إطلالات نقدية - سلمان حرفوش

(دراسات تطبيقية فـي الأدب السوري الحديث) - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:31 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
جبرائيل سعادة قصّاصاً

جبرائيل سعادة قصّاصاً

جبرائيل سعادة ظاهرة، فهو عالم آثار، وباحث تاريخي، وهو كاتب جرب الخاطرة الوجدانية، والقصة القصيرة، والمسرحية، والشعر؛ وهو من المهتمين بالموسيقى وكتب أبحاثاً موسيقية، بل جرّب التأليف الموسيقي أيضاً؛ دون أن ننسى اهتمامه بالكتاب حتى توفرت لديه مكتبة من أغنى المكتبات الخاصة يضعها في متناول الباحثين؛ بالإضافة إلى الندوات نصف الشهرية  التي تنعقد في منزلـه: فندوة للموسيقا الكلاسيكية سماعاً وتحليلاً، وندوة للفكر تلقى فيها محاضرات متنوعة، فكأن بيته مركز ثقافي مصغّر، وما انتهت بعد لائحة نشاطاته، فهو محرّك "جمعية العاديات"، باللاذقية؛ وفوق هذا وذاك جميعاً قد يستحسن التذكير بأركيلته التي هي من ضمن نشاطه اليومي على مدى عمر كامل، فهل اكتملت اللوحة؟! من أراد يمكنه إضافة المزيد ـ سلباً أو إيجاباً ـ لكننا من جانبنا نتوقف عند هذا الحد. ومن غرائبه ومفارقاته أن جانباً هاماً من كتاباته صدر باللغة الفرنسية. وقمت شخصياً ـ غير مشكور فيما  يبدو "([1]) ـ بترجمة مجموعة قصصية لـه تعود إلى فترة الخمسينات. وهذه الدراسة وقفة  نقدية محايدة حيال مجموعة القصص تلك التي صدرت عن "دار المنارة" باللاذقية تحت عنوان :"وراء القضبان".

والكتاب من القطع الصغير ويقع في  (198) صفحة،  ويضم إحدى عشرة قصة قصيرة مرتبة تسلسلاً بالعناوين التالية:

1 ـ ما أجاب به البقال     : (وقد نشرت سنة 1954 في مجلة لبنان
Revue du Liban )

2 ـ المربكة والمشكال    : (ونشرت هي أيضاً سنة 1954 في المجلة البيروتية نفسها).

3 ـ الملامسة الوحيدة     : (لم يسبق نشرها).

4 ـ دروب لا تلتقي  : (نشرت سنة 1958 في المجلة البيروتية نفسها).

5 ـ الكونشرتو المسحور:(لم يسبق نشرها).

6 ـ الوحش ذو العيون الخضر: (نشرت سنة 1955 في المجلة البيروتية نفسها).

7 ـ أسباب تخفيفية  : (نشرت هي أيضاً سنة 1955 في المجلة البيروتية نفسها).

8 ـ ملتقى البؤس    :(لم يسبق نشرها).

9 ـ جريمة عند المفترق: (نشرت أيضاً سنة 1955 في المجلة البيروتية نفسها).

10 ـ جريمة عين الجرن: نشرت سنة 1971 في الملحق الثقافي للجريدة البيروتية L’Orient – Le Jour).

11 ـ نجوم تموز    : :(لم يسبق نشرها).

ويتبين من هذا الجدول أن أربع قصص لا غير لم يسبق نشرها، لكنها كتبت في فترة الخمسينات ـ حسب توضيح الكاتب في مقدمة مجموعته ـ بينما نشرت القصص الباقية في فترة الخمسينات، في المجلة البيروتية  La Revue du Liban باستثناء "جريمة عين الجرن"، التي نشرت في عام 1971، في الملحق الأدبي للصحيفة البيروتية المعروفة L’Orient – le jour.

فما هي  مادة هذه القصص؟ يقول الكاتب في مقدمة مجموعته بأسلوب أقرب مايكون إلى الاعتذار إن قصصه" لا تطرح إلاّ حالات لأفراد من رجال ونساء، مركزة على الجانب النفسي منهم دون سواه، وتحاول إضاءة عالمهم الداخلي وكشف القناع عن نوازعهم التي تتحكم بسلوكهم"، ويتابع بلهجة الاعتذار نفسها موضحاً" إن معظم الأحداث تجري في مجتمع بورجوازي.."، وتأتي الجملة الختامية التي "تقفل" هذا المقطع من المقدمة وكأنها دفاع مسبق لدفع "تهمة" بورجوازية أبطال القصص، إذ يتابع الكاتب قائلاً:"ولكنني أعتقد أن الأنماط البشرية التي أروي أخبارها ليست مرتبطة أصلاً بهذا المجتمع بل لها أشباه في كل الأوساط" ونحن من جانبنا سوف نسارع إلى التوضيح بأن تلك القصص على تنوعها لم تعالج سوى موضوع وحيد، وأن الشخصيات برغم انتمائها إلى البورجوازية اللاذقانية ـ المسيحية تحديداً ـ هي نماذج إنسانية جرى عرضها لا من خلال بورجوازيتها أو مسيحيتها وإنما تحديداً وبكل دقة من خلال تفاعلها مع ذلك الموضوع الوحيد، شغل الإنسانية الشاغل بأبعاده الوجودية، والفردية، والدينية، ألا وهو:   الحب. ويمكننا بهذا الصدد تقديم موجز عن تلك القصص، وسوف نجد فيه برغم إيجازه، البرهان على وحدة موضوع الحب فيها جميعاً:

