إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
حسن صقر يبحث عن الظلام

حسن صقر يبحث عن الظلام

في روايته "البحث عن الظلام" الصادرة عن دار "الحصاد" بدمشق عام 1993، يجرب حسن صقر حظه للمرة الثانية في عالم الرواية، بعد روايته الأولى "الوجه الآخر للسقوط" الصادرة عن وزارة الثقافة في سوريا عام
1992.

وقد عُرف الكاتب أساساً قصاصاً متميزاً قبل هذين العملين الروائيين. فما الذي يريده من الانتقال إلى الرواية؟ مما لا شك فيه أن الرواية تبدو أوسع أفقاً وأعمق غوراً، ويمكن للكاتب من خلالها الخوض يمنة ويسرة في جميع مسارات الوجود الإنساني، بحرية وشمولية قد لا تتوافران في القصة القصيرة ومما لا شك فيه أن للكاتب ملء الحق في اختيار شكله الأدبي، ويمكنه بهذا الصدد تجريب أكثر من صيغة. وهذا ما كان. فاختار حسن صقر أن يبحث عن الظلام، وفي الظلام، من خلال صيغة روائية غريبة إلى حد ما، شكلاً ومضموناً.

تقع رواية "البحث عن الظلام" في /150/ مائة وخمسين صفحة من القطع الصغير، وهي موزعة في تسعة فصول، بنيت في أساسها على تداعيات واستبطانات قوامها مونولوج ذهني طويل، مفعم بالمرارة والأسى أغلب الأحيان، ومبطن بسخرية عابثة حيناً. وهو مونولوج غريب، وجه الغرابة فيه محاولته اتخاذ طابع الحوار حيث لا حوار على الإطلاق: فالراوي المستسلم لتداعياته التي لا تنتهي سجين سياسي من المعارضة المغضوب عليها دائماً. لكن الحظ ينعم عليه بعد خمس سنوات من التوقيف العرفي بابن عمه السلطوي اللامع وهو يحل ضيفاً عليه في زنزانته، بعد أن سحبت الكرسي من تحته. مع إطلالة هذا المسؤول البارز تبدأ الرواية وأحمد بركات، السجين "المعتق" منذ خمس سنوات، يستقبل ابن عمه محمود بركات بلهفة كما تفرض الوفادة وأصول الحفاوة خاصة أن ابن عمه السلطوي ذاك كان من وراء زجّه في الحبس- فيهتف بجملة مكثفة تبدأ بها الرواية: ها نحن نلتقي ثانية، أنا وأنت وجهاً لوجه كما لو أن كل شيء يجري في الحلم.

بهذه الجملة يبدأ مونولوج متنكر في صيغة حوار وهمي، لأن الوافد الجديد لا ينطق بكلمة واحدة، ويلتزم صمتاً كاملاً حتى نهاية الرواية!! فهل يكون هذا المونولوج الحواري أطول عملية جلد معنوية؟ ربما كان الأمر كذلك، فالقارئ يشعر أحياناً بوطأة هذا الموقف، ولا يستطيع منع نفسه من الابتسام وهو يرى أحمد يجلد محمود بالكلمة دون انقطاع، فيرفعه إلى أعلى ثم يخسف به الأرض، ساعياً دائماً إلى أن يفتح بصيرته قسراً، مجرباً دون ملل أن يحرك مشاعره قهراً، في حديث يدور ويدور، ويلتف ويتحلزن، كاشفاً كل الخبايا الخصوصية، خائضاً في جميع المشاكل: عاطفية، وطنية، إنسانية. ويعلل الراوي أحمد منذ الفصل الأول لجوءه إلى هذا المونولوج الحواري:

".. ربما أنك مرهق من الكلام، وأنا مرهق من الصمت، فسأقوم بدور المحدث.. فرصة نادرة من أجل إجراء عملية تطهير نحن أحوج ما نكون إليها.. ومهما يكن من أمر فإننا نستطيع بمصارحتنا هذه أن نردّ على اتهام يتردد دائماً في المسامع ألا وهو: إن الخراب قد جاء لأنك لم تحسن الإصغاء، ولأنني لم أحسن التكلم".

تخريج جميل وإن كان غير مقنع، لكنه على أي حال توضيح لا لبس فيه منذ البداية أن الراوي سوف يتولى ناصية الحديث حتى النهاية. وحتى عندما يكون حوار عابر مع ابن عمه محمود الصامت باستمرار، فهذا الحوار تخيلّي، يقوم أحمد من خلاله بوضع أقوال افتراضية على لسان محمود، ثم ينبري مباشرة للردّ عليه دون هوادة. فما هي وجهة وغاية هذا المونولوج- الحواري؟ نأخذ الجواب مباشرة من الفصل الأول: "قد تتساءل وهذا من حقك وواجبك أيضاً، ماذا يفعل المرء عندما يكتشف أخيراً أنه كان يسير في غفلة منه ضمن لعبة مرسومة من أعلى وأن اللعبة انقلبت عليه في أردأ الأوقات وأتعس الأزمان. وأنا أجيبك أن هذا هو الوقت الأمثل من أجل استعادة نفسه وترميم كيانه".

ومادة هذا الحديث الترميمي؟؟ يوضح الفصل الأول مباشرة للقارئ على لسان الراوي أحمد:

سأجوب معك العالم كله، لكن دون تنسيق أو نظام. نحن طليقان نطوي العالم طولاً وعرضاً. وإذا كان كل شيء ينهار من حولنا فهذا أفضل، لأننا بهذه الطريقة وحدها نستطيع إعادة تركيب العالم بالكيفية التي نشاء.

وهكذا، فالفصل الأول يقوم بدور الافتتاحية في التأليف السيمفوني حيث يتم استعراض الأفكار والمحاور والروح العامة، ليصار من ثم إلى استثمار كل فكرة على حدة. فنحن نتعرف منذ الفصل الأول على أمور عدة:

1- الشخصيتان المحوريتان: أحمد (معارضة) وابن عمه محمود (سلطة)، والاثنان رهن التوقيف العرفي.

2- مكان اجتماع الشخصيتين: زنزانة مشتركة تحت الأرض وفيها مصطبتان للنوم بينهما حفرة مرحاض.

3- موضوع الاجتماع: الرجوع إلى الذات واستجلاء الوعي على ثلاثة مستويات: فردي، ووطني، وإنساني.

4- وسيلة إنجاز هذا الموضوع: التداعي الحر حسب تجليات اللاشعور ويقظة الذكريات الغائبة، في مونولوج مأساوي ذهني يتقمص شخصية الحوار.

ويمكن للقارئ المتأني بالتالي أن يلمح منذ هذه الافتتاحية ما قد تحفل به الرواية لاحقاً من تألق وإبداع، مثلما يمكنه أن يتوجس سلفاً من مزالق التشتت التي يمكن أن تستدرج المؤلف:

1-فاللقطة الأساسية فريدة: ابنا عمّ على طرفي نقيض: مغمور (متهم بالمعارضة) ومشهور (بعيد النفوذ)، وكلاهما في زمن الرواية قيد الاعتقال، وهذا معناه أن المعارضة والسلطة، أو المحكوم والحاكم، وبالمعنى الأشمل فالمرحلة التاريخية بأكملها تجتر فشلها، وتحاول السيطرة على مرارة الهبوط بإعادة تركيب حلقات الواقع والوعي في مراجعة جريئة لتجربتها دون مواربة، لا ولا غفلة أو خداع للذات. لكن تلك اللقطة الفريدة سلاح ذو حدين إذ يمكن من خلالها خلط جميع الأوراق، وتضييع كل الحدود والمسؤوليات، كما يمكن للعمل الدرامي في هذه اللحظة أو تلك التحول إلى خطاب ذهني مباشر تتبخر معه النكهة الروائية في نوع غريب من المقالة أو البيان السياسي.

