|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
1- ظهور الشروح الشعرية: ليس في مقدور الباحث أن يجزم بزمان ظهور الشعر العربي، ولكننا نقر أنه ظهر بظهور الإنسان الذي يفرضه: فقد مر بمراحل عدة حتى وصل إلينا شعراً متكاملاً فنياً. ولعل الذاكرة التي حفظته لا تتجاوز مائة وخمسين سنة قبل ظهور الإسلام."(1) الرواية: لعل أولى المراحل التي مر بها هذا الفن القدير هي مرحلة الرواية الشفهية فقد تناولته جملة من الرواة، انقسموا إلى فئات، منها فئة الشعراء التي انقسمت بدورها على طائفتين، طائفة الشعراء الذين يروون شعر شاعر بعينه، فيحفظون هذا الشعر ويتتلمذون على الشاعر، ومن هذه الطائفة الحطيئة الذي كان راوية زهير بن أبي سلمى، وابنه كعب، وزهير هذا راوية اوس بن حجر(2). وأما الطائفة الثانية من هؤلاء الشعراء الرواة، فكانوا "يروون شعراً لمن سبقهم، ولبعض من عاصرهم من الشعراء، ولا يخصّون شاعراً بعينه يتتلمذون عليه، وإنما يردون مناهل شتى يشتقون منها ما شاء لهم الفن الشعري أن يشتقوا، ثم يصدرون وقد اكتملت لهم شخصيتهم الفنية المستقلة(3)، ويعد ذو الرمة من رجال هذه الطائفة، إضافة إلى أن رجال هذه الفئة كانوا شعراء قرضوا الشعر، ثم حسنوا فنهم لاتصالهم الدائم بالشعر رواية وقرضا. ولقد كان لهؤلاء الشعراء الرواة دور كبير في المحافظة على هذا الشعر من الضياع، وكانوا بطرقهم هذه خير ناقل لهذا التراث، وكان عملهم هذا ينبع من حبهم لهذا الفن، الذي كان من المقومات الأساسية للحفاظ على القبيلة، وأحد أسلحتها الضرورية في الدفاع عن وجودها، وإحدى وسائلها الإعلامية لنشر مآثرها، وخلودها بخلود هذا الشعر. وقد رفد فئة الشعراء الرواة هذه، فئة العلماء الرواة، التي اهتمت بالشعر والشاعر، من خلال اهتمامها باللغة، وما يتصل بها. فكان هؤلاء العلماء يرحلون إلى البوادي حيث الأعراب، لمشافهة هؤلاء الذين لم يفسد سلائقهم اللحن بقصد الدراسة والتحليل، ووضع قواعد وضوابط لهذه اللغة المعربة. وقد عاش هؤلاء العلماء "في القرن الثاني ومطلع الثالث، وأخذ عنهم العلماء في القرون التالية للقرن الثاني، ثم يقفون عندهم ولا يعدونهم في الغالب الأعم... هؤلاء العلماء الذين تنتهي عندهم الرواية الأدبية للجاهلية طبقتان، الطبقة الأولى هم: أبو عمرو بن العلاء وحماد الراوية ثم خلف الأحمر والمفضل الضبي ومن في طبقتهم، أما الطبقة الثانية فهم تلامذة هذه الطبقة الأولى، وأشهرهم الأصمعي، وأبو زيد، وأبو عبيدة، وأبو عمرو الشيباني، ثم ابن الأعرابي، ومحمد بن حبيب، وأبو حاتم السجستاني ومحد بن سلام(4).. ويضاف إلى هؤلاء أبو سعيد السكري، وعلي بن عبد الله الطوسي وابن السكيت وثعلب وغيرهم كثير. ولقد كان لهؤلاء العلماء شرف الحفاظ على كثير من التراث الفني لهذه الأمة وصيانته من الضياع، على الرغم من أن الهدف الذي كانوا يسعون إليه هو الإكثار من الشعر للاستشهاد به في مسائل النحو، وخدمة ما يضعونه من قواعد ودراسات لهذه اللغة، وقد قدموا بعملهم هذا خدمة كبيرة للدارسين بعدهم. ولولا جهود هؤلاء لما وصل إلينا هذا التراث الضخم، ولولاهم لما أُتيح لنا الإفادة من هذا التراث. انقسم هؤلاء الرواة العلماء، حسب مدرستي ذلك الوقت الكوفة والبصرة، على كوفيين وبصريين، فكان الكوفيون أكثر حرية في الأخذ من الإعراب، على حين كان البصريون أكثر تشدداً وتضييقاً، فأسقطوا كثيراً من مصادر الكوفيين من الحسبان، واتهموهم بالتزيد والوضع. ويبدو أن علماء القرن الأول الهجري لم يكونوا ليكتفوا "برواية الشعر الجاهلي وإنشاده في المجالس والمحافل، وإنما كانوا كذلك يعلمونه الصبيان تعليماً..."(5). وبهذا حدّدوا علاقتهم بهذا الشعر، وكأنها علاقة الأب بابنه، فلعنايتهم به، كانوا يروونه، ثم ينشدونه في المجالس والمحافل، ومن ثم يعلمونه ويلقنونه الصبيان وبهذا يضمنون لعملهم، ولهذا الفن الذي أحبوه الاستمرارية والبقاء حتى تكون الاستفادة منه كبيرة. ويرى ابن سلام الجمحي(6) أن رواية الشعر توقفت، أو قل الاهتمام بها نظراً لانشغال المسلمين بنشر تعاليم الدين الجديد وبالفتوحات، إلا أن هناك رأياً لأحد المحدثين يخالف هذا، ويزعم أن الرواية لم تتوقف عند هذا الحد، بل استمرت(7)، و قد يكون لهذا الرأي الأخير بعض الوجاهة وإن كان لا ينفي ما ذكره ابن سلام؛ لأنه حين يقر بذلك يضع نصب عينيه أن الشغل الشاغل للمسلمين في ذلك الوقت إنما كان الدين الجديد وما أمرهم به من تعاليم، منها الجهاد في سبيل الله، والدعوة إلى عبادته، فكانت الفتوحات الإسلامية الكبرى. ومع ذلك كله، فقد ظل الشعر خلال هذه الفتوحات، وطوال القرن الأول الهجري بين أيدي الرواة يتناقلونه من جيل إلى جيل. ومما زاد في اتساع دائرة رواية الشعر العربي بروز عدد كبير من شعراء إسلاميين فحول في هذه الفترة من