1 ـ تبدأ المجموعة بقصة: "ما أجاب به البقال". وهي تروي حكاية رجل أرمل، أسير كرسي متحرك بسبب شلل أصابه. ويعاني المشلول عادل من هلوسات بصرية  ترسم له حلماً جميلاً يتراءى له من خلاله وجود فتاة لطيفة، آسرة، في المنزل المقابل لمنزله. ويقع في غرامها، ويروح يتابع ـ واهماً ـ جميع حركاتها جيئة وذهاباً في المنزل، وينسج حولها مايشاء من عواطف وأفكار، ثم تنقشع الغشاوة ـ الهلوسة ذات يوم، فتختفي الفتاة وهذا أمر يوقعه في حيرة كبيرة، فأين تبخرت تلك الفتاة الساحرة؟ يرسل خادمه ليستعلم من البقال. وينفذ الخادم المهمة، بل ويصعد إلى البناية المقابلة أيضاً زيادة في الاستيضاح ليعود بالخبر المذهل: "ـ سيدي لقد حسبوني من المجانين!.."، فعائلة المحبوبة التي تسكن فوق مخزن البقال مؤلفة من عجوزين لم ينجبا أبداً في يوم من الأيام، والمحبوبة الساحرة لم تكن سوى طيف وهم عابر، مخادع.

2 ـ والقصة الثانية "المربكة والمشكال"(*)، بطلتها مراهقة حرمتها الطبيعة من جمال الأنوثة ومع المراهقة يكون وعي الذات والاهتمام بالجنس الآخر، ومع بداية هذه الحقبة من حياتها أدركت البطلة "هدى" أن دمامتها لا تغتفر وأنها لن تحظى أبداً باهتمام الشباب. لكن صديقاتها يتلقين الرسائل الغرامية، والأمرّ أنهن جعلن منها نجيّة أسرارهن العاطفية. ما العمل إذن تجاه هذا الشعور المرير بالحرمان والغيرة؟ هداها يأسها في ساعة من ساعات الحصار الكامل إلى حيلة مؤلمة: إذ بدأت تكتب رسائل غرامية وتوجهها إلى نفسها عبر بريد المدينة، وأصبح لها بالتالي رسائلها العاطفية ـ المزوّرة ـ المتواترة دون انقطاع. ويشاء القدر أن تصلها في أحد الأيام رسالة عاطفية حقيقية من فادي. وفادي تجهل كل شيء عنه. لنا أن نتصوّر حالتها آنذاك، والانقلاب الهائل الذي حول مجرى حياتها النفسية، وبالطبع فقد انقطعت عن "مكاتبة نفسها".

وراحت تنتظر الرسائل الموعودة تمهيداً للقاء القريب. لكن الانتظار يطول، وتذهب الآمال أدراج الرياح، فتعود إلى "لعبتها" الأليمة يائسة، محطمة. وفي أحد الأيام تصلها رسالة تظن أنها من رسائلها "المزورة"، فتسارع إلى تمزيقها لتكتشف بعد ذلك أن الرسالة هي من فادي. وتبدأ بتجميع نتف من الرسالة الممزقة ـ لعبة البزل ـ مثلما يتمّ  تجميع أجزاء الصورة المقطعة. وعندما تكتمل الرسالة تكتشف أن فادي يعتذر عن تسرعه في البوح بحبه، وأنه لا يحب اللهو ولا اللاهين، وأنه بالمقابل لا يمكنه الزواج لظروف عائلية خاصة وهو.. يعتذر! ويصارحها أنه قاسى الأمرّين حتى تمكن أخيراً من نسيان عاطفته والتحكم بها!! تنهار جميع الأحلام السعيدة التي دغدغت آمال "هدى" للحظة خادعة  من لحظات الأمل والسعادة الكاذبة، لكنها في غمرة اليأس يخيل إليها أنها ربما أخطأت في تجميع أجزاء الرسالة، وأنها قد توفق إذا غيرت ترتيب القصاصات إلى قراءة نص مختلف معاكس (الكاليدوسكوب). ويتركها الكاتب وهي تحاول عبثاً إنطاق الرسالة مالا يمكن أن تقوله.

3 ـ تطل "الملامسة الوحيدة(*)" لتروي قصة حب من نوع مختلف، إذ هو حب معذب بالشعور بالخطيئة والذنب لأن المحبة "سامية"، تعشق صهرها بصمت وتكتم وتعتريها من جراء ذلك غيرة عمياء تجاه شقيقتها "مريم". ولأنها تقيم في منزل شقيقتها تبدأ المشاحنات والتواترات ذات المنشأ المجهول، ظاهرياً، وأما الزوج "مروان" الغافل عن عاطفة سامية، فيأخذ بالطبع بأقوال زوجته، وفي أحد المواقف المشحونة يهم بصفع سامية، لتهتف به هذه الأخيرة:

ـ اضرب!.. سوف أشعر على الأقل بيدك فوق وجهي. تلك ستكون اللمسة الوحيدة التي نلتها منك!

وتفر سامية هاربة إلى غير رجعة بعد أن فضحت سر عذابها وتوترها الدائم، تاركة مروان لحيرته ولنبض خفي استيقظ فجأة في أعماقه.

4 ـ "دروب لا تلتقي"، هي القصة الرابعة في المجموعة، وتروي صراعاً بائساً بين أب وابنه يحبان واهمين المرأة نفسها. أما ذلك الحب فبني على وهم لأن المرأة المحبوبة موضوع النزاع بينهما ليست غير لعوب تتسلى بالعجوز  والشاب في غياب زوجها، مثلما تؤمن عن طريقهما بحبوحة العيش، لكنها بدأت تمل من سخافتهما، ومن غيرتهما الواحد من الآخر، وتعد إحدى صديقاتها بالتخلي عن هذين العاشقين التافهين فور عودة الأخيرة من  سفرها في أوروبا، لتتسلى هي الأخرى بهما لبعض الوقت.

