إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
إضاءات إضافية

إضاءات إضافية

من الصعب الإحاطة بالإبداع مهما تحلّى الناقد بالأناة والتدقيق، فما الإبداع إلا حجر يلقى في بحيرة ساكنة وغاية المستطاع تحديد موقع سقوطه ومركز الدوائر المنداحة من حول ذلك الموقع. لكن، هيهات أن يستطيع أحد ملاحقة جميع تلك الدوائر، أو تحديد جميع المؤثرات في غناها اللانهائي. وفي تناولنا النقدي المحايد لرواية الكاتب السوري عبد الكريم ناصيف "الطريق إلى الشمس: تشريقة آل المرّ" سعينا جاهدين لتفهم آلية بناء ذلك العمل الضخم، وتبقى ملاحظات إضافية لابد من إيرادها:

1- يحتاج الروائي تحديداً-، إضافة إلى الموهبة وإتقان أصول البناء الدرامي، إلى الثقافة الغنية المتنوعة والخبرة والنضج. وكثيراً ما نلمس في أعمال الروائيين تفاوتاً في هذه الملكات، وعند الافتقار إليها قليلاً أو كثيراً، تقوى الرواية أو تضعف تبعاً لذلك. وقد أثبت ناصيف في هذا المجال سعة أفقه. فالرواية تتناول المجتمع السوري بأكمله، وفيها نجد، للمرة الأولى لدى كاتب من كتابنا، ذلك الاطلاع العميق على البيئات الثلاث التي يتألف منها ذلك المجتمع: بيئة الفلاحة (الريف)؛ بيئة الرعي (البادية)؛ وبيئة المدينة. وهي لديه بيئات مخترقة في العمق. ولا أدل على ذلك من ملاحقة أدق تفاصيل الحياة اليومية للفلاح، وآليات تفكيره، ومقومات سيكولوجيته، وردوده المباشرة على ما يواجهه. وانظره كيف يناقش ضرورة الاحتفاظ بالقمح للبذار، ولو جاع: "……. بالبذار أنت تبدأ سلسلة الحياة أما بالطعام فتختمها.. حبة الحنطة تلقيها في التراب فتصبح سبع سنابل وفي كل سنبلة مائة حبة أما إن أكلتها فماذا تجد؟ "(ص،159). ناهيك عن التغلغل في عمق حياة البدو ببعدها الإنساني الغني بعيداً عن النظرة المسطحة التي تكتفي بملامسة القشرة مصورة البدوي وكأنه رمز: "البدائية" -!!- واسمع عزيز المرّ يناجي نفسه في ربوع شيخ الحسنة، طراد الملحم: "كم يعرف هذا الأمير! وكم هو مطلع! "كان عزيز يقول في نفسه وهو يصغي لمعلومات تاريخية لم يسمع بها من قبل، ولحقائق سياسية ما كان يحلم بمعرفتها لو ظلّ هناك في أم العيون." (ص،418). ثم يصل عزيز إلى ربع الشيخ نواف الشعلان، شيخ الرولا: "هنا عرف عزيز معنى الامتداد الواسع والانتشار الكبير. فالرولا لا تسكن بادية الشام وحسب بل تمتد حتى صحراء الدهناء نوري الشعلان هو أشبه بالشاهنشاه أو ملك الملوك. فهو شيخ الشيوخ؛ إذا اجتمع هؤلاء حولـه (المقصود زعماء العشائر والبطون والأفخاذ) شكلوا ما يشبه البرلمان، والأمير رئيس مرأس وسيد مطاع () اتصالات الأمير واسعة، فهو مركز استقطاب الريف والمدينة والبادية. الكل يؤمه.. زعماء، شيوخ، ساسة. عزيز يشعر أنه وجد ضالته في ذاك الأمير
(
.) هو معجب بشخصيته، فهمه، سعة معارفه لديه عرف عزيز شيخ عرب السردية ممدوح الطحان، كما عرف شيخ عنزة وطيء، الجبور والفواعرة.. لكنه سرّ أكثر بتعرفه على عودة أبو تايه شيخ قبيلة الحويطات الذي جاء إلى الأمير يبشره بهزيمة أحمد جمال باشا وعصمت باشا وجيشيهما السابع والثامن في فلسطين، مؤكداً أن قوات الأمير فيصل قد تحركت من أبي الأسل إلى الأزرق للتغلغل أكثر من الشمال، وأن على القبائل العربية كلها أن تشارك في القتال." (ص،421).

وكان من شأن تلك الخبرة الشاملة لدى الكاتب أن وفق في إطلالته الشاسعة على المجتمع السوري بتلك النكهة الملحمية لنضال وحياة شعب عشية خروج آخر عثماني من أرض الوطن.