الزمن. ولما جاء القرن الثاني "وهو عصر توقف الفتوح، وعصر الاستقرار والإنشاء الحضاري، انصرفت القوى المبدعة المنظمة إلى الجهاد في ميدان جديد هو ميدان الفكر، وأخذت تستفرغ من مجهودها كي تجمع الآثار المفرقة، وتبحث عن التراث الضائع وتنظم وتبوب وتدون في كل فن وعلم..." (8) ويبدو لنا أن الرواية لم تتوقف، أو لم تقل، وإنما كان يمكن أن تكون على نطاق أوسع لو توفر لها عدد أكثر من المهتمين. وليس معنى هذا أن الدين لم يخدم الدراسة الأدبية، وخاصة الرواية، بل على العكس من ذلك، كان من أكثر الدوافع للعناية برواية اللغة والأدب. فقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يهتم بالشعر، وكذا كان أمر الخلفاء الراشدين. وقد كان الرواة "إنما يطلبون رواية الأدب للقيام به على تفسير ما يشتبه من غريب القرآن والحديث، حتى لا تجد فيهم البتة من لا راوية له في الحديث كثرت أو قلت، والمحدثون يرون أنه ليس براو عندهم من لم يرو من اللغة.(9) الجمع: بعد هذا الجهد الكبير الذي بذله هؤلاء في الرواية، تكون لديهم فيض من هذا الفن، ومن ثم كان لابد من جمع هذا التراث الضخم. وهذه المرحلة طبيعية جداً، وكان لابد أن تحصل- ولم يقتصر الرواة الذين تلوا القدماء على الرواية الشفهية، بل تعدى ذلك كثير منهم إلى التأليف الأدبي، وكان أن تمخضت جهودهم عن وضع دواوين الشعراء، كما أنهم جمعوا أشعار القبائل، وصنفوا المجموعات الشعرية، وكتب المختارات الأدبية، وبهذا أغنوا الدراسة الأدبية بمخزون وفير، يستطيع الدارس من خلاله الوصول إلى ملامح الشعر العربي في ذلك العصر، وإن يتتبع مراحل تطوره. وقد ظهر لدى كل واحد من هؤلاء الرواة العلماء ما يشبه التخصص، فحماد الراوية اختص بجمع المعلقات، أو القصائد الطوال، والمفضل الضبي اتجه إلى جمع غريب الشعر، إذ كان الهدف منه تعليم الناشئة. ثم تبعه في ذلك الأصمعي، فاهتم بجمع الدواوين المختلفة، ومثله فعل أبو سعيد السكري، وابن السكيت، واقتفى أثرهم باقي الرواة، فجمع كل واحد منهم عدداً من دواوين الشعراء، ولم يشذ عن هؤلاء حتى المقلين منهم. واتجه فريق (10) منهم إلى جمع شعر القبائل العربية، و"قد أذكى هذا الاتجاه تيارات العصبية العربية التي أخذت تهب منذ عهد الأمويين، واستفحل أمرها مع مر الأيام فبدأ القوم يلتفتون وراءهم، يتطلعون إلى مناقبهم، ومآثر ماضيهم بعد أن جب الإسلام هذه الدعوات الجاهلية، فحنت القبائل إلى مآثرها، وأثارت شاعرها ليفصح عنها ويتغنى بمجدها وذكر أيامها...(11) ومع مرور الزمن، وتغير الأحوال، ظهر اتجاه ثالث أخذ وجهة جديدة، لا تهتم بجمع دواوين الشعراء، ولا يجمع شعر القبائل، ولا بالقصائد الطوال، وإنما اتجه إلى اختيار مجموعة من أبيات القصيدة لهذا الشاعر أو ذاك، يجمعها الموضوع الواحد، أو الباب الواحد. فمن فعل مثل هذا أبو تمام، الذي خلد لنا أجمل الشعر العربي في حماسته، فمزج بين الاختيار والتنقيح، فكان يقرأ القصيدة كلها فيعجبه منها البيت أو البيتان، وكان إذا رأى اعوجاجاً فيها قومه، أو ضرورة تغيير لفظ في بيت من أبيات القصيدة غيره. وكان له بذلك فضل تبويب الشعر حسب الفنون الشعرية فقد صنف أبو تمام حماسته على عشرة أبواب هي: باب الحماسة، باب المراثي، باب النسيب، باب الهجاء، وباب الأضياف والمديح، باب الصفات، باب السير والنعاس، باب المِلح، باب مذمة النساء."(12) لقد كان أبو تمام أول من ابتدع هذا النوع من التأليف، ثم تبعه في ذلك كثيرون، مثل البحتري، والخالديين وابن الشجري في القرن الرابع(13). التدوين: يرى المرحوم مصطفى صادق الرافعي أن كل ما حفظه الرواة "وتناقلوه لم يدون منه شيء ولم يكن فيه إسناد، لأنه لا خطر له ولا يتعلق به أمر الدين، بل هو لا يعدو أن يكون أدباً ونافلة من التطوع، ومضوا على ذلك وهم يضيفون إليه رواية أشعار المخضرمين- الذين أدركوا الجاهلية والإسلام- حتى انقضى عهد الراشدين، دون أن تكتب أو يدون خبر من أخبار العرب، وهم قد تركوا ذلك في السُنَةِ كما علمت، فلأن يتركوه في هذا ونحوه أولى (14). وواضح كما يقول الرافعي أن الشعر الجاهلي وصل إلينا مقطوع الإسناد، حتى إننا لم نعرف مراحل تطوره، وإنما وصل إلينا متكاملاً فنياً. غير أن هذا لا ينفي الأمر جملة وتفصيلاً إذا يبدو أن الشعر كان يكتب، حتى ولو في حالات خاصة ولكن ليس بالحجم الكبير، وقد يكون ذلك قبل الإسلام، إلا أن الظروف، فيما بعد، والتقاليد العلمية السائدة في ذلك الوقت، كانت تنتقص من قيمة العالم الذي يعتمد على ما يكتب، فلقد "اكتسب الشعر الجاهلي ومعطيات التاريخ والأخبار المتصلة به بصفة الكتاب بعد تنقل شفوي طويل الأمد، وتلمس متعدد الأساليب، فقد شاعت حوالي سنة 30 هـ/250م.. بين البدو والحضر في المحيط العربي كميات هائلة من الأخبار والشعر... (15). ونرجح أن