5 ـ وفي "الكونشرتو المسحور"، قصة حب آخر معذب بالشعور بالذنب، لأن المحب سمير يتعشق خطيبة شقيقه زياد. وكان محرك ذلك الحب الآثم السماع المشترك لكونشرتو من تأليف موزار، لأن سمير أثناء دوران الأسطوانة استغرق كلياً في تأمل وجه "رانية" خطيبة شقيقه، متغلغلاً في عينيها، متأنياً عند الابتسامة الرقيقة على ثغرها، متنقلاً على ذلك الوجه المختلج بالمشاعر مع تعاقب حركات الكونشرتو. وهنا حصل اختلاط سريالي عجيب، فأصبح الاستماع للكونشرتو المذكور يوقظ وجه رانية ويجعلها تمثل وكأنها حقيقة من دم ولحم، مثلما أن رؤية رانية يجعل الكونشرتو ينطلق مدوياً في أذني سمير: فهي هلوسة مزدوجة بصرية سمعية، ولا ينتهي الأمر إلا بتحطيم الأسطوانة التي أطلقت شرارة حب غريب، خلطاً مهلوساً يستعصي على الفهم.

6 ـ من بعد كل هذا تأتي قصة "الوحش ذو العيون الخضر"، لتروي حكاية الغيرة القاتلة التي تسمم حياة.."مها" مع زوجها "نعيم"، حتى لا تجد في النهاية ملجأ إلا الفرار في قلب ليلة عاصفة بعد أن لاحقها نعيم بمسدس يريد قتلها به لتشككه في وفائها له.

7 ـ وأما نزيه بطل "أسباب تخفيفية"، فهو محب مهووس بتملك جسد خادمته التي تقاوم شهوته وعواطفه، فلا يملك في النهاية إلا أن يحصل عليها.. بالقتل..

8 ـ و"ملتقى البؤس"، مأساة "أبونا يوسف"، الذي يتلقى اعترافات الخاطئين عصر كل سبت لتطهير الأرواح بالغفران قبل قداس الأحد، لكنه هو الآخر، لولا حلم الله، كاد أن يقع في المعصية، وتعلق فؤاده بزينة التي لجأت إليه محتمية لتخليصها من ملاحقة شقيق زوجها لها. الخاطئون يعترفون للخوري، والخوري من يتلقى اعترافه؟ أبونا يوسف لجأ إلى الرب في عليائه فتاب عليه وألهمه الفرار إلى قرية نائية بعيداً عن اللاذقية وتعقيداتها التي لا تنتهي.

9 ـ نعود في " جريمة عند المفترق" إلى الحب الذي لا يجد وسيلة للتحقق إلا الجريمة، حيث تروح فادية ضحية ثلاثة رجال دفعة واحدة: الزوج، والعشيق، والعاشق. والتحري الخاص سليم، القادم على عجل من بيروت إلى اللاذقية، هو من نجح في فك طلاسم تلك الجريمة المحيرة وبيَّن ضلوع الثلاثة فيها دون أي تنسيق، بل حتى دون أن يعرف أي منهم باشتراك الآخر معه في تنفيذ الجريمة، جريمة قتل بالسم.

10 ـ أما "جريمة عين الجرن"، فهي حكاية حب من نوع مختلف كلياً: إنها حب الرجوع إلى أيام الطفولة السعيدة؛ فالعاشق معلم أربعيني يحج إلى بكفيا في لبنان حيث أمضى مع أهله صيفين متتابعين. وفي حجه ذاك يجلس في مقهى ويرصد البيت  الذي  ضم ذكريات ذلك الزمن البعيد الجميل. لكن رصده المستمر للبيت الحبيب حرّك شبهات طالب جامعي من بكفيا مولع فيما يبدو بتقمص شخصية شرلوك هولمز، وها هو برفقة صديق آخر له من رواد المقهى نفسه يلاحق ذلك المعلم بعد أن حسب أنه مجرم يعد العدة لارتكاب جريمة. أما الحقيقة فالمعلم لم يحضر إلى بكفيا  إلا لمراجعة ذكريات الطفولة، وإلا ـ وهذا الأهم ـ لكتابة قصيدة رائعة تكون في مستوى ذلك الحنين. وتنتهي القصة بانكشاف كل الأمور مما سبب خيبة للتحري اللامع الذي لم يوفق في كشف جريمة خطيرة ومنع وقوعها، بالإضافة إلى خيبة المعلم الذي نجح في كتابة قصيدته العصماء، لكن أياً من التحريين الشابين لم يبد أدنى فضول لسماعها.

11 ـ وختامها مسك مع "نجوم تموز"، في قصة حب غض ندي على شاطئ رملي ساحر، هنالك كان اللقاء الأول بين المحب والمحبوبة، والعجيب الغريب أنه لقاء تم في حلم مشترك متواقت عاشه في الوقت نفسه المحب والمحبوبة، ويمهد هذا الحلم الغريب المحيّر للقاء واجتماع الحبيبين العاشقين تحقيقاً لما حصل في الحلم. وتُترك نهاية الحب معلقة وإن كانت كل الظواهر في سياق القصة تشير إلى أنَّ تحقق الحلم على أرض الواقع انتهى إلى خيبة مريرة.

بعد هذه الجولة الخاطفة على جميع قصص مجموعة "وراء القضبان"، يتبين بوضوح أن القاسم المشترك والموضوع الأوحد فيها هو: الحب، بل نستطيع القول بعد إمعان النظر إن موضوعها هو نوع خاص من الحب، سوف نطلق عليه من جانبنا اسم: الحب المستحيل. فالحب جسر يمتد من "الأنا"، نحو "الآخر" تحقيقاً للتواصل، الجوهر الأمثل للوجود الإنساني. على أن الجسر مهدم والتواصل غير ممكن وفق تجربة أبطال جبرائيل سعادة الذين يعانون جميعاً من استحالة الوصول إلى الآخر. وأما أسباب استحالة التواصل فمتنوعة، يعرض الكاتب في مجموعته ثلاثة فروع لها مصنفة في ثلاثة أنماط من الحب المستحيل:

1 ـ أولها الحب ـ الوهم: "ما أجاب به البقال"؛ "المربكة والمشكال"؛ "دروب لا تلتقي"؛ "نجوم تموز"..