2-وأما الزنزانة فاختيارها سبيلاً إلى الوعي أمر فريد ومتميز في جانب منه، لأن ذلك الحيز المخنوق انقطاع كامل، وبرغم ما فيه من قسرية وقهر- بل بسبب ذلك تحديداً- يقف السجين أمام ذاته وأمام جميع القضايا في توترها الأقصى. والزنزانة ظلام، وعندما تدفع السجين لاستبطان ذاته فإنها تضعه أمام ظلام النفس، وأي ظلام أشد عتمة من تلك الأعماق المجهولة التي نادراً ما نتجرأ على استراق النظر إليها؟ هنا نفهم عنوان الرواية، كما نتعايش مع الأبيات القليلة التي تصدرتها بعد صفحة العنوان الداخلي، وهي الأبيات التي نظمها على ذمة الراوي- شاعر من الشباب الثورجيين كان قد حل ضيفاً على الراوي في زنزانته لفترة من الزمن قبل أن ينتقل إلى مصح الأمراض العقلية من شدة.. شاعريته وثورجيته:

الظلام ملك على كل الأمكنة والأزمان،

والظلام سيد ونحن في ركبه الجنود

الجميع يمسكون بالفوانيس المفضّضة،

علّهم يلحقون بطائر الظلام الذي لا يدرك

نعم، الزنزانة اختيار فريد لجلاء الوعي، وهنا يمكن للكاتب استثمار هذا التفرّد بحيث يتألق العمل الدرامي على وقع لسعات تلك الجدران الخانقة، لكن من طرف آخر، يمكن أن تمر الزنزانة مروراً باهتاً بحيث لا تعود غير كادر روتيني متكلف بكآبة، ولا يتم بينه وبين التنامي الدرامي أي تفاعل.

3-وجلاء الوعي وصولاً إلى يقين ثابت أمر يحتمل هو الآخر التأرجح بين الحدين المتناقضين: التألق أو الرتابة.. بين أن يستيقظ ذلك الوعي وينجلي تدريجياً على مراحل مع تصاعد الحدة الدرامية، وبين أن يأتي جاهزاً من خلال مناقشة ذهنية جافة، فهو شبه درسٍ ممل يتم تلقينه بكل جمود. ناهيك أن مستويات الوعي التي تحددت منذ الفصل الأول: فردياً، وطنياً، وإنسانياً هي فخ منصوب سلفاً، ويتطلب الكثير من التألق والإبداع لضبط إيقاع الرواية وفق أحد هذه المنظورات حصراً، بحيث لا يعود للمستويين الآخرين من حضور إلا استشفافاً من خلال المنظور الذي جرى اعتماده دون تردد.

4-وصلنا إلى التداعي الحر، وإنها لدعوى رائعة لمعانقة زمن الوعي والقفز فوق جميع المواضعات، لكنه هو الآخر يمكن أن يتحول إلى مجرد حيلة بارعة، يلتقط المؤلف من خلالها أنفاسه من حين لآخر. وهنا يمكن لأسلوب المونولوج الحواري أن يحاصر القارئ سلفاً داخل جدران الزنزانة، فهو في حيرة من أمر ذلك الراوي الذي قرر إغلاق فم محدثه حتى نهاية الرواية. وليس للقارئ والحال هذه إلا أن يشحذ همّته كي يتحمل "حملة التوعية" التي سوف يشنها الراوي أحمد عليه وعلى ابن عمه السلطوي.

كلا، لا ندعي من خلال الملاحظات السابقة أننا بصدد إعادة كتابة "البحث عن الظلام" لكن الإبداع في حقيقته تشكيل واختيار، ومن حق بل من واجب- الدارس أن يلاحق المؤلف في اللحظات الأولى لعملية الخلق حيث تكون جميع الاختيارات ممكنة، ليرى من ثمّ كيف تمّ اعتماد بعضها وإهمال بعضها عن سابق تصوّر وتصميم، وبدوافع واعية أو غير واعية. دون أي تطويل نسارع إذن بعد طرح الاحتمالات والاختيارات إلى متابعة فصول الرواية الواحد تلو الآخر في انفلاشها كمجموعة تداعيات غير منسقة، أو، على الأقل، هذا هو المخطط الذي طرحه الفصل الأول.

أما الفصل الثاني فهو خطاب ذهني يجري من خلاله مناقشة مسائل الضمير والألم والحب تمهيداً لسرد حلم كابوس شاهده الراوي في حبسه: كان الراوي في لقاء غض مع محبوبته سميرة، لكن حلاوة ذلك اللقاء خنقتها حملة قمع وتأديب مستمرة منذ ثلاثة آلاف عام -!!- بقيادة سلاطين الشرق. ويتكرم أحدهم السلطان أرطغرل الرابع- برفع الراوي ليركب خلفه. ويستمر الكابوس والراوي يقضي على أرطغرل.. بالضحك: كان السلطان في شوق إلى أن يضحك، فأخذ الراوي "يكركره" حتى مات ضحكاً. هنا يأخذ الكابوس منحى غريباً، إذ يكون الشاهد على هذه الجريمة والد الراوي ذاته، ويهتف الابن بأبيه:

"إياك أن تتكلم فأنت الشاهد الوحيد على الجريمة".

ويستغرق الكابوس من ثم في منحاه الجديد الغريب باتجاه عقدة أوديب دون زيادة ولا نقصان. فالأب يقود ابنه أحمد إلى البيت حيث تثور، على زعم الأب، مشكلة أخلاقية لا بد من حسمها. وفي حوار من جملتين قصيرتين يلمح القارئ التواطؤ بين الأم وابنها، إذ يسأل أحمد أمه بحنق مشيراً إلى أبيه:

"-ما الذي أتى به إلى هنا؟ ألم يمت غرقاً في الساقية؟"

فتجيب الأم باكية:

"-فضيحة يا أحمد، فضيحة! إنه يتهمني بالخيانة. أبوك مجنون يا أحمد. لقد دمّره الموت، وهو يريد أن يدمرنا.

وينتهي الكابوس مع نهاية الفصل الثاني، وغراب يلقي بأحمد فوق مصطبته القميئة في الحبس، وهو يزعق في أذنه:

"-اقبع هنا فأنت لا تستحق الحرية".

ويبدأ الفصل الثالث مع الراوي أحمد الذي يقفز لبرهة، مسلحاً بأجنحة الخيال، خارج السجن، جاعلاً من زنزانته سفينة تتهادى على صفحة البحر الأبيض المتوسط. وطبعاً لا ينسى أن يأخذ معه ابن عمه محمود في هذه الرحلة البحرية الشيقة وتكون المناسبة مؤاتية للتساؤل عن السبب الذي يجعل الناس في حوض المتوسط ينامون تعساء على ضفته اليسرى الشرق- وسعداء على ضفته اليمنى أوروبا- رحلة بحرية لا تطول يعود أحمد بعدها إلى الزنزانة ليسرد على ابن عمه وعلى القارئ- تجربته مع شاعر شاب يضج بالثورة والتوتر، وكان قد حجز معه مدة من الزمان. وهو الشاعر الذي نظم نشيد الظلام الذي صدّر الكاتب روايته ببعض أبياته، مثلما اقتبس منه العنوان. وربما أمكننا الإشارة بهذا الصدد إلى النشيد المقدس لدى البعثيين في الخمسينات، ومطلعه- في تحديهم للشيشكلي آنذاك:

إننا نهوى الظلاما

 

يا ظلام السجن خيم

لكننا لن نعطي هذا التلميح كبير دلالة، بل نعود مباشرة إلى شاعرنا الشاب كما قدمه أحمد. إنه يتفجر حماسة وأحلاماً، نافد الصبر، يريد إجابات حاسمة على كل الأسئلة، كما يطلب حل جميع المشاكل فوراً، دون تأجيل:

".. يا له من فتى رائع ذلك الشاعر المتقد الذي تحملت منه الكثير. ومع ذلك فقد ترك فيّ أثراً لا ينسى". وللأسف فقد انتهى إلى جنون كامل ونقل إلى المصح.