كتابة الشعر لم تأخذ صبغة الكثرة والعناية والاهتمام بها إلا بعد مرور القرن الأول الهجري، لأن التدوين، بشكل عام، كان في القرن الأول الهجري، فقد دون الحديث الشريف في هذا القرن. ويرى أحد الباحثين، أن مجموعة من الصحابة كتبوا الحديث، وعلى مرأى الرسول وعلى مسمع منه، من هؤلاء عمرو بن العاص، وعبد الله بن العباس، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وغيرهم كثير. أما كتابة التفسير فقد بدأت منذ عهد الصحابة، وتابعهم فيها التابعون، حتى وصلت إلى ما نعرف من أوائل كتب التفسير التي بين أيدينا(16). ولهذا لا نعدم أن يكون الشعر قد دون أثناء تدوين القرآن الكريم والحديث الشريف وتفسيراتهما. وذلك للعلاقة الوثيقة التي كانت بين الثلاثة (قرآن، حديث، شعر). فقد "كانت هذه الموضوعات الثلاثة: الحديث والتفسير والمسيد والمغازي -إسلامية في مادتها- وقد دلت بما لا يقبل الشك على أن تدوين الموضوعات في كتب -مهما يكن حجمها- قد بدأ في عهد مبكر جداً: منذ عهد الرسول والصحابة. وإن هذه الموضوعات لم تنقل بالرواية الشفهية قرناً أو يزيد حتى دونت، كما ذهب إليه الكثيرون (17). لكن هذا التدوين لم يكن شائعاً قبل القرن الثاني الهجري. وذلك لأمور أهمها: الأمر الأول: "إن هذا التدوين الذي ذكرناه، على ما كان من وجوده بل انتشاره، لم يكن له من سعة هذا الانتشار ما يتيح وجوده نسخ كثيرة من الديوان الواحد تفي بحاجة القارئين آنذاك. وإن ذيوع شعر الشاعر أو أخبار القبيلة لم يكن قائماً على القراءة من الديوان أو الكتاب، وإنما كان يقوم على الرواية الشفهية من فرد إلى فرد، من جيل إلى جيل...(18). وأما الأمر الثاني فيتصل بالأمر الأول، "وذلك أن رواة الشاعر نفسه، وهم من يسمع شعر الشاعر وأهم وسيلة من وسائل نشر شعره وإذاعته، هؤلاء الرواة كانوا يكتبون شعر الشاعر حقاً، ويحفظونه في صحف ودواوين، ولكنهم مع ذلك يحفظون هذا الشعر في صدورهم، وذاكرتهم، وينقلونه في المجالس والمحافل إنشاداً لا قراءة من صحف"... (19) وأما الأمر الثالث فيتصل بهؤلاء العلماء الذين عاشوا في نهاية القرن الثاني ومطلع الثالث والذين حفظوا لنا هذا الشعر الجاهلي، إذا كانوا ينقلون بعضه وبعض أخبار الجاهلية نقلاً شفهياً في مجالسهم"(20). ولعل أشهر المجموعات الشعرية المصنفة في القرنين الثاني والثالث كتاب المفضليات لصاحبه المفضل بن محمد بن يعلى الضبي "168 هـ"(21). وهذه المجموعة الشعرية منتقاة من الشعر العربي حيث اعتمد صاحبها على اختيار من الشعر القديم فأثبت القصائد بتمامها. ومما زاد في القيمة العلمية للمفضليات أن مؤلفها كان عالماً محترماً لدى الدارسين. ومن هذه المجموعات المهمة التي حفظت لنا كثيراً من الشعر العربي القديم مجموعة أخرى سميت باسم صاحبها كذلك، وهي الأصمعيات، نسبة إلى صاحبها كذلك، وهي الأصمعيات، نسبة إلى صاحبها عبد المالك بن قريب الأصمعي الراوية اللغوي "ت 216/ هـ"(22) وتعد الأصمعيات في نظر الباحثين خير متمم لمجموعة المفضل من حيث تصوير واقع الشعر القديم، وإن كانت المفضليات تفضلها لقدمها ولأن الأصمعي قد حمل عليه في روايته ما لم يحمل مثله المفضل(23). والسمة الغالبة والمميزة لهذه المصنفات أنها روايات لأشعار دون تفسير أو نقد أو تحليل، وإن كان شيء من هذا فهو قليل، لا يعد ظاهرة، ولا تشكل تصوراً تقييمياً لهذا الشعر، الأمر الذي ينسحب على أغلب المرويات الشعرية، فحماد الراوية روى المعلقات دون تفسير لها، وكذلك فعل المفضل الضبي والأصمعي، لأن هدفهم -كما ذكرنا من قبل- الإكثار من جمع الشعر لدراسة اللغة والنحو فيه. ومن المجموعات الشعرية القديمة، جمهرة أشعار العرب، لصاحبها أبي زيد القرشي، الذي يعرف بمؤلفه فيقول: هذا الكتاب جمهرة أشعار العرب في الجاهلية والإسلام، الذين نزل القرآن بألسنتهم، واشتقت العربية من ألفاظهم، واتخذت الشواهد في معاني القرآن وغريب الحديث من أشعارهم، وأسندت الحكمة والآداب إليهم.. ذلك أنه لا يوجد أحد من الشعراء بعدهم إلا مضطر إلى الاختلاس من محاسن ألفاظهم، وهم إذ ذاك مكثفون عن سواهم بمعرفتهم... (24) وتنطوي هذه المجموعة على تسع وأربعين قصيدة مطولة من أجود شعر الجاهلية وصدر الإسلام، وقد قسمها المؤلف على سبعة أقسام، كل قسم باسم خاص، يضم كل واحد منها سبع قصائد، ماعدا الأول الذي يحوي ثمانية قصائد، والقسم الثاني (المجمهرات) يضم ست قصائد، ولعل اللافت للنظر في هذه المجموعات ما فيها من التناظر المصطنع في التقسيم. ومثل هذا التقسيم، بالإضافة إلى الأسانيد التي أوردها المصنّف في مقدمته، يحمل على الاعتقاد بأن هذا المصنف من ثمرات القرن الثالث الهجري الذي شهد مطلعه نموذجاً آخر من هذا التناظر في طبقات الشعراء الجاهليين والإسلاميين لابن سلام الجمحي (25).. ولعل ماهو ذو شأن في