2 ـ وثانيها "الحب ـ العنكبوتي": " الوحش ذو العيون الخضر"؛ "أسباب تخفيفية"؛ "جريمة عند المفترق".

3 ـ أما ثالثها فهو الحب ـ الآثم: "الملامسة الوحيدة"؛ "الكونشرتو المسحور"؛ "ملتقى البؤس".

نعم، المحبة لا تقوم إلا باثنين: محب ومحبوب. فإن كان المحبوب وهماً انتفت المحبة، وإن كان المحب ذاتاً طاغية يهيمن عليها تملك المحبوب حتى الموت قتلاً، فلا يعود للمحبة من وجود؛ وأما الشعور بالذنب والخطيئة أخيراً فهو نبتة سامة تلتف على المحبة وتخنقها، وتجعل من المستحيل الوصول إلى المحبوب المرغوب فيه. لابد لنا الآن من خطوة إضافية للدخول في تفاصيل وتمايزات كل حالة على حدة حسبما عرضت القصص نماذجها المتنوعة.

1 ـ الحب ـ الوهم: ولدينا بهذا الصدد بادئ ذي بدء قصة "ما أجاب به البقال"، حيث يعاني عادل من هلوسات بصرية، فالمحبوب من نسج خياله المريض، وأعصابه المتوترة بعد وفاة زوجته وإصابته بالشلل. وهو حتى آخر لحظة من رصده المستمر للمنزل المقابل ضحية الوهم الذي زينته  له هلوسته فظل يؤمن بحقيقته حتى بعد أن جاءه خادمه بالخبر اليقين. بينما تدرك "هدى" في "المربكة والمشكال"، حقيقة الوهم الذي ابتكرته بحيلة "التكاتب الذاتي"، الأليمة، حيث تشرنقت عزلتها المريرة، فهي المحب والمحبوب، وهي التي تكتب رسائل الغرام وهي التي تتلقاها. وحين لمع بارق فادي لبرهة خاطفة، تمالكت نفسها مرّة واحدة لا غير، وإذ تبين لاحقاً  أن البارق كاذب، عادت إلى تشرنقها الحزين مع كوةٍ صغيرةٍ يتسرب منها شعاع باهت يضيء رسالة ممزقة تحاول تلك الذات المحاصرة عبثاً تجميعها بما يفتح درباً للخلاص، وصولاً إلى الآخر الذي اضمحل وتلاشى. وأما في "دروب لا تلتقي"، فالحب وهم ضائع لأن الأب والابن يتنافسان على سراب. فالمحبوبة ليست أكثر من لاهية لعوب، تملأ وقت فراغها بسبب سفر زوجها إلى أوروبا، مثلما تؤمّن وسائل المزيد من رفاهتها. وبرغم ذلك، فالعاشقان البليدان أصبحا عبئاً عليها وتعد إحدى صويحباتها بالتنازل "لها عنهما، ولا نعلم إن كان ذلك التنازل سوف يتم بوصل استلام وتسليم أو دون وصل.

وأخيراً يتحقق في "نجوم تموز"، نوع غريب من الحب الوهمي. إنه الحب الذي يبدأ من الحلم.. ويكون اللقاء بين المحب والمحبوب من خلال ذلك الحلم المشترك. وهو لقاء ساحر ملك عليهما جميع عواطفهما، وعاشاه لحظة فريدة من لحظات العمر، على شاطئ البحر، تحت سماء تموز المتلألئة بالنجوم. وهذا الحلم المشترك يساعد على اجتماع الحبيبين على أرض الواقع ولكن هيهات. ففي هذه القصة يبدو الوهم وكأنه النسيج الذي حيكت منه خيوط الحب الواهية الحالمة فلا حب إلا بالوهم ومن خلال الأحلام.

2 ـ "الحب ـ العنكبوتي": وأطلقنا  على هذا الحب الطاغي صفة العنكبوتية لأن العنكبوت تلتهم الذكر أثناء التلقيح؛  فإذا أسقطنا هذه الحالة على عالمنا الإنساني وجدنا أن الحب العنكبوتي يتحقق من خلال  طغيان  شهوة التملك فلا وجود إلا لذات المحب الذي يريد "مصادرة" الآخر جسداً وروحاً بالامتلاك الكامل، حتى القتل إذا استوجب  الأمر ذلك. ولدينا بهذا الصدد حالة نزيه، الرجل المستقيم، الوجيه، ورب الأسرة الهادئة الوادعة، الذي يقع فجأة ضحية رغبة مدمرة في الحصول على الخادمة التي تعمل لديهم في المنزل، وعندما تعذر عليه ذلك نتيجة لمقاومة تلك الصبية التي جاءها حب "معلمها" على حين غرة لم يجد وسيلة للحصول عليها إلا القتل، معبراً بالقتل عن أسمى آيات الحب، لأنَّ المحب ـ العنكبوت يعتبر المحبوب ملكاً خاصاً وجزءاً لا يتجزأ منه، ملغياً بذلك حرية الآخر إلغاء لا رجعة فيه، ومتى كانت الحياة العائق في طريق امتلاك المحبوب، كان لابد للمحب ـ العنكبوت من القضاء على ذلك العائق وتحطيمه للوصول إلى بغيته، فيكون القتل آنذاك الامتلاك الأمثل. وتتكرر رغبة الامتلاك الكامل في قصة "جريمة عند المفترق"، لكنها هاهنا مدعّمة بحب الآخرين. فالضحية كانت نقطة التقاء عواطف الزوج والعشيق والعاشق، وكل منهم أراد الاستئثار  بها لنفسه لا غير، فكان لابد من القتل وهو ما أقدموا عليه مجتمعين إذ وضع كل منهم السم خلسة في فنجان القهوة دون دراية من أحد فكانت تلك الجريمة المثلثة الأركان على مفترق عواطف أولئك الغرماء الثلاثة، في ذلك البيت الريفي الضائع من مزرعة، رأى الكاتب أن يسميها "تمركية".