ها هنا ننتقل إلى الفصل الرابع حيث تكون وقفة متأنية في الزنزانة يحاول أحمد أثناءها تعليم ابن عمه الصامت كيف يقاوم، وكيف يتصرّف ليتكيف مع الإقامة الجديدة، ثم نعود بعد ذلك إلى ثنائية الزنزانة السفينة المنطلقة على أمواج البحر الأبيض المتوسط، مع العزف على وتري الشعر والحب، ليدخلنا الراوي بعدها إلى الحادثة المميزة في هذا الفصل، ألا وهي تجربته الشخصية في موضوع الانتحار. لقد أوشك على الانتحار في فترة من فترات حياته ورتب جميع الأمور على خير ما يرام، لكنه أحجم في اللحظة الأخيرة، مع أن الحياة لا تستحق أن تعاش أصلاً، فما سبب ذلك الإحجام؟

".. هنالك مهزلة كبرى يجري تمثيلها الآن ببراعة لا مثيل لها، يقوم بالأداء فيها مهرجون حسنو الهندام ذوو وجوه لمّاعة.. مهزلة الكل فيها متفرجون، والكل فيها ممثلون، دون أن يكون لأحد الحق في إسدال الستارة. لأن في ذلك الانطفاء الكامل. وهذا يعني نهاية المهزلة. وقد فهمت من هذا كله أنه علي أن أستمر في أداء دوري دون أن يكون لي الحق في إنهائه لأنه لم يكن لي أي رأي في ابتدائه".

ونصل إلى الفصل الخامس، واسطة العقد مبنى ومعنى. فالرواية، كما ذكرنا، من تسعة فصول، وبالتالي فالفصل الخامس هو المنتصف تماماً، ويحتل من الصفحة /59/ وحتى الصفحة /86/، أي قرابة ثلاثين صفحة من مجموع الـ /150/ مائة وخمسين صفحة التي تتألف منها الرواية. فهو الخمس حجماً، لكن الأهم من الحجم اجتماع المحاور الأساسية فيه، وارتفاع الرواية في سياقه إلى أجمل ومضات البناء الدرامي:

أ-     ففيه اللازمة الموسيقية المتكررة، لازمة السفينة الزنزانة المبحرة في المتوسط، والحديث الذهني المكثف حول الخير والشر والألم والانتحار بغية تعريف ابن العم محمود، الهابط من عليائه السلطوية، على جميع تلافيف النفس البشرية، والوجود الإنساني المعقد المتشابك.

ب-   وفيه إقامة للدراسة في ألمانيا، حيث يطارد الراوي أحمد شبح، أو مشرد أقرب ما يكون إلى شبح، كارل هوفمان، الجنرال الذي كان الشرف العسكري يفرض عليه الانتحار، على الطريقة الألمانية، بعد أن خذل امبراطوره ولم يحسن الدفاع عنه. لكنه يجبن في اللحظة الأخيرة ويتشبث بالحياة ليبقى جسداً خالياً من الروح.

ج-    وفي هذا الفصل أيضاً تبرز الفتاة الألمانية روزا ماري الضاجة بالأنوثة والجمال. كان الراوي أحمد يدرس الأرصاد الجوية وقد نجح في دعوتها إلى غرفته في برلين. وناما في فراش واحد، بعد تبادل الأنخاب، ولكن روزا ماري رفضت ممارسة الحب. ثم اضطرته إلى أن يرافقها إلى محطة القطار مع الفجر، حيث ودعته بالدموع بعد المعانقات والمداعبات: إنها مسافرة للقاء خطيب لا يعني لعواطفها أي شيء.. لكن.. الواجب!! إنها إذن، هي الأخرى جسد يضج بالحياة تسكنه روح ميتة، بينما أحمد روح تضج بالحياة، تسكن جسداً ميتاً مقموعاً بالكبت، والخوف، والشعور بالذنب.

د-    وفي هذا الفصل المحور المركزي، نانا سعيد، جدة أحمد ومحمود على حد سواء، إنها الأنوثة المقهورة، ومادة للرغبة يتمرغ الراوي أحمد حيالها بذل وشعور مرير بالذنب عندما تحضر إليه في الحلم. وتحاول في حضورها الليلي ذاك تهدئة خطيئته هامسة له بأنها: "الطبيعة". لكننا  نظل، بالطبع، في هذا المجال أمام عقدة أوديب التي تطل في الفصل الخامس وكأنها رجع الصدى لما سبق إيراده في الفصل الثاني.

هـ- وفي الفصل الخامس أخيراً، نستكمل معرفتنا بالراوي أحمد الموظف الهامشي في الأرصاد الجوية، والرحلات الإطلاعية التي قام بها من "عين صالح" في الصحراء الإفريقية حيث زارته الجدة نانا سعيد طبيعة هائجة، إلى "التيرول" حيث تعمق في رمزية حركية الرياح والدورات المناخية حتى أصبح من المشكوك في توازنهم العقلي بالنسبة لزملائه في الدراسة.

بعد نهاية الفصل الخامس، يستكمل الفصل السادس مباشرة جلاء حكاية الجدة نانا سعيد، في مراجعة مريرة للدفاتر العتيقة، وهذه المراجعة موجهة من الراوي أحمد، دون أدنى تساهل، إلى ابن عمه محمود الذي يريد بأي ثمن دفن فضائح الماضي. نانا تلك كانت صبية متفتحة مثل وردة يانعة فكان لا بد من ضرب سياج حماية حولها بعد وفاة والدها نصر سعيد وهي ما تزال في الخامسة عشرة. تحقيقاً لهذه الغاية احتضنتها زهوة بنت رنجوس، زوجة الآغا، وأصبحت نانا من ثم مولدة هستيريا لدى جميع الذكور من حولها، وكلهم شهوة مسعورة لاقتطاف ثمرتها المحرمة، لكن زهوة رنجوس هربتها ببراعة عن طريق تزويجها ليدها اليمنى في جميع أعمالها المشروعة وغير المشروعة- اسماعيل بركات، الذي كان قد تجاوز الخمسين من عمره. وكان كبش الفداء لهذا الزواج التعيس، أحمد عمران، حبيب نانا، الذي وجد مقتولاً في وادي المشمش، وكانت نانا قد حاولت الفرار معه، لكنها ضبطت وكان على ثوبها آثار دم، لا يستطيع الراوي أن يجزم إن كان دم العفة، وفي هذا إثبات لبكارة نانا حتى لحظة الفرار رغم التقولات حولها، أو إن كان دم أحمد عمران الذي صرعوه. اسماعيل بركات، الذي تعمّد زواجه بالدم هو جد أحمد ومحمود، لأنه رزق بمنصور والد محمود، ومصطفى والد الراوي أحمد. وهذا النسل القابع مؤخراً في زنزانة الفشل والقمع هو بالتالي نسل الزنا والتزوير والاغتصاب، مثلما هو نسل الحرية الضائعة. وأهم ما في هذا الفصل، بالإضافة إلى حكاية نانا سعيد، تأكيد الراوي على ضرورة العودة إلى الجذور- جذوره وابن عمه-، تلك الجذور المطمورة في قرية "كرم المزرعة". لقد خانا تلك الجذور وتنكّرا لها بالهرب فكان لا بد له ولابن عمه من الوصول إلى زنزانة الفشل والقمع، نتيجة منطقية وعادلة لتلك الخيانة.

ويأتي الفصل السابع محققاً عودة موفقة في البداية إلى الزنزانة حيث يقص الراوي أحمد على ابن عمه محمود حالات انفعالية بدأت تنتابه في مرحلة من مراحل حبسه. تلك الحالات نوبات من الضحك الهستيري، أخذوه بنتيجتها أمام مدير السجن. وطبعاً، لا غنى آنذاك عن عرض شخصية ذلك المدير السلطوي. إنه في الحقيقة يعاني من الضعف الجنسي، لكنه ينتظر بفارغ الصبر حبوب الخلاص التي أوصى عليها من أوروبا، وذلك كي "يكسر" عين بهيرة التي بدأت تتهكم على ضعفه، وكي يثبت جدارته أمام زوجتيه الشرعيتين، وزوجتيه غير الشرعيتين. مدير السجن ذاك "عوض" عن عنته، فأمر بجلد الراوي دون رحمة عقاباً له على ضحكه الهستيري. بعد هذه الوقفة، نعود إلى تداعي الأفكار لنتعرف على:

-تجربة الألم التي عرفها الراوي من خلال موت شقيقه الأصغر.

-وتجربته مع الحلم من خلال جسد وجيها حسين الرائع الذي شاهده وهو طفل في العاشرة من عمره حين كان يدرس في اللاذقية، وكان يسكن عند حسن النور زوج وجيها.

ولا ينسى الراوي أن يقص على ابن عمه حكاية وجيها التي تكاد تكون نسخة كربون عن نانا سعيد واسماعيل بركات، مع فارق أساسي، وذاك أن التزاني في حالة وجيها ثابت باتفاق رسمي. كيف؟ الشاب الناهض عدنان (ك) وقع في غرام وجيها بسبب جمالها الآسر. لكنه ينحدر من عائلة دينية عريقة، ولم تقبل عائلته بحال من الأحوال زواجه منها لتفاوت المستوى الاجتماعي، لكن جرى بهذا الصدد اعتماد حل وسط: تكون وجيها عشيقة له شرط أن يتزوج من ابنة عمه! وهذا ما حصل. فتزوج الحسيب النسيب من الحسيبة النسيبة، ولتغطية علاقته مع وجيها زوجوها من حسن النور، الصعلوك شكلاً ومضموناً. فكان، مثل اسماعيل بركات، قد بلغ الخمسين من العمر، ويعمل ساعياً بسيطاً في البلدية. هذا الترتيب البارع أمّن مصلحة جميع الأطراف، إلا مصلحة الراوي الذي وقع في طفولته على تلك الأسرار، وشاهد العشيق الذي يأتي أثناء غياب الزوج، فاكتشف الشر والخديعة، والأهم من هذا وذاك اكتشافه لجسد وجيها الرائع الذي كان بالنسبة له، رغم خلوه من الروح، موطن الحلم. وهكذا فقد ربط ما بين الألم والحلم في قرارة وعيه.

-ويأتي الفصل الثامن- ما قبل الأخير- مطولاً مفصلاً، فيجري فيه الراوي أحمد مراجعة لجميع الأفكار التي سبق عرضها، ويضرب على جميع الأوتار التي داعبها من قبل، وذلك تمهيداً للوصول إلى الخاتمة. لكنه يضيف إلى كل ما سبق توضيحاً جديداً لمأساة الشعر والشعراء من خلال حالة سريالية محيرة لشاعر كلاسيكي مخضرم. فالشاعر يوسف طاهر الديل يتحضر لإنقاذ الأمة العربية بقصيدة لا قبلها ولا بعدها. ورغم ملاحقة المخابرات الأمريكية!! ورغم محاصرة زوجته حسيبا، جاءه "الإسهال" الشعري، فهرب من حسيبا، وضلل رصد المخابرات الأمريكية، والتجأ إلى فيء شجرة على الطريق العام المؤدي إلى دمشق، بعيداً عن قريته "تل العدس" التي كان يعمل فيها معلماً. هناك تنفس الصعداء- كما يقولون- وأمسك القلم ونشر الأوراق، ولكن.. ذلك النغل، السجين السياسي اسكندر الديك، كان مع مجموعة من السجناء قيد التوقيف، وكانوا في طريقهم إلى دمشق في سيارة مغلقة، تحت الحراسة. اسكندر الديك اللعنة ذاك أصابه إسهال هو الآخر، لكنه هذه المرة إسهال هضمي، وقاوم طويلاً حتى فقد كل صبر، تحديداً في النقطة التي كان يوسف طاهر الديل قد اتخذها ملجأ ليكتب قصيدته. صرخ اسكندر الديك مستغيثاً، فأوقف قائد المفرزة السيارة غير بعيد عن يوسف، وأمر بإخراج اسكندر لـ "يفعلها" في الهواء الطلق، لكن تحت حراسة عباس الشبّ. وتشاء المصادفة أن يكون عباس صديقاً قديماً ليوسف، وهات يا سلامات حارة، ويا معانقات طويلة، هرب اسكندر الديك في غمرتها إلى غير رجعة. ولم يجد عباس وسيلة يحمي بها نفسه سوى أن يسوق الشاعر يوسف مدعياً أنه هو اسكندر الديك. ويدخل يوسف السجن- دون أن يكون قد كتب قصيدته- والأنكى من ذلك أنه يتعرض في مقره الجديد لتجربة مذّلة اضطر معها إلى "لعق" حذاء مدير السجن عبد الستار علم الدين. وكان ذلك منه إنسانية وتضحية في سبيل ابنة مدير السجن، الطفلة البريئة شذى، التي تمنت في عيد ميلادها أن يُريها والدها كيف يُلعق الحذاء. وكوفئ يوسف على شهامته بإطلاق سراحه، لكنه فوجئ باسكندر الديك الحقيقي وقد احتل مكانه في البيت بصفته يوسف -!!- والأدهى والأمّر أن لعينة الروح حسيبا القيراطة، زوجته، أنكرته بإصرار فاضطر المسكين الذي تلبّس بالقوة شخصية واسم اسكندر الديك للعودة إلى السجن باختياره إذ لا مكان يأويه، حيث أصبح يتطوع، مشكوراً وغير مشكور، للعق أحذية الجميع، على مبدأ:

ما لجرح بميت إيلام

بعد هذه الجولة الحافلة من التداعيات والقصص الكثيرة، المرتبطة جميعاً بخيط الزنزانة والعلاقة الفريدة بين الراوي أحمد، المتحدث المطلق، وبين ابن عمه محمود، المستمع المطلق، يأتي الفصل التاسع الختامي في حركة سريعة محققاً القفلة النهائية حيث:

-يبدأ أحمد بمناجاة مكثفة وسريعة لليل وما فيه من رموز وسحر وأسرار.

-لينتقل من ثم إلى ظروف وملابسات اعتقاله الذي تتوحد من خلاله محاور أربعة في واحد: فكارل هوفمان وروزا ماري يصبحان شخصية واحدة، ويتحد بهما والد الراوي، ليدخل أخيراً في هذه البوتقة الغريبة محمود الصحن، عنصر المخابرات الذي كان ابن عمه السلطوي قد فرزه لملاحقته والإيقاع به: ويتم اعتقاله على يد هؤلاء الأربعة الذين اجتمعوا في واحد. وتكون الخاتمة في جملتين تقطران أسى مشحونتين إلى أبعد حد- تماماً مثل جملة افتتاح الرواية:-

"..كان ذلك قبيل الفجر بقليل. وهم يأتون عادة في مثل هذا الوقت من آخر الليل".

لقد عرضنا أولاً المخطط الذي ارتسم منذ الفصل الأول، ثم بيّنا آفاق ومزالق هذا المخطط، وبسطنا أخيراً مجرى الفصول الثمانية بالخط العريض. ومن حقنا الآن التساؤل عن مدى التوفيق الذي حالف الرواية انطلاقاً من افتتاحيتها التي تمحورت أساساً على ثلاثة أفكار:

1-  القمع والتعذيب (الزنزانة).

2-فشل مرحلة كاملة بشقيها: سلطة ومعارضة (ابنا العم المتناقضان كلياً والقابعان سوياً في زنزانة واحدة)

3-البحث عن الوعي تحت ركام الفشل (حوار أحمد أو مونولوجه المموه)

ويمكننا زيادة في التكثيف، دمج هذه الأفكار في محورين اثنين:

1-الحرية الضائعة

2-الوعي المنشود (أو البحث عن الحقيقة)

أما الحرية فضاعت، وانتهى المعارض والسلطوي إلى زنزانة الفشل والقمع وكان السبب فقدان الوعي. والوعي قوامه الحقيقة، فما هي تلك الحقيقة المفقودة التي ما وجدت الرواية إلا لكشفها؟ إنها في رأي الراوي (والكاتب طبعاً) خيانة الجذور فابنا العم أحمد ومحمود من قرية "كرم المزرعة" ومن نسل نانا سعيد، وكلاهما هرب من تلك القرية ومن ذلك النسب الموبوء، في سعي واهم للقفز فوق الواقع و.. "امتلاك" العالم، محمود من خلال السلطة السياسية العمياء، وأحمد من خلال التأمل والإبداع الأدبي الساعي إلى التسلّي بقصص الآخرين، كما يقول هو نفسه. أحمد هذا يطارده شبح والده الذي تركوه وحيداً في قلب العاصفة يحاول حماية الطاحونة، فكان أن مات غرقاً. هذه الحقيقة المرّة، التي يضع الكاتب يده عليها ويعرّيها دون مهادنة، تعطي للرواية نكهتها المميزة الرائعة. نعم، مأساة مرحلة بأكملها اللا انتماء الذي رفع إلى مرتبة الأيديولوجيا. تُرى، فمن لا يستطيع الالتزام بقريته الصغيرة أو حارته، أو بلدته، هل يمكن إلا أن يكون معلّق القدمين في الهواء؟ وهل يمكن للمعلق في الهواء إلا أن يهوي في لحظة خاطفة إلى أعماق الفشل والخيبة؟ والحقيقة المرّة الثانية هي القمع. وهل يمكن لمن يفلسف القمع إلا أن يروح في النهاية ضحية له؟ تلك هي أصالة هذا العمل الروائي، وهنا يكمن سر جماله وإشراقه. لكن، هل وفقت الرواية في عرض هاتين الفكرتين الرائعتين الكامنتين في صلب مرحلتنا التاريخية؟ لقد رأينا الآفاق الرحيبة التي انفتحت أمام مخطط الرواية منذ الفصل الأول، غير أن حسن صقر، للأسف، لم يحسم اختياراته بشكل باتر فتشتت من خلال هذا التردد بناء وحدة عمله، تلك الوحدة التي لا يجوز أن تدع مجالاً لأي نشاز. وكان تردده ذاك نتيجة التأرجح المستمر:

1-بين المنظورات الثلاث: الفردي، والوطني، والإنساني

2-بين السيرة الذاتية وبين العمل الدرامي،

3-بين الرواية وبين القصة القصيرة

ونستعرض بعض الأمثلة عن كل حالة حتى لا نتجنى على الكاتب وعمله:

1-فالعمل الروائي قوامه الشخصيات النابضة بالحياة، والمتنقلة بين دفتي الرواية، في عالم يمثل دائماً رؤية الكاتب. وهو عالم مواز للعالم الواقعي، أو هو إسقاط ذلك الأخير في وجدان الكاتب المبدع. وللكاتب بطبيعة الحال مطلق الحرية في اختيار شخصياته، وفي رسم ملامحها كما يشاء وفق رؤياه الخاصة ووفق وحدة بناء العمل الفني. فقد يختار "نماذج" غريبة، ويؤكد على تميزها الفردي دون أن ينتقص ذلك على الإطلاق من إنسانيتها. وما أحفل "ألف ليلة وليلة" بمثل تلك النماذج، التي ربما كان أروعها وأبلغها أثراً في النفس علي بن بكار وقصة حبّه لمحظية هارون الرشيد، شمس النهار. فها هنا العشق في أسمى آياته ومعانيه، والمحبّ، بل المحبان معاً يحترقان ببطء ويذويان حتى الرمق الأخير لاضطرارهما للانفصال عن بعضهما.

ومن كان غريمه في العشق خليفة الخلفاء لا يبقى أمامه إلا الموت الجميل الذي انتهى إليه علي بن بكار وشمس النهار اللذان توفّيا في اللحظة نفسها، ثم دفنا معاً، إذ لم يمكن اجتماعهما إلا بالموت. وبالمقابل، فقد يختار الكاتب شخصيات بسيطة لكنه يجعلها نماذج إنسانية غنية بالإيحاءات والمعاني، وهل عرف الأدب أعمق أثراً من "شيخ" همنغواي في صراعه المرير مع البحر؟ كما يمكن للكاتب من جملة اختيارات أن يجعل شخصياته مرآة لمجتمعها. وهنا لن نجد مثلاً أصدق وأبلغ من ثلاثية نجيب محفوظ، حيث نقرأ من خلال بطله الفريد أحمد عبد الجواد، ومن خلال أبنائه وأحفاده، تاريخ مصر في حقبة طويلة من أواخر الاحتلال الانكليزي لها. ويتفنن الكتّاب في هذا المجال كل على هواه. فكافكا يلتقط شخصياته من التخوم الرجراجة بين الحلم والواقع، بين الحلم والكابوس، بين الشعور واللا شعور، أو هي ظلال اللا شعور الهاربة على شاشة الشعور في ومضات خاطفة، وحمّلها ما تشاء من المعاني والإسقاطات، فلا يمكنك أن تستنفد جميع تلميحاتها واحتمالاتها، لأنها الرمز الأمثل الذي يتقبل جميع التأويلات. تُرى، فما موقع شخصيات "البحث عن الظلام"؟ نحن هنا في زنزانة. إذن القضية اجتماعية سياسية. والراوي أحمد متهم بالمعارضة. أصبحنا بالتالي أمام مشكلة الحرية. لكن السجين الثاني هو رجل السلطة الذي أودع أحمد في السجن. وها قد توسعت الدائرة  وأصبحنا حيال مرحلة تاريخية كاملة من حياة مجتمع. ضمن هذا السياق، قد يكون اختيار المنظور الوطني الشامل لحركة الشخصيات هو الأصدق والأنسب. وقدمت الرواية تلميحات.. خجولة في هذا الاتجاه:

-كابوس الراوي عن حملة السلاطين على المطالبين بالخبز، والديمقراطية والحب.

-تعهير نانا سعيد على يد زهوة رنجوس زوجة الآغا

-تعهير وجيها حسين على يد العائلة الدينية العريقة، عائلة (ك).

-تخلي الراوي عن قريته وعن والده الذي ترك وحيداً مع طاحونته في وجه العاصفة والسيل.

وغير ذلك؟ لا شيء. لقد بدأت الرواية ضمن هذا المنظور. فكان لزاماً أن تستمر في هذا الطريق حتى نهايته، لكن الكاتب "كوع" مباشرة نحو التحليل النفسي الفرويدي، وانتهى كابوس السلاطين بغتة بالأب الذي يستنجد بالراوي كي يقمع "خيانة" الأم. ويقف الابن دون التباس، كما شاهدنا، إلى جانب الأم في وجه الأب المنبعث من قبره للإزعاج والتنغيص. وهذه الانعطافه المباغتة ليس لها أي تفسير في بناء الشخصية والحدث. دون شك، كان يمكن للكاتب اعتماد ذلك المنظور وبالتالي كان لا بد من إسقاط تلك التلميحات الخجولة التي لا تؤدي إلا إلى تخلخل وحدة البناء والرؤية. وعلى مستوى بناء الشخصيات فردياً. فابن العم السلطوي محمود باهت الملامح مطموس السمات، صامت صمت أبي الهول، وهو في النهاية لا يعدو أن يكون فكرة ذهنية مجردة. إنه "التسلط" وقد ألبس اسم محمود وأودع السجن لتتم مناقشة الموضوع التسلطي جملة وتفصيلاً على يد الراوي الكاتب. وماذا عن الشخصيات الأنثوية؟ إنهنّ جميعاً عواهر، باستثناء زهوة رنجوس، زوجة الآغا، فتلك قوّادة حقيقية، وباستثناء سميرة حب الراوي الغضّ التي تمرّ مرّ السحاب، وكان أحمد على وشك أن يطبع على ثغرها قبلة التواصل الإنساني، رمز الحب والحرية في الوقت نفسه، لولا حملة السلاطين المباغتة. لكنها جميعاً شخصيات باهتة ولا يمكن التعرف عليها إلا من خلال جمال الجسد، الذي استحوذ على أحلام الراوي، دون أن نعرف شيئاً عن عالمها النفسي والذهني: فهل تجردت المرأة من كل شيء سوى الجسد؟ الشخصية الوحيدة التي تبرز بوضوح كاف هي شخصية الراوي أحمد التي تمحورت من حولها الشخصيات جميعاً. لكنها شخصية متناقضة بسبب فقدان المنظور الموحد في معمارية تكوينها الفردي، والوطني، والإنساني. فهل كان هرب أحمد من القرية قفزة عالية من فوق عقدة أوديب، أم خيانة للجذور الريفية الأصيلة؟ وهل تمثل ضرورة الرجوع إلى "كرم المزرعة" هزيمة أمام الشعور الأوديبي بالذنب أم يقظة الوعي الاجتماعي والوفاء لمسقط الرأس الذي هو في النهاية الوطن المصغّر؟

2 ـ وتردد حسن صقر بين السيرة الذاتية وبين الشكل الدرامي حتى نهاية عمله، حتى لقد تبدّى أحياناً وكأنه سيرة ذاتية كساها بتشكيلات درامية. يقيناً، كان يمكن للكاتب اختيار السيرة الذاتية. ليبدع في هذا المجال أثراً فنياً باقياً، اللهم إن كان في حوزته تجربة اجتماعية وسياسية غنية، كما فعل هشام شرّابي في "الجمر والرماد، مذكرات مثقف عربي"، وهو كتاب آسر بحق، حافل بالإثارة والتشويق، غني بالتحليل والمناقشة.. فهو، دون حاجة لتكلف الصيغة الروائية، رواية لا كالروايات رواية واقعية، جميع أحداثها من أرض الحقيقة والواقع. وسوف أكتفي بمثلين اثنين على تشتت "البحث عن الظلام"، في مزالق السيرة الذاتية:

أ ـ النزول إلى ألمانيا ـ برلين ـ والتجول في العالم من عين صالح في الصحراء الإفريقية إلى التيرول النمساوية. فما هي الغاية من هذه "السياحة"، ضمن البناء الدرامي للرواية موضع الدراسة؟ في مركز عين صالح للأرصاد جاءه طيف الجدة نانا  سعيد عواصف هائجة، وكانت قد راودته حيالها سابقاً رغبات آثمة، فطمأنته بأنها: "الطبيعة". أو لم يكن بالإمكان إثارة تلك العواصف وتهدئتها في أي مكان آخر، وليكن مدينة اللاذقية حيث قصدها الراوي للدراسة صبياً، أو العاصمة دمشق، حيث عمل في مركز للأرصاد الجوية؟ وماذا عن برلين؟ هنا شبح كارل هوفمان الذي راح يطارد الراوي بوقاحة غريبة ويتكشف لنا في النهاية أنه ضمير الراوي وأنه شبح الأب الذي يلاحقه بالإدانة فما هو التوضيح الإضافي الذي قدمته لنا جنسية الشبح الألمانية وأنه جنرال خذل امبراطوره وقصّر في نصرته؟ وهنا أيضاً روزا ماري الساحرة الجمال التي تشاركه فراشه على بياض، ثم تمضي إلى خطيبها ـ!! ـ وفي النهاية تتوحد شخصيتها مع شخصية نانا سعيد، لتندمج لاحقاً مع كارل هوفمان: فإن تكن ألمانية، أو أمريكية، أو سورية، فالأمر هو هو، وهذه التفصيلات ضمن السياق المعماري للرواية حشو زائد. فما الذي دفع الراوي إلى هذه الجزئيات؟ إنها تجربة الكاتب الشخصية، حيث سافر إلى برلين في دورة دراسية. ودون هذه التجربة لا نستطيع أن نفهم إقحام هذه السياحة الخارجة عن ضرورات المعمار الداخلي للرواية. نعم، كان يمكن لهذه الأحداث الإضافية إغناء التنامي الدرامي إلى أبعد حد لو وظفت ضمن هيكلية البناء الروائي لتتكامل مع باقي التفاصيل من الداخل دون أي نشاز لكن الرواية تجنبت ـ أكاد أقول عن عمد ـ هذا التكامل وهذا التماسك فجاءت السياحة العالمية فيها تلوينات مجانية، أو هي ربما مجرد ذكريات ملحّة لم يمكن طردها من الذاكرة. وبالمناسبة فقد ورد تساؤل مرير عن السبب الذي يجعل الناس  ينامون سعداء في أوروبا الضفة اليمنى للمتوسط، وتعساء في بلادنا ـ الضفة اليسرى ـ. ولكن الراوي أحمد عرض لنا فيما بعد تلك "الأوروبا":

ـ جسداً حياً  بضمير منخور (كارل هوفمان).

ـ جسداً حياً بعاطفة ميتة (روزا ماري).

ـ وأخيراً صرخة متشرد تدوي على طريق محطة القطار: "الدنيا كلها خراء"..

عجباً، فأين المستسلمون للرقاد السعيد الهانئ؟ نشاز آخر من بين النشازات التي وردت في الرواية.

ب ـ والمثل الثاني الصارخ على التشتت باتجاه السيرة الذاتية: ذلك التعيس يوسف  طاهر الديل، الذي توافق إسهاله الشعري مع إسهال اسكندر الديك الهضمي، زماناً ومكاناً، فكان من جرَّاء ذلك تبادل المواقع، لينتهي يوسف لاعق أحذية في السجن ـ وليأخذ اسكندر مكانه في أحضان حسيبا. ما المقصود بذلك ضمن المعاني الداخلية؟ لاشك أن حسن صقر يحمل نفوراً عميقاً من الشعر بشكله السرطاني الكئيب في واجهة الحياة الاجتماعية: فالشعر للتأبين، وللاحتفالات السياسية، وللأعراس، والشعر للمباركات، و"للممالحات الأخوانية".. و.. و. و نعم الشعر بشكله المعروض علينا ورم سرطاني حقيقي. لكن، لقد سبق وعرضت الرواية صورة مؤثرة للشعر، ومأساته في الفصل الثالث. قد يقال ذلك شاعر شاب ثورجي، أما يوسف في الفصل الثامن فهو، حسب كل الظواهر، شاعر كلاسيكي مخضرم، ليكن! فلماذا هذا الانقسام الغريب حيث أصبحت الشخصية الواحدة موزعة في شطرين! فهي  يوسف وهي اسكندر في الوقت نفسه؟! وماتكون شذى، الطفلة البريئة ابنة مدير السجن التي رضي يوسف، تضحية من أجلها، أن "يلعق" حذاء والدها؟ حالة سريالية غريبة لا تندمج أبداً ضمن سياق البناء الدرامي للرواية.. وقدم الكاتب بهذا الصدد تفصيلات صغيرة ليحيل الموضوع إلى أرض الحقيقة والواقع، من خلال اسم الزوجة: "حسيبا".. ومن خلال قرية الشاعر، "تل العدس"، ومن خلال الهذيان بمطاردة المخابرات الدولية. فالقريب من الأحداث يعلم مباشرة أن المعني شاعر محدد توفي منذ زمن غير بعيد، وكان اسم زوجته "حسيبا" فعلاً، كان يسميها مازحاً: "العنزة"! ـ وكان مسقط رأسه : "خربة العدس"، على مسافة قصيرة، شرق مدينة جبلة في محافظة اللاذقية. وكان ـ أي نعم!  ـ مصاباً بهذيان الاضطهاد الذي ساعده في الشباب على إبداع ديوان عنوانه "آلام"، هو من عيون الشعر السوري تخصيصاً، والعربي تعميماً. وكان يمكنه من خلال تمرّسه بالألم أن يرفع أركان مدرسة رومانسية فريدة، ولكنه "انعطف"، إلى الهجاء الشخصي والسياسي، فأصبح بديباجته القوية "فزّاعة" حقيقية على مدى مايقرب من نصف قرن. وكان مسكوناً بهذيان أنه ملاحق، محاصر: حسيبا (عنزته) من جهة، والمخابرات الدولية على تنوعها من جهة أخرى. ما علاقة المخابرات؟ كان في حوزته ـ على ذمته ـ من الأسرار والوثائق مالو باح به لزلزلت الأرض زلزالها. ولم يكن لديه أولاد فتبنَّى في الستينات طفلة صغيرة، وكان مضطراً في سبيل تربيتها إلى لعق مالا يلعق (أو هكذا راح يعلل تهافته وضعفه). الحالة السريالية أصبحت مفهومة الآن، لكن من خلال الشاعر الحقيقي: فهو سجين حسيبا باختياره، هرباً من السجن الحقيقي (اسكندر الديك إذن)، وهو لاعق أحذية أيضاً في سبيل الطفلة المتبناة، وانسحاقاً أمام نبذ حسيبا وعدم تفهمها لشاعريته (أي يوسف طاهر الديل)، وقد نجح هذا الشاعر في رسم هالة أسطورية حول نفسه، ويبدو أن حسن صقر إنما أراد تحديداً تمزيق تلك الهالة. ولاشك أن للكاتب مطلق الحق والحرية في اختيار شخصياته من الواقع، لكن عليه في هذه الحالة أن يحلّق بها عالياً، باتجاه الحياة الفنية، مخرجاً إياها إلى غير رجعة من سياقها الحياتي إلى سياق العمل الفني الذي يريد دمجها به بوحدة متينة لا فكاك لها. ويبدو أن الكاتب يعي تماماً ذلك الفخ دون أن يستطيع التخلص منه، فيقول على لسان الراوي أحمد في الصفحة /56/: ". كتبت عن أناس محددين بالاسم من رجال ونساء. وكتبت عن وجوه أعرفها حق المعرفة"، وفي الفصل السابع، يكشف الروائي أنه في مونولوجه ـ الحواري الطويل مع ابن عمه يعرض سيرة ذاتية، ويميز في هذا المجال: "ربما توافقني على القول بأن هنالك نوعين من السيرة الذاتية: السيرة الحقيقية والسيرة الكاذبة"، وتعقيباً نقول: وهناك نوعان من الصياغة الأدبية، السيرة الذاتية والراوية! وليت الكاتب حسم أمره واختار أحد الأسلوبين!

