|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:34 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
2 - شرّاح الشعر وحضور النص الغائب
إنّ
مفهوم التناص مفهوم يصعب تحديده، وهو كباقي المفهومات يخضع للمنطلق الفكري لكل
محددٍ له من النقاد والدارسين، والذين أجمعوا على تغييب صاحب النص، والاحتفال
بالنص ولا شيء غير النص. وأغلب هؤلاء انطلقوا من أنّ التناص هو حوار النصوص فيما
بينها. وقد نقل محمد مفتاح (1) بعض التعاريف لهذا المفهوم منها: ـ إنه فسيفساء من نصوص أخرى وأدمجت فيه بتقنيات
مختلفة. ـ أو إنه ممتص لها يجعلها من عندياته وبتصييرها منسجمة مع فضاء بنائه ومع
مقاصده. ـ أو محول لها بتمطيطها أو تكثيفها بقصد مناقضة
خصائصها ودلالتها أو بهدف تعضيدها. ويبدو
مما سبق، أن هذا المفهوم يطرح إشكالاً، خاصة إذا ما كشفنا عن تجلياته في نصوص
تراثية، فهل عندما نرفض مبدأ السرقات الأدبية، ونقبل بالتناص بديلاً لها، لا نكون
قد قمنا بعملية تبييض النصوص التي سرقت، أو تلك التي سطا عليها المبدع تحت أي
غطاء، ونزعم أن مثل هذا الفعل هو تحرير
للعملية الإبداعية في إنتاج نصوص ذات أسانيد مرجعية مختلفة. وفي
المقابل إن نحن رفضنا التناص، وعملية إسقاطه على نقود أولئك الدارسين لا نكون قد
قمنا بدور القامع للنشاط الإبداعي، ومنعنا المبدع من السفر في فضاء النصوص
الأدبية، وبترنا ذلك الوصل الذي يربط المبدع حديثاً بسنده المرجعي، وكذا تفاعل
النصوص فيما بينها. ويصبح
الاهتمام بهذه القضية أمراً مهما للخروج من هذا الإشكال، إذ يجب ربط كل نشاط
إبداعي مماثل بعملية الوعي واللاوعي سواء عند المبدع أم الناقد، أي هل حضر النص
وحده، أو أحضره المبدع عنوة، وهذا ما أشار إليه ابن خلدون حين ربط الإبداع بتناسي
المخزون الأدبي الوفير (2) العمليات، دون أن يضرّ ذلك بقدرته
الإبداعية في إيجاد علاقات لغوية جديدة تعبر عن العلاقات الفكرية التي
يعيشها وبهذا تصبح "التناصية" (التنظير للتناص) "تفاعل بين النص
وبين نصوص أخرى مجهولة ومنسية في الغالب، أي نصوص شاردة في جيوب الذاكرة التي
تلفظها أثناء إنجاز الكتابة من حيث
هي نشاط إبداعي مبني على أنقاض أنشطة إبداعية أخرى اندثرت في حيز الذاكرة الذي لا
حدود له"(3)، ولكن ما مصير تلك النصوص التي لا تخلو من القصدية، ولا تأخذ
بمبدأ التناسي، وقد اشترط رولان بارث النسيان في عملية الكتابة "الإبداع" أنا أكتب لأني نسيت. والتناص
هو عملية من عمليات الاستماع والمثاقفة سواء عند المبدع أو عند الناقد الذي يكشف
عن هذه الظاهرة عند أديب ما، وهي تمثل مستوى من مستويات القراءة. وشروح
الشعر العربي القديم تمثل إحدى هذه المستويات أيضاً، وقد ظهرت إلى الوجود بعد أن
أصبحت لغة التخاطب اليومي لا ترقى إلى مستوى لغة الإبداع، وأصبح الجمهور يجد صعوبة
في فهم هذه اللغة، ومعرفة أسرارها، لأن الشرح لغة هو الكشف والإيضاح والتبيين
والتفسير (4)، والشرح الشعري هو تلك