هنا أيضاً ينتفي الحب لوجود غرماء يتنافسون بامتلاك المحبوب، ويعطل كل واحد على الآخر سعادته، وإنجاز مشروعه العاطفي الإنساني. أخيراً تعطل الغيرة الحب تعطيلاً كاملاً في "الوحش ذو العيون الخضر"، والغيرة رغبة قاتلة في التملك والاستئثار. والغيور غرماؤه جميع أبناء جنسه  ذكراً كان أم أنثى، دون أي تمييز. ولسنا بعيدين في هذه القصة عن عطيل وديدمونة، سوى أن مها نجحت في الإفلات هاربة من القتل في آخر لحظة.

3 ـ الحب ـ الآثم: والمساس بالمواضعات الاجتماعية والأخلاقية والدينية هو الآخر عائق منيع، وسوء تفاهم مستفحل، يستعصي معه الحب فتتحطم إمكانية وصول المحب إلى محبوبه. ولدينا بهذا الصدد قصتان متوازيتان تقريباً مضموناً، وإن اختلفتا بناء: "الكونشرتو المسحور"، و"الملامسة الوحيدة"؛ إذ أن سمير بطل الأولى، وسامية، بطلة الثانية، كلاهما محبان معذبان بالشعور بالذنب، الأول لأنه يحب خطيبة شقيقه، والثانية لأنها تحب زوج شقيقتها،  وإذ يتعذر اللقاء لا محالة تتحطم المحبة في القصة الأولى في نهاية سريالية محيرة، مع تحطم الأسطوانة التي ولّدت الحب الآثم، وتتلاشى المحبة في القصة الثانية مع غياب طيف سامية الهاربة من بيت شقيقتها على غير هدى. أما أبونا يوسف فتجربته في "ملتقى البؤس" محض دينية، إذ دخل في امتحان المعصية، وكاد أن يعلق في شباك زينة، الجميلة الغريرة التي تحاول الإفلات من ملاحقة شقيق زوجها بالحضور كل سبت إلى مقصورة الاعتراف  احتماء منها برجل الدين المعذب، الذي لم يجد مناصاً آخر الأمر من الفرار.. إلى اللّه، في قرية نائية، وهنا ينفتح درب فسيح للخلاص فيما يشبه التبشير بالمحبة الإلهية بديلاً عن الحب الدنيوي المستحيل.

وبقيت في المجموعة قصة "جريمة عين الجرن" وقد تركتها عامداً على حدة لأنها نوع آخر من الحب المتشرنق داخل ذات محاصرة. فالمعلم الأربعيني العائد إلى بكفيا لاستذكار طفولته الضائعة وكتابة قصيدة في مستوى تلك الذكريات الجميلة، ليس  غير محاصر استحال عليه الوصول إلى الآخر، فيمّم شطر الطفولة، وقرر إحياء الزمن الضائع من خلال الإبداع الشعري. هي حالة نكوصية دون شك، لكنها غير مستهجنة في سياق المنطق العاطفي. فالطفولة فردوس المحبة المثلى، حيث ذات  الطفل تستقطب العالم بأكمله، فهي منه في مركز قطب الرحى. والناكص إلى أعتاب الطفولة حالم يتعلق بنرجسية الطفولة التي تحقق أوج السعادة بما هي موضع محبة واهتمام كل مايحيط بها، في تناغم مابعده من تناغم. ونجد في هذه القصة الباب الثاني المفتوح أمام الباحث عبثاً عن الآخر، ألا وهو باب الإبداع الأدبي الذي يعيد إحياء عالم الطفولة بمشاعره الكثيفة الغنية، وارتباطه الحميم بالناس والأشياء، دون أي تنافر أو تناقض.

وهكذا يمكننا تلخيص ماتقوله مجموعة "وراء القضبان"، في كلمات قليلة: لاحب على الأرض؛ فأنت ضحية وهم، أو أنك أسير رغبات افتراسية لست في دوامتها إلا أحد قطبين فإمّا مفترِس وإما مفترّس، أو أنك أخيراً محاصر بالمواضعات والاعتبارات الدينية والاجتماعية؛ فما الحل إذن؟ أمامك درب فسيح ممدود حتى اللانهاية نحو السماء باتجاه الخالق موئل الحب الأسمى، أو أنك تلج من جديد إلى عالم الطفولة السعيدة، ويمكنك بهذا الصدد معالجة الشعر وغيره من ضروب الأدب لإعادة ترتيب ذلك العالم السعيد الضائع. وهاهنا نفهم  عنوان المجموعة "وراء القضبان"، فأبطال القصص محاصرون داخل جدران عاليةخانقة من خلف قضبان لا فكاك منها: جدران وقضبان الذات المحاصرة داخل عالمها المغلق. كما نفهم سر لوحة الغلاف المأخوذة عن "فان جوخ" وعنوانها "استراحة السجناء"، ويالها من استراحة، أو بلغة السجن، ساعة تنفس، داخل تلك الباحة الضيقة الكالحة والجدران الشاهقة تكتم أنفاس المتفرج فما بالك بالسجناء أنفسهم وهم يدورون داخلها في حلقة خانقة. مثلما نفهم أخيراً  البيت الذي صدّر به الكاتب مجموعته بعد الغلاف، وهو للحلاج:

من الأنس، فاقبضني إليك من الحبسِ

 

فها أنا في حبس الحياة ممنّع(*)

وقد نميل مع وجود هذا البيت في صدر الكتاب، إلى الظن بأن جبرائيل سعادة يحبذ الهروب الديني إلى اللّه على أي ملجأ آخر، أدبي أو غير أدبي، من وحشة الحبس داخل جدران الذات الفردية. وعلى أي حال، هو مجرد تكهن لا أكثر ولا أقل، ولا سند له إلا ترتيب وإخراج مجموعة القصص تلك وفق رغبة الكاتب وعاطفته.