2- ومن الثوابت لدى ناصيف مما يجب التوقف عنده ملياً: إشكالية الحب. فالحب تصيّد ومصادرة حرية. والإشكال أن المرأة هي التي تقوم بعملية التصيّد تلك في أعمال ناصيف الروائية! وما أكثر ما تنسل بطلاته انسلال الأفاعي إلى فراش الذكر الذي وضع "على النيشان"، وبصعوبة كبيرة ينجح ذلك المهاجم في عقر فراشه بالفرار من خيوط العنكبوت المنسوجة من حولـه، والمنصوبة للإيقاع به وافتراسه. وليست عليا، زوجة عمران شقيق عزيز، حالة استثنائية في أعمال ناصيف الروائية. فأين هو موطن العلّة. إنها، ضمن رؤية كاتبنا، صبوة الحرية، وهذا ما تدور حوله روايته اللاحقة للتشريقة والصادرة بتاريخ 1994 تحت عنوان "في البدء كانت الحرية". فهاهنا أيضاً أنثى، زوجة هذه المرة، تحاصر ذكرها، الزوج، وتحاول إحكام الطوق حوله حتى الاختناق، فانتهى به الأمر إلى الجريمة والتشرّد، دون أن يتخلص مع ذلك من محاصرة باقي من يلتقي بهن من بنات حواء. نعم، الحب في عالم ناصيف الروائي رديف الحرية، والأنثى خصم لدود للحرية. لماذا؟ هنا يلتزم الكاتب بالتحليل الاجتماعي. فعبودية المرأة وانغلاقها على ذاتها المحدودة الآفاق من نتائج وضعها الاجتماعي تحديداً. وهذا ما يجب القضاء عليه وصولاً إلى الجوهر الإنساني الحر، وليس إلى الذكورة (الفارس الملثم)، ودون هذه القفزة الحرة  خارج أسوار الحريم، يبقى الحب حالة مستعصية في روايات عبد الكريم ناصيف. لكأن الرجل، بتقييده للمرأة، جعل من المرأة قيده الخانق، وسجنه الذي لا يرحم، فوقع في شر أعماله.

3- أمر ثالث تجدر الإشارة إليه في التشريقة: طريقة العرض. فقد اتبع الكاتب أسلوب السرد وملاحقة الأحداث بالتسلسل، ولكنه مع ذلك نجح في إغناء ذلك السرد المطرد باللقطات الراجعة أحياناً كما تعمد في أكثر من موضع الدخول على الحدث بروايته من زوايا متعددة كما حصل مثلاً في رواية الهجرة التي نسمعها من والدة عزيز، وأخته ووالده، ومن بعض المهاجرين الآخرين. ولا تتناقض تلك الروايات لأن الكاتب لا يريد أن يرصد الوعي الفردي في تباينات التقاطه للواقعة الواحدة، وتشتت الحقيقة من خلال تلك التباينات، بل هي روايات متكاملة تزيد باستمرار في غنى الواقعة المروية لأن الكاتب إنما اختار المنظور الاجتماعي والوطني ولم يتشتت في مزالق الانحرافات الجانبية، أياً كانت إغراءات الانحرافات. وقد بقي في هذا وفياً للحس السليم في ضرورة المحافظة على وحدة تشكيل عمله دون أية استعراضات هامشية. وقد ازدادت الرواية بتلك التنويعات، الداخلة ضمن إطار العرض الاجتماعي والوطني، تشويقاً ورشاقة، دون أي تشتت.

4- استكمالاً لذلك الأسلوب الواقعي الاجتماعي في العرض، حبّذا لو توقف الكاتب قليلاً لدى التفاصيل الحية الصغيرة، التي تغني الأدب الواقعي: الملابس، والملامح الشخصية، وما إلى ذلك. لو كان فعل، إذن لأمكن أن نطلق عليه بعد إنجاز ثلاثيته: "بلزاك سوريا"، ولأمكننا أن نقول هانحن، بعد "الكوميديا الإلهية" و "الكوميديا الإنسانية"، وقد أصبح لدينا "الكوميديا الوطنية". إنها وجهة نظر، لا أكثر ولا أقل، فليس لنا أن نبيع الماء في حارة السقايين!!

II - الغرب يغتال شروق الحرية

في الجزء الثاني من ثلاثيته الروائية "الطريق إلى الشمس"، يتابع الروائي السوري عبد الكريم ناصيف رصد حركة المجتمع في سوريا بعد اندحار العثمانيين أمام الهجوم الفرنسي الإنكليزي بقيادة اللنبي. لقد اكتمل شروق شمس الحرية في "التشريقة" بخروج آخر عثماني، ولكن هاهي تلك الشمس تميل قسراً لغروب بهمّة الفرنسي الذي ورث العثماني مباشرة، احتلالاً وتنكيلاً بالحريات، باسم الانتداب والوصاية "الرحمانية" هذه المرة -!!- وكنّا في دراستنا عن الجزء الأول قد بيّنا وحدة ذلك الجزء درامياً، باستثناء الهواجس التي خيمت على فصوله الأخيرة وبقيت معلّقة دون أن تفسير، وتوقعنا أن تكون هي المدخل إلى الجزء الثاني. وهذا ما حصل. فتلك الهواجس والمخاوف هي "المفصل" الذي أحكم ربط الجزئين تشكيلاً روائياً متماسكاً. ولكن "شرق/ غرب"، على عكس "التشريقة"، تنتهي بمعركة خاسرة مع الفرنسيين في سبيل الحرية فيمكننا، من الآن التنبؤ بأن الجزء الثالث الذي لم يصدر بعد سوف يتابع حركة الصراع وصولاً إلى جلاء آخر فرنسي في السابع عشر من نيسان 1946.

على أننا في هذه الدراسة لسنا بالتأكيد بصدد سوق التوقعات والتنبؤات حول الجزء الثالث المنتظر، وإنما غايتنا الآن الوقوف ملياً أمام الجزء الثاني. وبطبيعة الحال لن نعيد ترديد ما سبق إيراده، وإنما نريد توضيح الأمور التالية:

1-محور نمو الحدث الروائي في : شرق /غرب،

2-نمو وتطور شخصيات الرواية وخصوصاً الثنائي الفريد: عزيز وشمس،

3-العمارة الروائية الخاصة بالكاتب السوري عبد الكريم ناصيف.