العملية المعقدة التي تقوم على الغوص في معاني الشعر، وتراكيبه، ومحاولة إخراجها
للجمهور سهلة سائغة بألفاظ قريبة يدرك المتلقي مدلولاتها. لقد
كانت النصوص الشعرية التي وقف عندها هؤلاء الشراح آثاراً وسيطة بين العصر الجاهلي
والعصر الإسلامي؛ أي أنها كانت تواصلاً بين عهدين متباينين، "وكل الآثار
الوسيطة تقوم على دعامتين أساسيتين: 1
ـ التوالد والتناسل. ذلك أننا نجد أثراً أدبياً أو غيره يتولد بعضه من بعض، وتقلب
النواة المعنوية الواحدة بطرق متعددة وفي صور مختلفة. 2
ـ التواتر؛ أي إعادة نماذج معينة وتكرارها لارتباطها بالسنة وبالسلف، وبقوتها
الإيحائية. إن
هاتين الدعامتين تعنيان أن العمل الأدبي في العصور القديمة، عمل جماعي أولاً وشخصي
ثانياً، بل يمكن أن يقال إنهما دعامتا النص الأدبي حيثما كان وأيان وجد. وإذا ما
أحدث بعض الرواد قطيعة في بعض العصور؛ فإنهم لا يلبثون بدورهم أن يصيروا سلفاً ذا
قوة إيحائية ورمزية تحوَل نماذجهم إلى طرق يسير عليها مَنْ بعدهم.."(5). لقد
تعاملت هذه الفئة من النقاد مع هذه الظاهرة تعاملاً فنياً يكشف عن حس نقدي متطور،
وقد استطاع هذا الفريق أن يكشف عن السند المرجعي لتلك الأشعار التي فسّرها وأبان
عن غريبها، انطلاقاً من أنّ عملية استيعاب النص لا تتم إلا بالكشف عن هذا النص
وتخريج معانيه، وتحديد نصوصه المرجعية. ويكون مسعى النقاد هو التعامل مع النص
كشبكة فنية متداخلة، كدائرة متعددة الحلقات، ومن هنا تصبح للنص خصوصية، تتمثل في
تشكيل من النصوص الكثيرة، وهذا ما
يفتح أمام الناقد آفاقاً واسعة في ممارسته، ويشترط فيه ثقافة واسعة، واطلاع على
النصوص المرجعية للنص المدروس، وتجليات هذا النص في نصوص أخرى. لقد
استطاع الكثير من الشراح التقرب من النص الشعري وفق هذا المنظور، على الرغم من أنّ
هذه الطبقة من الدارسين خصوصاً، والنقاد القدماء عموماً، كانوا يعالجون النص وفق
نظرة جزئية لم تتعدّ وحدة البيت الشعري. يدخل
تحت إطار هذا المفهوم إشارتهم إلى تلك المماثلات والمشابهات بين أقوال الشعراء،
والتي تمت بطريقة عفواً لا واعية منهم. وقد تكفل الناقد في هذا القسم باستحضار
النص الغائب، أو السند المرجعي للنص الحاضر. فالأصمعي يقف عند قول العجاج(7):
ليقول:
"… وقولـه أحموه أي هيجوه ساعة وأخبوه ساعة، يريد أنهم يسكنون ثم
يهيجون..وإنما هذا مثل قولهم:
ويبدو
أن الأصمعي لم يستحضر هذا البيت لغرض الشرح فقط، بل للإشارة إلى مكاشفة النص بنص
آخر، ليسهل الإبانة عن النص المرجعي للشاعر، ولم يحكم على العجاج بالسرقة، ذلك أن
المعنى عام ومشترك بين الشعراء. ولم
يخرج الطواسي عن هذا حين عالج قول لبيد:
فقال
فيه: "يقول: لا أفرح بما أستطرف من مال أو شيء يسر ولا أجزع إن نكبني الدهر
وهذا مثل قول طرفة:
لعل
المسوغ لحكم الطوسي هذا هو أنّ لبيداً استعمل صيغة المفر بينما عبّر طرفة بصيغة
الجمع، ثم إنّ لبيداً متأخر عن طرفة، وهذا ما يعطي هذا الأخير خصوصية الأسبقية في