فكيف يبني جبرائيل سعادة قصصه؟ اللقطة الإنسانية الفريدة لديه جديرة بالإعجاب، والقصص في مجموعها تمحورت على لقطات جديدة، آية في الطرافة والغرابة والتأثير، باستثناء "الوحش ذو العيون الخضر"، فحديث الغيرة فيها باهت، وليس في تناول الكاتب له أكثر من إعادة جديدة لأسطوانة قديمة. ونستعرض بسرعة طرافة اللقطات وتنوعها الإنساني الفريد، فهنا مشلول يخلق بالوهم فتاة أحلامه ثم يضيعها لا محالة في ساعة يقظة أليمة. وهذه فتاة تكاتب نفسها يأساً وقهراً، وعندما يطل الأمل في أفقها البائس تترقبه بلهفة، لكن لهفتها ترتمي أخيراً على نتف رسالة ممزقة تحاول المستحيل كي تجمع قصاصتها لإنطاقها بما تحب. وذاك رجل محترم ينقض عليه القدر فجأة بحب عنيف مدمّر لا يملك معه في النهاية إلا القضاء على المحبوب المتمنّع، من بعد فقدان عقله المشتت. وتلك امرأة تروح ضحية العواطف المتضاربة للزوج والعشيق والعاشق، والجريمة مشتركة لكن كلاً من الثلاثة يظن أنه القاتل دون الاثنين الآخرين، إلى حين انجلاء الحقيقة بسبب وجود ثلاثة أنواع من السمُّ في فنجان قهوة القتيلة. وهذان عاشق ومعشوق يوحد بينهما الحلم على شاطئ البحر، لتفرقهما من بعد ذلك يقظة الواقع، فكأنما الحلم في هذه القصة هو الواقع، والواقع السراب. وهذا رجل دين يصب الجميع هموم خطاياهم على كتفيه، وينسون أنه بشر مثلهم، وله همومه وخطاياه؛ فمن له غير الرب الرحيم بعيداً عن صخب المدينة وإغراءاتها؟ وذاك ضحية حب غريب آثم تشابكت من خلاله الموسيقى والمحبوبة في رباط وثيق محيّر، ولا يكون الفكاك إلا بسكرة يكون من بعدها تحطيم الأسطوانة التي كانت من وراء ذلك الحب المذهل. وهذا زوج خليّ البال يصبح موضوع صراع مستميت بين زوجته وشقيقتها ويظل "الأطرش في الزفة" إلى حين فرار الشقيقة العاشقة بعد فضح سر معاناتها وعذابها، فتتركه لليّل، ولزوجته وابنه الصغير، والحيرة. دون أن ننسى بالطبع معلمنا التعيس الواقف على أطلال الطفولة يستنطقها ولا امرؤ القيس، مما أثار شبهات شرلوك هولمز بكفيا، فأصبح المسكين ملاحقاً وتحت المراقبة المشددة، حتى تستبين الأمور فيذهب كل في حال سبيله، ولا يبقى لـه إلا قصيدته العصماء التي لم يرد أحد أن يسمعها. وهذان أخيراً أب وابنه يلعبان لعبة "لوي الذراع"، للسيطرة على محبوبة ليست غير عابثة ساخرة تخطط من جانبها لـ"التنازل" عنهما لصديقة لها عزيزة عليها، وترغب في أن تسليها لبعض الوقت بسخافة وهدايا هذين المزعجين.

نعم، اللقطات فريدة أصيلة، لكن المهم في العمل الأدبي كيفية المعالجة، أي مجموع التفاصيل والجزئيات التي يكتمل من خلالها الإيحاء بالحياة، لتنتفض الشخصيات نابضة معبرة، وليتجسّم الحدث في حضور كثيف يخلق وهم العالم الموازي لعالم الواقع، وهو أحياناً يبزّه صدّقاً  وتعبيراً. كما أن من أولى واجبات الكاتب ابتكار قاموسه الخاص، ولغته التي يتفرد بها عن الجميع، فأما هذه اللغة الأصيلة فلا وجود لها في النص الفرنسي.. وقد ترجمت شخصياً لجبرائيل سعادة بحوثاً أثرية وتاريخية مثلما ترجمت له مجموعة قصص "وراء القضبان". ومن عجب أنه يتميز بلغة شفافة مرهفة غاية في الأصالة في البحوث الأثرية، بينما تصبح هذه اللغة جامدة، محايدة، غائمة، في مجال القصة!!

وأما ترتيب البناء الدرامي فيعاني في معظم القصص من:

1 ـ غلبة السرد على النمو الدرامي المطرد، في تناغم كامل عبر مجموعة من التفاصيل المتلاحقة المتكاملة.

2 ـ تشتت البناء المكثف السريع الضروري في القصة القصيرة من خلال دخول الراوي (المؤلف) أحياناً في سياق عرض الحدث.

ولو أخذنا مثلاً على ذلك القصة الأولى "ما أجاب به البقال"، فهي تبدأ بسرد مستمر على مدى مايزيد عن أربع صفحات، يلخص فيها الراوي حالة بطله، فكأن ذلك السرد ملخص رواية طويلة. ولا يبدأ الحضور الدرامي إلا في الصفحات الأربع  الأخيرة من القصة، عندما يغيب طيف الفتاة ويصبح من الضروري تحري حقيقة ماجرى.

وأما دخول الراوي فيمكن من القصة نفسها استخراج أكثر من تفصيل، كهذه الأسطر مثلاً من الصفحة (16): "ظن لوهلة أن باستطاعته أن يلجأ إلى الكتابة ليعطي معنى لحياته، فكم من المواهب الأدبية تكشّفت إثر عزلة إجبارية، وقد ظهرت أحياناً مواهب بعض الروائيين والشعراء في السجن..".

