دائماً لديه. وليس للكاتب بطبيعة الحال إلا أن يكبح جماح حساسيته الأثيرة فلا يتسرب منها عن طريق الصدق الفني إلا المقدار الذي يتلاءم مع موضوعه حتى لا يتشتت النص المكتوب بين النجوى الذاتية والتشكيل الفني المتكامل الأداء.

هذه المعادلة الصعبة في ضبط وتيرة الصدق مع ضرورات الملاءمة هي التي ترهق الكاتب المبدع في انتقاله المستمر بين ذاته وبين المقومات التي لا غنى عنها ليصبح ذلك الإبداع وجوداً مستقلاً ومتكاملاً، ضرورياً ضرورة ذات المبدع سواء بسواء. وفي "الطريق إلى الشمس" يبدو ناصيف وكأنه قد اهتدى إلى الصوت العميق في داخله، فقرر دون مواربة اعتماد النموذج الشعبي أساساً معمارياً لروايته، ليقينه بأن هذا الاختيار يستجيب في الوقت ذاته لحساسيته ولضرورات الرواية التي قرر أن يجعلها تأريخاً بطولياً لنهاية المرحلة العثمانية، وإدراكاً منه أنه بهذا الاختيار يحقق التكامل والتوازن بين طرفي المعادلة: الصدق من جانب، والملاءمة من جانب ثان.

فما هي بادئ ذي بدء العناصر التي استقاها، بالخط العريض، من "تغريبة بني هلال":

1-البطل النموذجي

2-الصراعات العنيفة المتتابعة

3-النهايات السعيدة والمفاجآت السارة

ونبدأ بالبطولة، فعزيز المرّ في "التشريقة" بطل مستحق لبطولته" أليس هو أطول شبان القرية قامة وأمتنهم بنية؟ عدول الحنطة الثقيلة تترك له، الحجارة الضخمة، الأثقال الكبيرة كلها له في المصارعات لا ينافسه أحد، بل حتى في الدبكة والأعراس لا يتحمل مثله أحد، من الظهيرة حين يعقد المرسح وحتى آخر الليل لا يكف عن الدبكة، هو أول الدابكين وآخر الفالّين" (ص،12) ولكنه مع ذلك بطل إنساني، يسكنه القلق، وتراوده وتقض مضجعه الأحلام، ويمضي صعداً مع تجاربه، مستقياً من كل تجربة مزيداً من الوعي والنضج:

"أحلام عزيز مختلفة. هو لا يحلم ببيض أو زبدة، بلحم أو عسل. هو يحلم بأشياء أخرى. أحياناً يعرفها وأكثر الأحيان لا يدري كنهها. ثمة غموض دائم يلفه.

أفكار عجيبة تراود ذهنه: ليتني ولدت في مكان آخر أستطيع فيه أن أصنع شيئاً من نفسي" (ص، 168). ونلمح مباشرة في هذين النصّين القصيرين كيف يطور ناصيف البطل الشعبي الخيالي الخارق واضعاً لـه مرتسماته الواقعية إنسانياً واجتماعياً.

كما أن بطله يتطور فلا يكون دخوله إلى دمشق مع القوات العربية الظافرة إلا في نهاية مسيرة طويلة من وعي الذات. إنه يريد أن يكون ما هو أكثر من مجرد قوة جسدية عمياء ومجانية. قوته تلك يريدها وسيلة للحصول على الحرية، وسنداً لإرادته الصلبة، كما جاء في حوار جميل مؤثر مع ابن عمه نمر:

"- من حقي أن أحلم بالحرية! بالخلاص من الظلم والقهر! بالقضاء على الفقر! هذه كلها أحلام مشروعة يا نمر كلها من صميم حياتنا، فلماذا هي محرّمة علينا؟

- لأننا ضعفاء فقراء، صغار يا عزيز، والأحلام ينبغي أن تكون من جنس الحالم.

- لا أنا أرفض ذلك يا نمر نحن يمكن أن نكون ما نشاء الإنسان هو الذي يصنع نفسه، هو الذي يصنع أحلامه وبالتالي هو الذي يصنع قدره.

- أنت مغرور بقوة جسدك.

- أنا واثق بقوة إرادتي، والإنسان صنع إرادته" (ص، 164) وليست هذه الكلمات وحيدة من نوعها بل هي زخم متدفق يتردد صداه دون انقطاع حتى الصفحة الأخيرة من الرواية، مرافقة تطور عزيز وعياً ذاتياً ووطنياً ونضج شخصية من مجتمع الفلاحة وعبودية الأرض، إلى مجتمع البداوة وعالم الحرية والفروسية، إلى الوطن في مداه الأرحب حيث يتم توظيف الحرية داخل المشروع الوطني التحرري.

أما الانتقال إلى البداوة فكان نتيجة لالتصاقه الحميم بابن شيخ قبيلة الموالي، الفارس الملثم (وما أعجبه من فارس). كان الموالي قد اعتادوا في ترحالهم المستمر، شأن جميع القبائل، النزول لبعض الوقت قرب أم العيون، وهناك تم التعارف بين عزيز وبين الفارس الملثم ابن الشيخ نواف. وتتعمق الصداقة وتتحول إلى رباط عاطفي حميم ينخرط عزيز من خلاله مع أبناء القبيلة إلى أن يكرسه الشيخ نواف فرداً كامل الأهلية، له ما لباقي أفرادها، وعليه ما عليهم. ومع ازدياد وعيه للحرية الفردية المنطلقة من كل قيد، ينجح عزيز في التخلص من فخاخ الزواج المتعددة التي نصبت له، وينصرف كلياً إلى صديقه الفارس الملثم وإلى حياة الفروسية بعد أن أنعم عليه الشيخ نواف بـ "الفرس الشقراء" و "السيف المفضض" و "البارودة الألمانية" موزر دون شك-. ولكن اللثام العجيب الغريب يفصله عن صديقه وتأتي اللحظة المحتومة التي يكشف فيها اللثام، فإذا الفارس فتاة رائعة الجمال، هي ابنة الشيخ نواف التي رفضت شرط الحريم وقررت بموافقة والدها أن تكون كاملة الإنسانية من خلال اللثام "الذكري" الذي حلفت ألا تفارقه إلى أن كان عزيز، وكانت لحظة كشف السرّ، فعادت مرغمة إلى شرطها الأنثوي، متيمة هذه المرة بحب عزيز الذي لم يكن أقل منها عشقاً ومعاناة.