الوجود، ولكن هل نص طرفة نص مرجعي؟ وهل أن النصوص المرجعية التي أشار إليها الشراح
هي فعلاً نصوص مرجعية لنصوص أولئك الشعراء؟.. الحقيقة
أنه من الصعب الحكم بذلك، إذ لا يكفي السبق الزمني لإقرار ذلك، فنص طرفة، وإن كان
أسبق في الوجود من نص لبيد، واستطاع أن يكون مرجعاً لنص لبيد، قد يكون بعض هذه
النصوص شكلَ فضاءً تناصياً لتلك النصوص التي وقف عندها هؤلاء الشرّاح، ولكن مع
ذلك؛ فإنه من الصعوبة بمكان تحديد مرجعية أي نص، على الرغم من الاطلاع الواسع لهذه
الفئة من الدارسين على الشعر، ومعرفتها للكثير من نصوصه. ومع
ذلك تبقى محاولاتهم جادة في استحضار تلك المقاربات بين النصوص الشعرية. وأما
الأنباري، فلم يكتف لاستحضار نص واحد، بل نصين اثنين ليكشف عن مدى التقارب بين
النصوص الثلاثة، وكان ذلك عندما شرح قول الكلعبة العريني:
فقال
: "أمرتكم امري"، يريد أنه أمرهم فلم يقبلوا منه، كما قال الآخر:
ونحو
من هذا قول دريد بن الصِّمّة حين أمر قومه فلم يقبلوا منه:
لقد
وفق الأنباري في الكشف عن السند المرجعي للنص الأول، وذهب إلى التشابه الحاصل بين
هذه النصوص، فالمعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ بعض الشيء، وكذا الطريقة التعبيرية
لدى كل شاعر. خاصة وأن النص الأخير فيه إضافة تتجلى في مناصرة الشاعر قبيلته غزية
سواء أغوت أم رشدت، إنه معها على الحق كانت أم على الباطل… وهذا
قمة الانتساب إلى القبيلة والتعصب لها. وأما
ابن الأنباري، فقد استطاع أن يبين تجليات النصوص الغائبة من خلال شرحه نص الحارث
بن حلزة:
"معناه،
قبل اليوم عظم شأنها على الناس حتى أعمتهم وعظمت على أبصارهم. فيقال للرجل لأوصلن
إليك مكروهاً يظلم من أجله عليك نهارك، أو شبيه به قولهم: لأرينك
الكواكب بالنهار… وقال النابغة:
أي
رجعت حسيراً كئيباً قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى فيه الكواكب بعالي النهار
بريقاً، ومما يداني هذاالمعنى أيضاً قول جرير يرثي عمر بن عبد العزيز:
معناه
الشمس كالكاسفة لشدة ظلمتها، ونصب نجوم الليل والقمر على الوقت كأنه قال:
"تبكي عليك أبداً، كأنه قال: طلعت الشمس ولم يكسف ضوءها نجوم الليل والقمر
لحزنها وبكائها"(10). فابن
الأنباري ههنا بصدد عملية واضحة، جلية، كشف عنها من خلال استحضاره تلك النصوص
المرجعية للنص الأول، فقد عظم الحدث حتى صار الليل نهاراً والنهار ليلاً، ولم يأتِ
الناقد بهذه النصوص للتوضيح فقط، فحين قول الحارث أتى بالنص الغائب ليلاً، المأثور
الذي يؤدي معناه ثم بنصوص شعرية، ربما اختلفت في الغرض الذي قيلت فيه، ولا نظنه
واحداً عندهم على الرغم من أن كل واحد منهم وصف هول الحدث وتأثيره في الإنسان.
وربما كانت المداناة التي قصدها الأشرح هاهنا في مقاربة النص الأول دون الوصول
إليه كاملاً؛ لأن النص لم تحكمه الظروف نفسها عند الشعراء. ومن
العمليات التناصية التي وقف عندها الشراح، عملية المناقضة والعكس بين النص الحاضر
والنص الغائب فابن جني أشار إلى مناقضة نص المتنبي التالي لنص غائب.
