قراءات مسرحية - مصطفى صمودي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق- 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
المســـرح الســـياسي عند د

المســـرح الســـياسي عند د.علي عقلة عرسان مســـرحيـــة : ((  الســــجين رقـم ( 95 ) نمـوذجـــــاً  ))

مقدمة:

المسرح أدب وفن، وكتابة بالكلمة وغير الكلمة، وتعبير عن الواقع بغير الواقع.

وحين كتابتك عن (عرض مسرحي) فإن العرض يسلّمك مفاتيح لمغاليق في فضاءاتها عوالم غير كلاميّة منسوجة بلغات سمعيّة وبصريّة تضيء لك عالماً سحريّاً مُحال أن يحتويه النص لأنه عالم ولد من رحم الفعل المسرحي، عالم تتحدث عن عوالمه غير الكلامية بأدوات كلاميّة وبالتالي يكون نقدك كما عرف النقد (رولان بارت) كلام على كلام.

هل تحدّث المسرح [في /أو /عن] السياسة قبل ولادة ما يُسمى بـ المسرح السياسي؟

قبل أن نجيب على هذا السؤال نفضّل أن نذكر المثال التالي:

إذا جاز لنا أن نقرّ (للفراهيدي) بالسّبق في جمعه لأوزان (العَروض) الخليلية نسبة إلى اسمه.

فلا يجوز لنا الادعاء بأنه هو مبدع العروض هذه، لأن من سبقوه من الشعراء هم الذين نظموا على أوزانها دون إطلاق تسمية عليها، إلا أن الفضل يعود إليه في جمعها وتسميتها واختيار أسماء لتفاعيلها مطلقاً على كل بحر اسماً تدلّ عليه تفعيلاته الخاصة به.

بهذا المثال البسيط أيضاً أدخل عالم السياسة في المسرح.

فالمسرح السياسي على صعيد التسمية فقط مسرح حديث العهد، لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أن السياسة في المسرح حديثة العهد أيضاً.

فتاريخ السياسة هو تاريخ الدم والرؤوس كما اعتبره (أدونيس) في كتابه بعنوان (الكتاب) جزء /2/ ألم يعالج أسخيلوس والكتاب المسرحيون من بعده في نصوصهم المسرحية المشاكل السياسية على الصعيدين الداخلي والخارجي.

فعلى الصعيد الداخلي قدّم لنا (أسخيلوس) في مسرحية (برومثيوس مقيّداً) الإله (زيوس) حاكماً ظالماً مغروراً جباراً فيه كل صفات، الاستبداد والاستعباد. وقدم لنا (برومثيوس) خارجاً عن طاعة (زيوس) الإلهيّة حيث سرق النار من معبده وقدّمها هدية للبشر راضياً مرضيّاً فلاقى من أجلهم ما لاقى. وقدم لنا (سوفوكليس) في مسرحية (أنتيجونا) شخصية (انتيجونا) لائبة تبحث عن حلّ لرفع الظلامة عن أخيها وقدم لنا (كريّون) حاكماً مطلقاً يتمسّك بحرفية القانون ويطبق النظام ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

أما على الصعيد الخارجي

فما أن تقرأ عناوين مسرحيات (اسخيلوس) حتى تنبئك العناوين عن المضامين، فعنوان مسرحية (الفرس) يذكّرك بالحرب الطاحنة التي دارت رحاها بين الإغريق والفرس ويشهد على ذلك سهل (الماراتون) الذي سجّل فيه الإغريق نصراً حاسماً على أعدائهم الفرس.

على ضوء ما تقدّم نرى أن علاقة المسرح بالسياسة علاقة تتسّم بالقدم. فكل بيئة لا تخلو من الصراعات في شتى المجالات.

وبما أن المسرح كما يقول [تيودور هيلتون] بمثابة البيئة التي أنتجته، فحريّ به أن يخوض الصراع السياسي وغير السياسي أيضاً.

حتى أن [فرنسيس فيرجسون] قارن المسرح بالسياسة.

وإذا كانت السياسة قد تغلغلت في أعاميق النصوص المسرحية في زمن مضى وانقضى بشخوصه لا بآثاره التي تدلّ عليه، فالأولى للسياسة أن تشغل الحيّز الأكبر- إن لم نقل الحيّز كله- في النصوص المسرحية الحديثة لأن الحديث عن الأوضاع الاجتماعية- في أكثر الأحايين- هو بالتالي حديث في السياسة والحديث عن الفكر والغنى والفقر والحاجات المماثلة الأخرى هو حديث في صلب السياسة أيضاً بشكل أو بآخر.