هذا كله هو أن الاهتمام كان قاصراً ـ في السابق ـ على الشعر الجاهلي، وما سواه لا يعد شعراً بالنظر إلى هذه القمم القديمة، فكانت المجموعات الأولى، المعلقات على سبيل المثال، لا تجمع إلا الشعر الجاهلي ولا تتعداه، لكن مع مرور الزمن صارت المجموعات تحوي شعراً إسلامياً، ثم ظهر فيها الشعر المحدث، ثم إن لهذه المجموعات فوائد جمة وهي تختلف عن الدواوين "فالديوان ضيق الأفق، اختصاصي الموضوع يفيدنا أكثر في دراسة شاعر بذاته. أما هذه المجموعة فهي أوسع أفقاً، لتنوع موضوعاتها وتعدد شعرائها، فتصويرها للحياة الفنية والاجتماعية أكمل، هذا إلى أنها تدل على ذوق العصر الذي تصنّف فيه، كما تدل على ذوق مصنفها بوجه خاص (25). وهكذا كانت كل مجموعة صورة للعصر الذي جمعت فيه، وممثلة ذوق جامعها، والمفتاح الذي يمكن أن يدخل الباحث بوساطته عالم هؤلاء الجماع المصنفين، إذ يتجلى في الأصمعيات، على سبيل المثال، "مزاج الأصمعي الذي ترجّح لديه الناحية اللغوية والنحوية في كل أثر شعري عموماً على الناحية الأدبية، وتمثل هذه المجموعة ـ فيما يبدو لنا ـ العقلية التي يدرس على ضوئها عالم كالأصمعي الشعر الجاهلي.."(27). والشيء نفسه يمكن أن يقال بالنسبة إلى بقية المجموعات والدواوين والمختارات، فهي تمثل رغبات جامعيها وأذواقهم. ويبدو أن ديوان الهذليين هو الديوان الوحيد الذي وصل إلينا من دواوين شعراء القبائل، واقتصر الجمع في هذا الديوان على قبيلة هذيل دون سواها، وقد اعتنى بجمعه أبو سعيد العسكري الذي روى أشعاره وأخباره وشروحه عن "العباس بن الفرج الرياشي وإبراهيم بن سفيان الزيادي، ومحمد بن حبيب، ومحمد بن الحسن ولعله الأحول...."(28)، وغيرهم. وهؤلاء رووا عن "الأصمعي عبد المالك بن قريب الباهلي، وأبي عبيدة بن المثنى، وابن الأعرابي محمد بن زياد، والأخفش سعيد بن مسعدة...(29)، وغيرهم كثير، ويعد هذا الديوان السجل التاريخي لهذه القبيلة، فقد ذكر فيه أيامها وحروبها، وفضائحها، وغلب شعرائها، والموضوعات التي طرقوها، وموقع هذه القبيلة بين القبائل العربية المجاورة لها. وهناك مجموعات شعرية تختلف عن المجموعات السابقة في أنها لا تعتمد قصائد مطولة، بل تعتمد "المقطوعات والأبيات القليلة تختارها من المطولات. وهي تختلف أيضاً عن تلك المجموعات بكونها مبوبة حسب المعاني الشعرية المشهورة ونسمي هذه الفئة من كتب المختارات الشعرية بالحماسات لغلبة هذا الاسم عليها.."(30)، ولعل من الأسباب الكامنة وراء ظهور هذا النوع من التأليف هذا التطور الذي أصاب المجتمع في ذلك الوقت، وميل النفوس إلى المقطعات دون المطولات، فهي أسهل في الحفظ وأعلق بالذهن، وتفي بالمطلوب، وتعطيك الصورة التي تطلبها مكثفة، والمعنى الذي تريد، في بيت أو بيتين، وتجمع الجيد والحسن من الشعر. تعد حماسة أبي تمام "231هـ" أول عمل في هذا الشأن، وهو مخترع هذا الفن والمبتدع لهذا النوع من التأليف، وكان عمله هذا ينبع من جهده الشخصي، ومعرفته بأمور الشعر، إضافة إلى شاعريته المرهفة، وذوقه الفني الحساس، وأما شعراء هذه المنتخبات فأغلبهم من القدماء، جاهليين أو إسلاميين، وأما الفئة القليلة منهم فشعراء محدثون كمسلم بن الوليد ودعبل وأبي العتاهية. ولقد كانت هذه الحماسة وما زالت من أهم مصادر الشعر، وكان يكفي العالم أن يقول: قال الحماسي، حتى يكون هذا القول محط اهتمام واعتبار، ولعلها من أهم وثائق الشعر القديم، كما تصدى لها كثير من العلماء بالشرح والتفسير، حتى إنه لا يخلو عمل شارح من شرح لهذه الاختيارات، ومن هؤلاء: أبو علي المرزوقي، والتبريزي، وما زالت هذه المجموعة تحظى باهتمام الباحثين والدارسين إلى يومنا هذا. ثم نحا نحو أبي تمام الشاعر العباسي البحتري "284هـ" (31)، ويقال إن البحتري ألف حماسته معارضاً بها حماسة أبي تمام نزولاً عند رغبة أحد كبار ممدوحيه، الفتح بن خاقان وزير الخليفة العباسي المتوكل على الله (32)، ولعل القاسم المشترك بين عمل أبي تمام وعمل البحتري أن كليهما شاعر مرهف، حساس، ذاع صيته في زمانه ولا زال وكان أن أثيرت حولها حركة نقدية كبيرة خلفت كثيراً من المشاحنات. ومثلماكان لكل واحد منهما مفهومه الخاص للشعر، كان لكل واحد منهما طريقته في الاختيار، فحماسة أبي تمام كتاب في فنون الشعر، وكانت حماسة البحتري كتاباً في معاني الشعر. وقد توزعت هاتان الطريقتان جهود مؤلفي المختارات فيما بعد. ولكل من الطريقتين مزية ليست الأخرى، فطريقة البحتري أدق تبويباً وأشد إسعافاً للباحث عما قيل في معنى من المعاني.. أما حماسة أبي تمام فمقطعاتها أقرب إلى التمام وتصوير وأشع شعرنا القديم، لأن هم المؤلف في الموضوع العام لافي المعنى الجزئي(33). ثم تبع هذين الشاعرين في جمع "الحماسات" الخالديان وابن الشجري، وغيرهما. وقد فاقت حماسة أبي تمام، في