وقال:
"كأنه ناقض في هذا البيت أبا الشيّص، وقوله:
لا
نعرف ماذا قصد ابن جني بالمناقضة، فهل هي العكس؟ لأن الأصفهاني يردّ عليه:
"أمّا معنى المتنبي فبخلاف قول أبي الشيّص، إنما يريد المتنبي: أني أحب حبيبي
واللوام ينهون عنه فكيف نأتلف. وأبو الشيّص يريد بقوله: "أحب اللوم لا لنهي
هواك بل لتكرر ذكرك في تضاعيف الكلام وأثناء الملام".(12). وإذا
كان الذي يذهب إليه ابن جني هو
الخلاف أو العكس، فما معنى رد الأصفهاني عليه، وهل هذا تجنّ على ابن جنيّ؟ أو أنه
كان يفهم المناقضة بغير ماذهب إليه ابن جنّي؟يبدو أن أبا الفتح كان فعلاً يقصد
بحكمه ذلك الخلاف والعكس، وبهذا لا يكون وراء ماذكره الأصفهاني كبير فائدة. وقد
وقف الجرجاني عند هذين النصين، وعدّ ذلك من لطيف السرقة"(13). وتبع
المرزوقي أترابه في الإشارة إلى عملية العكس هذه في أماكن متفرقة من شرحه لديوان
الحماسة، من ذلك ماذكره حين وقف عند قول سلمى بن ربيعة:
فقال:"ألفت
البكاء لتباعدها، فساعدت العينان وجادتا بإسالة دمعها غزيراً متحلباً واكفاً منهملاً
فكأن في عيني أحد هذين المهيجين الحالبين للعيون. وقوله كحلت "إخبار عن إحدى
العينين وساغ ذلك لما في العلم من أن حالتيهما لا تفترقان وعلى العكس من هذا قول
امرئ القيس:
لأنّ
امرئ القيس وحّد في الابتداء ثم ثنى عند ردّ الضمير، على أنه متى اجتمع شيئان في
أمر لا يفترقان فيه اجتزئ بذكر أحدهما عن الآخر"(14). لقد
تساءل محمد مفتاح: أيكون التناص في الشكل أم المضمون أم فيهما معاً؟ وذهب إلى
"أنّ ما يظهر ـ بادئ ذي بدء ـ أنه يكون في المضمون لأننا نرى الشاعر يعيد
إنتاج ما تقدمه وما عاصره من نصوص مكتوبة "عالمة" أو "شعبية"
أو ينتقي منها صورة أو موقفاً درامياً أو تعبيراً ذا قوة رمزية، ولكننا لا نعلم
جميعاً أنه لا مضمون خارج الشكل، بل إن الشكل هو المتحكم في المتناص والموجه إليه،
وهو هادي المتلقي إلى تحديد النوع الأدبي ولإدراك التناص، وفهم العمل الأدبي تبعاً
لذلك"(15). ويبدو
أن ماذكره هذا الباحث يلتقي كثيراً مع ما ذكره المرزوقي لمّا وقف عند نص سلمى بن
ربيعة، إلاّ أنه يجب أن نشير إلى أن لا انفصال بين الشكل والمضمون في بناء الصورة
الشعرية، ولا في تصورها لدى المتلقي، وحتى عند تتبعنا لمثل هذه العمليات التناصية،
فإننا لا نميز الشكل عن المضمون،
ولا المضمون عن الشكل، بل إننا ننظر إلى مبدأ التناسب بينهما. ولعل
مثل هذه العمليات التناصية يدخل في باب التغير الذي عرّفه ابن رشيق قائلاً: "وهو
أن يتضاد المذهبان في المعنى حتى يتقاوما ثم يصحا، وذلك من افتنان الشعراء وتصرفهم
وغوص أفكارهم"(16). وفي هذا الإطار قال عن المتنبي "وكان أبو الطيب
لقدرته واتساعه في المعاني كثيراً ما يخالف الشعراء ويغير مذاهبهم"(17). وتعد
المقاربة من العمليات التناصية، وقد ذكرها المرزوقي لما شرح قول المتوكل الليثي:
فقال:
"لا يُقاربه قول الآخر":
ولعل
المرزوقي ههنا يقصد بالمقاربة المشابهة غير التامة، فالنص الثاني يقارب الأول،
