إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

العمارة الروائية الناصيفية

الإبداع عمارة، وقيل "تشكيل"، فدعونا لا نختلف على قشور التسميات وانظر إلى العمارة الحقيقية ومادتها: حجر! ألا فما أروع ما أبدع العمران البشري من هذا الحجر! والخيال المبدع والحس الجمالي، والشعور المرهف، والمهارة المذهلة والحاجة، كمالية كانت أم ضرورية، هي أيضاً من وراء العمارة الأدبية، حيث لا مادة للبناء سوى: الكلمة! فانظر إلى الكلمات تتنسق جملاً، وإلى الجمل تتجمع وحدات تعبيرية، ليكون من ثم مقاطع وفصول متعاقبة، متجاوبة الأجزاء رغم التباعد عبر مساحات السرد! وهي دائماً في تجاوبها المتناغم متلاقية في بؤرة محورية: علة وجودها وسبب انتفاضها حيّة نابضة، شخصيات وأحداث مواكبة على التوازي لعالم الواقع، لكأنها البديل الأدبي لعالم "المثل الأولى"، مثلما هي مقياس القيمة الذي لا غنى عنه للوجدان الإنساني. وإذا ما بلغت المهارة والموهبة الغاية القصوى لبست الكلمات (طاقية الإخفاء) ونجحت عملية التخييل والإيهام فلا يرى - أو يسمع القارئ أو المستمع -إلا الشخصيات والأحداث المروية. ولكن القارئ - والمستمع- لدى تدقيق النظر والتأني لا بد لهما من كشف وتبين إحكام "لعبة "الوظيفة الأدبية الإيحائية للكلمات، وهو في هذا المجال في حيرة من هذا "القاموس الأدبي اللامتناهي" الكامن في صلب قاموس اللغة المحدود، فمنه لكل كاتب لغة داخل اللغة، مثلما لكل منهم توظيفه الخاص والنوعي لذلك المعطى العام: الكلام! فأين حيدر حيدر المتفجر والمتحقق كلمة شعرية مذهلة الحضور والتدفق، من زكريا تامر المتواري خلف كلمة "محايدة" ويا له من حياد يفكك أوصال الواقع ويعيد بناء تداخل اللاشعور بالشعور! علماً أنهما معاً يتعاملان مع لغة واحدة، هي على ذمة الجميع لغتنا العربية دون زيادة أو نقصان! وما ذاك إلا أن العمارة الأدبية أعطت لمادة الكلام تشكيلاتها المتباينة المتمايزة. ترى، فأين عمارة ناصيف في ثلاثيته، تحديداً هذه المرة في "شرق/ غرب"؟‏

عبد الكريم ناصيف كلاسيكي الانتماء الروائي ما في ذلك أدنى شك، ولا تعني الكلاسيكية لنا في هذا السياق إلا وقوف الكاتب على أرض صلبة من يقين راسخ ونظام ووفاق، فلا يعرف ذلك الكاتب أي وضع إشكالي مع ذاته أو مع نصه أو مع راويته -إنه في النهاية الكاتب الراوي.. بل والمعلق أحياناً-، مثلما هو في اتفاق لا تشوبه شائبة مع قارئه: فهذا يريد "الحكاية" وذاك يتطوع ليقصها عليه وفق لعبة.. مشتركة ومنسقة. نحن إذن على تخوم الانتقال من المشافهة إلى الكتابة ودفء الكلمة يدغدغ المشاعر، إذ هي الجسر الحميم - المتفق عليه بالتراضي- بين المرسل، كاتباً وحكواتياً وبين المتلقي، قارئاً ومستمعاً مشغوفاً. ويزيد ناصيف على هذا العالم الروائي الواضح المعالم خصوصيته الأولى: آفاق الملحمة الشعبية الهلالية، ثم خصوصيته الثانية: تحويله لتلك الملحمة إلى "رموز" وطنية.‏

بادئ ذي بدء لا بد من وقفة مع روايته "شرق /غرب": فلكل رواية "حكاية" تحكيها، فما تكون حكاية الجزء الثاني من "الطريق إلى الشمس"؟‏