ويمكننا إيراد العديد من هذه الأمثلة هنا وهناك في تلافيف جميع القصص، باستنثاء قصة "جريمة عين الجرن"، التي بنيت في أنضج  مايمكن أن يكون عليه الترابط الدرامي المُحكم وفق متطلبات فن القصة القصيرة. وربما كان وجود نقاط الضعف تلك ناجماً عن وقفة المؤلف، عامداً متعمداً، على التخوم بين الرواية والقصة القصيرة، فالقصة القصيرة عالم مغلق على ذاته، وأما في مجموعة جبرائيل سعادة فالقصص منفتحة على بعضها، إذ يحضر بعضهم إلى مقصورة الاعتراف في "ملتقى  البؤس"، مثل نائب المدير نزيه الذي بدأ يفقد عقله حباً وشهوة، ومثل هدى التي رأيناها سابقاً تكاتب نفسها، ثم هاهي في "ملتقى البؤس"، تحضر لتعترف بخطيئة الحسد والغيرة التي تتأكل عواطفها المعذبة.

كما نجد الطبيب النفساني وليد الأسمر في قصة "أسباب تخفيفية"،  ونعود  ونلتقي به هو نفسه دون غيره، في "الوحش ذو العيون الخضر". ولدينا أخيراً، بطل "نجوم تموز" الذي يزور المؤلف ويسرد عليه مغامراته الغريبة؛ أما المؤلف فيقرأ عليه بعض قصصه، ويستمع إلى آرائه حولها:

"بعد مضي شهر عاد يزورني في مكتبي، وكنت أضع اللسمات الأخيرة لقصص كتابي هذا، وكان يبدو عليه بعض الاكتئاب. توقعت أن يتحدث من تلقاء نفسه، لكنه التزم الصمت.وعندما تبين لي أنه ليس على استعداد للدخول في حوار معي، عالجت الموقف بقراءة مقاطع من كتابي هذا. وقد ابتسم عندما أسمعته قصة المشلول الذي تعلق بهوى فتاة لا وجود لها! أما قصة الفتاة غير الجميلة التي تكاتب نفسها فلم ترق له. وانتقد بشدة الأب الذي طلب من ابنه أن يتخلى له عن الامرأة التي يحبها. لكنه تأثر حسبما بدا عليه بمغامرة الشاب المولع بكونشرتو موزار".

فما الذي يعني هذا، بكل بساطة؟ لقد أراد جبرائيل سعادة تناول شريحة اجتماعية بأكملها وعرضها في موقفها حيال الحب، وداخل حدود مدينة اللاذقية؛ وهو بالطبع إنما أراد من خلال ذلك، شأن أي كاتب، تجسيد حساسيته الخاصة وموقفه الشخصي. ولكن، هل يمكن كتابة رواية من خلال مجموعة من القصص القصيرة؟..

الحالة الوحيدة التي عرفها الأدب، فيما أعلم، هي حالة "ألف ليلة وليلة". وحتى بهذا الصدد، تحقق هاهنا البناء الموحّد على يد شهرزاد التي لا تجد ملجأ من الحكم بالإعدام  إلا بسرد القصص الشيّقة، والاستعانة بما فيها من عبر ومواعظ هي التي وفّرت لها في النهاية الحصول على الحكم ببراءتها، وبراءة جميع بنات جنسها. لكن مثل هذا البناء الموحد لا يتحقق على الإطلاق في مجموعة جبرائيل سعادة. فما الذي دفعه إلى المغامرة في هذا السبيل الوعر الغريب؟ الجواب نجده في "جريمة عين الجرن" التي يمكن القول إن بطلها هو جبرائيل سعادة نفسه دون زيادة أو نقصان، في تلك الوقفة الطويلة على أطلال الطفولة، وفي ذلك الجلوس الدؤوب داخل المقهى مع الأوراق والقلم، فكتابة وتمزيق أوراق، ومن بعدها كتابة وتمزيق أوراق، وهكذا على مر الأيام إلىأن تحضر القصيدة رغم أنفها، صاغرة، مستسلمة. فكما أن سعادة الطفولة الإدهاش وماينجم عنه من إعجاب ومحبة ونظرات انبهار، وآهات عميقة، كذلك هي الحال في "رياضات" جبرائيل سعادة في جميع فروع الآداب دون استثناء.

ويتجلى التشتت في "وراء القضبان" مقصوداً فهو محض رغبة دفينة همُّها الإدهاش، والإتيان بالغريب، ورغم مافي ذلك من ذكاء وبراعة فقد عانت قصص المجموعة من تلك الرغبة "الاستعراضية" المبيتة، وخير مثال على توضيح ذلك تنوع أساليب تناول كل قصة على حدة. فعهدنا بالكتاب جميعاً وقد اعتمد كل منهم أسلوباً خاصاً لا يغادره، به يعرف، وإليه ينسب؛ أما جبرائيل سعادة فقد جرّب جميع الأساليب، فلكل قصة مدخلها المختلف! ففي "ماأجاب به البقال" يجرب قصة التحليل النفسي ـ ويمزج السرد الروائي الطويل مع التكثيف الدرامي السريع في القصة القصيرة. أما في"دروب لا تلتقي" فيجرب أسلوب القصة بالرسائل؛ إذ القصة ثلاث رسائل رسالة الأب لابنه، ورسالة الابن الجوابية لأبيه، ثم رسالة المعشوقة العابثة إلى صديقتها السوّاحة في أوروبا، ويعود في "أسباب تخفيفية" إلى أسلوب القصة بالرسالة، مع مزج الرسالة بسرد روائي تمهيدي. وهاهو من ثم في "الكونشرتو المسحور" يجرب حظه في القصة السريالية، وأسلوبها المجنح بالصور والتداعيات، إنه إذن "بيان استعراضي" يتم خلاله استخدام جميع صنوف الأسلحة بر ـ بحر  ـ جو، وجميع الفرضيات القتالية في الهجوم والهجوم المعاكس. نعم، "وراء القضبان"، بيان استعراضي وليست حرباً حقيقية بالحديد والنار، والدم واللحم، وفق خطة محكمة موحدة.