لكنه لا يصل إليه، لاختلاف طفيف قد يكون موجوداً بينهما. ولعل ماذهب إليه المرزوقي
شبيه لما ذهب إليه ابن الأنباري. وذكر
ابن جنِّي شيئاً آخراً لـه علاقة بهذه العملية حين وقف عند نص المتنبي:
فقال:
"في هذا البيت لمحة من قول الآخر:
وإذا
كانت عملية التناص هذه تمت بجزء من النص المرجعي، فإن المرزوقي يشير إلى عملية
أخرى تتعلق بالإلمام بالنص الغائب. ويكشف عن بعض النصوص المرجعية التي ألم بها بعض
الشعراء في ديوان الحماسة كوقوفه عند قول العديل بن الفرخ العجلي:
ليقول:
"أما البيت الأول فقد ألمّ فيه بمعنى قول الآخر:
فالمعنى
واحد بين الشاعرين، إلاّ أن كل واحد منهما اختار ألفاظاً للتعبير عن هذا
المعنى، والإلمام هذا ضرب من
النظر"(21)، والذي يعني تساوي المعنيين دون اللفظ. إنّ
مثل هذه العمليات التناصية هي عمليات فنية خفية يلجأ إليها المبدع لتمرير خطابه
إلى الجمهور عن طريق الاستفادة من الشحنات المعرفية لتلك النصوص الإبداعية
المرجعية، وعلى الرغم من أن هؤلاء النقاد قد استعملوا مفاهيم محددة للنص على مثل
هذا التحاور الذي وقع بين النصوص الشعرية، فإننا نجدهم ينطلقون من أن المعاني هي
مشتركة بين الشعراء وتأتي من باب وقوع الحافر على الحافر. ولعلَّ
التضمين واحد من هذه التقاطعات التي تقع بين النصوص، وقد وقف عنده الشراح كثيراً
ونعتوه بعدة أوصاف كـ"الاستزادة" و"الاصطراف"، الذي يقول عنه
الحاتمي "وهو أن يصرف الشاعر
بيتاً أو أبياتاً إلى إحدى قصائده من شاعر إلى شاعر إلى شاعر آخر لحسن موقع ذلك
البيت أو تلك الأبيات في سياق تلك القصيدة"(22)، وذكره ابن رشيق أيضاً تحت
هذا الاسم فقال عنه: "الاصطراف أن يعجب الشاعر ببيت من الشعر فيصرفه إلى
نفسه، فإن صرفه إليه من جهة المثال فهو اجتلاب واستلحاق"(23)، وقد كان المقري
من الشراح الذين أشاروا إلى هذه العملية التناصية عند وقوفه عند نص أبي تمام:
فقال:
"هذا من التضمين، الذي يعرفه المحدثون، كانوا في أول الأمر يسمونه
"استزادة"، وهذا المصراع في شعر قديم ينشده النحويون:
وقد
كان الشعراء في القديم يأخذ أحدهم
البيت المشهور من شعر فيزيده في شعر نفسه على المعنى الذي يسمى التضمين،
ومن ذلك أن بني سعد ابن زيد مناة ينشدون لرجل منهم يقال له شقة:
وهذا
البيت مروي في شعر النابغة"(24). ولقد
كان المعري واضحاً، ودقيقاً في اختيار ألفاظه، فقد أرجع هذه العملية التناصية إلى
الشعراء المحدثين، كما نصّ على المصطلح المستعمل، واشترط أن يكون النص الغائب أسبق
في الوجود من النص الحاضر، ورأى أن الناص يأخذ النص المشهور ويزيده في نصه، ويسعى
من وراء ذلك إلى استثمار الحصيلة المعرفية للنص الغائب حتى يصبح نصه سائراً في
الآفاق كالنص المرجعي. ومما
تقدم، فقد كان موقف هؤلاء النقاد من التناص دقيقاً، فلم يقبلوا الظاهرة، ولم
يرفضوها، ورأوا أن هذه العملية تحسن حين تتم بطريقة إبداعية، تعطي للنص قيمة فنية