-يقوم الفصل الأول بدور الافتتاحية حيث يتم تقديم البطلين المحوريين: عزيز وشمس وقد استقر بهما العيش الهانئ في وسط حي الحاضر في مدينة حماه، عزيز شاويش في الجيش العربي بعد جلاء العثمانيين، وشمس زوجة محبة ولود: فقد ولدت الابن البكر "الخضر" وهي حامل على وشك وضع المولود الثاني. وتسود في الأفق بعض الغيوم: فالإشاعات تتحدث عن أطماع الفرنسيين الذين كانوا عملياً قد سيطروا على الساحل السوري، لكن هناك ثورة الشيخ صالح العلي التي يزودها "الداخل" بالسلاح، وعزيز شخصياً يتغيب في الفصل الأول منتدباً لنقل المساعدات إلى الشيخ المقاتل في الجبل القريب، ذلك الشيخ الذي عقدت على مقاومته الآمال في دحر الفرنسيين كما تحقق اندحار العثمانيين، على أن نهاية الفصل تفتح البوابة العريضة للدخول إلى حكاية الرواية، حيث يتلقى عزيز، عقب عودته من لقاء الشيخ صالح العلي، خبر تسريح الجيش نزولاً عند إنذار الجنرال غورو، وقبول الانتداب الفرنسي.‏

-يستكمل الفصل الثاني رسم معالم افتتاحية "شرق /غرب" والفرنسيون يهاجمون دمشق انطلاقاً من بيروت - رغم قبول الانذار والانتداب!! ويتنادى أفراد الجيش العربي للتجمع تحت قيادة يوسف العظمة، ولا بد طبعاً أن يكون عزيز ورئيسه صبري بديوي من بين المتحمسين وها هما يتوجهان إلى دمشق، لكنهما يصلان متأخرين وموكب غورو يخطر بزهو في دمشق. وبعد الإقامة لعشرة أيام في دمشق عند صديقه صبري، يعود عزيز إلى حماه محطّم النفس والآمال، وأهم من هذا وذاك، فهو عاطل عن العمل. وفي فترة البطالة هذه يزور قريته ومضارب قبيلة زوجته شمس ويستقر رأيه في النهاية على أن "يتعيش" من تجارة السمن والجبن، وهنا تكتمل الافتتاحية، فقد أصبحنا في لب حكاية هذه الرواية، وأمام الحدث المحوري: حلول الاستعمار الفرنسي محل الاستعمار العثماني وما يستلزم هذا الواقع الجديد من معارك جديدة قديمة، فكأن جميع المجهودات التحررية التي رصدها الجزء الأول قد ذهبت هباء، وعاد البطل إلى .. نقطة البداية، وقد تحول من الحياة العسكرية المجيدة إلى حياة التجارة هذه المرة.‏

-تتابع الفصول الثلاثة التالية من ثم استعراض المحاور الفرعية والشخصيات الرديفة: الإقطاعي خالد البراوي، والتاجر حسني الدباغ -وأم عمر التي تعمل مكيساتية في حمام (النسوان)، وحتى الكابيتان الفرنسي جيرار، والجميع من "أصدقاء" عزيز وشمس، ومن رواد "صالون" شمس التي كان لديها الجرأة على استقبال الزائرين ذكوراً وإناثاً في بيتها، إنها ابنة الشيخ نواف، وبيتها في الحاضر قد أصبح موازياً لمضافة والدها في البادية. وضمن سيرورة تطور الحدث الدرامي نلمح أول مواجهة عنيفة مع الفرنسيين في المظاهرة التي ترأسها بطل حي الحاضر محمد الحبّال، واشترك فيها عزيز وكاد يقبض عليه لولا نجاحه في آخر لحظة بالاختباء داخل أحد البيوت، ومن ثم، ها هو يغادر حماه بناء على نصيحة زوجته متخفياً إلى حين هدوء الأحوال. ويتعاظم الضغط الفرنسي ونعلم في الفصل الرابع أن الشيخ صالح العلي قد انهزم في الجبل، مثلما نعلم في الفصل الخامس أن إبراهيم هنانو قد فشل هو الآخر في حركته المسلحة.‏