الشهرة والقيمة، جميع الحماسات، وقد أجمع الدارسون، قديمهم وحديثهم، على تفضيلها على بقية المختارات في هذا المجال. فهذا الزمخشري يبين لنا قيمة هذه الحماسة وقيمة جامعها فيصفه بالقول: "وهو وإن كان مُحدثاً لا يستشهد بشعره في اللغة، فهو من علماء العربية فأجعل مايقوله بمنزلة مايرويه، ألا ترى إلى قول العلماء، الدليل عليه بيت الحماسة فيقنعون بذلك لوثوقهم بروايته وإتقانه"(34)، ومنها يحصل المتعصبون للقديم على ضالتهم، فهي خير نموذج لهذا الشعر، وهي تمثل بحق عمود الشعر الذي كانوا ينشدون، ويحاسبون الشعر قياساً إلى هذه الطريقة في النظم، ومن حاد عنها، حاد عن جادة الصواب. أسباب نشأة الشروح: 1 ـ السبب الديني: ذكرنا من قبل أن جهود الدارسين اللغويين تمثلت في رواية ذلك التراث الشعري الضخم، وجمعه، وتدوينه، ذلك لأسباب منها دراسة لغة هذا الشعر، ليفاد منها في فهم معاني القرآن الكريم وإعجازه. وبعد جمع هذا الفيض من الأشعار، جدت في شؤونها ظروف جديدة، أبعدتهم عن فهم هذا الشعر، فدعت الضرورة إلى محاولات لفهم رموزه، لأنه من دون معرفة أسراره يصعب التوصل إلى تأويل القرآن الكريم وتفسير الحديث الشريف، و"... يبدو أن الدراسة الأدبية كانت وسيلة لغاية ـ كما مر هذا ـ وأنها بدأت ـ مع الزمن ـ تفصيلية، فصرنا نسمع شيئاً عن حياة الشاعر وشعره وطبقته، وميزاتها، ولقد ظلت هذه الفكرة حية، وظللنا نسمع الأدب يخدم تفسير القرآن حتى زمن متأخر..."(35). لقد كان الدافع الديني قوياً في أغلب الدراسات التي كانت في هذه القرون الأولى من ظهور الرسالة المحمدية، فقد أضيفت إلى الشعر وظيفة جديدة وهي خدمة التفسير القرآني، وتفسير الحديث، فأصبح دور الرواية العلمية يقوم على "الحفظ والنقل والإنشاد، كالرواية المجردة في دورها الأول، وأضيف إليها الضبط، والإتقان والتحقيق والتمحيص والشرح والتفسير وشيء من الإنشاد.. (36)، وهذا حتى يكون العمل متكاملاً، وبذلك تتم خدمة الرسين الديني والأدبي... وهما أحد الدوافع التي دعت إلى وجود شروح شعرية. 2 ـ مجالي العلم وحلقات الدرس. ومن بين الأسباب التي كان لها دور في وجود هذه التفاسير، المجالس العلمية، وما كان لها من دور في مذاكرة الشعر، ودراسته وتعليمه. وتعني بها تلك المجالس والحلقات التي كانت تعقد في المساجد أو منازل الشيوخ.. وتكون وسيلة الدرس مزدوجة تقوم على أمرين: على قراءة ديوان الشاعر أو ديوان القبيلة والتلاميذ يتابعون القراءة في نسخ بين أيديهم أو يستمعون لمن يقرأ، وعلى ما يلقيه الشيخ من تصحيح لبعض الأخطاء، أو ذكر لوجود الروايات، أو تفسير لغريب الألفاظ، أو شرح للمعنى العام وذكر جوه التاريخي وحوادثه وأخباره..(37)، وهذا العمل يدعو إلى كثير من الشرح والتفسير بهدف الإفهام والتقرب إلى هذا الشعر، فقد يقوم هذا العالم بشرح كلمة، أو مجموعة كلمات، وقد يشرح البيت بأكمله، وقد يؤدي به الأمر إلى تقييمه، أو تعليل ما يراه قدخرج فيه الشاعر عن طريقة العرب، وكان خروجه هذا ليس خطأ... ويبدو أن أصحاب هذه المجالس طبقة "لم تكن موجودة قبل مطلع القرن الثاني الهجري.. وربماكان أول شيوخها الذين مهدوا الطريق لمن تبعهم فكانوا أهم الرواد السابقين: "أبو عمرو بن العلاء المتوفى سنة "154هـ"، حماد الراوية، المتوفى سنة "156هـ"، ..(38). ونحن نسلم بما لهؤلاء من أياد بيض، على الشعر العربي، فقد عدوا الشعر مادة علمية يجب دراستها ومعرفة أسرارها، ثم الحفاظ عليها، فهي ديوان العرب. ولم يكتفِ هؤلاء العلماء بدراسة الشعر في الحلقات والمجالس بمعزل عن الشعر، بل كثيراً ماكانوا يعودون إلى هذا الفنان عن معنى أعياهم، أو كلمة مبهمة، أو تركيب لم يتعرض إليه سابقاً فكان لهذه المجالس دور مهم في نشأة الشروح، إذ كانت هذه "المجالس الأدبية والعلمية، وكتب التفسير والتاريخ والأنساب، تعرض لكثير من الشعر القديم، مستخدمة إياه في بسط موضوع أو تأييد حدث، أو تفسير معنى، وكانت في عرضها ذلك تضطر إلى شرح بعض المفردات أو العبارات التي ترد في الشعر"(38). 3 ـ ضخامة المحصول الشعري المجموع: يبدو أن السبب الثالث الذي كان وراء ظهور شرح الشعر وتفسيره، ذلك الكم الهائل من الشعر، الذي كان نتاج الجمع والتدوين، وما ولده من ملابسات جعلت الجيل الثاني من الرواة يضيفون إليه من الشرح والتفسير ما تقتضيه الحال عندهم، خاصة وقد بُعد عهدهم بهذا الشعر. فلقد جمع دواوين الشعر الجاهلي "بعض علماء الطبقة الأولى من الرواة ودونوها، ثم أخذها عنهم تلاميذ من علماء الطبقة الثانية ودونوها رواية عنهم، وأضافوا إليها بعض ماسمعوه من هؤلاء الشيوخ من تفسير لغريبها، أو شرح لأبياتها أو ذكر مفصل لما تعرض له من حوادث إشارات تاريخية. ثم جاء رجال الطبقة الثالثة من العلماء والرواة فأخذوا هذه الدواوين التي جمعها رجال الطبقة الأولى، عن علماء الطبقة الثانية، وأضافوا إليها أيضاً ما سمعوه من هؤلاء العلماء من شرح وتفسير وبيان تاريخي"، وقد بقيت بقية من هذه الدواوين حتى وصلت إلينا، وفي صدر بعضها سند يبدأ بعالم راوية في القرن الرابع أو أواخر القرن الثالث وينتهي بعالم من رجال الطبقة الأولى.....