لا يمكن الوصول إليها بدونها، كما أنه يربط النص بالموروث الأدبي والثقافي، ويفتح
حواراً بين النصوص الأدبية، كما يكسّر تلك الثنائية التي تعتمد على الفروق بين
الشعر والنثر، وبذلك تسمح بتداخل الأجناس. ويبدو
أن قصد الشعراء كان الاستفادة من القدرة التعبيرية للنصوص الغائبة؛ التي هي في
غالب الأحيان نصوص لها طاقات إيحائية وإبداعية من خلال تداول الناس لها، ومن خلال
انتشارها بين الجمهور، ومن ثم يسعى الشاعر إليها محاولاً إلحاق نصه بنص معروف من
الموروث الشعري أو النثري، حين يضمن
لنفسه الوصول إلى ماوصلت إليه تلك الأسانيد المرجعية. إن
هؤلاء الشراح، لمّا عمدوا إلى الإفصاح عن هذه العمليات التناصية، فكان قصدهم
التأكيد على خصوصية النصوص، والتي تصبح ملكاً لأصحابها، وبوساطتها تم لهم تفسير
الكثير من النصوص الشعرية التي وقفوا عندها، فكانت النصوص المرجعية أدوات نقدية في
أيدي هؤلاء النقاد، وتم لهم أيضاً الحكم على إبداعية الناص في نصه، وهم إذ يؤكدون
تبعية الحاضر للماضي، يبينون التوظيفات الجديدة للنصوص، ومدى فاعليتها في جوها
الجديد، ومدى استفادة الناص منها كأدوات تعبيرية عن معانيه وأفكاره. لقد
تعامل هؤلاء النقاد مع النص الشعري تعاملهم مع الكائن الحي، فإذا ارتاحوا إليه
لاطفوه، وإذا تقززوا منه خاصموه، ومرجعهم في ذلك ملكتهم التقويمية التي أهلت
أغلبهم إلى مثل هذه الدراسة التحليلية، ومن هنا كانت علاقة الشارح بالناص علاقة
ذات وجهين، فإمّا نجده مدافعاً عن الشاعر، ومناصراً له، وإمّا ناقماً منه وساخطاً
عليه، وهو في كلتا الحالين، يحاول أن يناقش ويعلل بالحجج والبراهين. الاقتباسات:
1 ـ تحليل الخطاب الشعري
(استراتيجية التناص) ط II 1986،
المركز الثقافي العربي ـ المغرب 121. 2 ـ المقدمة 1105. 3 ـ عبد الملك مرتاض: فكرة
السرقات الأدبية ونظرية التناص 82 مجلة، علامات في النقد الأدبي ج1 المجلة ـ مايو
1991 جدة. 4 ـ ينظر لسان العرب ـ مادة
شرح 2: 497 ـ 498 دار صادر ـ بيروت. 5 ـ عن فكرة السرقات الأدبية
ونظرية التناص 134 – 135 عن: Antoine compagnon:
La secondmain. Paris seuil 1979 – 90 p 91. 6 ـ وقد سماه محمد مفتاح
التناص الاعتباطي الذي يعتمد في دراسته على ذاكرة المتلقي 131. 7 ـ ديوان العجاج 1: 62 ـ 63. 8 ـ شرح ديوان لبيد : 168 ـ
169. 9 ـ شرح ديوان المفضليات 23. 10 ـ شرح القصائد السبع
الطوال الجاهليات 458 ـ 459. 11 ـ الفتح الوهبي 27. 12 ـ الواضح في مشكلات شعر
المتنبي 28. 13 ـ ينظر الوساطة 206. 14 ـ شرح ديوان الحماسة 2:
547. 15 ـ محمد مفتاح تجليات
الخطاب الشعري ـ 129-130. 16 ـ العمدة 2: 100. 17 ـ المصدر نفسه: 2: 102. 18 ـ ديوان الحماسة 2: 733. 19 ـ الفتح الوهبي 112. 20 ـ شرح ديوان الحماسة 2:
733. 21 ـ العمدة 2 : 287. 22 ـ هرارة مشكلة السرقات 109
ـ عن حلية المحاضرة الورقة 80 ـ 99. 23 ـ العمدة 2: 281 –282. 24
ـ التبريزي، ديوان أبي تمام 4: 352 ـ 353. |