على أن لكل كاتب عالمه وتفردّه، يقولون أصالته، وتلك هي أصالة جبرائيل سعادة. ولسنا قطعاً قضاة، ولا يحق لنا أن نكون كذلك، وإنما نحن نحاول ببساطة تفهم العمل الأدبي الماثل أمامنا بعمق وموضوعية، دون أن يمنعنا ذلك من أن نهمس في أذن كل من أمسك بالقلم أن الكتابة عشق ممض، ولا يمكن أن تكون مجرد رياضة إنشائية، أو محض بيان  مهارات، بغية الإدهاش والتألق.

بقيت ملاحظتان وبعدها ختام:

1 ـ في "أسباب تخفيفية"، ورد اسم مزرعة ـ بين اللاذقية وجبلة ـ قال المؤلف إنها تدعى "مرتكية". هناك فاجأ القدر البطل بالحب القاتل، وهناك ارتكب في النهاية جريمته. وفي "جريمةعند المفترق"، ورد اسم مزرعة ـ بين اللاذقية وجبلة ـ أيضاً، وقال المؤلف إنها تدعى "تمركية". هناك دسّ كل من الغرماء الثلاثة سمه خلسة في فنجان الضحية. فأين هاتان المزرعتان، ضمن خريطة محافظة اللاذقية؟ غريب ومحيّر ولع كتابنا بالتهرب من أسماء الأمكنة. فإذا أمعنا النظر في اسمي المزرعتين "مرتكية"، و"تمركية"، وجدنا أنهما في الحقيقة مؤلفان من الأحرف نفسها  "مخربطة"، وهما في واقع الحال مزرعة واحدة واسمها الحقيقي ـ بالأحرف نفسها "دون خربطة" ـ "متركية" ـ، وهي تقع تقريباً على منتصف الطريق العام بين اللاذقية وجبلة، وإلى الشرق قليلاً منها يوجد الحرش الذي تحدث المؤلف عنه في "أسباب تخفيفية"، وكان لعائلة المؤلف هناك أملاك وبيت ريفي، هو ذاته الذي  تحدث عنه في قصتيه "أسباب تخفيفية"، و"جريمة عند المفترق"، ترى، فأي ضير لو أراح الكاتب نفسه وأراح القارئ وأورد اسم "المتركية"، على حقيقته دون تحريف، علماً بأنه ذكر اللاذقية، وجبلة، وقلعة المرقب؟‍‍!

2 ـ هل يمكن أن نعتبر مجموعة "وراء القضبان" ضمن حركة القصة القصيرة السورية؟ لا ونعم. لا، لأنها إنما كتبت باللغة الفرنسية ضمن فترة الخمسينات، ناهيك أن أربعاً منها لم تنشر على الإطلاق حتى بالفرنسية، ولم تصدر باللغة العربية إلا في عام 1991، بعد انقضاء زمانها بأمد بعيد. ونعم، لأن المؤلف جزء لا يتجزأ من الحياة الفكرية والأدبية السورية، وهي بالتالي استكمال لرسم لوحته إنساناً وكاتباً؛ ودون هذه المجموعة بل ودون ترجمة جميع كتاباته الأخرى بالفرنسية، تبقى لوحة جبرائيل سعادة غير مكتملة، وفي هذا مافيه من الظلم والإجحاف.



([1]) تطوع أحدهم مدفوعاً بحميته لشن هجوم على جبرائيل سعادة في صحيفة "الوحدة" اللاذقانية، وذلك لأنه كتب باللغة الفرنسية ـ !! ـ  وتكرم الناقد نفسه بالتهجّم عليّ أيضاً لأنني "ضيعت وقتي"، في الترجمة لأحد أبناء بلدنا بدلاً من الترجمة  لفرنسيين أقحاح!!..

* علق أحد الظرفاء على هذا العنوان واصفاً إياه بأنه عنوان "مربك وفيه إشكال"، وأنا أوافقه الرأي تماماً!! العنوان الأصلي بالفرنسية Puzzle et Kaleidoscope وهما لعبتان الأولى منهما تقوم على تجميع الصور المقطعة إلى نتف صغيرة بينما الثانية تشبه المجهر لكن تحريك عدستها بغير الشكل المعروض للنظر، وقد رأيت وضع عنوان "مرايا محطمة" لكن المؤلف استعار الترجمة من أحد المعاجم وكان لابد من احترام رغبته، رغم غرابة العنوان و إرباكه!

*  هذا العنوان هو أيضاً من وضع المؤلف أثناء مراجعة الترجمة، وله إشكاله لأن الملامسة قد تعني من بين ما تعني المجامعة!! وكان الأصل الفرنسي "La caresse unique"، وقد اخترت له شخصياً المقابل العربي: "المداعبة اليتيمة"، لكن الكاتب استقر في وهمه أن المداعبة  هي "الدعابة" وهذا مالا يؤدي معنى caresse، كما استقر في وهمه أن "اليتم" لا يستخدم إلا لفقد الأبوين، أحدهما أو كلاهما، فكان العنوان البديل "الملامسة الوحيدة"، وهذا مايبين صعوبة اشتراك أكثر من "طباخ" في سبك أي نص.

*  وردت كلمة حبس خطأ فكتبت "حب" فانقلب المعنى تماماً. والعجب أن المكلف من طرف جبرائيل سعادة بالإشراف على صحة الطباعة فاته هذا الخطأ على أهميته فلم يلحظه في كشف الأخطاء المثبتة في نهاية المجموعة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244