-ننتقل مباشرة في الفصلين السادس والسابع إلى تأزم الخط الموازي لحرية الوطن المسلوبة بوجود الاستعمار، وهو خط الحرية الشخصية المهددة هي الأخرى بالاغتصاب ممثلة هذه المرة بمفهوم "القنص" الراسخ لدى الذكر حيال كل أنثى يتوهم أنها في متناول اليد. والقنص هذه المرة يهدد شمس المحاصرة بثلاثة صيادين: التاجر حسني الدباغ، والإقطاعي خالد البراوي، والضابط الفرنسي جيرار، والجميع يريد اقتناص هذه الفريسة المغرية شكلاً ومضموناً. وتحقق شمس في هذين الفصلين حريتها وتثبت جدارتها بالثقة التي أولاها إياها عزيز عندما تطرد حسني في المرة الأولى (الفصل السادس) لكن.. بالحسنى والذوق، ثم عندما تمسح به الأرض وتخرجه نهائياً من البيت، طرداً ذليلاً لا رجوع فيه.‏

-وتستكمل شمس شروط حريتها، وكرامتها عندما تطرد الإقطاعي الشرس خالد، على مراحل هو الآخر، في الفصلين الثامن والتاسع، وعندما ينال هو الآخر حصته من الإذلال والاحتقار.. بكل حزم وقوة، يخرج نهائياً من بيت شمس ومن حياتها. لكنه، انتقاماً وضيعاً لشخصه غير الكريم، يحرض الضابط الفرنسي جيرار لتعذيب الموقوف في السجن، كما يحرضه على الإيقاع بشمس!! ونكون على مدى هذه الفصول الأربعة 6-7-8-9 قد اطلعنا على التوالي، على تطورات محور التحرك الوطني في وجه الفرنسيين:‏

-إنشاء النادي الأدبي تغطية لذلك التحرك.‏

-مقابلة لجنة كرايمر الدولية وتقديم العرائض الرافضة للانتداب ولتقسيم سوريا إلى دويلات.‏

-القيام بتجمهر شعبي كبير احتفالاً بتجديد ضريح أبي الفداء بمبادرة ذكية من النادي الأدبي وهو الاحتفال الذي تحول إلى صدام دموي، أبلى فيه عزيز خير بلاء لكنه وقع بين أيدي الفرنسيين وأصبح رهن التوقيف في الحبس.‏

يستطيع القارئ أن يخمن أن الأحداث قد دفعت نحو أوج "الحبكة" حيث لا بد من صدام حاسم، وحل عقدة الرواية بالوصول إلى خاتمة هذه "الحكاية" المتحركة على محوري: الحب والوطن، اللذين هما مرتكز الحرية والخبز والكرامة. وبالفعل، فمن بعد تشتت رجالات النادي الأدبي، ومن بعد سجن عزيز، يبقى في الميدان الضابط الوطني فوزي القاوقجي الذي يتظاهر بالتعاون مع الفرنسيين لكنه يسعى خفية لدحرهم -على الأقل في حماه- ويخطط بهدوء للحركة التي يبدأ بها بتوقيت منسّق مع الثورة السورية الكبرى عام 1925. ويشترك في هذه الحركة عزيز نفسه بعد أن يكون القاوقجي قد أمن له وسيلة الفرار من السجن. ولكن للأسف تنتهي الحركة إلى الفشل. أولاً، لأن الفرنسيين كانوا قد أعلنوا حالة الاستنفار فتعذر الاستيلاء على الثكنة العسكرية، برغم السيطرة على باقي المواقع، وثانياً، لأن "الذوات" في حماه لم يقدموا أي عون وأنهم على العكس، أنذروا القاوقجي بإيقاف حركته.‏

وفي الخط الموازي، خط الحب والحرية الشخصية، تكون شمس قد نجحت في كبح جماح "العاشق" الصياد الثالث، الضابط الفرنسي جيرار، وكان هذا الأخير قد احتجزها في فيلته لدى حضورها إلى مكتبة للتوسط في إخراج زوجها من الحبس- قبل فرار هذا الأخير- وتندلع أحداث حماه، فيطلب من سائقه "اقتياد" شمس إلى الفيلا، حتى لا تفلت الفريسة السائغة منه ولتكون له.. استراحة المحارب الفذ بعد ساحات القتال!! ويخيب ظنه، ولا ينال من شمس إلا طعنة خنجرها القاتل، وتفرّ من بعد ذلك لتلتقي بعزيز في البيت في لحظة أمل وحب تكون مسك الختام للرواية.‏

بطبيعة الحال لا يمكن لهذا الملخص أن يعرض سوى الخطوط العريضة، وما يهمنا من بعده هو إجراء دراسة تطبيقية - إذا أمكن القول- لملاحقة خصائص العمارة الأدبية الناصيفية كما سبق لنا أن بيناها.‏

أما الكلاسيكية فنلمحها جلية واضحة في جميع المعالم:‏

-السرد : حيث يقوم الكاتب بدور الراوي مستخدماً ضمير الغائب، واقفاً باستمرار وراء الشخصيات والأحداث، مصوراً للحركات، مسجلاً للأقوال، وفي الوقت نفسه، متغلغلاً في أعماق شخصياته فهو، من بعد خالقها الأصلي، الخالق الثاني الذي يعلم السرّ وأخفى.‏

-الترتيب الزمني : حيث تتسلسل اللحظات وتتعاقب دون تنافر أو تداخل إلا ما كان من لحظات استباق تدفع الخيال والأشواق نحو المستقبل في ومضة حلم خاطفة.‏

-تنظيم الانتقالات السردية: بترابط منطقي وتوازن دقيق لإحكام "نسيج" جميع الخيوط وفق المخطط الأولي المقرر سلفاً في خيال الكاتب، ويبلغ ناصيف في هذا المجال غاية الإتقان مبرهناً على براعة مذهلة في القص فكل نقلة جديدة يتم التمهيد لها بجملة ختامية هي في الوقت ذاته نهاية المقطع السابق وبداية المقطع اللاحق!‏

وإذا ما انتقلنا إلى الركن المعماري الثاني ألا وهو الملحمة الشعبية الهلالية وجدناها متمثلة:‏

-أولاً في حشد الشخصيات، الحقيقية والخيالية،‏

-ثانياً، في كثافة تعاقب وتنوع الأحداث، الجليل منها والبسيط‏

-ثالثاً، في وضع البطل الأساسي دائماً داخل إطار مثالي الأبعاد، فهو الفارس بالإضافة إلى كونه بطل الرواية.‏

وماذا عن الخصوصية الثالثة: تحويل الملحمة الشعبية إلى رموز وطنية؟‏

-إنها تتجسد في غلبة المشاعر الوطنية الدافقة لدى بطل الرواية، ذلك الفارس الهلالي الذي قفز فوق سور قبيلته و"عزوته" معانقاً أفق الوطن،‏

-مثلما تتجسّد في "تسيّس" البطل فلا مجال للفروسية المجانية، لا ولا للوطنية الفردية المحاصرة: لا بد أولاً وقبل كل أمر من تنظيم الفعاليات والنشاطات وتوظيف الوعي الجماعي وهذان من أهم معالم النشاط السياسي الهادف.‏

-ونلمح "الرمزية" الناصيفية أخيراً في دخول الكاتب السافر أحياناً هنا وهناك، بلغة جياشة نابضة وهو دخول يوفق إلى هذا الحد أو ذاك، فانظر مثلاً قولـه في الفصل الأخير في الصفحة 461، مصوراً بعض مجريات الحركة المسلحة في حماه في وجه الفرنسيين:".. حين راح [الباطل] يصب نيران حقده من بعيد، لم يجد [الحق] أمامه سوى التستر أكثر والاختباء أكثر.." وهذا الوصف قد يبعث الحماس، ويلهب النخوة في العواطف السهلة البسيطة، لكنه قد يبعث على الابتسام في الذهن المتيقظ وربما تأثر بعض الشيء لأن الكاتب يخلّ بمبدأ "الحياد" في السرد والتصوير، ويحاول فرض الأمور فرضاً على قارئه.‏

وبالمقابل، فها هو في نهاية الفصل الحادي عشر، في الصفحة 450، يرسم لوحة بطولية -برغم حيادها- للهجوم على السراي، وينجح في جلاء رمز الشمس والحرية معاً في هذه الصورة الرائعة:‏

".. ثم تنطلق حناجر بهتاف مدو يملأ الأرض والسماء: الله أكبر! الله أكبر! ومع الهتاف المدوي ينطلق الثوار مندفعين إلى المبنى. الفرحة تطير بعزيز، فهو يندفع في مقدمتهم.. أمامه نار النصر وخلفه نار الفجر، وقد حولته الشمس إلى موقد لهب أحمر.. "ألا فهذه أهم سمات الرمز: خروجه من صميم الواقع الحيّ. ولقد أشرقت الشمس، واقعاً ورمزاً، على نابليون في أوسترلتز مثلما غابت شمسه، واقعاً ورمزاً في واترلو!!‏

وحول الرمزية - التي تنقلب غالباً إلى ترميز قسري - لا بد من وقفة قصيرة لما لها من أثرة، ولشغف معظم كتابنا السوريين بها. فلينظر الكاتب والقارئ بإنصاف: فهل في الأدب العالمي ما هو أروع وأبلغ من الرمز الذي جاء به همنغواي في رائعته "الشيخ والبحر"؟ ذلك الصراع المرير، الطويل، المضني في عرض البحر، ثم العودة بعد أيام، مساء، إلى الخليج المشعشع بالأضواء وعلى كتفي ذلك الصياد العجوز "انتصاره المهزوم": هيكل هائل مربوط إلى قاربه، هيكل سمكة ضخمة تتجاوز القارب طولاً وضخامة، لكن لم يبق منها سوى هيكلها العظمي!! ذلك القارب المزين بالهيكل العظمي للنصر المهزوم، ما أعظمه من رمز مفتوح على جميع الدلالات، رغم التزام همنغواي على امتداد عمله الإبداعي بالعرض الواقعي المحايد. إنه الواقع الحيّ إذا ما تلمسته تلمساً مباشراً، وهو واقع ساحر آسر: صياد عجوز حقيقي من لحم ودم بكل تفاصيل بؤسه وشيخوخته، ولكنه ما يزال يحمل روح المغامرة والطموح ويحضر أمامك نابضاً مؤثراً دون أية "مكياجات" داخلية أو خارجية. ثم إذا ما أردت فهو الرمز الذي لا يطاولـه رمز. فهل هو التعبير الواضح الجلي عن فشل المشروع الإنساني على الأرض؟ لم لا!! أم تراه الصراع غير المجدي مع القدر والطبيعة؟ من يدري!! أم ترانا وجهاً لوجه مع فشل الفقراء متى ما أرادوا تجاوز قدرهم البائس؟ كله جائز!! نعم، رمز رائع رغم واقعيته، بل واقعيته أجمل ما فيه: ذلك الصياد العجوز الحقيقي، وقاربه العتيق المهترئ، وسمكته العملاقة التي تناهشتها أشداق أسماك القرش المفترسة من بعد اصطيادها وربطها بإحكام إلى جسم القارب الصغير. وأين من هذا الرمز حتى أسطورة سيزيف أو بروميثيوس أو ما سواهما من الأساطير المجنحة.‏

ولا بد من كلمات نوردها همساً هذه المرة في أذن كل كاتب يريد أن يعانق آفاق الرمزية: عليك التغلغل في الواقع للإمساك بالتفاصيل ذات الدلالات المفتوحة وسوقها من ثم بكل حياد ودون أي وعظ أو تبشير أو تفسير، فالرمز الحق يفسر نفسه بتفاصيله الواقعية الكامنة فيه، وما لم يتحقق ذلك فهو قسر ترميزي، يدغدغ العواطف السهلة، ولا يرسخ في أعماق النفس.‏

دراستنا هذه حول الجزء الثاني من ثلاثية "الطريق إلى الشمس" تلامس في هذه السطور نهايتها، دون أن تزعم أنها أحاطت بكل جوانب العمل دون أي استثناء، وإذا كنا قد تعمدنا الوقوف عند السمات الإبداعية المشرقة في موهبة عبد الكريم ناصيف الروائية، فما ذاك إلا لأن موهبة الكاتب السوري لا يمكن أن ينتقص منها إلا كل متحامل أو .. متعالم. ولا يعني هذا بالطبع عدم وجود بعض.. النزوات الجانبية الضاغطة لدى ناصيف، وكنا قد نبهنا إلى بعضها في الدراسة السابقة عن الجزء الأول من الثلاثية ولكن لنزوات المبدعين أحياناً أعذارها، مثلما أنها قد تفتقر أحياناً إلى تلك الأعذار وتستوجب التنبيه. فهذا إذن موضوع آخر، لا بد لنا من رجعة لاحقة إليه، ربما بعد صدور الجزء الثالث والأخير من الثلاثية - نأمل أن يتم هذا قريباً- حيث يفترض أن تكون ملامح ومعالم لوحة "الطريق إلى الشمس" قد اكتملت بكل تفاصيلها وجزئياتها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244