(39)، وهذا مايؤكد لنا أن الشرح وُلِدَ مع الشعر، ومنذ أن وجد الشعر، وجد الشرح، وحين حمله الرواة، وجدوا فيه ما هو سهل للفهم، وماهو مستغلق على الفهم، فقام كل واحد منهم بمجهود فردي لإزالة اللثام عن الغامض منه، بشرح الألفاظ وتوضيح المعاني، أو باستحضار الظرف الزماني والمكاني لهذا الشعر، فنحن لا نستطيع، على سبيل المثال، معرفة عالم عنترة الشعري، دون معرفة بحياة هذا الشاعر، ونكران أبيه له، والجهد الذي بذله في سبيل نيل حريته وتأكيد ذاته وشخصيته، ومتى عرفنا هذا تسنى لنا أن نفك كثيراً من المعاني التي قد لا نفهمها في غياب تلك المعلومات الضرورية السابقة. 4 ـ تكلم الأعاجم العربية: ولعل رابع الأسباب في نشأة الشروح هو ما جد في المجتمع العربي الإسلامي في ذلك الوقت، فقد "جدت في شؤون المسلمين أحداث غيرت من الحياة الأدبية واللغوية تغييراً كبيراً في أذهان الناس، فقد وجد قوم يتكلمون العربية تعلماً لا سليقة، وينقدون العربية صناعة ودراسة، لا جبلة وطبعاً، وكلما بعد العهد بالجاهلية خفت السليقة، وأصبحت ملكة الأدب وملكة النقد تكتسبان اكتساباً.."(40). فدخول أجناس جديدة الإسلام من فرس وروم، وتكلمهم اللغة العربية، لغة الدين الجديد، كان كفيلاً بوجود شروح. ذلك أن معرفة هؤلاء باللغة الجديدة، لم تكن في مستوى أصحابها الأصليين.. وعندما قرأوا الشعر وجدوه غامضاً، فكان لابد لهم من شروح لهذا الشعر. ذلك أن كثيراً من المفسرين كان استشهادهم بالشعر كثيراً، لتقريب المعاني الغامضة في القرآن من الفهم، ومن هنا جاءت ضرورة تفسير هذا الشعر. 5 ـ اللغة الشاعرة نفسها: السبب الخامس الذي كان وراء قيام الشروح الشعرية، هو لغة ذلك الشعر نفسها، ويتداخل هذا السبب مع السبب الرابع، لقد بَعُدَ العهد بهذه اللغة، فأصبح المجتمع الجديد يجد صعوبة في فهمها ومعرفة أسرارها نتيجة التداخل اللغوي الذي نشأ من تمازج العرب مع أجناس أخرى، كما ذكرنا سابقاً، وتولي بعض من هؤلاء المراكز العليا في السلطة. هذا التداخل اللغوي أدى إلى ضعف عام في لغة التخاطب اليومي، فأصبح للمجتمع لغتان، لغة المعاملات الرسمية، والكتابية والإبداعية وهي السليمة، ولغة التخاطب اليومي، ذات الأخطاء والعيوب التي عرفت آنذاك، ثم لم تكن هناك بين الشاعر الجاهلي وجمهوره وساطة، لأن لغة التخاطب اليومي كانت في مستوى لغة الإبداع، لكن مع مرور الزمن، وتباعد اللغتين، أصبح الجمهور الجديد يجد صعوبة في فهم لغة الإبداع ومعرفة أسرارها. ولما كانت الحاجة أم الاختراع، كما يقولون، فقد دعاهم الأمر إلى إيجاد شروح للغة هذا الشعر، توضح المعنى وتفي بالمطلوب، وتزكي المخزون اللغوي للدارس. ولما كانت "لغة القصائد قديمة ومبهمة استدعى ذلك وضع شروح لها، وهذه الشروح لغوية ونحوية في الغالب... (41)، لقد كانت هذه الشروح في السابق لغوية ونحوية، ولم تكن تحتاج إلى التقييم، وكان هذا يفي بحاجة الدارس في ذلك الوقت ـ لكن مع تطور دراسة هذا المجموع من الشعر دعت الضرورة إلى الرجوع إلى معطيات إضافية"، وهنا تبدو أهمية كتب مثل كتاب "الأغاني"، وبدرجة أقل طبقات ابن سلام أو ابن قتيبة. وإذا كانت الدواوين تشكل بكميات النصوص التي تضمنتها أساساً للدراسات عن الشعر الجاهلي، فإن استعمالها يجب أن يكون مقروناً بكتب أخرى هي شروح تاريخية وإخبارية لها(42) ومن هنا نقول إن لغة الشعر كانت سبباً من الأسباب التي أدت إلى وجود شروح شعرية، كانت في السابق لغوية ونحوية، ثم تطورت فشملت عدة مجالات، فذكرت مناسبات القصائد، وبدأت تنحو منحى التقويم الشعري، ومن ثم الحكم على الشاعر. وأصبحت هذه الدواوين وشروحها عدة الباحث من بعد، لأنها المصدر الأصيل للبحث والدراسة، ولأنها "اقتصرت على الشعر نفسه واتخذته غاية لذاته، وأفرغ جامعوها وصانعوها وشراحها جهدهم في التثبت من صحة كل قصيدة بل كل بيت، والتحقق من نسبة كل ذلك إلى شاعره، ودفع مالا تثبت لهم صحته أو نسبته، والنص على ما يشكون فيه منه"(43).. 