يستطيع القارئ دون أن يكون قد اطلع على الرواية أن يتخيل نتائج انكشاف سر اللثام. فلا شك أن عزيز لن يستطيع تحمل الفراق والبعد، وسوف يتقدم لخطبة شمس بنت الشيخ نواف، ولا بد أن يرفض الشيخ تزويج ابنته إلى "فلاح" أياً كانت جدارته-، ولا بد من شروط تعجيزية، ما لا أدري كم من النعاج والجمال و الذهب، حتى لا يجابه عزيز برفض صريح وجارح!! على أن الشيخ نواف يعده مع ذلك دون الشرط المالي- بتزويجه ابنته إن عاد إليه شيخ قبيلة أو قائد عسكر-!!- ويقسم عزيز أنه سوف يحقق له هذا الطلب. وهنا المنعطف الذي جعله ييمّم أولاً شطر الأمير طراد ملحم، شيخ الحسنة، ومن ثم شطر مضارب نواف الشعلان، شيخ الرولا، ومن هناك ينطلق مع فرسانها للالتحاق بالأمير فيصل في العقبة. ويمضي مع القوات المنتصرة حتى دمشق في ركاب الشريف ناصر:

" مذ غادر مضاربها وقد أقسم لأبيها ألا يعود إليه إلا شيخاً أو قائد عسكر، وكان يشغله همّ واحد: كيف يتحقق ذلك القسم؟ ثم التحق بجيش التحرير فصار الهمّ همين: أن يحرر ترابه من العثمانيين، وأن يثبت جدارته بشمس. اليوزباشي صبري فتح له الباب على مصراعيه. صداقته معه جعلته يتفاءل خيراً فها هو ذا يصبح أمباشي يقود عشرة من الرجال. وها هو ذا يوماً بعد يوم يعلو مقاماً في عيني اليوزباشي ويترسخ مكانة. من يدري؟ إن أبلى عزيز حسناً قد يرتقي إلى شاويش ومن ثم إلى صول فيوزباشي. وحينذاك بماذا يحتج الشيخ نواف؟ سيذهب إليه إذ ذاك بهامة تطاول الجبال، وبجند يحيطون به من اليمين والشمال ليؤكد أن الرجال تصنع المعجزات وأن المستحيل كلمة جوفاء ليس لها وجود في قاموس الأبطال (ص، 458).

هكذا يكون نمو وتطور شخصية بطل ناصيف، وفي هذا ما فيه من الاختلاف عن حال البطل الشعبي التقليدي. وقد أورد ناصيف عن عمد دون شك-في أكثر من موضع مقاطع من "التغريبة"، فكأنه يحيل القارئ إلى النموذج الأصلي ليتمكن هذا القارئ من إجراء المقارنة، وتفهم النقلة النوعية المتحققة من خلال نموذجه الجديد: "ولما أصبح الصباح استعد بنو هلال للحرب والقتال "فدقت الطبول وركبت الفرسان ظهور الخيول وركب الأمير حسن على ظهر حصانه وتبعه جميع أبطاله وفرسانه وكان شبيب قد التقاهم بجنوده وحمل وصاح وحملت معه فرسان الكفاح فالتحم القتال والتقت الرجال بالرجال والأبطال بالأبطال وجرى الدم وسال وعظمت الأهوال وتزعزعت الروابي والتلال من صياح الفرسان وقعقعة السنان وكانت بينهم وقعة عظيمة ومعمعة جسيمة قتل فيها خلق كثير وعدد غفير، فلله در الأمير أبي زيد والأمير دياب فإنهما هجما على الرجال كالأسود وحكما السيوف والحراب في الصدور والرقاب" (ص، 339-340) فها هنا، البطولة للبطولة، والبطل الجاهز المصبوب دائماً وأبداً في قالب جامد، بالإضافة إلى الأسلوب الزخرفي المطنطن وكلها أمور تبعث على النشوة عند السماع مشافهة، وتفرغ شحنة القهر والعجز في نفوس المستمعين الذي يتحقق لهم بأحلام اليقظة تلك، ما تحققه أحلام المنام. خذ هذا النموذج إذن. وجرّد البطولة من مجانيتها بجعلها هادفة، واجعل البطل إنسانياً ومتطوراً ضمن إطار ضرورات الواقع، واترك جانباً الأسلوب الإنشائي المفخم بالسجع وبالجمل القصيرة المتلاحقة، تصبح في رحاب الإبداع الروائي لدى عبد الكريم ناصيف.

وأما الصراع في "التشريقة" فهو محور الحركة الدرامية، وهو بالتأكيد صراع بقاء وصراع حرية لا صراع استعراض قوى ومواهب فروسية. "ليس هناك عداء مستحكم كالعداء بين النعجة والزرع. هي تريد القضاء عليه وهو يريد الهروب منها. والصراع صراع وجود يمتد إلى أصحاب هذا وأصحاب تلك. حضر وبدو، الأقوى ينتصر. فتأكل الأغنام الزروع أو تنكفئ الأغنام إلى البادية البعيدة حيث لا زرع ولا مزارعين، حسب رجحان كفة الميزان". (ص، 333) وكما هو الحال في "التغريبة" تتلاحق معارك "التشريقة" من فصل إلى فصل، على أرض الواقع هذه المرة، فالعثمانيون من جانب وهم "أناس لا تعرف قلوبهم الرحمة، بل ربما هم بلا قلوب البتة (ص،7)، والطبيعة من جانب آخر وهي دائماً "بين طرفي نقيض، عمران وخراب، صعود وهبوط، مد وجزر تماماً كحركة البحر" (ص،186) ولابد من مقاومة العثماني لإدراك عزيز أن بلاء الريحانة كان من الأستانة "ومن تبعث بهم الأستانة هنا وهناك كي يتحكموا برقاب الناس فارضين عليهم الضرائب والأتاوات: الحكمدار، التحصيلدار، القائمقام، الجندرمة، كلهم سياط تجلد وأفواه تبلع. ماتراهم أعطوا الريحانة؟ يجد شيئاً" (ص،11) فهل من عجب أن يهب عزيز مع فرسان قبيلة الرولا للالتحاق بفيصل؟ نحن في سرادق الأمير نوري الشعلان شيخ الرولا، وقد راحت الهتافات تتعالى بعد قراءة منشور الثورة: "فما كان من الأمير نوري إلا أن رفع يده وقد شخص بناظريه إلى البعيد وكأنه يخاطب الأمير (فيصل) نفسه:

-أبشر يا فيصل، أبشر يا أمير.. غداً تنطلق الطليعة إليك.. مائة فارس من الرولا عند عيونك.. ثم ختم كلامه مخاطباً رجال قبيلته:

-هيا يا رجال حضروا حالكم لكن قبل أن يتحرك أحد ارتفع صوت من طرف السرداق جعل الأنظار كلها تلتفت إليه:

-بل مائة فارس وفارس أيها الأمير.

وكان ذلك صوت عزيز" (ص،426).

فكيف يتيسر النضال والقهر سيف مسلط فوق رؤوس الجميع؟ إنه بادئ ذي بدء نداء الحرية المقدسة، فعليك أن تقاتل: "بأسنانك، بأظافرك، بكل شيء، قاتل من أجل الحرية" (ص،130)، وهو من بعد ذلك دافع الأمل: "ومن الأمل اندفعت قوة هائلة أقوى من اليأس، أقوى من الظلم، أقوى من العصملي كله، فملأت جسد عزيز حياة وعزيمة." (ص،134) والأمل جناحاه الحلم: "نمر، أجمل مافي الإنسان أحلامه تصور لو كان الإنسان بلا أحلام!." (ص،162) والحركة، و "الحركة هي الحياة، والسكون هو الموت" (ص،109).

وبطبيعة الحال لا ينسى ناصيف تطعيم عمله الضخم، بعد استكمال نماذج التحدي والمجابهة، بالموقف المضاد من خلال رسم ملامح النماذج الغيبية والمستسلمة، وربما كان على رأس تلك القائمة مختار الريحانة، المغلوب على أمره، والزاحف أبداً أمام الدرك ورئيس المخفر ذو الشاربين الصقريين. ومقابل عزيز المتفجر قوة وعزيمة لدينا شقيقه عمران، الضعيف البنية، الذي يصطاده الدرك من أزقة السلمية مثل عصفور، ويرسلونه إلى الجبهة حيث يموت مرضاً وضعفاً. ومن هذه التقابلات يحكم ناصيف نسج بنائه الدرامي فلا يتركه يتهاوى في مهاوي الأحلام الوردية، والخطاب التبشيري الممجوج.

وليس لنا أن نختم حديثنا عن الصراعات العنيفة المتلاحقة عبر فصول "الطريق إلى الشمس" دون أن نتوقف ملياً حيال:

-الطبيعة

-والفارس الملثم- !!-

فأما الطبيعة فقد عرضها كاتبنا في مداها الملحمي المذهل من خلال الصراع المروّع بين النمر والدب في الغابة التي فرّ إليها عزيز بادئ الأمر (الفصل الثاني)، ومن بعد ذلك معركة عزيز الضارية مع الضبع (الفصل السابع)؛ ناهيك عن محاصرة الثلج للمهاجرين في أم العيون مدة أربعين يوماً ثلجة الأربعين الشهيرة في العرف الشفوي بالإضافة إلى نفاد المؤونة من الحبوب والزيت واضطرار آل المر وحمّود،. الرجوع إلى بدايات الاجتماع البشري حيث توجب عليهم التعلق بالحياة من خلال جني ما تيسر من النباتات ومن الصيد. وفي النهاية، فإن بداية إعمار أم العيون منذ حلول المهاجرين فيها داخل المغاور فترة من الزمن، وانتقالهم بعد ذلك إلى بيوت بنوها بأنفسهم، واستصلاحهم ما تيسّر من الأراضي البكر كل ذلك يعطي للرواية نكهة ملحمية رائعة وهي تقدم الإنسان في كفاحه الخالد من أجل البقاء والإعمار. ويتكشف ناصيف في هذا المجال وصّافاً بارعاً يتابع أدق التفاصيل، ويتغلغل إلى أعماق النفس البشرية المتأبية على الاستسلام والرضوخ.

وأما فارسنا الملثم، فحكايته حكاية. إنه مقتبس من "سيرة بني هلال" وتحديداً من حكاية "شما وزهر البان وما جرى لهما مع الأمير سرحان". فالأمير سرحان هذا، بعد أن أجلسه والده مكانه على العرش- طبعاً في لا مكان ولا زمان- استحلفه ألا يتزوج إلا من بنات الحسب والنسب. وبعد وفاة الأب الموصي، داخ الأمير سرحان وهو يستعلم عن بلاد الحسب والنسب فلم يستطع أحد أن يدلـه عليها، إلى أن حضر لديه ذات يوم ثلاثة شعراء من المداحين. والشاعر، مدّاحاً كان أم قدّاحاً، يعلم كل شيء. وبالطبع دلوه على بلاد الحسب والنسب ويسّر الله له الوصول ونيل المطلوب حيث زوجوه من شما، خيرة بناتهم قاطبة، واشترط والدها على الأمير سرحان ألا "يدخل" عليها إلا بعد وصوله بالسلامة إلى بلده. في طريق العودة يدخل سرحان ليلاً، مدفوعاً بلهفته وفضوله، إلى خيمة عروسه النائمة ليطمئن إلى جمالها. بادئ الأمر، تكون مغطاة وهي عارية بسبب الحر!- بشعرها الأسود الفاحم، ويظن الأمير أنهم خدعوه وزوجوه فتاة سوداء البشرة، فلعن الحسب والنسب وعاد إلى خيمته مسرعاً فحمل سيفه وأسرع يريد قطع تلك الزنجية شطرين، ولكنها لحسن حظها- انقلبت إلى الجانب الآخر، فانحسر شعرها الأسود الطويل عن جسد يشع ويبرق، لا البدر المكتمل ولا ما شابه!! وشاهد الأمير فيما شاهد عقداً يتلألأ في عنق عروسه لم تنظر عينه مثيلاً لـه، فتناوله مبهوراً، وخرج يجلس في ضوء القمر ويتأمل ذلك العقد بإعجاب شديد، حيث شاءت الأقدار والأقدار لا مردّ لها- أن ينقض عليه طائر عركرك- كراكي أو لقلق، الله أعلم ما جنس هذا الطائر في ذلك الليل! وغيرة منه على عقد عروسه، يطارد الأمير سرحان الطائر طويلاً إلى أن يخطفه عند شاطئ البحر بعض النخاسين؛ فحملوه وباعوه في بلاد "الكفار" إلى برصوما، حيث أصبح يعمل لديه في رعي الخنازير، ناهيك أن ابنة برصوما اللعين ذاك، مريم، الطفلة المدللة، جعلته تسليتها فذاق منها ومن والدها وخنازير والدها الأمرّين. ما أغرب أمر هذا الفارس الهلالي! ألا إنك يا سرحان سبّة بني هلال على مرّ الدهور والأزمان!

فأين الأمير الملثم، الفارس المجهول، في هذه الحكاية؟ إنه الأميرة شمّا، بنت ملوك بلاد الحسب والنسب، التي افتقدت عقدها عند يقظتها صباحاً، مثلما افتقد الركب سرحان الذي غاب دون أن يترك أثراً، اللهم إلا بعض أبيات شعرية، هزيلة مثل خيبته وقلة حيلته، لكنها أخبرت الركب أن فارسهم قد خطفه النخاسون وجازوا به البحر إلى بلاد الكفار. كانت الأبيات مكتوبة بالدم على صخرة قرب الشاطئ؛ هناك تنكرت شما في زي الرجال، وأطلقت على نفسها اسم "شمّان"، وودعت الركب، وحلفت لا تعود إلا بزوجها الذي طار منها في غمضة عين. انعكست الآية إذن، وأصبحت شما الرجل ومضت تنقذ زوجها الضعيف الحول. قل، بعد أهوال وأخطار، أصبحت شما من أقرب المقربين إلى ملك الإفرنج، وبنت الملك زهر البان وقعت في غرام شما المتنكرة باسم شمان. وانتهى الأمر إلى الزواج-!!- لكن الفراش فضح السر المكتوم، فلم يخفف هذا من تعلق زهر البان بشمّا التي وعدتها حين العثور على زوجها سرحان أن يصبح زوجاً لهما معاً، وهكذا تسدد ديون الفراش المستحقة لزهر البان. وبالطبع يعثر سرحان على العقد في عش طائر "العركرك"، ويصل سرحان وبرصوما والعقد أمام الأمير شمان. وبعد ممازحات ومماحكات، شعراً ونثراً، يتم التعارف ويجري تزويج سرحان من زهر البان، فيستقر به الحال وهو وسط شما وزهر البان، ليتم من بعد ذلك الرجوع إلى أرض الوطن عن طريق ميناء حيفا، بحجة زيارة بيت المقدس.

الحكاية الشعبية بمجملها إفراز لاشك فيه للاشعور الجماعي، تحقق من خلاله إشباع رغبات سحاقية دفينة، وهذا ما استدعى تهافت شخصية ذلك الفارس الهلالي الخائب الذي لم يكن له من دور حقيقي دون أن نخدش حياء أحد- إلا أن يكون مجرّد عضو ذكورة استعارته الأميرتان شما وزهر البان لاستكمال شرط زواجهما، متعة ومحبة. فكيف وظف ناصيف تنكر الفتاة في دور الرجل؟ أولاً، أخرج ذلك التنكر، برغم المحافظة على شكله الطريف والغريب، من أغوار اللاشعور، ووضعه بكل زخم في ساحة الوعي، من بين مقومات شخصية شمس، بنت الشيخ نواف. ثانياً، جعل تلك الحالة الفردية رمزاً لمأساة الوضع الأنثوي اجتماعياً، ذلك الوضع الذي قالت فيه ذات يوم سيمون دوبوفوار "لم نخلق حريماً لكن المجتمع جعلنا كذلك". وثالثاً وأخيراً، كان هذا التحوّل نحو الشرط الإنساني الكامل وليس نحو الذكورة، المخرج الذي استطاع عزيز من خلاله أن يبني علاقة حقيقية أساسها الحب، والتكافؤ، والحرية، بعد أن كان مستعصياً على جميع الفتيات وذاك أن "المرأة قيد سيشد وثقاقه إلى نير حقيقي لا يمكن أن يكون له أي اسم آخر سوى نير العبودية" (ص،193) ودع عنك أن كلاً من: "سعدى، سكينة، عليا كلهن غبيات، خاويات، باهتات. هو يريد شيئاً آخر. ربما امرأة تشع كالشمس، تتقد كالجمر، تلتهب كالنار. حين زار الريحانة آخر مرة ونام في بيت سعدى تلك الليلة، أفاق ورحل دون أن تفيق سعدى، دون أن تحس برحيله، دون أن تودعه، فلماذا تبقى في قلبه؟ لماذا يتذكرها؟ سكينة كالبلهاء ترمي نفسها عليه رمياً فأين كرامة الأنثى؟ أين إباؤها؟ أين الإشعاع والاتقاد؟ وهذه هي عليا، امرأة أخ لا تريد أن تكون إلا أرملته، فأي وفاء، وأي إخلاص!!" (ص،249) وهكذا تيسر لكاتبنا أن يدمج ذلك التنكر ضمن حركة التحرر الشاملة، وضمن حركة الصراع، على امتداد روايته الطويلة، مبيناً من خلال فارسه الملثم أو حبيبة بطله المتنكرة- أن المرأة لا تنتفض خارج سجنها الحريمي إلا بممارسة إنسانيتها دون أي انتقاص، حرية وفروسية، كالرجل سواء بسواء، وبتحقيق وجودها الاجتماعي الكامل. ألا ما أغنى الأدب الشعبي إذا ما أحسن استثماره ورسم مساقطه الإنسانية والاجتماعية!!

بقي لدينا من اقتباسات "التغريبة" النهايات السعيدة والمفاجآت السارة، وما أكثرها في "التشريقة"، لكنها معروضة بكل توازن مع نقائضها بحيث لا تتحول إلى أحلام يقظة مخدرة ومضللة. إنها مجرد محطّات أمل وشحذ للهمة والعزيمة؛ وحتى الدخول الظافر إلى دمشق لم يخل من ظلال توجس ألقت بتهديدها على تلك الفرحة؛ والتوجس هو من الغدر المبيّت من قبل الحليف الإنكليزي الفرنسي، ذلك الغدر الذي دلت عليه بعض التسرّبات هنا وهناك دون أن ينجلي حتى حينه بكل وضوح. وبمثل هذه التوازنات الدقيقة المرهفة بين الأطراف المتناقصة احتفظت رواية "الطريق إلى الشمس" بزخمها الملحمي الآسر حتى آخر كلمة، وأعطت لنموذجها الشعبي "الهلالي" نكهته الرائعة المميزة.

وحدة التشكيل

الإبداع خلق، والخلق وحدة عضوية بالضرورة، فالوحدة العضوية بالتالي عماد أي إبداع لا على التعيين. فإن كان الإبداع بالكلمة تحوّل النص إلى كلّ، مترابط ترابط أي كيان عضوي. ومن أهم مقومات وحدة التشكيل العضوية:

1-التكامل

2-التناظر

3-توظيف الكلمة فنياً

وما دمنا بصدد الإبداع الروائي وجب أن نضيف:

4-ترابط الشخصيات

5-توحيد المنظور

ونبدأ بالتسلسل العكسي من المنظور الذي يقوم في الرسم بضبط تناسب الأبعاد، وتوحيد نقطة النظر، ومن خلال هذا وذاك إبراز البعد الثالث (التجسيم) الذي هو في حقيقته "بعد الحياة"، وهو ما يحقق عملية التخييل أو الإيهام، فتبدو الأشكال حقيقية نابضة تكاد تنطلق بعيداً عن اللوحة. ويصدق هذا كل الصدق على العمل الأدبي، لكن دون خطوط، وألوان، وأشكال، وإنما بمادة الإبداع التي بها يقف على قدميه وينتفض خلقاً مختلجاً بالحياة. فما مادة الرواية؟ طبعاً، الكلمة، لكنها هاهنا كلمة تخلق الشخصيات، والأحداث، والنجاوى، والذكريات، والمحاورات، وهذه جميعاً يفترض أن تتجمع في بؤرة واحدة تجمّع حزمة الأشعة في محرق عدسة مقعرة. ومادمنا بصدد "الطريق إلى الشمس" فأين هي بؤرة منظورها؟ الرواية "تشريق"، والتشريق كما رأينا صبوة إلى "الحرية"، والتشريق من جانب، والسعي إلى الحرية من جانب آخر، كلاهما "صراع" بطولي لا يهدأ زخمه. فهذا "ثالوث" منظور "الطريق إلى الشمس" المتحد عضوياً، والذي يمكننا تمثيله بمثلث متساوي الساقين. رأسه الصراع، وقاعدته خط وهمي يصل التشريق بالحرية. وللوضوح نرسمه كالتالي:

وليس هذا الرسم المثلثي الشكل فذلكة نقدية، بل هو تمثيل محسوس لمخطط الرواية أوفى وأدق من ملاحقة الشكل المكتوب الذي لا يمكنه أن يكون إلا امتداداً أفقياً متواصلاً، بينما الشكل الهندسي المقترح يبيّن البعد الشاقولي الذي لا غنى عنه في أي مخطط. والمخطط في أساسه نية مبيتة في وجدان الكاتب الذي ما كان ليستطيع لولاه بناء عمله الضخم. ويبدأ المخطط عادة لدى الكاتب لحظة الومضة الأولى. فيكون لا شعورياً، ليتحول فيما بعد، أثناء التنفيذ (الكتابة) إلى شعوري، ببعدي الشعور: الإدراك والحدس. وهذا ما كان بالنسبة لكاتبنا الذي كان يريد أن يؤرخ درامياً لوطنه بالكامل، بدءاً من هزيمة الأتراك العثمانيين، فاختار مادته من المهاجرين الكثر الذي عمروا في مطلع هذا القرن جفتليك حماة وحمص، هروباً من طغيان العثماني. ولم يكن اختياره هذا إلا انسجاماً مع الصدق الفني لأن أبناء قريته "المبعوجة" هم جميعاً من أولئك المهاجرين (والمبعوجة هي أم العيون مثلما "الصابرة" هي قرية الصبّورة، ولا نعلم الحكمة في تغيير أسماء الأمكنة!!) وهكذا فالكاتب في واقع الحال، إنما يروي من خلال آل المرّ سيرة أجداده، وربما كان في هذا ما يفسر تألق عمله، فالكاتب إنما يسمو ويتوهج عند تناوله ألصق الأمور بحساسيته، عاطفة ووعياً وانتماء. وفي تناول ناصيف لسيرة الأجداد المهاجرين كان لزاماً عليه أن يجعل الصراع رأس مثلثه؛ فلولا التحدي والمقاومة لما كانت هجرة. والهجرة أضعف الإيمان عندما يتعذر هزم الطغيان. فذلك التشريق الأول، وقد امتد على أربعة فصول، هاجرت خلالها الأسر المقاومة ثم التحق بها عزيز في الفصل الرابع ليكتمل اللقاء مع البطل المحوري في هذه الرواية. وتستمر الرواية على مدى سبعة فصول كاملة في رصد بناء القرية الجديدة وتأسيس أركان المجتمع الحرّ البعيد عن طغيان العثماني، فتلك قاعدة المثلث. على أن عزيز يتابع مسيرته نحو الشمس وصولاً إلى دمشق المحررة، وذلك هو التشريق الثاني ويشغل الفصول الأربعة الأخيرة، وهذا ما دفعنا إلى القول بأن مثلث منظور "الطريق إلى الشمس" متساوي الساقين، فالرواية "تشريقتان" أولاهما هجرة وهروب (الفصول الأربعة الأولى) وثانيتهما مواجهة وتحرير (الفصول الأربعة الأخيرة)، وبين التشريقتين استراحة وأي استراحة!- (الفصول السبعة الوسطى) لبناء المجتمع الحر الجديد في أم العيون من الصفر، والصفر ها هنا هو الكهف البدائي، والطبيعة البكر القاسية. ذاك هو المخطط الذي حقق وحدة المنظور في رواية ناصيف: الصراع، التشريق، الحرية؛ ولن تجد فيها كلمة واحدة وصفاً، أم عراكاً أم ذكرى، أم حواراً إلا وهي تصب في ذلك المنظور، حتى الصفحة الأخيرة حيث يدخل عزيز على الشيخ نواف محاطاً بجنده ويذكره بالوعد، والشيخ على الوعد، لأن وعد الحرّ دين، ويترجل عزيز عن فرسه ويحتضن الشيخ نواف، ويهمّ بالسلام على باقي وجوه القبيلة" لكن ألقاً باهراً يبدو فجأةً وهو يشق الخدر ليخرج إلى الفضاء الرحب. ألقاً كألق الشمس يشدّ عينيه ينظر عزيز فإذا هي حبيبته بهية كالشمس، زاهية كالربيع. ينسى عزيز عمه الشيخ، رجال القبيلة، رفاقه الجند، ويمضي نحو الشمس الباهرة فيما هي تطير إليه وقد صنع لها الفرح أجنحة ترفرف كما صنع من ورائها شفاهاً تزغرد، فقد انجلى الليل أخيراً عن شمس طال احتجابها، شمس تريد أن تشرق من جديد" (الصفحة الأخيرة، آخر الكلمات). نعم، أخيراً أشرقت شمس الحرية والحب!!.

وترابط الشخصيات عنصر آخر من العناصر الضرورية لوحدة التشكيل الفني، والترابط يعني انسجام بناء ونمو الشخصية داخلياً، كما يعني الانسجام والتكامل بين الشخصية والمواقف على اختلافها مع تطور وتسلسل العمارة الدرامية، وهو يعني أخيراً انسجام الشخصيات المتنوعة فيما بينها، تشابهاً وتنافراً على حد سواء، في تلاؤم كامل مع الحركة الدرامية الإجمالية المتجمعة كما رأينا في بؤرة المنظور الموحّد. وهذا ما تحقق بكل نجاح في "الطريق إلى الشمس"، من خلال عزيز المرّ المتوجه بعزيمة وكبرياء إلى الشمس، ومن خلال والده الذي أصبح بشكل من الأشكال مثل مختار أم العيون، ومن خلال شمس الدين، الفارس الملثم، الذي تحول بعد نزع اللثام إلى شمس، بنت الشيخ نواف. ولو أخذنا هذه الشخصية بالذات لوجدنا بوضوح مدى انسجامها مع بنائها الداخلي المتمرد، بقناع ذكري ودون ذلك القناع. فهي إما رجعت إلى قواعدها الأنثوية، لم تفقد عنفوانها، ولم ترضخ لضغوط شقيقها للزواج من ابن عمها، بل واجهت تلك الضغوط حتى النهاية اختتاماً بتحدي ابن عمها في المبارزة بالسيف. وكذا الحال مع عزيز، فهو عاشق للحرية، ويسكنه قلق غامض، وأحلام، وآمال، وطموح، وضمن هذا الإطار تبدو مقاومته للإغراءات النسائية، وخاصة إغراءات عليا التي تسللت حتى فراشه، منطقية ومقنعة، تماماً كاتجاهه باطراد نحو صديقه الملثم ونحو حياة الفروسية- وصولاً إلى الانخراط مع فرسان الرولا الذين هبوا لمساعدة ونجدة الأمير فيصل. وأما أبو يونس والد عزيز- فهو رجل الحزم والإرادة، وهو رأس قومه في ريادتهم منذ الهجرة إلى استكمال تأسيس ذلك التجمع البشري الصامد في أم العيون، على تخوم البادية السورية ولكنه يتحلى بحكمة الرجولة الناضجة، ولا ينطلق مع عنفوان وجموح الشباب، وضمن هذا المنظور تبدو توجيهاته لابنه عزيز في محلها، حين يحاول قطع الطريق عليه وإغراقه في حياة الزراعة، والإلحاح كي يزوجه من أجل النسل، فالنسل يد عاملة واعدة وضرورية، خصوصاً لمن هو في أرض جديدة خاوية على عروشها، إلا من النفر القليل الذين استقروا فيها دون أية حماية. وانظر إلى عليا! إنها اللبوة الهائجة المتفجرة ثورة وحقداً حين ضاع زوجها عمران من يديها، ثم هي الأنثى المتفجرة شهوة وتريد الحصول بأي ثمن على زوج بديل، وعندما لم توفق في اصطياد عزيز، تنجح في رمي شباكها على الشقيق الثالث رغم أنه متزوج- وكان أن علق يونس في حبالها بكل سهولة. وتبدو عليا في اللقطة الأخيرة لها، منسجمة كل الانسجام مع بنائها الحريمي، وقد اندلق بطنها المنتفخ أمامها وهي تحمل نفسها بصعوبة لـ "الفرجة" على سيرك الغجر. وإذ فاجأها الطلق هناك، ثم نقلت بصعوبة إلى البيت حيث وضعت توأماً من الصبيان، تبدو وكأنها قد حققت رسالتها كاملة، خصوصاً وأن ضرّتها كانت قد وضعت مجرد بنت -!!- والشخصيات المضادة تدعم وحدة بناء الصراع، مثل شخصية نمر، ابن عم عزيز، ورئيس المخفر ذي الشاربين اللذين يقف عليهما الصقر، وإن خانه شارباه فلم يوفرا له الحماية في نهاية الرواية حيث تيسّر لعزيز، من بين النهايات السعيدة، شفاء غليله بالقضاء على رئيس المخفر، أبي شعيب بالذات، وكان من بين المتصدّين لتقدم قوات الثورة العربية نحو دمشق -!!-

كلا، لا تنقص شخصيات "الطريق إلى الشمس" عناصر النضج والتكامل لتحقيق وحدة ومصداقية الحركة الدرامية المتطورة صعداً نحو التحرير. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى الانسجام الرائع بين الشخصية والمواقف المتنوعة من خلال ما أملته الهجرة والحياة الجديدة القاسية من نمط تعاوني في العمل وتقاسم الخيرات حتى لقد تحقق للأسر المهاجرة حلم العمل الاشتراكي الجماعي" من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته" (ص،156) واضطرتهم الظروف القاسية إلى التكاتف يداً واحدة، ولكن الكاتب بتركيزه على هذا النمط من الوجود الجماعي، وباهتمامه الكبير بالبطل المحوري، أهمل عن غير وجه حق فيما أرى- إخراج باقي الوجوه من الظل. ولو أراد، ماكان ذلك ليكلفه أكثر من رسم بعض الجزئيات والتفاصيل الإنسانية الصغيرة فيصبح لكومبارس أم العيون وجوده الفردي المتمايز، بالإضافة إلى وجوده الجماعي الكثيف الحضور. ولكن هذه اللمسة الإنسانية الحميمة لا تفوت الكاتب عندما يتحدث عن الدمعة التي طفرت من عين سلطان باشا الأطرش لدى سماعه في مضرب الشيخ نوري الشعلان غناء مطرب الرباب لقصيدة شبلي الأطرش في رثاء ذوقان باشا، والد سلطان باشا، وكان من بين من شنقهم الأتراك:

عافرقة اللي توسدون اللحاد

 

أشكي لكم أني حزين موجع

ونيسان بالمحيا عيال جياد

 

فرسان بالهيجا، كف يمين بالعطا

علينا ولكن هيك ربي راد

 

ترى فقدهم ياناس من أعظم البلا

ترى الصبر للإنسان خير زاد(ص،422)

 

نصبر ولو ذقنا البلاوي من العدا

جميلة هي تلك الدمعة الصابرة، وبمثل تلك التفاصيل الإنسانية الصغيرة، كان يمكن للكاتب أن يخرج بشخصياته من ظلال التجريد الغائمة إلى وضوح التواصل الإنساني المؤثر في تناوله لحياة جماعة أم العيون أيضاً!!

وننتقل مباشرة إلى التكامل والتناظر، لنرى، غير بعيد عن تلك الدمعة المذروفة بكبرياء، كيف" كان سلطان باشا الأطرش يغير على الحامية التركية في بصرى اسكي الشام فيمزقها شر ممزّق" (ص،456) ولنشاهد، مقابل جماعة المهاجرين من الريحانة وهم يعملون ويكدحون دون توقف، مقر قيادة الأمير فيصل في أبي الأسل وكان الأمير" قد أصبح محط أنظار الشرق والغرب. أركانه لوالب دائمة الحركة والنشاط: الأمير زيد، الأمير عبد الله، البكري، الأيوبي، نوري السعيد، عودة أبو تايه، وكان هناك ضابط الارتباط الإنكليزي لورنس الذي يتحدث العربية كما يتحدث أهلها. من أبي الأسل كان على لواء الهجانة الذي شكله الأمير فيصل أن يدمر الخط الحديدي الحجازي كي يقطع الطريق على قوات العثمانيين المتراجعة من الحجاز. وفي تلك العمليات أثبت عزيز أنه المجلّي، فقوة زنده لم تذهب هباء" (ص،451). وأنّى تنقلت في رحاب "التشريقة" لن تجد إلا آيات متجاوبة تجاوب الأصداء نتيجة التكامل والتناظر: فمعركة النمر والدب الشرسة المخيفة في الفصل الثاني تتجاوب أصداء مخيفة شرسة في معركة عزيز مع الضبع في الفصل السابع. وسعادة اللقاء الرحماني المخلّص مع ذلك العجوز في السجن، تستكمل لاحقاً بفرحة العثور عليه بعد الهرب من الدرك، وكان عزيز ما يزال مقيّد اليدين، ويبحث لاهثاً عمن يفك قيده، فوقع من جديد على العجوز، خضره المخلّص، فأنقذه للمرة الثانية.

لعبة التكامل والتناظر لا غنى عنها في كل إبداع، وناصيف يتقن تلك اللعبة كل الإتقان في عمله، ويستثمرها حتى النهاية، لإدراكه العميق أن العمل الإبداعي عمل متكامل من الداخل، والرواية في هذا كسمفونية محكمة البنيان تتجاوب ألحانها وأفكارها الموسيقية دون انقطاع. وانظر إلى تعاقب الفصول المتساوية طولاً وإيقاعاً بين 32 إلى 40 صفحة وحتى الانتقال بين المقاطع، من شخصية إلى أخرى، ومن حدث سابق إلى حدث لاحق، تجدها جميعاً وقد أحكم تعاقبها في إيقاع ملحمي متصاعد، وكأنها تنظمت لحناً وإيقاعاً بـ "كرونومتر" داخلي لدى الكاتب، ظل متيقظاً بالحدس والحس الروائي السليم حتى آخر صفحة من روايته. وتأخذ حركة التشريق إلى الشمس بعدها الملحمي على مرحلتين. أولاهما، الاستقرار في أم العيون والشروع ببناء المجتمع الجديد، وثانيتهما، مراحل تقدم القوات العربية، وفي ركابها عزيز المرّ، نحو مدينة دمشق. فهناك، ملحمة العمل والبناء؛ وهنا مرحلة الكفاح المسلح، والقتال بكل فروسية. وفي المرحلتين على حد سواء يتابع ناصيف أدق تفاصيل العمل المرير، مثلما يرصد وقائع تطور الوضع القتالي، مستعيناً دون شك بمراجع وثائقية، يسمح لنفسه بإيراد بعضها (أسفل صفحة 457، مذكرات المرحوم صبري فريد البديوي) وليته لم يفعل. هي لفتة صغيرة لكنها جاءت نشازاً فليس للرواية أن تنحو منحى التأريخ الوثائقي، وذلك الاستشهاد العابر يفسد لذة القارئ المستغرق مع تطور الأحداث من الداخل، دون أدنى حاجة لتلك الإحالة الوثائقية إلى خارج العمل.

نعم، حافظت رواية "تشريقة آل المرّ" بوحدة بنائها على إيقاعها المتواتر بتناسق وانتظام. وشذ عن ذلك البنيان المحكم عن عمد- ما ورد في الفصول الأخيرة من هواجس مقلقة. فاليوزباشي صبري بديوي الذي يعمل عزيز تحت إمرته بدأ يتصادم مع الميجر يونغ، المنسّق الإنكليزي، وكانت بداية الصدام بصدد تدمير مجمل الخطوط الحديدية، وهاهو صبري يحتج بشدة:

"-لكن السكّة لنا نحن لا للترك، هي تصل بين البلدان العربية كلها، تجمع شتاتها وتلمّ أوصالها، فهل تريدون بتدميرها أن تقطعوا تلك الأوصال؟

-يوزباشي، أنت عسكري ينفذ أوامر أم سياسي يناقش؟

تدمير سكة يعني تدمير سكة!" (ص،478).

وفي موضع آخر، يدفع التهور نوري السعيد لإجبار اليوزباشي صبري على الهجوم في منطقة تل شهاب، قرب الجسر، وهو هجوم انتحاري لا موجب له على الإطلاق، وكادت المجزرة تقع وتفتك بالقوة العربية الصغيرة العدد المؤتمرة بأمر اليوزباشي، لولا وصول علي جودت بك الأيوبي:

"-ماذا تفعل يا مجنون؟ صرخ بوجه نوري السعيد غاضباً. مائتا مجاهد عربي في منطقة تعج بآلاف الأتراك والألمان؟ () حينذاك فقط اضطر نوري السعيد لأن يأمر بإيقاف الهجوم صحيح أن نوري السعيد كان المقرب من الإنكليز وصلة الوصل مع لورنس ويونغ، لكن الصحيح أيضاً أن علي الأيوبي كان المقرب أكثر من الأمير فيصل، والحملة حملة الشام وقيادتها لأبنائها" (ص،480).

ومع قطع الشك باليقين، وتفاقم الصدام مع الميجر يونغ، يتنادى الضباط العرب إلى وضع مذكرة عسكرية، من بنودها:

"1- نحن عرب قبل كل شيء. ثرنا على الأتراك لنيل استقلال العرب. فإذا أراد الإنكليز اعتبار هذه الثورة المباركة خدمة لهم ومعية معاونة لجيشهم في فلسطين فإننا نقاتل بريطانيا قبل تركيا.

2-  بما أن رئيس الحملة العسكرية هذه، نوري بك السعيد، يساير السياسة البريطانية ويماشي الأهواء العسكرية الإنكليزية فإننا نرفض إطاعته، ونطلب إقالته ومنذ هذه الساعة لا نأتمر بأمره.

3-  إننا كعرب لهم وجودهم وكرامتهم، نرفض ما يقدمه الإنكليز من إكراميات مالية لجنودنا بقصد رشوتهم وإفسادهم.

4-  نحن كدولة عربية ستمتد من جبال طوروس من الشمال حتى بحر العرب في الجنوب، وسيكون لها كيانها وشخصيتها وميدالياتها وأوسمتها، نرفض قبول الأوسمة الإنكليزية أو السيطرة الإنكليزية، كما نرفض الأوسمة والسيطرة العثمانية" (ص،484).

لكن المذكرة طويت، لأن الميجر يونغ أسرع إلى الاعتذار ومحاولة تبديد الشكوك، دون أن يغير هذا شيئاً بالنسبة لليوزباشي صبري الذي يبث همومه إلى عزيز، مرؤوسه وصديقه في الوقت ذاته:

"-يقولون إن هناك اتفاقية ثنائية بين إنكلترا وفرنسا باسم سايكس بيكو أعدت منذ سنتين وتقضي بتقسيم بلادنا بين الدولتين (.)

-تقصد أننا سنخرج من استعمار إلى استعمار؟

-هذا ما أفكر فيه وأقلق له يا عزيز (.) تصرفات الإنكليز، تلميحات الكابتن لورنس، الميجر يونغ اليوم، كلها تدل على أن هناك نية مبيتة، وأن هناك شراً مستطيراً ينتظر العرب ربما هو أسوأ من التقسيم.

-ماذا يمكن أن يكون هناك أيضاً.

-بلفور.

-ومن هو برفول هذا؟ رد عزيز متلعثماً مستغرباً (ص،486) وطبعاً يشرح اليوزباشي صبري لعزيز وعد بلفور والخطر المحدق بالعرب نتيجة تقاطر اليهود المحتمل إلى فلسطين من شتى أنحاء العالم. هذه الهواجس مجتمعة تأتي نشازاً في إطار نشيد الفرح البطولي الذي يختم مسيرة التشريق نحو الحرية والاستقلال و الحب، ولكنه نشاز لا غنى عنه هذه المرة، لأنه افتتاحية الجزء الثاني من "الطريق إلى الشمس".

بقي البند الأخير في وحدة التشكيل، وأعني به: توظيف الكلمة فنياً، وهنا قطب الرحى في الإبداع الأدبي. فالكلمة تتجاوز وظيفتها الاجتماعية النفعية المباشرة في العمل الأدبي وتقفز من فوق شرطها الأول، شرط الاصطلاح الاتفاقي الذي يلغي كل علاقة بين الدال والمدلول، أو، بالتعبير المتوارث، بين اللفظ والمعنى. وهي داخل جمهورية الآداب الملك المتوّج دون منازع، فلها الأمر والنهي وهي التي ترسم أبعاد عملية التخييل والإيهام، باستثمارها للطاقة الإيحائية الخلاّقة الكامنة فيها كمون الشجرة في البذرة، فكيف تتم هذه العملية المبدعة؟ على مسارين اثنين:

1-إبداع الكلمة الذاتية.

2-ربط الكلمات بالمعنى الداخلي الموحد للعمل الإبداعي.

أما الكلمة الذاتية فهي لغة داخل اللغة؛ إنها قاموس الكاتب المرتبط مباشرة بحساسيته (الصدق الفني)، ولابد من توظيف هذا القاموس داخل متطلبات الإبداع (الملاءمة)، فترى إلى الكاتب المبدع وقد انفرد بكلمات تتكرر لديه تكرار اللازمة الموسيقية، وبها تتعرف مباشرة على الكاتب حتى دون أن يذكر اسمه. وأبعد من الكلمات، ترى الكاتب وقد التزم بأسلوب محدد لا يغادره فهو وأسلوبه سواء بسواء. ومن طرف آخر، تحضرك في العمل الأدبي لغة تكتسب معاني جديدة لا يقدر قاموس على الإحاطة بها، وندع الكلام المجرّد، لنتناول أمثلة محسوسة من "تشريقة آل المرّ". إنها تشريقة، والتشريق نحو الشمس، فلو حاولت تعداد المرات التي ترد فيها الشمس، واللهب، والاتقاد، والوهج، والضياء، وصياح الديك، فلن تنتهي وهي جميعاً شبه مترادفات تتجاوب من صفحة إلى أخرى، علماً أنها متباعدة المعنى، لكن وحدة الأداء جمعتها في أضمومة واحدة. وانظر المثل الأبسط، في لعبة أسماء العلم. فالبطلة، بنت الشيخ نواف، هي شمس متوهجة بالتمرد، واسمها في الوقت نفسه شمس -!- بينما البطل الصلب المكافح بمرارة هو من آل "المرّ"، وليس عبثاً تباهي الشيخ نواف، شيخ الموالي، وتقديمه عزيز إلى ضيوفه بعد أن قضى على الضبع وهو أعزل من كل سلاح:

"-عزيز المرّ لحمه مرّ، حتى الضبع ما استطاعت أن تأكله"
(ص،265).

ترى فما الذي تعنيه صفة "مرّ" في هذا السياق؟ بكل بساطة، "المستعصي على كل عدو"، وأما الكنية "المرّ" فلا تعني إلا "الصلب"، وأكثر من ذلك، فقد تعني دون زيادة أو نقصان "البطل، "الشجاع". تعالوا، نستشير المعجم! فلن نجد فيه على الإطلاق مثل هذه المعاني. إنه التوظيف الفني الخاص. ولمن قال للكلمة معنيان: حقيقي ومجازي، وجب أن نصحح قوله ونلزمه بإضافة معنيين آخرين: الذاتي والفني. وهما متشابكان ومتكاملان. وعلى هذين الوترين المرهفين يعزف الكاتب البارع أجمل الأعمال وأبلغها تأثيراً في النفس. ويستثمر في سبيل ذلك تغيير مواقع الكلمات، تقديماً وتأخيراً، مع ضبط إيقاع تعاقب الجمل من بعد تنظيم تلك الجمل طولاً وقصراً حسب المقتضى. ونتناول من روايتنا، لا على التعين، هذا المقطع الصغير:

"بسرعة، سارت أعمال الحصاد والرجاد والدراس، فكلهم في عجلة
من أمره يريد أن يجني الغلال، يفرح بالحاضر ويضمن المستقبل،
وكلهم يعملون، يداً واحدة وجسداً واحداً فقد كان لديهم مهمات أخرى
ينبغي أن يفرغوا لها." (ص،214).

فقدم الكاتب "بسرعة" وجعلها مفتاح هذا التصوير السريع، فهي تشرح تعاقب الأعمال دون توقف "حصاد ورجاد ودراس"، مثلما هي إعلان مسبق عن الجملة الثانية "فكلهم في عجلة من أمره"؛ أما "كلهم" فتتناظر مع "وكلهم يعملون، يداً واحدة وجسداً واحداً"، لتعطي زخم التلاحم الجماعي الذي وحّد بين المهاجرين. إنها كلمات قليلة أعطت بتسلسلها الإيقاعي ونظام بنائها معنى اللهفة والتضامن الكلي، مثلما أعطت لذلك العمل الجماعي برغم قسوته طعم الفرح ونكهة الأمل والطمأنينة، في الجملة شبه الاعتراضية "يفرح بالحاضر ويضمن المستقبل"، وذاك أن الموسم الوفير جاء من بعد شتاء قاس كادوا يموتون فيه من الجوع. ولو بعثرت تلك الكلمات القليلة، أو غيرت ترتيبها، أو أضفت إليها محسنات وشروحاً لضاع الإيحاء المقصود، ولتشتت ارتباطها بالانطباع الإجمالي للتعاقب المؤثر في أثناء عملية القراءة المتصلة.

وليس هذا المقطع الصغير خير الأمثلة، بل ربما كان أقلها شأناً، لكنه جاء بمحض المصادفة ولا غاية من إيراده إلا تبيان مدى عناية ناصيف بكلماته، وبجمله الأدبية، دون الوقوع في الديباجة الإنشائية المطنطنة. وما أحوجنا في مادتنا الأدبية المكتوبة إلى هذا الأسلوب الصحيح، والدقيق، والمعبر، والجميل. سمات أربع، خصال لا غنى عنها:

-الصحة

-الدقة

-التعبير

-الجمال

لأن الكلمة المكتوبة مرجع ومستند، وهي حجة الأديب والمتأدب على حد سواء. ويتميز أسلوب ناصيف بالإضافة إلى ذلك بالتضمينات الأدبية غير المباشرة والمباشرة:

"مختالاً ضاحكاً أتى الربيع، مزدهي الألوان كالطاووس، رائع الحسن كعروس مجلّوة" (ص،291).

ولسنا بالطبع مع ربيع أبي تمام، بل مع ربيع المهاجرين المطل من بعد "ثلجة الأربعين" يوماً متواصلاً.على أن عناية ناصيف بالأسلوب تنسيه أحياناً ضرورة "تعديل العيار"، حين تتحول الرواية إلى مواقف حوارية. فالحوار شرطه البساطة، والانقضاض الخاطف على المعنى المقصود، مثلما شرطه ملاءمة شخصية المتحدث، فلكل تعابيره الخاصة المميزة له، وهذا ما لا يتحقق دائماً، كقول شمس لعزيز بالتريث في طلب يدها من والدها شيخ القبيلة لأن ذلك: "دونه خرط القتاد"!؟ تعبير موغل في البلاغة والإنشاء الأدبي الغريب دون أن موجب. ناهيك أن لغة الحوار لابد وأن تطرح على كل كاتب مبدع لدينا إشكالية الطلاق الكامل بين اللغة الفصحى لغة الكاتب والأدب- وبين اللغة العامية- لغة الكلام والحياة-، وهي إشكالية لابد وأن تفرض على الكاتب طريقته الخاصة في تضييق تلك المسافة الشاسعة الفاصلة بين اللغتين جهد الإمكان. ولكن هذه الملاحظة همسة عابرة نختم بها ما بدأناه حول وحدة التشكيل في "الطريق إلى الشمس: تشريقة آل المرّ" لننتقل دون تمهل إلى فقرة ما قبل النهاية.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244