3 ـ الأمر الثالث الذي كان وراء تشتت "البحث عن الظلام"، أنَّ الكاتب قادم من القصة القصيرة تحديداً، وسبق له أن قدم مجموعات عدّة متميزة شكلاً ومضموناً، وأصبح له خطه المستقل ضمن مسار القصة القصيرة في سوريا. يحق لأي كاتب بالتأكيد  "تجريد" همته لتجربة الشكل الأدبي الذي يحلو له؛ لكن القصة القصيرة وتقنيتها معششتان في أعماق حسن صقر فجاءت الرواية وكأنها مجموعة قصص قصيرة ضُمّت لحمتها إلى بعضها، من فصل لفصل، بالمونولوج المستمر من خلال نقاش ذهني لا ينقطع عن الألم، والحب، والتعذيب، والشر، ومعنى التاريخ، الخ.. ولو قطعنا تلك الجسور الذهنية التجريدية لأمكننا أن نقرأ العمل كمجموعة من تسع قصص قصيرة:

ـ فالفصل الأوّل قصة سجين يستقبل سجانه في زنزانته ذاتها وقد أصبح الاثنان ضحية آلية القمع نفسه؛

ـ والفصل الثاني قصة لقاء عاطفي غضّ نديّ يحطمه في لحظة هجوم سلاطين الشرق في حملة ساحقة؛

ـ الفصل الثالث قصة شاعر شاب مسكون بالشعر والمستحيل، وينتهي إلى المصح العقلي؛

ـ الفصل الرابع قصة عبثية عن مشروع انتحار يخطط له عبثي مهزوم ثم يعدل في آخر لحظة لأنه لا يجوز أن يفسد نظام اللعبة؛

ـ والفصل الخامس قصة غريبة عن عربي في ألمانيا يطارده شبح جنرال يتجول بجسد حي وروح ميتة، وتحرك شهوته دون أن ترويها فتاة ألمانية، تتركه فيما بعد وحيداً مع الفجر وشبح الجنرال؛

ـ الفصل السادس عن حب غض آخر تعطله هذه المرة زهوة رنجوس، زوجة الآغا، وتئده في أحضان عجوز محطم بعد قتل العاشق الشاب:

ـ والفصل السابع قصة حب شهواني يتحول بترتيبات ذكية إلى دعارة منظمة، ستارتها عجوز آخر محطم؛

ـ والفصل الثامن قصة سريالية طريفة مسلية عن شاعر مهووس بإنقاذ الأمة العربية جمعاء بقصيدة عصماء يخطط لها تحت عنوان "الهيجان"، لكن التعيس ينتهي إلى السجن بسبب "إسهال" سجين سياسي يحتل مكانه في أحضان الزوجة المسرورة بتغيير الشريك. وفي السجن الاختياري، يتحول منقذ الأمة إلى لاعق أحذية.

ـ والفصل التاسع والأخير قصة جميلة مؤثرة، عن متهم بالمعارضة يعتقله شخص يرتدي قبعة شبح، وسترة والده المتوفى، وسروال عنصر المخابرات الذي كان يطارده.

نعم، كان يمكن لرواية "البحث عن الظلام"، أن تسمو إلى مصاف عيون الأدب الإنساني، باللقطة الذكية الغنية التي انطلقت منها: وضع مرحلة تاريخية بأكملها داخل زنزانة لاستجلاء الحقائق الكامنة وراء الفشل والسقوط. لكن الكاتب فضّل صيغة جديدة  غير مألوفة من التأليف الروائي. ومن يدري. فربما استقر في يقينه ونزوعه الإبداعي أن هذا التحديث الغريب من خلال التشتت والانفلاش يعطي مزيداً من القوة والتأثير. يبقى هذا الرأي ـ إن وجد- في غاية الخصوصية.

ويبقى، مع ذلك وبرغم كل ذلك أن "البحث عن الظلام"، من الأعمال المتميزة في مجال الرواية السورية، شكلاً ومضموناً، ولن يمنعنا تميزها في ختام هذه الدراسة من إيراد بعض الملاحظات التي هي متممات التشكيل المعماري الروائي، إن لم تكن هي العمارة نفسها أحياناً:

1 ـ التحايل على أسماء المواقع والأماكن أمر محيّر لدى بعض كتابنا، فـ"للأماكن أرواح تعلق بالنفوس"، كما قال ابن عربي. ولا نفهم أسباب التحرج من ذكر الاسم الحقيقي لبعض الأماكن. فما تكون "كرم المزرعة"؟ ليته قال "عين شقاق"، فأراح واستراح ـ وهي قريته تحديداً، وهي القرية المعنيةـ ؛ علما بأنه يقول: برلين ودمشق دون أي حرج!! والأغرب أن أسماء بعض الشخصيات المأخوذة من الواقع تركت عن قصد على حقيقتها! فتلك آية معكوسة، إذ لا يجوز إيراد الاسم الحقيقي لأحد في عمل فني ـ إلا في الأعمال التاريخية ـ لأنه في واقع الأمر قد أصبح شخصية جديدة من خلال قراءة الكاتب له ضمن منظور عمله الفني، بينما يجب دون مواربة وبكل جرأة تثبيت أسماء الأماكن، وهذا أضعف الإيمان في مصداقية العمل.

2 ـ الأمر الآخر الذي نريد التوقف عنده أن "مواطني جمهورية الآداب"، في الأعم الأغلب لا يقرؤون. وهذا طبيعي، لأن مهمتهم أن يعيشوا، وإنما يستقي القارئ التجارب والعبر من حياتهم لا من ثقافتهم الغنية. وأندر من النادر أن تجد بطل رواية يقرأ. من أولئك النادرين دون كيشوت الذي تحدث عنه الراوي أحمد. لكن قراءات دون كيشوت هي لعنته، لأن المسكين راح في النهاية ضحية لها، ولا تعود إليه قواه العقلية إلا بعد معاهدة نفسه على التخلي عنها إلى غير رجعة. ودون كيشوت آخر من نوع مختلف، فرنسي هذه المرة، كان يقرأ أيضاً: إنه جوليان سوريل، الشاب الطموح، بطل "الأحمر والأسود"، رواية ستاندال الشهيرة. كان  يقرأ، والأدهى من ذلك أنه كان يخفي أيضاً صورة نابليون تحت فراشه، وهذا ما "طيّر" براغي عقل والده الذي كان يريده مساعداً له في منشرته، في تلك البلدة الريفية الصغيرة. لقد انتهى جوليان سوريل هو أيضاً إلى فشل ذريع، وقطعوا رأسه بالمقصلة فراح، مثل نظيره الإسباني، ضحية الطموح الخيالي المجنّح الذي ما تحرّك ونشط إلا بتحريض القراءة المستمرة. أمثلة قليلة مأخوذة من جمهورية الآداب، وسوى ذلك فالجميع  "يعيشون". وحتى القارئان الخياليان، الفرنسي والإسباني، فحياتهما هي التي أعطت العبر والعظات، وأعطت النبض الدافئ الموحي على امتداد الصفحات.

وأما البطل الأساسي في "البحث عن الظلام" الراوي أحمد، فهو قارئ عتيد، ومثقف قرم، لا يمل من إيراد الأسماء والاستشهادات ولولا العيب لأورد ثبتاً بالمراجع والمصادر!! نعم، لقد جعله الكاتب الناطق باسمه، وألبسه موهبته الأدبية فجعله قصاصاً، لكن ذلك لا يشفع للراوي أحمد ـ ومن ورائه الكاتب ـ استغراقه في عرض تفاصيل ثقافته. فاللقطة الروائية تتعامل بالمحسوس، ومن خلال الحسي المكثف ومايحمله من إيحاءات يتم استحضار الزمن الضائع، مجسماً، مكثفاً، بين دفّتي الرواية.. أية رواية.

3 ـ بقيت الكلمة ختاماً، والكلمة مربط الفرس لدى جميع من تملّكت أقلامهم لعنة الكتابة الأدبية، فالإبداع الأدبي عمارة مادتها الوحيدة.. كلمات. وقالوا: "الكاتب أسلوب". وما أصدق هذا القول! فالكاتب المبدع هو الذي يبتكر قبل كل شيء أسلوبه الأصيل، تمايزاً عن جميع الآخرين، فله مفرداته الخاصة، وطريقته المميزة في بناء الجمل، واستخدام صيغ الأفعال، وأدوات الاستفهام، و و ولـه فوق كل ذلك ومن خلاله تمثله الشخصي للغة، وإعادة خلقها في ذلك القالب الفني الشخصي. فما أبعد كتابنا أحياناً عن هذا الهاجس! لاشك أنهم يعانون معاناة مريرة من ذلك الطلاق المؤلم بين لغة كتابة معربة ولغة كلام غير معربة، مع الاختلاف الكامل أحياناً في المفردات وفي البناء. لكن هذا لا يعفي أحداً من ابتكار لغته الخاصة، وليكتب إن شاء لغة مبسطة بين العامية والفصحى، مثل توفيق الحكيم مثلاً، شرط أن تكون اللغة تلك "لغته" هو دون غيره، فنستطيع التعرف بها عليه أينما وجدنا من نتاج قلمه ولو مجرد مقطع صغير. وإذا ما تأملنا جملة حسن صقر وجدناها مكثفة مشحونة في الحوار وتنطلق كالسهم إلى الهدف في الصميم:

" قالت سميرة عندما رأتني مطرقاً إلى الأرض:

ـ مالك؟! هل أنت خائف من الربيع؟

قلت:

ـ كلا. أنا خائف منك أنت.

قالت:

ـ  أنا أتيت إليك كي لا تبقى وحيداً.

قلت:

ـ  هل تعطيني قبلة ياسميرة، أم نبحث في مسألة الزواج؟

قالت :

ـ  هل أنت مجنون؟

قلت:

ـ كيف؟

قالت :

ـ  هناك ريف صخري بيني وبينك، أما تراه؟

ـ بلى.

ـ إذا استطعت أن تجتازه كان بإمكانك أن تضمني كما تشاء.
[ص 23-24]

حوار جميل سريع مليء بالإيحاءات والتلميحات، ومن الكلمات القليلة تتدفق المعاني، في جمل رشيقة حافظت على رشاقتها حتى الجملة الحوارية الأخيرة حيث أقحمت "كان" في قوله "كان بإمكانك أن تضمني"، وهي دون معنى موجب، بل ربما كان المضارع"تضمني" في غير محله هو الآخر لأنه لا يعبر عن الشوق المتأجج، وكم كان الأمر، أمر الطلب والتشهّي: "ضمني" أفضل وأبلغ، لتصبح الجملة:

"إذا استطعت أن تجتازه، ضمّني كما تشاء".

لكنه ترهل بسيط، ومثل هذه الترهلات في جملة حسن صقر الحوارية نادرة جداً. بالمقابل، فإن جملة السرد تتعثر باستمرار بين الترهل والرشاقة، ويبدو بوضوح أن الكاتب يهمل متعمداً العناية بأسلوبه، ويغفل في أحيان كثيرة عما تحمله جمله من تلكؤ وثقل. خذ مثلاً في الصفحة /47/:

" فكما أنه ليس كل برق يؤدي إلى انهمار المطر، كذلك فإنه ليس كل توهج روحي يؤدي إلى تحقيق القفزة التي لا رجعة عنها".

فهل هناك أثقل  من هذا "المفصل" الغريب: "فكما أنه.. كذلك فإنه"، لربط جملتين المطلوب التحامهما بكل رشاقة وسرعة. فليته قال: "فما كل برق يؤدي إلى انهمار المطر، ولا كل توهج روحي يؤدي إلى تحقيق القفزة التي لا رجعة عنها".

وبينما ترقص الجملة السردية التالية، خفيفة، معبرة، في الصفحة /9/:

".. لم أراهن على السعادة ولم أبحث عنها. أنا بحثت عن اللغز..".

تأتي الجملة الواردة في الصفحة /47/ مثقلة بـ"مفصل" غريب، جديد، يشل مرونتها:

"أنا رأيي، إن أهم شيء في الإنسان هو أنه لغز غير قابل للحل".

صيغة مستثقلة للربط تلك الـ"إنَّ أهم شيء هو أنَّ "، وهي في جميع الأحوال غير لازمة على الإطلاق، وبالمناسبة، يمكننا التساؤل عن حكاية "إنّ" التي تمسك بأعناق جميع الجمل، خصوصاً عندما تدعمها مباشرة، "أنَّ" في تعاقب غريب، عجيب. خذ مثلاً في الصفحة /99/:

" وإذا كان هذا صحيحاً، فإن هذا يعني أنني أنا رمز، وأنت رمز..".

وهل أوجب في هذا السياق من حذف "فإن هذا يعني أنني"، والاحتفاظ منها بالفاء فقط تضاف إلى "أنا" لتصبح الجملة:

".. وإذا كان هذا صحيحاً، فأنا رمز، وأنت رمز..".

أمثلة قليلة، ولا يمكن استعراض جميع الحالات في هذا المجال، وهي ملاحظات لا تنتقص من سعي حسن صقر إلى الابتعاد عن الإنشاء الأدبي المتكلف ومحاولة تبسيط التعبير والاقتراب به إلى متناول البساطة والدقة، وهذا أمر يستحق الإعجاب والتقدير. لكن جميع كتابنا يحتاجون، بحق، إلى التمهل والتأني قليلاً فيما يخطون على الورق. فالكلمة المكتوبة لها فعل الطلاسم والتمائم، وهي في جميع الأحوال النبع الذي يستقي منه القراء أساليبهم وتعابيرهم.

توضيح أخير، ونختتم هذه الدراسة. فالنقد أقبحه ماكان تبجحاً، أو تجريحاً أو تجنياً، وأجمله ماكان موضوعية وشمولية، فلعليّ ما جانبت النقد الجميل، وإن أكن قد فعلت فلا يضير الكاتب من هذه الملاحظات شيء.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244