6 ـ تطور القيم والمعايير: السبب السادس، الذي أدى إلى نشأة الشروح الشعرية، وهو تغيير القيم الحياتية وتجددها. ذلك أن المجتمع يمر بحالات هدم وبناء في الوقت نفسه، حالة هدم لقيم قديمة، لم تعد صالحة لمسايرة الواقع الجديد، وحالة بناء لقيم جديدة لمواكبة الواقع الجديد وتلبية متطلباته. ومن هنا تبرز إلى الوجود مؤسستان، مؤسسة الحفاظ على القديم ومؤسسة تهديم القيم الأولى وتفجير أخرى جديدة. وهذا مايؤدي إلى صراع بين المؤسستين، وهذا ما يعرف في تاريخنا الأدبي بالصراع بين القديم والمحدث، وهو صراع أزلي، ومستمر باستمرار الحياة. لقد كان الصراع في السابق على المستوى الشعري، ثم انتقل الأمر إلى الدارسين، فصار كل حد من الفريقين يزعم أن شعر من يناصر أحسن وأفضل من شعر غيره، فظهرت الخصومات بينهما. وكان لهذه المنازعات فضل كبير في خلق دراسات قيمة، سواء عن الشعر القديم أم عن الشعر المحدث. وهذه الدراسات كانت سبباً في ظهور الشروح الشعرية، إذ كان على المتعصب للقديم أن يشرح للجمهور ما يعتد به، حتى يقربه إليه، وكان على المتعصب للمحدث، أن يشرح ويوضح المعنى الجديد للشعر، وما مميزاته، حتى يدنو من الجمهور. و"الواقع أن إعجاب القدماء أنفسهم بالشعر ينبغي أن يكون باعثاً على معاودة الفهم ـ لقد أعجبوا بشعر كثير عجزوا عن تفسيره. وجاء المحدثون فنقضوا أذواق القدماء، واستقبحوا كثيراً مما أعجب المتقدمين (44). ومن ثم نشأ الصراع بين الفريقين وتولدت عنه كتب في الشرح والتفسير والنقد. 7 ـ تذوق الشعر والاستمتاع به: لعل المتعة الفنية سابع الأسباب التي أدت إلى نشأة الشروح، إذ أن المهتمين بهذا الجانب وجدوا متعة فنية في الاهتمام بهذا المجال الخصب. وانسياقاً وراء المتعة التي وجدوها في الدراسات الدينية لأن "الأساس الذي قامت عليه الدراسة الأدبية والبلاغية هو دراسة القرآن في تعبيراته البليغة ومقارنتها بأساليب البلغاء.."(45) "ومن طبيعة الأمور أن تنمو تلك النظرات وتتطور هذه الملاحظات إلى دراسات من القرآن وغير القرآن، فلم تعد الغاية الدينية وحدها هي مبعث كل بحث ودراسة بل أصبحت المتعة الفنية في التعبيرات الإنسانية ميداناً تخوض فيه بحوث هؤلاء الدارسين، واستتبع ذلك دراسة الألفاظ من حيث هي ومن حيث دلالاتها على المعاني، وما اشتملت عليه من أفكار..."(46). لقد وجد الشارح ـ فيما يبدو ـ متعة فنية في القيام بعمله، ولا ننسى غايته من وراء الشرح، والتي كانت في أغلب الأحيان محاولة منه للخوض في معاني الشعر، ثم تقريب هذه المعاني إلى ذهن المستمع أو القارئ، وهو في عمله هذا، كان يصدر أحكاماً تنبع من مفهومه الخاص للشعر، وبمعنى آخر، كان في أثناء شرحه، يقوم بدراسة هذا الشعر بناء على موقف سابق له منه. وكان مثل هذه الدراسة ينبع من رافدين: 1 ـ الذوق الفطري : وهو عنصر أساس من عناصر تقويم أي فن إنساني، إذ "يجد السامع أو القارئ في بعض الأساليب من رنين الكلمات وجرسها أو التئام حروفها وقوة معانيها وفخامتها وروعة خيالها مالا يجده في بعضها الآخر، فيفضل الأولى على الثانية دون أن يبحث عن علة لذلك الحكم"(47). 2 ـ البصيرة النفاذة والعقل القادر على المفاضلة والموازنة والتحليل ووضع المقدمات الصحيحة ليتوصل بها إلى نتائج يطمئن إليها العقل ويسلم بصحتها، وذلك أن الأذواق تختلف، والطباع تتفاوت، فكان لابد من وضع أسس علمية يحتكم إليها الجميع مسلمين بها لأنها قوانين العقل التي لا مفر من التسليم بها، وكان من ضرورة الأمور أن يتلاقى المذهبان، فليس من السهل على أي دارس أن يغفل جانب الذوق والفطرة إلى جانب العقل والتفكير"(48). لقد انبثقت إذن الدراسة الأدبية من هذين الرافدين، رافد الذوق الفطري، ورافد البصيرة النفاذة، والشرح، كما نعلم، جزء لا يتجزأ من الدراسة الأدبية، بل هو أحد عناصرها الأساسية، أو لنقل أنه بدأ منذ قول الشعر، والتساؤل حوله، وحول قصد الشاعر من قوله، ومرتبة هذا الشاعر في طبقته. خاتمة: يبدو أن هذه أغلب الأسباب والدوافع التي أدت إلى ظهور الشروح الشعرية لتلك المجموعات، من دواوين ومختارات وأشعار القبائل. وقد نهض بهذا العمل الجليل، علماء كبار، كان لهم الفضل الكبير في الدراسات الأدبية واللغوية، ولم يكن يشملهم التخصص، بل كان همهم الوحيد هو العلم، وقد قادتهم هذه الشمولية في الدراسة إلى شمولية في مؤلفاتهم، فكتاب في علم اللغة قد نجد فيه مايتعلق بإعجاز القرآن، والنقد والبلاغة وأساليب الكلام. وهكذا كانت شروحهم الشعرية، إذ كانت تحوي جملة من الدراسات، على الرغم من أنها بدأت لغوية نحوية بحتة، إلا أنها شملت ميادين أخرى، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ولم يكتف هؤلاء الدارسون بشرح ألفاظ القصيدة، بل تعدوا ذلك إلى تقويم الشعر الذي هم بصدد شرحه وتحليله، وخاصة في فترات متلاحقة. "وهذا التحليل الدقيق للصياغة والأعاريض والشعور والمعاني، وملاءمتها للحياة الاجتماعية، وإفصاحها عن حاجات العصر، كل أولئك كان الأصول التي قامت عليها الخصومات في التفاضل بين الشعراء"(49)، وهذا مايدفعنا إلى الاعتقاد أن النقد العربي القديم كان في بدايته ذاتياً، يختلف باختلاف الأذواق، والأمزجة، ودرجة التأثر، فالناقد فيه ينبئ عن مزاجه وذوقه وثقافته، ومبلغ تأثره، ونوع هذا التأثر، ولكل ناقد شاعر يؤيده...."