فنحن نعيش عصراً معجوناً بالسياسة ابتداءً بالاقتصاد مروراً بالثقافة والفنون بمختلف أشكالها وانتهاء بكرة القدم الصغيرة التي تلعب بكرة الأرض الكبيرة من أقصاها إلى أقصاها عصراً نتنفس فيه السياسة مع الهواء الذي يملأ رئتيْنا شئنا ذلك أم أبيْنا.

فالعلم صار سياسة، والاقتصاد سياسة، وفي عصر الأيديولوجيات لا مكان للحياد لأن الحياد لا موقف واللا موقف يعني الانمحاء، يعني أن تكون موجوداً بغير وجود وكائناً بلا كيان، عصر يفرض عليك المقولة الشكسبيريّة (إما أن تكون أو لا تكون) وهذا ليس بغريب أبداً.

ألم يقل الفيلسوف اليوناني (أرسطو طاليس): [الإنسان حيوان سياسي]

تسميَة المسرح السياسي العربي

بعد الحدث الجلل الذي هزّ كيان الأمة العربية في الخامس من حزيران عام /1967/ والذي أحدث شرخاً كبيراً في مداميك بُناها التّحتيّة، تعرّت الأمة العربية بعد أن سُحب عنها جلبابها الخلّبي فرأت نفسها على حقيقتها بأم عينها بعد أن كانت ترى نفسها بأذنها لا بعينها- من خلال أجهزة الإعلام بقنواتها الثلاث على أنها مارد عملاق داس القمقم جبّاراً يتربّص يتحفّز ينتظر نزال عدوّه الألّد عبر التاريخ ليرمي بالصهاينة إلى البحر كما كان يهرطق أحمد سعيد)، المذيع المصري- أو ليزيلهم من خارطة الوجود العربي على الأقل.

أقول: بعد هذا الحادث الجلَّل عاشت الأمة العربية هول الصدمة أياماً معدودات. لكن.. ما إن استردّت أنفاسها وعافيتها حتّى غذَّت الخطا حثيثة تُمَنْهجُ وتُبَرْمِجُ من خلال طليعة واعية مستنيرة ومنهم الكتاب المسرحيون- حيث أدخل هؤلاء (النكسة الحزيرانيّة) إلى مختبرهم المسرحي فحلّلوها مستقرئين مستنتجين البدائل الموضوعية التي من خلالها يمكن للأمة العربية الانتقال من كينونة مريرة إلى صيرورة مَرْجوّة عبر سيرورة مدروسة.

ولقد أجمع الكثيرون على أنّ لنكسة الخامس من حزيران اليد الطولى والأولى في تسريع عملية ما يسمَّى بـ المسرح السياسي. إلا أن هناك في نظري- عوامل أخرى لم تُذكر ومن أهمها:([1])

عاملٌ خارجي كان ببطء يحفر مجراه ويحدّد مسراه ألا وهو [القرار الذي اتخذه- من خلال المركزية الشديدة- المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي عام /1932/ إذ يعتبر فيه أن مذهب الواقعية الاشتراكية هو الموقف السائد والمسيطر ويجب أن لا يولى الاهتمام لأي مذهب سواه].

وقد كان لمصر وسورية- باعتبارهما أهم دول المواجهة وحاملتا الهمّ العربي ماضياً وراهناً- السبق في ما يسمى بـ (المسرح السياسي) حتى أن انطلاقته تكاد تكون متزامنةً في كلا القطرين:

وكان لكل كاتب مسرحي وجهة نظر في أسباب الهزيمة فمنهم من أدان طرفاً وبرّأ آخر، ومنهم من أدان الطرف المبّرأ وبّرأ الطرف المُدان ففي مصر:

نجد أن (علي سالم) مثلاً في مسرحية (أنت يللي قتلت الوحش) يُبرّئ الزعيم من أسباب الهزيمة مشيراً باصبع الاتهام إلى الحاشية .

و [(سعد الدين وهبه) في مسرحية (يا سلام سلم) و (رشاد رشدي) في مسرحية (بلدي يا بلدي).لم يُبّرئا الشعب بل اتّهماه لأنه لم يدافع عن الثورة ] إلا أن (محمود دياب) في مسرحيتَيْه (رسول من قرية تاميرا وأهل الكهف). لم يبّرئ السلطة بل ألقى على كاهلها أسباب الهزيمة.

وفي سورية كان (سعد الله ونوس) في مسرحيته حفلة سمر من أجل (5) حزيران([2])والتي اعتبرها (محمود أمين العالم) من أهم مسرحيّات تلك المرحلة كان يرى من خلالها أن الشعب كان مغيّباً تغيباً مطلقاً إلى درجة الانمحاء طارحاً من خلالها سؤالين هامَّيْن [من نحن؟‍. ولماذا ؟‍!].

وقفة عند تعريف المسرح السياسي

عرّف المرحوم (سعد الله ونوس) المسرح السياسي بأنه [المسرح الذي يهتم بالسياسة بشكل مباشر ويومي ومحسوس وملموس وبحدث من الأحداث، وبقضيّة من القضايا].

من خلال قراءتنا لهذا التعريف نلحظ أنه تعريف مفتوح إذا وافقنا على شقه الأول، فلنا بعض التحفّظات على تبنيّ شقه الثاني.

فعوامل الطبيعة من براكين وعواصف وزلازل وما إلى ذلك كل منهما حدث من الأحداث.

ورجلٌ بُتِرَت ساقه نتيجة مرض ألمّ به أو أمٌّ فارقت الحياة بعد مخاض عسيرٍ أو ما يماثل ذلك قضيّة من القضايا لكن لا علاقة للأحداث والقضايا هذه بالسياسة من قريب أو بعيد.

فالحدث أو القضية لا يقترنان بالسياسة إلا إذا دخلا ضمن معادلة يكون البشر طَرَفيْها منبعاً ومساراً ومصباً.

والشائع في العُرْف العام بأن المسرح السياسي هو المسرح الذي يتحدث سلباً أم إيجاباً عن سلطة جائرة أو عادلة أو مسرح يسلط الضوء على مجتمع فقير جاهل متخلف حاثّاً إياه على تحقيق قفزة نوعية اقتصادية وحضارية في عصر يسبح بالنور تتفجّر فيه المعارك على الصعد كافة.

ولعل الحديث عن الأغنية السياسية قد يعطينا توضيحاً مفصّلاً لما يسمّى بـ المسرح السياسي المقصود هنا.

من الكتاب من يقول:

إن الأغنية السياسية بدأت مع محاولات التتريك ثم تبلورت وهي تقارع الاستعمار الحديث. هذا الطرح كما أرى- لا يتّسم بالدقة سواء أكان القصد من معنى الأغنية السياسية المفهوم الأشمل أو الأضيق.

فإذا كان القصد هو المفهوم الأشمل للأغنية السياسية (حيث أن الأغنية السياسية قبل إطلاق التسمية عليها كانت تعتلي قمة الهرم، وسائر الأغاني الإنسانية والوطنية والقومية تندرج تحت لوائها لأن كلاً منها مرتبط بالسياسة وصابٌّ في بوتقتها)

إذا كان هذا هو القصد، فهناك سبق لأناشيد ولا أدلّ على ذلك من أهزوجة كانت تنشدها النسوة العربيّات في الحرب على نقر الدفوف وهن بصحبة الجيش لينفخن في أفراده روح الحماسة والحمّية.

ونفرش النمارق

 

إن تقبلوا نعانق

فراق غير وامق

 

أو تدبروا نفارق

لذا.. فإن الأغاني التي كانت تُنْشَد لمقارعة سياسة التتريك مثل:

من الشام لبغدان

 

بلاد العرب أوطاني

إلى مصر فتطوان

 

ومن نجد إلى يمن

أو نشيد

إننا نهوى الظلاما

 

يا ظلام السجن خيّم

فجر مجدٍ يتسامى

 

ليس بعد السجن إلاّ

مثل هذه الأناشيد وغيرها كانت تعبر عن حسٍّ وهم وطني وقومي تحت لواء الأغنية السياسية بالمفهوم الأشمل قبل التسمية.

أمّا الأغنية السياسية بالمفهوم المتعارف عليه

فلم تظهر مع بدء محاولات التتريك بل بدأت تخط وجودها في مصر بعد ثورة /23/ تموز وتابعت مسيرتها متصديّة للنظام الساداتي المتواطئ مع الكيان الصهيوني في /كامب ديفيد/ وغيرها.

ثم بدأت في سورية بعد ثورة الثامن من آذار /إلا أن الأغنية السياسية هذه بعد برهة من كسرها شرنقتها ضيّقت على نفسها الخناق أو بالأحرى ضُيّق الخناق عليها وذلك بانتقالها من أغنية تندرج تحت لواء الأغنية الوطنية والقومية إلى أغنية تسعى جاهدةً عفواً أم عمداً- لتكريس القطرية وبدأت تحل محل بعض الأناشيد مثل (وطني حبيبي الوطن الأكبر.. يوم ورايوم أمجادو بتكبر) ونشيد (الله أكبر) و (أمجاد يا عرب أمجاد..) و (الأرض بتتكلم عربي) وغير ذلك..

وصارت الأغنية تُفاخر جهاراً بقطريّتها [أنا مصري.. أنا سوري.. أنا ليبي..] الخ.. وكأنها تطبّق عملياً (اسم الجامعة) العربية حيث من اسمها تُنْبيك بتفرق المنضوين تحت لوائها [جامعة الدول العربية]*. وحتى الآن لم يطالب أحد بحذف كلمة الدول لنشعر ولو يوتوبيّاً- بأنها جامعة الوطن العربي أو جامعة العالم العربي على الرغم أنّ كلمة الوطن أكثر انسجاماً من كلمة العالم أو الجامعة العربية ولم تكتفِ الأغنية التي سُمِّيت بالسياسية بذلك بل راحت تدخل في مسارب أضيق وأضيق تسير وتساير التيار المتقلّب كيفما سار بدلاً من أن تقف في وجهه منتقدة بعض أخطائه ساعية في الوقت نفسه إلى تغيير مساره نحو الصالح العام والهدف الأسمى.

فكادت الأغنية السياسية تصبح وسيلة لا غاية من خلال تأييدها لفئة ومناهضتها لأخرى ضمن البوتقة الواحدة وركبت سفينة السياسة التي تؤمن أنه (لا توجد في السياسات صداقات أو عداوات دائمة وإنما هنالك مصالح مشتركة].

كما دخلت في تشعّبات لا مجال لذكرها الآن مما جعلها تنتقل بعد تسميتها بالأغنية السياسية من كينونة أشمل إلى صيرورة أضيق وهذا ما يتنافى مع استراتيجية أمننا القومي حيث هو في غنىً عن هذه التسميات. وبخاصة في هذه المرحلة العصيبة التي تُعَدُّ من أخطر المراحل التي مرت بها الأمة العربية.

ولئن نُعِتَت الأغنية بالسياسة والمسرح بالمسرح السياسي فإن ما ذكرناه عن الأغنية قد لا ينطبق حرفياً على المسرح وذلك بفضل مسارح محترفين وهواة-([3]) ما زال الهم القومي والوطني هاجسها وشغلها الشاغل.

إلا أنه ظهرت بعض مسارح كان هدفها الوقوف الآني (مع أو ضد) سلطة ما.

من خلال رفعها شعارات إعلامية إعلانية بدلاً من أن يكون هدفها ترسيخ قيم ومثل عليا.. مسارح هدفها التشويش والتهويش والتغويش والتلاعب بعواطف الجماهير الطيّبة ومن ثم التخدير والتنفيس بحيث تتم كل هذه الأمور في عرض واحد فيخرج المتفرّج مُفْرغاً من كل شيء بعد سماعه "شتيمة سوقية ضدّ كذا أو نكتة مبتذلةً سوقية ساقطةً بشأن كذا"

وذلك بفنيّة مسّطحةٍ فجّةٍ تزيد الطين بلّة، بدلاً من أن تحمل هذه المسارح في طيّات عروضها شحنةً كهربيّةً تحث الجماهير للبحث عن ذاتها ورسم طريق خلاصها بنفسها بروّية منطقيّة.

لأن المسرح السياسي بمفهومه العام هو تغيير لما هو سائد وليس تكريساً له للانتقال بالمجتمع مما هو كائن عليه إلى ما ينبغي أن يكون.

فهل الاختلاف في وجهات النظر كان بشأن المسرح السياسي الذي تحدّثنا عنه آنفاً أم الاختلاف كان بصدد مسرح آخر؟

موقف أحد النقاد من مسرح د. علي عقلة عرسان السياسي

حدَّد د. نديم معلا في كتابه (الأدب المسرحي في سورية في الستينات) ص/61/ اتجاهات مسرحية ثلاثة:

1-تيار تأثر بالثقافة الغربية من (وجوديّة وعبثيّة) ويمثله (وليد إخلاصي).

2-تيار يبحث عن سبل (العكس الواقعيّ للحياة) ووصف هذا التيار بأنه استطاع أن يتغلغل في العمق الشعبي ويلاقي استجابة ساخنةً معه كونه يطرح همومه ومشاكله ومن أبرز ممثليه (سعد الله ونوس).

3-تيار تملّكته النزعة القومية بأبعادها (العاطفية والانفعالية) متجاهلاً ما للجانب الاجتماعي حتى وهو يعالج أعقد القضايا الاجتماعية والسياسية ويمثله (د. علي عقلة عرسان).

لن أورد وجهة نظر د. (معلاّ) فيما يتعلّق بشكل مسرحيات (د. عرسان) على أنها غير قابلة للتجسيد لسيطرة الطابع الأدبي عليها وما إلى ذلك. فموضوع الشكل المسرحي ليس موضوعنا الآن لكن سأورد رأيه فيما يتعلّق بموضوع مسرحياته السياسية.

يقول (د. معلا) في ص /93/ من الكتاب نفسه ما يلي:

"يبدو عرسان قلقاً حاملاً هموم الوطن باحثاً عن الخلاص، يتداخل عنده الهم الفردي بالهمّ الاجتماعي والقضيّة الأخلاقية بالقضيّة الوطنية والقوميّة وهو أي عرسان- لا يملك موقفاً محدّداً من ذلك كله"

ويتابع قائلاً:

"إنه ينزع حيناً إلى المثالية الأخلاقية وإلى الواقعية أحياناً أخرى، يميّع الصراع الطبقي ويعلن حرباً شعواء على الفساد والنفاق دون أن يحدد السبب الجوهري أو يضع يده على الجرح الذي ينزف. إنه باستمرار يعوم فوق السطح ويؤخذ بظواهر الأمور ولا يغوص في الأعماق.

ثم يتابع قائلاً في ص /94/:

"إنه يضع اليمين واليسار في كفّة واحدة ولا خلاص إلا بعزلهما لأن كليهما مرتبط بجهةٍ أجنبيّة وكلاهما خائن ومتآمر"

ثم قال في ص /102/.

"إن عرسان يُفرغ الساحة الوطنية ويدعو إلى تحييدها مغيّباً دور الشعب أيضاً راضيّاً بأنصاف الحلول في عصر لم يعد الحياد فيه ممكناً" مُعمّماً هذا الرأي على سائر مسرحياته.

ثم يورد (د. معلا) مقالة (د. عرسان) في كتابه (سياسة في المسرح) فيما يخصّ المسرح السياسي حين قال أي د. عرسان:

(إن نغمة المسرح السياسي التي نسمعها تعني شيئاً آخر غير المسرح ولكنها لبست لبوس الفن والثقافة).

ثم يعقب (د. معلا) على تصريحات (د. عرسان) قائلاً:

[إن عرسان لم يستطع الخروج من إطار المسرح السياسي إلا في طروحاته وكتاباته النظرية فقط]([4]).

قيل أن ندليّ بدلونا بشأن بعض ما ذُكر.. نرى أن نتذكّر معاً مسرحية (السجين 95) لتكون شواهداً تأييداً لوجهة نظرنا التي سنطرحها لاحقاً.

ملخص لمسرحية السجين /95/

فلاح اسمه (عودة) يسرد في مقدمة المسرحية ماضيه شعراً على البحر الوافر بحوالي سبع صفحات يتحدث فيها عن ظلم بني عثمان وعن ظلم الاستعمار الحديث بمختلف أشكاله وكيف كان (عودة) يأمل بعد خلاصه من الاستعمار بغد مشرق أضاء نوره بدمه فإذا بمن جاء بعد الاستعمار حسبما يرى (عودة)= (عرسان)- تجّار ونخّاسة ليس إلا.

تبدأ المسرحية بشكوى زوجه (زهرة) التي تسكن معه في غرفة من غرف السجن وكأنهما سجينان وكيف أن (عودة) لم يستطع على الرغم من كل التضحيات التي قدّمها امتلاك بيت متواضع ليسكن وزوجه فيه.

تحثّه زوجه على ترك العمل في السجن الذي نخر عظام كلٍّ منهما ولا يهنأ الواحد منهما بشربة ماء فيجيبها (عودة) بأن ترك السجن ليس بالأمر السهل ويحتاج إلى معرفة عدد من ذوي النفوذ([5]). ليكونوا وسطاء لإخراجه منه.

يدخل عليه شرطي ويبلغه بأنه بعد قليل ستصل دفعة من الموقوفين الجدد ثم يعطيه (بعض الأغراض) ليأخذها إلى السجين رقم /95/ فَيُمانع لأن الأوامر المعطاة له من سيده (ثابت) عكس ذلك فيقدم له الشرطي أمراً خطيّاً من سيده (مثبوت) فَحْواه السماح بإدخال الأغراض هذه للسجين /95) ويطلب منه الشرطي الاحتفاظ بالأمر معه لإبرازه حين الحاجة فيأمر (عودة) الحارس بأن يدخل الأغراض للسجين /95/.

تدخل دفعة من الموقوفين([6]) يتقدّمهم سيده (ثابت) بمصاحبة قرع الطبول ويقسم الموقوفين تقسيماً عشوائياً بلا محاكمة- إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول: إعدام

القسم الثاني: مؤبد

القسم الثالث: عشر سنوات سجن([7]).

يتقدم عودة من سيده (ثابت) معتذراً لعدم وجود شواغر في السجن تسع الموقوفين الجدد. فيأمره سيده (ثابت) بأن يُوْقِف الجميع في أحد زوايا السجن فيمتثل لأمره ويوقفهم في إحدى الزوايا.

وعند وصولهم إلى مكان وقوفهم يختلطون فيختلط الأمر على (عودة) إذ لم يعد يعرف من هو منهم (مؤبّد) ومن هو منهم (إعدام) ومن هو منهم سجن (عشر سنوات).

وهنا نلحظ مشهداً مضحكاً مبكياً في آن معاً حيث يقسم سيده (ثابت) الموقوفين لـ (عودة) بعد اختلاطهم مرة أخرى فيصبح بعض من كان (10) سنوات مع جماعة (المؤبّد)، وبعض من كان مع فئة (المؤبد) صار من جماعة الإعدام.

ويتكرّر هذا المشهد أكثر من مرَّة بطرافة فنيّة عالية.

ثم يسأل ثابتُ عودة عن أحوال السجين /95/ فجيبه بأنه قد ألقى الأوساخ عليه حسب أوامره وأدخل إليه مذياعاً وصحفاً ومجلات ويبّرر له الأمر مُوَقَّعاً من سيده (مثبوت) فيغضب سيده (ثابت) ويحذّره بأن لا يسمح بعد هذه المرّة [بالخروج أو الدخول/ من وإلى السجن] لأيّ كان مهما كان مركزه مرموقاً ومهماً.

ثم يخرج ثابت من السجن ويتلكأ الطبّال في الخروج معه فيُغْلَق باب السجن عليه ويطالب (الطبال) (عودة) مراراً بأن يُخرجه من السجن لأنه ليس سجيناً وإنما هو (طبال) سيده (ثابت) فلا يسمح له بالخروج لأن عليه أن ينفذ أوامر سيده (ثابت)، بحذافيرها فيصبح الطبال واحداً من الموقوفين المحكوم عليهم بالإعدام ثم يكرر الطبال الطلب متذرّعاً بأن سيده (ثابت) لا يمكن أن يسير بدون تطبيل فيجيبه (عوده)  قائلاً، (قلة طبالين يارجل؟! نحن لا نتقن إلاّ هذه المهنة في هذه البلاد)، وهنا نلحظ أيضاً مشهداً آخر جميلاً كالمشهد السابق وصيغ  أيضاً  بحرفية فنية عالية شكلاً ومضموناً.

يعود الشرطي طالباً من عوده زيارة السجين /95/ ([8]) فيرفض عوده  ذلك رفضاً قاطعاً  رغم إبراز الشرطي أمراً مضمونه (السماح بالموافقة على الزيارة) موقعاً من سيده  (مثوبت) وعندما يبقى  (عوده) مصراً على رأيه يخرج (الشرطي) غاضباً مهدّداً باسم سيده (مثبوت).

ثم يجري ـ وبخطة محكمة في الخفاء ـ تهريب  السجين 95 من دون علم عودة.

ثم تأتيه مكالمة من سيده (ثابت) يأمره فيها بتجهيز جماعة الإعدام لتنفيذ الحكم بهم وأنه في طريقه إليه.

يصل (ثابت) السجن ويأمر (عوده) بإحضار السجين /95/ فيسرع (عودة) لإحضاره وعندما لا يجده في الزنزانة تخور قواه.

 وعلى الرغم من كل التبريرات التي قدّمها (عودة) لسيده (ثابت) يضعه (ثابت) في الزنزانة مكان السجين /95/ جزاء لتقصيره في عمله، واتفاقه مع الأعداء جماعة (مثبوت) لتهريب السجين /95/  من السجن.

يصل (مثبوت) السجن ويلتقي د.(ثابت) وجهاً لوجه ويدور بينهما حوار سُلطوي مَوَّار طافح بالمصالح الشخصية المحضة.

 ثم يقتتلان وكأنهما في حلبة مصارعة والموقوفون يتفرّجون عليهما، وعلى الرغم من انهماكهما في الاقتتال نجدهما يتفرغان ـ بين الفينة والأخرى وكل على حده ـ لضرب أحد أفراد (الشعب ـ الموقوفين) الذين يعقّبون على سير الاقتتال.

ويبقى الصراع بينهما  مستمراً حتى نهاية المسرحية حيث يصرخ السجين رقم /2/ قائلاً:

[لن أتفرج، مللت الفرجة، لابد لهذه اللعبة من نظام، لابد أن يكون لنا دور غير الفرجة، هيا تعالوا].

يتجه الجميع إلى صدر المسرح حيث يقتتل (ثابت ومثبوت) وتنتهي المسرحية.

***

السؤال الآن:

هل كتب د.علي عقلة عرسان مسرحاً سياسياً؟

وإذا كانت الإجابة بـ(نعم) فكيف رفض إذاً نغمة المسرح السياسي؟!([9])

أراني مضطراً للعودة إلى بعض ماقاله (د.معلا) بصدد مسرحيات (د.عرسان) مُبْدِياً وجهة نظري في بعض ما طرحه من مقترحات.

1 ـ عندما رأى (د.معلا) أن الهمّ الفرديّ متداخل عنده بالهم القومي، فإن هذا التداخل  ـ كما أرى، هو تداخل (الأنا)، في (النحن). (الأنا) التي تنتمي إلى شريحة عريضة وليس (الأنا النرسيسيّة) التي لا ترى في هذا العالم سوى ذاتها.

      إنها شريحة فلاحيّة مثقفة طليعيّة.

2 ـ أنا أرى أن (د.عرسان) قد استطاع في هذه المسرحية أن يضع يده على الجرح الحقيقي. جرح السجين /95/  والذي سببته سكين الصراع بين (ثابت ومثبوت) ذلك الصراع الذي امتدت آثاره على قطاعات الشعب كافة.

      وكما أن الثقافة بناء فوقي يعكس كثيراً من ملامح البناء التحتي، فإن هذا الاقتتال الفوقي (السلطوي)، قد أثرّ سلباً على كل ماهو تحتي.

3 ـ بعد تمحيص لمداليل المسرحية لم أر (د.عرسان) كما رآه (د.معلا) حيث رآه يعوم فوق السطح، بل رأيته غائصاً حتى الأعماق منقّباً  في كل شخصيّة ليصل من خلال الشخصيات إلى الهدف المُراد.

لقد استطاع (د.عرسان) أن يُبْرِز خلافين في آن معاً.

(خلاف ضمن إطار النسق بين ثابت ومثبوت حيث الخلاف بينهما خلاف في الدرجة   لا في النوع). و(خلاف خارج إطار النسق والخلاف بينهما خلاف، في النوع لا في الدرجة أعني ثابت ومثبوت من جهة، والشعب من جهة أخرى).

4 ـ إنه لم يضع العدو والصديق في خندق واحد.

كما رأى (د.معلا)، في ذكره مثال مسرحية (عراضة الخصوم) بل أراد (د.عرسان) منا أن لانرمي بأنفسنا في أحضان الغير أياً كان نوعه (فاليمين واليسار) مرهونان بالمتغيّرات الدولية ولعل سقوط الاتحاد السوفياتي (نظاماً لافكراً ) خير دليل على ذلك.

5 ـ لم أجد أن (د.عرسان) يفرغ الساحة الوطنية كما أنه لم يَسْعَ  إلى تحييدها ولم يميّعها. ولعل صرخة السجين (2) في نهاية المسرحية خير دليل على ذلك.

ألم يقل (السجين2) للجميع:

[لن أتفرج، مللت الفرجة، لابد أن يكون لنا دور غير الفرجة، هيا تعالوا نأخذ دورنا]

أَلَيْسَتْ هذه الدعوة الصريحة طلباً صريحاً واضحاً من الشعب بفئاته كافة لكي يأخذ دوره الواجب عليه أن يأخذه؟

6 ـ أما عن موقف (د.عرسان) من المسرح السياسي فإني أرى أن موقفه لم يكن موقفاً من المسرح السياسي بمعناه الأشمل الذي نوهّنا عنه في بداية الحديث وإنما  كان موقفه من المسرح السياسي بمعناه الأضيق (الدعائي الإعلاني الآني العَرَضي الخ).

لقد فرّق (د.عرسان)  في كتابه (سياسة في المسرح) بين (الالتزام والإلزام) فالالتزام  الكامل عنده هو (اختيار تقرّره الإرادة الإنسانية الواعية المدركة وقناعة يمليها العقل والمنطق ويطمئن إليها القلب وتركن في ظلّها النفس لأن الالتزام إرادة حرَّة بينما الإلزام إكراه. يُمارس بفعل مؤثر خارجي يفرضه الغير على الذات المبدعة فالطليعة  هي التي توصل الجماهير إلى الواحة وواحة (د.عرسان) غير واحة (فوكوياما) في كتابه (نهاية التاريخ).

7 ـ لقد فرّق(د.عرسان) بين مسرح التحريض ومسرح التطهير.

رفض مسرح التحريض والتضليل والتهويش، ذلك المسرح الذي يعتمد على القفشات التي لا تتجاوز  آذان سامعيها وقد شبه كتّاب هذا المسرح الذين ضلّوا وأضلّوا بـ(القس براند) بطل مسرحية (هنريك ابسن) حيث يطول بهم الطريق ويكتشفوا أنهم ابتعدوا كثيراً عن الواقع فيلفّهم التيه جميعاً مُركزاً على التطهير (كاثرسيس) الذي يُحدث شحنة إيجابية فعّالة لا منفعلة هدفها استراتيجي تكتيكي. فهو يتمنى للمسرح أن يسعى نحو (هدفيّة الفن) لا أن يسعى لتكريس (الدعاية والإعلام، أو الإعلان) مُطَبّلاً لحاكم جديد وإدانة آخر بحيث ـ لوعاد هذا الآخر ـ يعود  الطبّالون ليطبّلوا له ـ وكان (د.عرسان) مع (بروستان) الذي قال:

[إننا لا نواجه في مثل ذلك الإنتاج أثراً فنيّاً بقدر مانواجه كتابات سياسية أو لفتات اجتماعية. ويجب أن يكون الحكم على هذه الأعمال واللفتات بالمقاييس النفعيّة وليس بالمقاييس الأدبية].

لقد اعترف (د.عرسان) بأن السياسة والفن شيء واحد حين قال:

[لا يوجد  في عصرنا، ولم يكن يوجد في العصور السابقة ـ كما أتصور ـ انفصال بالمعنى الكامل بين القضايا السياسية والقضايا الأخرى]، إنه مع [آرنست فشر] الذي قال: [حتى أشدّ الفنانين ذاتيّة يعمل لحساب المجتمع].

ختاماً نقول:

إن الفصل بين ماهو ثقافي أو فني وبين ماهو سياسي أمر مرفوض وبخاصة في هذه المرحلة العصبية من مراحل أمتنا العربية. وأقصد هنا (السياسي) بالمفهوم الأشمل لا الأضيق اللذين نوهنا عنهما آنفاً.

وإذا قال النفّري [إذا اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة] فإننا نقول: [عندما أطلقت التسمية على المسرح السياسي ضاقت الرؤيا] وضاق المسرح السياسي معها.



([1]) ظهر في أوروبا وأمريكا في أوائل الثلاثينيات من هذا القرن مسرحيات تدعو إلى التمرد على أساس (ماركسي) مثل مسرحية (الدعوة إلى التحرر) Agit prop والمصطلح الإنكليزي مشتق من كلمتين هياج أو إثاره Agition ودعاية proparyandu  وقد رأى (بيير روجيه توشار) في كتابه (المسرح وقلق البشر) بأن المسرح التحريضي يرضي حاجة مُلحَةً ومباشرة (وكل ما هنالك أنه وقتيٌّ زائل ولا يؤثر إلا في ظروف معينة وعلى جمهورٍ معين.

([2]) هذه المسرحية قدمت على صالة القبّاني بدمشق في السبعينيات، و قمت أنا بتمثيل دور المؤلف (عبد الغني) فيها.

* - حين كان المستعمر البريطاني (أنطوني إيدين) محرضاً على إنشائها كبديل عن الوحدة العربية.

([3]) وبخاصة العروض التي تُقدم في المسارح الرسمية للمحترفين كالمسرح القومي ومسارح الشبيبة للهواة في سورية وفرق المراكز الثقافية وغيرها من الفرق المؤسساتية / لا الخاصة/.

([4]) لعل هذا التعقيب هو اعتراف من (د. معلا) بأن (د. عرسان) قد كتب في المسرح السياسي حيث وصفه بأنه غارق فيه حتى الأذقان

([5]) ص /22/.

([6]) ص /19/ .

([7]) ص/50/

([8]) ص /46/

([9]) لست بصدد قراءة نقدية للنص، لذا لن أبدي وجهة نظري حول شكل النص المسرحي هذا، فنحن عندما قدمنا هذا النص في أواخر السبعينات في مهرجان الهواة المسرحي الذي أقامته وزارة الثقافة لحَنتُ بعض مقاطع من المقدمة وحذفنا الباقي لأن المقدمة هي بمثابة قصيدة شعرية مطوّلة.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244