1-الحدث الروائي:

منذ الجزء الأول تبيّن بوضوح أن ثلاثية "الطريق إلى الشمس" هي ثلاثية "الحرية" في جميع مستوياتها: الفردية والاجتماعية والوطنية؛ فآل المرّ ومن رافقهم من قرية "الريحانة" لم يذهبوا شرقاً إلا هرباً من استبداد العثماني. حركتهم نحو الحرية- باتجاه مشرق الشمس- كانت حركة سلبية. مجرد هروب.. نعم، لكن عزيز المرّ دفع تلك الحركة باتجاهها الإيجابي الفعال فإذا هي نضال توّج بدخول دمشق مع قوات الثورة العربية الظافرة. وتحقق لعزيز بذلك تحرره الشخصي بالإضافة إلى أو ضمن- تحرر وطنه، ثم زواجه من "شمسه" الغالية، "والبحبوحة" أنه أصبح من أفراد الجيش العربي الوليد: إنه الثالوث الأقدس، ثالوث الحرية والحب والخبز، في وطن حر، مستقلّ.

وها نحن في الأسطر الأولى من الجزء الثاني مع عزيز وقد أصبح شاويشاً "قدّ الدنيا"؛ فنراه يخرج من ثكنته العسكرية في حماة ويستقلّ عربة خيل متجهاً إلى بيته حيث تنتظره شمس وابنه الصغير البكر الذي سمّاه "الأخضر". ومن هناك ينطلق في مهمة لنقل معونات إلى الشيخ صالح العلي الثائر على الفرنسي الدخيل. نحن إذن قبيل دخول غورو إلى دمشق، وكانت سوريا ما تزال خارطتها غائمة الملامح. فالفرنسيون قد تمدّدوا من بيروت وطرابلس شمالاً على كامل امتداد الساحل السوري. أما دمشق وسوريا الداخلية حماة ضمناً- فكانت ما تزال تحت سلطة الأمير فيصل، الذي استمر ملكاً على سورية مدة لا تزيد على سنتين اثنتين. وتشكل نهاية الفصل الأول

مع مطلع الفصل الثاني افتتاح الحركة الدرامية لتدافع الأحداث في بؤرة موحدة: مقاومة الانتداب الفرنسي الذي امتد على كامل التراب الوطني السوري وذلك عقب إنذار غورو وامتثال فيصل للإنذار مكرهاً تسريح الجيش، وتسليم الخط الحديدي رياق/ حلب والقبول بالانتداب- وهذا ما نراه في نهاية الفصل الأول. ولكن غورو يتعلل بعدم وصول الجواب ضمن المهلة المحددة للإنذار -!!- وهاهو يقوم بشنّ هجومه باتجاه دمشق عبر ميسلون: إن المطلوب إقصاء فيصل نهائياً عن سوريا، وتلك كانت بنود اتفاقية سايكس بيكو حول تقسيم المنطقة بين الإنكليز والفرنسيين وتقاسم "التركة" العثمانية حسب توازن القوى آنذاك. الحدث الروائي محوره إذن معركة الحرية مع الفرنسي هذه المرة. وهو حدث بطولي مشحون مؤطر:

- مكاناً بمدينة حماة مع امتدادات متشعبة خارج المدينة؛

- زماناً، بالفترة الممتدة ما بين 1920 تاريخ خضوع سوريا بأكملها لسيطرة الفرنسيين، و1925 تاريخ تمرد فوزي القاوقجي غير الموفق في مدينة حماة.

- وإنسانياً، بنسيج غني من الشخصيات المتنوعة المشارب والاتجاهات منها الخيالي (شمس، عزيز، ناجية المكيّساتية) والحقيقي الموظف روائياً (فوزي القاوقجي، خالد البراوي، بدر الدين الحامد، عثمان الحوراني..)

- وموضوعاً، بالصراع الدؤوب في سبيل الحرية والكرامة على المستويين الفردي والوطني.

وها نحن مع "مربع" روايتنا:

الرسم الأول إذا ما أخذناه تجريداً بأضلاعه الأربعة المتساوية أهميةً-: مكان/ زمان/ شخصيات/ موضوع، هو مربع الأساس في كل عمل روائي، وهو ما يقوم الكاتب بتطويعه خدمة للحدث الروائي الذي يريد إبداعه حسب متطلبات موضوعه، وأهم من ذلك، حسب إمكانياته، فلكل مبدع جناحاه ولكل ذي جناحين طيران لا يطيق سواه: فلا النسر قادر على مجاراة الدوري مثلاً في القفز السريع بين المداخن وعلى الأرصفة. لا ولا الدوري يستطيع التنطح للتحليق فوق الذرى الشاهقة وبين السحب؛ مع أنهما كلاهما في نهاية المطاف من الطيور، ولكن -!!- ولا مناص من ربط تلك الأضلاع ربطاً محكماً مع بعضها وتمحورها جميعاً في بؤرة السرد التي تؤمن في واقع الحال تطور الحدث وصولاً إلى الخاتمة ويمكننا تمثيل هذا الأمر برسم ثانٍ، زيادة في التوضيح مع إسقاط واقع شرق/ غرب عليه مباشرة:

كما هو موضح في الرسم الثاني يتبين بجلاء أفق الملحمة الشعبية التي يقوم عليها عمل ناصيف الروائي في ثلاثيته تحديداً. فالمكان امتداد لا ينتهي يشمل مدينة حماة بأكملها، والريف، والبادية، بل هناك أيضاً قفزة في الفصل الثاني إلى دمشق حيث تفوت على البطل عزيز وصبري بديوي فرصة المساهمة في معركة ميسلون، لكنهما يحضران دخول غورو إلى دمشق ومهزلة فك خيل عربته وقيام بعض الوجهاء بجرها بدلاً عن الجياد -!!-* وهناك أيضاً قفزة أخرى باتجاه جبال اللاذقية، ثم تخليص إبراهيم هنانو من كمين فرنسي. وما أبرع ناصيف في نقل أبطاله عبر المسافات الطويلة والبيئات المختلفة، بدراية عميقة جغرافية واجتماعية لا تضاهى. هو لا يريد مجرد إثارة قضية وطن بأكمله على امتداد أراضيه المترامية وفئاته الاجتماعية المختلفة، بل يعكس أيضاً المفهوم العميق الراسخ لديه للنموذج الروائي الذي سبق أن بينا كيف استقاه مباشرة من الملحمة الشعبية الشهيرة، ملحمة بني هلال وهل يمكن لأبطال بني هلال الميامين (أبو زيد، دياب بن غانم، وغيرهما كثير) الاستقرار في مكان واحد؟!- فهاهم أبطال ناصيف إذاً وقد ورثوا عادة أسلافهم الهلاليين في معانقة كل الآفاق الرحبة لكن بقضية وطنية محددة هذه المرة وببطولة تظل ضمن الشرط الإنساني والاجتماعي ولا تخرج باتجاه الخارق المجاني. وفي مدينة حماة نفسها نتعرف إلى جميع أحيائها: الحاضر، سوق المقبي، سوق العتيق، سوق المدينة وطبعاً لابد من وقفة مع العاصي ونواعيره ناهيك عن الإطلالات التاريخية حيث نتعرف إلى ضريح أبي الفداء في حماة وضريح الإمام اسماعيل في السلمية بالإضافة إلى بعض البقايا الأثرية من أسوار وآثار عمران في مدينة السلمية -!!- المكان لدى ناصيف حافل غني متنوع: مروحة يد تنفتح حتى تعانق 380 درجة بالتمام والكمال. وبمثل هذا الانتشار المكاني الرحب تأخذ الشخصيات والأحداث "الناصيفية" مافيها من زخم وشمول.

والزخم والشمول على أفق ملحمي مترامي المساحات هما أيضاً سمة الموضوع والزمان والشخصيات. فالموضوع الخالد لدى ناصيف: الإنسان والوطن والبعدان المحوريان في حركة الوجود والمجتمع: الحب والحرية ويتعانق هذا الموضوع عناقاً حميماً مع الزمان بحديه: التقطيعات السردية التي تمليها ضرورات تنامي الأحداث وتنوع الشخصيات والمواقف، ومن ثم تكامل ووحدة تلك المسرودات المقطعة الأوصال شكلاً، المترابطة عضوياً ووعياً وإيحاءً، وغاية عليا يسعى إليها الكاتب دائماً. فالزمن الروائي هو بالضرورة زمن الوعي، ولحظة الوعي هي الديمومة المطلقة عبر انقطاعات السرد المتفرقة. وترفد الشخصيات الناصيفية أخيراً هذا الأداء الملحمي المتشابك فهي ذات نسيج اجتماعي وأخلاقي، وسيكولوجي، في منتهى التنوع والتداخل والتعارض ويختلط فيها في روايتنا موضوع الدراسة والتحليل، الوثائقي بالخيالي، والصراع الداخلي بين نوازع البطولة والتخاذل والأمل واليأس والميل والنفور بالصراع الخارجي مع قوى التسلط واستلاب الحريات والكرامات.

فإذا ما رجعنا إلى الحدث الروائي في شرق/غرب وجدناه على وجه الدقة يتسلسل على مراحل متوازية ومتكاملة، حسب المستويات المختلفة المطروقة. فعلى المستوى الوطني السياسي لدينا المراحل التالية:

-التحرك العفوي: المظاهرة الدموية التي تحركت بقيادة بطل حيّ الحاضر، محمد الحبّال.

-التجمع والتنظيم: النادي الأدبي الناشئ في حماة ورجالاته: عثمان الحوراني، إبراهيم الشيشكلي، سعدو الزعيم، وقد انضمّ إليهم عزيز المرّ مع بعض رفاقه "الشعبيين".

-المبادرة إلى التحرك السلمي المنظم: التعامل مع لجنة كرايمر ثم القيام باحتفال حاشد فيما بعد لتجديد بناء قبر أبي الفداء وهو الاحتفال الذي تحول إلى مجزرة بعد أشعار بدر الدين الحامد "الساخنة".

-القيام بالتحرك المسلح: تمرد وحركة فوزي القاوقجي مع بدء الثورة السورية الكبرى وانتهاء تلك الحركة بقمع فرنسي وحشي لمدينة حماة التي أبيحت عملياً إثر فشل الحركة.

أما على المستوى الفردي فلدينا أكثر من محور. فأولاً محور شمس بنت الشيخ نواف ومراحل ذلك المحور:

-الحلم الوردي      : وهو حلم نلمح بقاياه في مطلع الفصل الأول فقط. ويعود أصداء حب في لحظات اللقاء الحميمة بين شمس وعزيز على امتداد الرواية

-التشتت والحيرة    : بعد تسريح عزيز إثر حل الجيش العربي الوليد مع دخول الفرنسيين.

-التردد والتراخي    : مع "شبه القبول" بتطوع عزيز في الجيش الفرنسي استعادة لـ "أبهته"، ومع التهاون بغنج ودلال إزاء مغازلات خالد البراوي، وحسني الدباغ وحتى الكابتان الفرنسي جيرار.

-استعادة الثبات     : بعد طرد حسني، وخالد، ومقاومة الكابتان جيرار، وإثر اعتقال عزيز بنتيجة المصادمات الدموية التي جرت في نهاية الاحتفال بتجديد قبر أبي الفداء.

-الرجوع إلى الحب والحرية: بعد قتل جيرار واللقاء مع عزيز في موقف درامي مؤثر في السطور الأخيرة من الرواية.

وثانياً محور عزيز المرّ المكمل لمحور شمس ومراحله الموازية هي:

-الحلم الوردي      : قبل التسريح من الجيش العربي الذي شكله فيصل واكتمال حلم الاستقلال.

-خروج العثمانيين   : وحلم الحب /الزواج من شمس/.

-التشتت والحيرة    : بعد التسريح والبحث عن عمل بديل إلى حين الاهتداء إلى تجارة الجبن.

-التردد والتراخي    : الحيرة بشأن الانضمام إلى إبراهيم هنانو أو الالتحاق بالشيخ صالح العلي، والعلاقة الرجراجة مع خالد البراوي وحسني الدباغ ولاحقاً مع الكابتان جيرار.

-استعادة الثبات     : بعد كشف تخاذل حسني، ووحشية خالد، والوجه الاستعماري القذر للكابتان جيرار الذي قرر أن يحضر عمليات تعذيب عزيز في السجن و"تركيعه" بالإذلال والتعذيب.

-الرجوع إلى الحب والحرية: بعد إمكانية الفرار من السجن ومشاركته في ثورة القاوقجي، ونجاحه شخصياً مع بعض العناصر التي كلّف بقيادتها، نجاحه في الاستيلاء على مخفر الحاضر وأسر الجنود الفرنسيين فيه، وأخيراً التحاقه بشمس بعد فشل ثورة القاوقجي.

ولدينا مقابل هذين "المتوازيين" متوازيان آخران: محورا خالد البراوي وحسني الدباغ، مع فارق طفيف: ثعلبية وتهافت التاجر لدى حسني، مقابل شراسة وعنجهية الإقطاعي في شخصية خالد، لكنهما كلاهما ينتقلان في الرواية على مرحلتين اثنتين:

-بقناع              : حين التذرع بالأخذ بالتعقل والتعامل المنطقي مع الواقع (القبول بالفرنسي، وأكثر.. التعامل والتنسيق معه) وحين التظاهر بصداقة عزيز و احترام زوجته، البدوية." السافرة"‍‍‍‍‍!!

-دون قناع          : حين الوقوف صراحة مع الفرنسي ومناصرته على الثائرين في حماة من جانب، ومحاولة الإيقاع بعزيز والقضاء عليه بعد فشلهما في اغتصاب "البدوية" التي توهما أنها سهلة المنال!!

ولدينا في النهاية محور خامس في غاية الأهمية، ألا وهو المحور الفرنسي ويمثله الكابتان جيرار، ويتجلّى على التوازي مع محوري التاجر والإقطاعي بمرحلتيه هو الآخر:

-المقنّعة            : حيث محاولة الظهور بمظهر التمدن والإيمان بالحرية والتقدم و العلم!

-وغير المقنّعة      : حيث يسفر عن وجه البطش وما يحمله من حقد عنصري، وعرقية مغرورة.

بطبيعة الحال، لابد من محاور إضافية "رافدة"، لكنها جميعاً تلتقي مع هذه المحاور الخمسة أو تزيدها غنى ووضوحاً، في حركة التصادم التي جعلها البناء الدرامي حتمية لا مهرب منها، بين عزيز وشمس ومن لفّ لفهما من جانب، وبين خالد وحسني وجيرار من جانب آخر. وكيف لا يكون صدام والمرحلة الأخيرة في الجانب الوطني المناضل في سبيل الحرية والكرامة هي استعادة الثبات والرجوع إلى الحب والحرية بينما المرحلة الأخيرة في الجانب المعادي المستغل- هي خلع القناع وإبراز الوجه السافر القذر للإقطاعي المتوحش، وللتاجر المراوغ المتهرب، وللاستعماري المستبد الباطش؟! إنه بناء درامي أحكمت حلقاته تسلسلاً منطقياً متدرجاً نحو لحظة الإنفجار التي بلغت أوجها في حركة القاوقجي المسلحة الشاملة على امتداد مدينة حماة لكنها للأسف لم تكلّل بالنجاح، لعدم تكافؤ القوى من جهة، والافتقار إلى عنصر المباغتة الذي لم تنجح الحركة المسلحة في تحقيقه. إنه الفشل نعم، لكن دون يأس. وهيهات أن يرد اليأس العميق في عالم ناصيف المبني على أسس البطولة الشعبية التي تعانق دائماً وأبداً الأفق الملحمي منطلقها ومنتهاها. وبذور الأمل نراها مباشرة في لقاء عزيز وشمس المفعم عنفواناً وحباً في نهاية العمل، مثلما نتلمّسها دون كبير عناء في قتل شمس للكابيتان جيرار، وفي قتل خالد على يد أحد "مرابعيه". وهذه الومضات في ليل الهزيمة هي دون أدنى شك بشائر الانتصار المؤجل والمقبل حتماً، حسب كل الظواهر، في الجزء الثالث الذي لم يصدر بعد.

2-تطور الشخصيات:

الشخصيات الروائية في عالم ناصيف الخيالي لا تهدأ على حال. إنها في تطور مستمر تفاعلاً دائماً مع الأحداث: تجاوزاً لواقعها أو خضوعاً له وانسحاقاً تحت وطأته. وقد تصل بها هذه الحركة إلى حد الانقلاب الكامل كما حصل بالنسبة لشمس، بنت الشيخ نواف، على امتداد الجزءين الأولين من هذه الثلاثية، وهو ما سوف نتابعه تفصيلاً بعد قليل. هذه الحركية المتطورة دوماً وأبداً هي ما تتمايز وتتميز به هذه الشخصيات من أبطال الملحمة الهلالية الشعبية، آبائها الروحيين "إذا جاز لنا هذا التعبير. وبهذه الحركية تتوافر الإمكانية لدى ناصيف لشحن تلك الشخصيات الخيالية بكل أبعادها الإنسانية، وإعطائها المساقط الاجتماعية والسياسية والفردية حسبما تملي عليه رؤياه الفنية والفكرية الخاصة به. نعم، لعبد الكريم ناصيف رؤية مستقلة، واستطاع أن يطوّع لتلك الرؤية التعبير المتفرّد والملائم في آن معاً. وإذ توافر لديه الصدق مع الذات ومع الأداء الروائي، أمكنه أن يحقق إبداعه الأصيل ضمن إطار الحركة الأدبية السورية، مستقلاً بإقليم في منتهى الخصوصية والتباين و.. الغنى، داخل "جمهورية" الآداب في سوريا. وهذا الأمر سوف نتناوله في القسم الثالث من هذه الدراسة، لكننا الآن سوف ندخل مباشرة بعد هذه المقدمة الشديدة الإيجاز إلى صلب عالم الشخصيات في "شرق /غرب" ونبدأ بالشخصية الأهم: شمس. ونمضي بعدها مباشرة مع عزيز.

أما شمس فلها الله من شخصية إشكالية بدأت في "التشريقة" بحرية ملثمة، معانقة قضية تحرر المرأة، وانتهت في الجزء الثاني من الثلاثية بحرية سافرة تحقق لها أن تعانق بعد لأي- قضية تحرر الوطن!! وبين الحريتين صيرورة طويلة الاختمار على مراحل ومراحل. فبالحب أمكن لشمس في البداية أن تخلع لثامها وتعود عن تقمص شخصية "الذكر" لكن الحب لم يعدُ الشوق والقلق في "التشريقة"، وها هو يعرف الطمأنينة وإرواء الشوق في القسم الثاني حيث تتفتح شخصية شمس الأنثوية "المحررة" رقة وعذوبة، وأنوثة طاغية، وأمومة حانية فهي، مصداقاً للحديث الشريف عن خير النساء، الودود الولود، بكل تأكيد، عاجلاً أم آجلاً:

".. كان لا بد من أن تضحي بتلك الحرية [الملثّمة] الزائفة لتحصل على الحرية الصريحة الخالصة" (ص170) وهل يمكن لحرية حقة أن تتخفى وراء لثام، حين الشرط الأول للحرية المواجهة والتحدي؟! وما أبسط وما أعمق ما كانت تبغيه تلك المهرة البرية الشموس! ".. أنا إنسانة قبل أن أكون أنثى، أنا كائن بشري قبل أن أكون امرأة! "نعم، ما كانت تريد سوى تحقيق إنسانيتها ولا تتحقق إنسانية دون الحرية، لا ولا دون اكتمال "الأهلية". لكن عبثاً ما حاولت في صراعها مع عالم الرجال "الفحول". وخصوصاً مع الإقطاعي خالد البراوي في نهاية الفصل الثامن، توصيل هذه الحقيقة أو بالأحرى هذه البديهية الساطعة سطوع الشمس. وهنا كان لزاماً عليها في نهاية نضوج وعيها، إدراك ضرورة وضع بعض الضوابط السلوكية اجتماعياً درءاً للشبهات، وإبعاداً لشهوات الطامعين، خاصة بعد أن لسعتها الصفة التي أطلقها الضابط الفرنسي جيرار عليها، أنها "كوكيت" أي "مغناج عابثة"!!

ومن الأمور التي وجب على شمس "التطور" فيها الخجل من الجسد، والتخلص من عقدة الدنس والخطيئة. وقد تطلب النجاح في هذا الميدان من عزيز صبراً ومواظبة (ص89-88) ففي البداية: "العري يُخجل.. يُخجل"، لكن بعد التأني والإلحاح واللطف: "أتعرى لكن ليس قبل أن تطفئ النور"، وهذا ما كان ثم بمزيد من اللطف والإلحاح: "بدأت تسمح له بإناسة المصباح ثم باتت تتغاضى ناسية أو متناسية.." وحجة عزيز: "أن الثياب رمز للابتعاد عن الطبيعة، أقنعة للزيف.. فلتذهب الأقنعة إلى الجحيم وليكن مع زوجته ابنين بارّين للطبيعة لا يعرفان معها زيفاً ولا أقنعة.."

بقي على شمس في سياق الحدث الروائي المتطور صعداً نحو الوعي والمواجهة أن تتخلص على مراحل من رواسبها "الحريمية" المولعة بالظهور، والسلطة، والجاه، وصولاً إلى الموقف السياسي والوطني الثابت. فهي من بعد ضعفها أمام إغراءات دخول عزيز إلى الجيش الفرنسي، ومحاولتها دفع زوجها في هذا الاتجاه بتحريض و.. وسوسة من خالد البراوي عرفت في خضم الصدامات الدموية بين الفرنسي وبين أبناء حماه مدى الخطأ الذي كان مسيطراً على أفكارها فهي بالتالي قد أكملت في الجزء الثاني من الثلاثية مراحل نضجها: عاطفياً، واجتماعياً، وسياسياً، استكمالاً لا غنى عنه للشرط الإنساني الكامل الذي كانت تصبو إليه حين لبست "اللثام" في الفصل الأول ولم يتحق لها منه آنذاك سوى طيف حرية زائفة باهتة.. متخفية.

وماذا عن عزيز، خيّال تلك المهرة البدوية النادرة؟ هو الآخر يتابع نضجه السياسي والعاطفي و.. الحياتي. ونبدأ من التأقلم مع واقع الحياة الذي كان دوام حاله من المحال. فإذ أحيل إلى الحياة المدنية بعد تسريح جيش فيصل العربي، أصبح دون أي عمل. واضطر إلى التجارة بالجبن والسمن لكسب قوته وقوت أسرته. وأحسن في نهاية الأمر التكيف مع ظرفه الجديد دون أن يتخلى، رغم ذلك، عن أخلاقيته ونبله. فلم ينصرف إلى التجارة بكل كيانه واضعاً الربح، والربح لا غير، غايته المثلى وأمله المنشود، وهذا ما عرّضه بادئ الأمر إلى بعض الهزّات لكنه سرعان ما أحكم الإمساك بالدفّة. وساعدته أخلاقيته على إنضاج وعيه السياسي، وتوظيف "سياحته" التجارية بحثاً عن الجبن والسمن لتوزيع المنشورات، والحض على مقاومة الفرنسي، والتبشير بالاستقلال والحرية. وكان قد انضم إلى النادي الأدبي في حماه وأصبح عضواً فعالاً داخل تلك البوتقة الوطنية الغضة التي قدّر لها فيما بعد من يدري.. ربما شاهدنا ذلك في الجزء الثالث من "الطريق إلى الشمس"! أن تكون مرتكز السياسي السوري الراحل أكرم الحوراني، وهو تحديداً ابن أخ عثمان الحوراني أحد مؤسسي النادي الأدبي. ومن خلال ممارسة العمل السياسي التنظيمي أولاً، ثم العسكري ثانياً خاصة ضمن حركة القاوقجي المسلحة- تبلورت حريته الشخصية وتكاملت أيّما تكامل مع حرية الوطن، ومع نهضة المجتمع، كل المجتمع، في زخمه المتدفق للإمساك بمقاليد قدره وتاريخه. وجاء الحب أخيراً ليرفد شخصية عزيز ببعدها الإنساني المؤثر، تلك الشخصية التي كانت أسيرة الخوف من الأنثى التي تتسلل إلى صميم كيان الذكر فتسلبه حريته وإرادته، وتحاصره داخل شرنقة التناسل وغريزة التملك و"المصادرة": ركنا عالم "الحريم" التقليدي. وجاءت شمس المخلصة المنقذة لتكون عوناً لتفتح حرية عزيز إذ شمس هي الأنثى المحررة، ولا علاقة لها بالنماذج التي كانت مبعث قلق فارسها المحبوب، تلك النماذج التي نراها في الجزء الثاني ممثلة في أكثر من امرأة داخل أسوار حريم مدينة حماه وليست زوجة حسني وحيدة في هذا المجال حركة دؤوبة متطورة باستمرار وفق قانون تراكم الخبرات، وجلاء الوعي كلما وضعت الأحداث شخصيات الرواية على المحك، تقاعس التاجر حسني، خيانة الإقطاعي خالد ووحشيته، قوادة "المكيّساتية.. وهي حركة عمادها الحب، ووجهتها الحرية: حرية الفرد من ذكر وأنثى- وحرية الوطن. ورغم لحظات الضعف والحيرة، فإن اليأس يظل بعيداً عن شخصية عزيز التي أرادها الكاتب- مدفوعاً بنموذجه "الهلالي" المسيطر شخصية بطولية من البداية حتى النهاية.

ومن بعد شمس وعزيز تطل الشخصيات "المضادة" لتخلق حركة الصراع ولتدفع الحدث الدرامي إلى التنامي باتجاه ذروة المواجهة حيث يتم "حبك" جميع الخيوط في نقطة الحسم، وهناك تكون القفلة الختامية. وهذه الشخصيات المضادة تتجاوب هي الأخرى في "شرق/ غرب" مع رؤية الكاتب الديناميكية، وتتفاعل مع الحدث المتغير. فهذا حسني ينطلق من الحب بالأحرى الاشتهاء- الصامت، إلى الاستخذاء الكامل ركوعاً ذليلاً تحت قدمي معبودته المشتهاة، ويطرد لأول مرّة، ولكن امتناع شمس عن إخبار زوجها بما كان من نذالته، يطمعه أن يجدد عزيمته، فيزيد من تهالكه وتهافته لينال أقصى ما يستحق من احتقار، فهو في حضيض الذل والمهانة، ويطرد نهائياً إلى غير رجعة من بيت شمس. ورغم نذالته وافتقاره لكل تعاطف وطني، فقد عرف بعض مشاعر الندم عندما اضطر للوشاية "بصديقه" عزيز لدى اشتراك هذا الأخير في أول مظاهرة معادية للفرنسيين. ويدفعه ندمه ليزور بيت "الصديق" وحين يعلم أنه قد غادر حماه دون أن يقبض عليه، يتنفس الصعداء كما يقولون. ولكنه بعد أن يُمنى بالفشل الذليل النهائي يفقد حتى هذا الومض الخافت تحت الرماد، ويفرح لسجن عزيز، مثلما يغتبط ويتعزى- لفشل خالد هو الآخر مع شمس. فماذا عن ديك الحبش خالد، ذلك الإقطاعي المنفوخ حتى الانفجار، تهتكاً، وبطشاً، واستعلاء؟ هو أيضاً يلبس لكل حالة لبوسها: الدماثة والمودة مع عزيز وشمس، الصداقة "الحميمة" مع جيرار، الأفعوانية الناعمة اللطيفة مع ناجية لدى توسطها في "القوادة" من أجل الحصول على شمس بالحيلة والخداع. نعم، كل تلك الصفات مجرد أقنعة، لكنه يتحرك أيضاً.. من الأعماق الدفينة، فالتعلق بشمس انغرز فيه حتى لب العظم، وتفانيه تجاهها لم يكن مجرد وسيلة للكسب والتأثير: إنه إعجاب حقيقي، وشهوة متعاظمة، و.. بداية حب، إن كان لمثل خالد أن يعرف الحب في يوم من الأيام. وأي عجب في ذلك وشمس نموذج فريد لم يتعرف أبداً على ما يشبهه سابقاً! وهذا التعلق الشديد تحوّل بعد الرفض المرّة تلو المرّة، وبكل حزم وقسوة و.. تفوق، إلى حقد ورغبة ملحّة في الانتقام، صبّها الإقطاعي، المهان في أبهته وتجبره و.. عشقه، على عزيز القابع في السجن. فحرّض عليه جيرار الكابيتان الفرنسي، الذي حوّلته هو أيضاً، ثورة حماه بقيادة القاوقجي إلى وحش كاسر بعيداً عن كل دعاوى التمدن والعلمنة والديمقراطية. وكان من أوهامه أن يجعل من "افتراس" شمس المحتجزة في فيلته الفخمة استراحة المحارب بعد كسب الجولة على القاوقجي، ولكن.. طاش سهمه عن مرماه، ودفع حياته ثمناً لشراسته وتبجّحه، إذ قتلته شمس بخنجرها الذي كانت قد خبأته، احتياطاً، تحت ملابسها. وخالد ذاق طعم الموت قتلاً، وشرب من كأس جيرار.. لكن على يد أحد فلاحيه، وللسبب نفسه. فالفلاح الشاب كان عريساً، وكان من عادة خالد تحصيل "حقه" في الليلة الأولى من كل عروس، فوفاه ذلك الفلاح المتمرد حقّه الصحيح هذه المرة: ورود منهل الموت قتلاً، وهو المورد الذي لا غنى لأي مستبد عن وروده يوماً ما.

فهل انتهت سبحة الشخصيات الناصيفية في شرق /غرب؟ والجواب بالنفي لا شك. فالقارئ الملاحق لناصيف في أعماله الروائية يعلم حق العلم أنه دائماً مع حشد "يطال في تنوعه جميع الشرائح والفئات الاجتماعية والإنسانية. فها هنا ناجية، مكيّساتية الحّمام. ذلك النسيج العجيب المتناقض: إخلاصاً وغدراً، تعففاً وطمعاً، شرفاً و.. قوادة. إنها ببساطة امرأة توفي زوجها و"برقبتها" أولاد ومسؤوليات، وعليها أن تتقن فنّ الواقع والممكن حتى النهاية. ولدينا والدة عزيز التي جعلها سجن ابنها طريحة الفراش، ثم أودى بحياتها ذوب حنان وألم. ومقابل الوالدة، ينتصب الوالد "الصخري"، دون أن تعفيه صخريته من التهاوي حيرة وحزناً، خصوصاً بعد أن طرق جميع الأبواب في محاولاته الدؤوبة لإطلاق سراح عزيز. وكان يمكننا أن نعرّج على أصدقاء عزيز جميعاً، مثقفين وغير مثقفين، من جماعة النادي الأدبي، لكننا سوف نتوقف عند هذا الحد، مع التأكيد على كثافة الحضور الإنساني الشمولي صفة مميزة من صفات الرواية موضوع هذه الدراسة، مثلما هي صفة جميع الأعمال الأخرى للكاتب.



* يذكر السياسي السوري الراحل المرحوم خالد العظم تلك الواقعة في مذكراته وقد رآها بأم عينه لكنه يوضح أن المعنيين هم شباب عائلة محددة بالذات يورد اسمها دون مواربة، ولا نعلم المصدر الذي استقى منه الكاتب معلومته على عكس ما أوردها خالد العظم بحيث أصبحت الخيول البشرية: حشد وجهاء!!

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244