(50). بقي أن نشير إلى أن هذه الأسباب متداخلة فيما بينها متشابكة في تأثيرها لكنها عملت جميعاً على قيام حركة الشرح الشعري في التراث العربي. الإحالات: 1 ـ الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر. الحيوان، تحقيق محمد عبد السلام هارون، مصر 1:74. 2 ـ ينظر الجمحي، ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المعارف، مصر 87، وينظر الطرابلسي، أمجد 1976، نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب في اللغة والأدب ط:6، دار الفتح، دمشق، 927. 3 ـ الأسد، ناصر الدين 1969، مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية، ط:4، دار المعارف، مصر 222. 4 ـ مصادر الشعر الجاهلي، 267 -268. 5 ـ المرجع نفسه، 204. 6 ـ الجمحي، ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، 22. 7 ـ مصادر الشعر الجاهلي، 196 -197. 8 ـ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب، 43-94. 9 ـ الرافعي، مصطفى صادق 1940، تاريخ آداب العرب، ط:82، مطبعة الاستقامة، تحقيق محمد سعيد العريان، 1:296. 10 ـ يذكر صاحب الفهرسة: 68، أن "ابن أبي عمرو قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفاً وثمانين قبيلة فكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً وجعله في مسجد الكوفة حتى كتب نيفاً وثمانين مصحفاً بخطه..". 11 ـ حمروني الطاهر، 1985، منهج أبي علي المرزوقي في شرح الشعر، المؤسسة الوطنية للكتاب ـ الجزائر، 44. 12 ـ المرزوقي، أبو علي 1951، شرح حماسة أبي تمام ـ نشر: أحمد أمين وعبد السلام هارون ـ القاهرة. 13ـ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب، 118. 14 ـ تاريخ آداب العرب، 1 : 290. 15 ـ د.ر بلاشير 1952، تاريخ الأدب العربي، ط:2، ترجمة الدكتور إبراهيم كيلاني، دار الفكر، 1984، 118. 16 ـ مصادر الشعر الجاهلي 144، ومابعدها. 17 ـ المصدر نفسه 150-151. 18 ـ مصادر الشعر الجاهلي ـ 190. 19 ـ المصدرنفسه 191. 20 ـ المصدر نفسه، 192. 21 ـ الأنباري، أبو محمد القاسم، ديوان المفضليات، عني بطبعه كارلوس يعقوب لايل، مطبعة الآباء اليسوعيين، بيروت ـ 192. 22 ـ ابن خلكان 1978 ـ وفيات الأعيان، وأنباء الزمان، تحقيق الدكتور إحسان عباس ـ دار صادر ، بيروت ، 3: 170. 23 ـ القرشي، أبو زيد 1926، جمهرة أشعار العرب، المطبعة الرحمانية بمصر 1 . 24 ـ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب ـ 112. 25 ـ المرجع نفسه، 100-101. 26 ـ ينظر بلاشير ـ تاريخ الأدب العربي ـ :179 -180. 27 ـ السكري أبو سعيد، شرح أشعار الهذليين، (مقدمة المحقق)، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، القاهرة، مراجعة: محمود محمد شاكر ومن خلال مراجعة هامش هاتين الصفحتين 10 و11 وجدت أن كل هؤلاء عاشوا في القرن الثالث الهجري. 28 ـ السكري أبو سعيد، شرح أشعار الهذليين، (مقدمة المحقق)، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، مكتبة دار العروبة، القاهرة، مراجعة: محمود محمد شاكر ومن خلال مراجعة هامش هاتين الصفحتين 10 و11 وجدت أن كل هؤلاء عاشوا في القرن الثالث الهجري. 29 ـ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب ـ 1110. 30 ـ أنظر البحتري ـ أبو عبادة 1929 ، الحماسة: ط1 ، ضبطه وعلق على حواشيه كمال مصطفى، المطبعة الرحمانية. 31 ـ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب ـ 120. 32 ـ المرجع نفسه: 122-123. 33 ـ البغدادي ـ عبد القادر ـ خزانة الأدب، دار صادر ـ بيروت ـ 1 : 4. 34 ـ سلامة إبراهيم 1952 بلاغة أرسطو بين العرب واليونان، ط:2، مكتبة الأنجلو المصرية 9. 35 ـ مصادر الشعر الجاهلي 190. 36 ـ المرجع نفسه 251 -252. 37 ـ المرجع نفسه 252 38 ـ قباوة فخر الدين ـ 1974، منهج التبريزي في شروحه والقيمة التاريخية للمفضليات، المكتبة العربية، حلب 41. 39 ـ مصادر الشعر الجاهلي، 283. 40 ـ إبراهيم طه 1972 ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب، دار الحكمة ـ دمشق 51. 41 ـ بلاشير تاريخ الأدب العربي 283. 42 ـ بلاشير تاريخ الأدب العربي 283. 43 ـ مصادر الشعر الجاهلي. 214. 44 ـ ناصف، مصطفى 1965، نظرية المعنى في النقد العربي، دار القلم 141. 45 ـ مصطفى محمد عبد المطلب 1983 ـ اتجاهات النقد خلال القرن السادس والسابع ط:1، دار الأندلس ـ بيروت 5. 46 ـ مصطفى محمد عبد المطلب 1983 ـ اتجاهات النقد خلال القرن السادس والسابع ط:1، دار الأندلس ـ بيروت 5. 47 ـ المرجع نفسه، 5. 6. 48 ـ المرجع نفسه، 5. 6. 49 ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب 60. 50 ـ تاريخ النقد الأدبي عند العرب 60. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |