أدوات الـنص - محمد تحريشي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:34 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 
II - في جمالية النص المعاصر

II - في جمالية النص المعاصر

1- الناقد والمبدع :إلغـــــــاء متبادل

يعيش المجتمع الجزائري ثقافة الإلغاء، ويمارسها بطرق مختلفة. ونقصد بثقافة الإلغاء ذلك النشاط الفكري الذي يعتمد على إلغاء الآخر، لتأكيد الوجود الذاتي أو الشخصي داخل المجتمع الواحد. وفيه نفي للموضوعي، فالمبدع يشعر أنه مركز العالم، ولا يتحقق وجوده إلا لنفي الآخر، فتتضخم الأنا لديه وهي أنا متعددة الوجوه، أنا الماضي المتشكلة من المورث الثقافي للمبدع، وأنا الحاضر التي تنهل من ثقافة الصراع اليومي المباشر، وأنا المستقبل وهي التي تحدد رؤية المبدع إلى العالم. وقد سعى المبدع عموماً، والشاعر خصوصاً، إلى تضخيم صورته عبر التاريخ، وإلى التأكيد على دوره الفعّال في المجتمع، وتحمس كثيراً للدفاع عن نشاطه الإبداعي.

إنّ تضخم الأنا عندنا ينبع من تأكيد الوجود انطلاقاً من إلغاء الآخر، وربما يردّ هذا إلى الشعور بالنقص، ولهذا يحاول المبدع أن يعوّض هذا الشعور بعدم الاعتراف بسلطة الآخر (الناقد) عليه وينصّب نفسه نبياً. وفي المقابل نجد أنّ الناقد شاعر بالنقص، ولهذا لا يعترف بالمبدع. والحقيقة أن القضية قديمة في تراثنا الفكري الذي قام في بعض جوانبه على الإلغاء، فقد سعت الفرق الدينية إلى التعامل مع ثقافة الإلغاء تعاملاً مع العمق، وباشرت ذلك حتى على المستوى الإبداعي(1).

ونجد الأمر ذاته في تراثنا الأدبي النقدي، فرجال الشعر المحدث لم يعترفوا بسلطة الناقد عليهم، ولهذا حاولوا أن يتجاوزوه بخلق طرق إبداعية لا تأخذ بالطروحات النقدية، محاولة خلق عالم لا وجود فيه لهذه الأصنام القديمة، ومن هنا حصلت القطيعة بين نتاجات هؤلاء الشعراء والجمهور والناقد، واحتاج هذا الشعر إلى فترة زمنية طويلة ليُعترف له بالشرعية فيلتفت إليه الجمهور. يوم وجد من يخلق التواصل ويلغي القطيعة. ولعل ابن المعتز هو أول من فعل ذلك من النقاد، كما أسهم شرّاح الشعر المحدث كثيراً في سبيل تقريب هذا الشعر من الجمهور حين قدّموا مستويات عديدة لقراءة النص المحدث.

وأما النقاد القدامى فقد ألغوا أبا تمام وأترابه من دائرة الشعر، ولم يعترفوا لهم بسلطة الإبداع التي تعني في جملة ما تعني الخلق والابتكار. وقد أدّى هذا الإلغاء وهذه المصادرة إلى وضع قوانين الإبداع لوضع النص في قوالب ثابتة، وما عمود الشعر الذي أنهى فيه المرزوقي البحث إلا قالب من هذه القوالب. والحمد لله أن الشعراء لم يأخذوا بهذه الآراء النقدية المتأثرة بالمنطق واعتمدوا على حدسهم الإبداعي في تطوير القدرات التعبيرية للنص الشعري وتطور الشعر بفضل الشعراء لا بفضل النقاد، على الرغم من أننا لا نعدم التأثير العكسي الذي أحدثه موقف النقاد من هذا الشعر؛ "والحقيقة أن الحدس الذي هو أساس الفن ومصدره يجنح إلى إيجاد صورة لا كتلة غير منسجمة من الصور، مما يمكن الحصول عليه بتذكر صورة قديمة أو جعل الصورة تتعاقب بعضها في إثر بعض بفعل إرادي آخر كما يضم رأس إنسان إلى عنق حصان لصنع لعبة من لعب الأطفال"(2).

وقد استمرت الحال في المراحل المتلاحقة للأدب العربي، فشوقي وحافظ لم يعترفا بسلطة الناقد عليهما، وإنّما جددا يوم وجدا أنه من الضروري تجديد لغة الإبداع لكي تستطيع التعبير عن ما جدّ في حياة العرب من شؤون عظيمة. ولعلنا لا نجانب الصواب إن سحبنا ذلك على الشعر الحر العربي الذي احتاج إلى فترة زمنية لكي ينال اعتراف بعض النقاد به، وربما حتى مجيء الجيل الذي تربى بين أحضان هذا الإبداع.

لعل من المفارقات العجيبة أنَّ النشاط النقدي في المجتمع الغربي هو الذي يوجّه الحركة الإبداعية. ويستمدّ هذا النشاط قوته وسلطته من النشاط الفكري لهذا المجتمع.

فقد خلق الفكر الوجودي، على سبيل المثال، حلقة نقدية نشيطة أدّت إلى وجود إبداع يكرّس هذا التفاعل العقلي، ولعل تجربة سارتر مفيدة في هذا المجال، فقد كان مفكراً ثم ناقداً ثم أديباً. وأما عندنا فالأمر معكوس، إذ إنَّ النشاط الإبداعي هو الذي يوجّه النشاط النقدي. لقد ظهر نموذج أبي تمام فخلق حوله حلقة نقدية، ثم ظهر المتنبي فخلق نتاجه حلقة نقدية أخرى:

ويسهر الخلقُ جَرّاها ويختصمُ"

 

"أنام ملء جفوني عن شواردها

وظهر الشعر الحر وكان الأمر سيان. وبمعنى أصح، فإنَّ المبدع عندنا يوجّه الناقد بعكس ما في الغرب وكل ذلك في إطار استراتيجيا العالم المهيمن، وعلى الرغم من "أن كل الأعمال الفنيّة تعبر عن السيكولوجيا الاجتماعية ومعتقدات الناس وموقف الفنانين الجمالي إزاء الواقع، ولكن بصور تعبيرية مختلفة، وهذا الاختلاف هو أساس تصنيف الفن"(3)، فإننا نلاحظ أن هناك في الغرب سلطة الاعتراف بالآخر، انطلاقاً من السيكولوجيا الاجتماعية والمعتقدات والموقف الجمالي بين الغرب والعرب حيث نجد المبدع والناقد العربيين متأثرين بها تأثراً ازدواجياً.

وعلى سبيل المثال فإنّ جملة صباح الخير يا سيدي- عند الغرب، التي يتلفظ بها الآخر، تجعل الأنا تمارس وجودها وتشعر بفعاليتها من خلال هذه التحية، لأنّ وسائل الاتصال غير مقطوعة بين الأفراد عموماً، وبين المبدع والناقد والجمهور خصوصاً.

وهي تتصف في كثير من الأحيان بالوّد والتفاهم المتبادل، بينما تنعدم عندنا لأن كل فرد يعيش في برجه العاجي ممارساً كل طقوس القطيعة والنفي والإلغاء والخنق.

لقد حاول الشاعر المعاصر شوقي بغدادي4- أن يجد حلاً لهذه المعضلة فرأى أنّ السبب يعود إلى السلطة، ذلك أنها لا تتيح للشعر الحر المعاصر التقرب إلى الجمهور، وعدّ نشر المجموعات الشعرية في مطبوعات غير كافٍ، واقترح لذلك أن تنظم حلقات في التلفزيون تقوم بدور الوسيط بين الإبداع والجمهور عن طريق الكشف عن ميكانيزمات هذا الإبداع وآلياته، ليتمكن الجمهور من بعض مفاتيح النص. وقد كان هذا متحققاً في المراحل الأولى من كينونة شعرنا العربي. وبمعنى آخر، على وسائل الإعلام أن تقوم بالدعاية للإبداع، لأننا نعيش في مجتمع استهلاكي يتعامل مع الإبداع تعامله مع السلع والبضائع.

لقد قدمت فئة الشراح في التراث العربي خدمة كبيرة للإبداع حين قامت بدور الوسيط بينه وبين الجمهور عن طريق الشرح والتفسير للدعاية له ولإشهاره وسط الجمهور وإذاعته بين الناس، وقد صرّح الكثيرون بذلك(5). ويبدو أنّ هذا قريب مما دعا إليه راندال شارل حيث قال: "ولا يوجد النقاد إلا ليساعدونا على فهم الأعمال الفنية، ولا يوجد النقد إلا من أجل المسرحيات، والقصص والقصائد التي ينقدها"(6). وقد علّق رينه ويليك على هذا الزعم قائلاً: "يبدو أنّ شارل لا يعلم بإمكانية وجود النظرية، أو التاريخ الذي لا يكون معه تحسين استمتاع القارئ بما يقرأ"(7). ويبدو أنّ ردّ ويليك يتماشى وحقيقة الأدب الغربي، ولكن ما ذكره راندل شارل يتطابق مع حقيقة الأدب العربي ونقده، لأننا في حقيقة الأمر نعاني كثيراً من غياب التنظير للأدب ونقده. وأما ت. س. إليوت، فقد أوكل للوسيط القيام بتفسير الأعمال الفنية للجمهور، وعدّ التفسير شراً لا بد منه، فقال: "فلو عشنا العمل الفني بشكل تام لما احتجنا إلى التفسير"(8) ولعل المتلقي عندما لا يعيش العمل الفني بشكل تام فهو بحاجة إلى من يوضّح له ميكانيزمات هذا العمل ونحن إن أقررنا بعامل التفسير نطالب بأن تكون التفسيرات بعيدة عن التعسف، والإخضاع والإسقاط، وأن تراعي طبيعة العمل الفني وظروفه، على الرغم من أنّ التفسير قد يُفسد على القارئ المتخصص الاستمتاع بالنص، لأنه يوجهه إلى مستوى معين من الفهم أثناء ممارسة القراءة، خاصة إذا تأثر هذا المستوى بالاتجاه الفكري للمفسّر فيصبح عمله إجحافاً في حق الإبداع؛ لأنّه يخضعه لعمليات قيصرية غير مضمونة الجانب. فقد فسّر بعضهم عمل كل من الصعاليك والقرامطة على أنه أدب ثوري لطبقة كادحة ضد البنية الفوقية للمجتمع العربي. ولعل هذا ما يقودنا إلى السؤال التالي: ما علاقة النقد الأدبي بالشرح(9)، وهل تنحصر مهمة النقد في شرح الأعمال الفنية وتوضيحها للقارئ، أو على الناقد أن ينظر إلى الأدب ونفسه لكي يوجه الإبداع نحو الأحسن، ونحو الكشف عن قدرات تعبيرية جديدة للغة تجسيداً لعلاقات فكرية جديدة يعيشها المبدع والمتلقي على حد سواء.

أي نقد نريد؟

في الواقع، من الصعب الإجابة عن هذا السؤال، خاصة إذا انطلقنا من المرتكز الفكري الذي يحدّد جوهر النقد، لا سيما وأن أليوت، على سبيل المثال، ميّز بين ثلاثة أنواع من النقد: النقد الخلاّق، والنقد التاريخي الأخلاقي، والنقد الحقيقي، وهو الذي ينتقد الشعر من أجل أن يخلق الشعر(10).

وعندما نتحدث عن أزمة النقد، فإننا في الحقيقة لا نفرّق بين هذه الأنواع ولا نحدد أياً من النقد نريد؟ أهو نقد خلاّق، نقد يقوم على الخلق ليطوّر الإبداع، ومن ثم يطور النقد ذاته، فلا يكتفي بوصف الظاهر بل يخلق منها مشروع تصور لظاهرة مماثلة. ولعل هذا ما دعا إليه أوسكار وايلد. "فالنقد في نظره إبداع يعالج العمل الفني كنقطة انطلاق لخلق عمل فنيّ جديد كبداية لعمل جديد يكتبه الناقد، فلا يكون له أي وجه شبه واضح مع العمل الذي ينقده"(11). وإذا كان هذا مبتغانا، فهل هذا كاف لأن يخلق حركة نقدية عندنا (في الجزائر) تتوالد منها حركة إبداعية جديدة، ومن ثم حركة نقدية جديدة، وهكذا: يبدو عند الكثير من المبدعين عندنا أنّ النقد عندنا لم يرق بعد إلى هذا المستوى، لأنه لم يخرج عن الانطباع والانتقاء الواعي للنصوص التي تساعد على الممارسة النقدية، ومن ثم ليست له القدرة على توجيه المبدع نحو نص فنيّ، وإن فعل، فقد كان على مستوى أيديولوجي، ضمن إطار الخطاب السلطوي السائد في فترة معينة، وجاء بعد إبداع النص، أي متأخراً عن النص المفقود.

ويطمح المبدعون إلى إيجاد نقد يعتمد على نقد الإبداع من أجل أن يخلق الإبداع، ولعل هذا النقد ينطلق من ذات المبدع، وليس من ذات الناقد، وهو نقد يمنع الناقد من التنظير للنقد والأدب، لأنه يجعله مرتبطاً بما يُبدع، لا بما يمكن أن يبدع. ثم إنَّ المبدعين يشعرون بحتمية الدفاع عن نتاجهم، وليس من حق الناقد، في نظرهم، أن يمنعهم من ذلك، ومثل هذا النقد يجعل كل واحد من أطراف العملية الإبداعية (مبدع، ناقد، جمهور) يحتفظ بمكانه متحصناً بمجموعة من الطروحات تجسد ثقافة الإلغاء.

وبعد، هل النقد الذي نريد هو ذلك الذي يعتمد على التقويم، وإصدار الأحكام؟ إن هذا المفهوم قد يتأثر بالتوجه الفكري للناقد، وقد تغلب عليه النزعة الأيديولوجية، ونحن لا نعدم العنصر الذاتي في النقد، ومن ثم قد يغمط هذا النقد الكثير من المبدعين حقهم، ولا يدخلهم في خانة الإبداع لأنهم لم يحققوا تلك القيمة الجمالية للتوجه الأيديولوجي للناقد.

وقد يصل بنا هذا النوع من النقد إلى إصدار أحكام جاهزة قبل قراءة النص، ومن هنا كان بوجدرة فاسقاً بعيداً عن الأدب في نظر هذا النقد. والعمل الفني تعبير عن ذات المبدع كما العمل النقدي تعبير عن ذات الناقد بمعنى أن الناقد يبحث عن ذاته في العمل الفني المفقود، فيمارس وظيفته انطلاقاً من هذا المفهوم. وقد يكون لهذا الزعم بعض الوجاهة فالكثير من النقود التي مورست (على الأدب الجزائري مثلاً) كانت بحثاً عن ذات الناقد في هذا الأدب، ولعل الكثير من البحوث الأدبية الأكاديمية جسدت ذلك، ومع هذا علينا أن نهمل ذلك النقد الذي قوّم بعض الأعمال الفنية للكشف عن جمالياتها دون أن تكون الذات حاضرة ذلك الحضور الممل والموجه للنقد خدمة لذات الناقد.

والمبدع عندنا كثيراً ما يشكو من انعدام النقد، فكثيرة هي الأعمال الإبداعية المنشورة التي لم تحظ بالتفاتة النقاد إليها (وحتى وإن فعل هؤلاء فلا يغدو عملهم أن يكون انطباعياً بعيداً عن الموضوعية). ويتهم الناقد الإبداع عندنا بالضحالة والعقم، والفقر في المحتوى ويعدّه مشروع أدب. ومن ثم على النقد أن يتوجه إلى نصوص أكثر غنى وحيوية، وقد يتمثل له ذلك في نصوص تراثية، أو حديثة غير جزائرية، ولا يعود إلى النص الجزائري إلا بدافع النعرة والوطنية. ويردّ الناقد على زعم المبدعين بانعدام النقد مؤكداً على وجوده في الجزائر ويستدل بالدراسات العديدة"(12) التي تصدر في الصحف والمجلات المتخصصة، ولعل هذا ما يؤكد المقولة التي كررها شابيرو بـ "أن النقد ينتعش عندما يفشل الأدب"(13)، ويعتقد الكثير من النقاد أن الأدب عندنا قد يفشل، وخاصة الشعر، إذ إننا لا نستطيع الإقرار بوجود شعرائنا، ولكن هل فشل الأدب لينجح النقد؟ الواقع أننا إن قبلنا بمنطق هؤلاء نلغي كل إبداع في الجزائر والحقيقة غير ذلك إذ يكون من حق المبدعين أن يلغوا كل نقد عندنا، أن يلغوا الناقد أيضاً، وينصبوا أنفسهم أنبياء هذا العصر، وهذا ما يوصلنا إلى مطلب شابيرو بـ "أن يفترق الشاعر والناقد"(14).

ومن الحقائق التي نتفاداها في ثقافتنا أن الناقد عندنا يعيش عالة إما على الثقافة العربية التراثية أو على الثقافة الغربية، والناقد في المقام الأول مزود بأدوات إجرائية مستمدة من ثقافة غير غربية. وقد وجد بعض الجزائريين حلاً لهذه المعضلة، فالناقد عبد المالك مرتاض تساءل "كيف نفيد من التراث، ونتعلق بالحداثة في الوقت ذاته؟ وهنا تكمن الحكمة، أي هنا تتجلى المشكلة التي تتطلب حلاً يقوم في كيفية حسن تمثل القطبين والإفادة منهما معاً بحيث يصبحان جدلية الفكر الأصيل المتجدد. ذلك بأن من الناس من يزعم أن الأجداد لم يعرفوا نظريات نقدية يمكن التعويل عليها، أو الانطلاق منها نحو الحداثة على الأقل، ولكننا نعتقد غير ما يعتقد هؤلاء"(15) ولعل ما قصد إليه مرتاض هو محاولة المزاوجة بين التراث، الحداثة عن طريق الانطلاق من الحداثة نحو التراث ثم العودة إلى الحداثة ثانية، بمعنى أن نطعّم رؤية الناقد للنص الأدبي بأدوات نقدية حديثة دون أن نفصل هذا الناقد عن جذوره وهو طرح جريء لمعالجة هذه الأزمة ومع ذلك يبقى السؤال مطروحاً بأي مستوى نتعامل مع الحداثة؟ ومع أي نوع من الحداثة نتعامل لأن هناك حداثات لا حداثة واحدة. ويبدو أن مرتاض يؤكد على وجود إبداع شعري، دون وجود نقد حديث يرقى إلى مستواه. يقول: "ولم يحظ الشعر الجزائري قديمه وحديثه جميعه بدراسات نقدية تتخذ منهجاً تطبيقياً حديثاً، بكل ما يحمل مصطلح الحداثة من معنى الجدة والاستشراف والقلق، يكون قادراً على إلغاء الضياع على هذا الشعر ومن حيث ما ينهض عبره من خصائص وظواهر وأبعاد ورؤى وقيم"(16) وانطلاقاً من هذا الزعم، فقد عدّ هذا الناقد الدراسات السابقة غير راقية إلى مستوى النظرية النقدية وكانت في مجملها رسائل جامعية "لنيل درجة جامعية لاكتساب القوت اليومي، أكثر من ابتغاء التوصل إلى نتائج علمية مثيرة أو تأسيس منهج في الدرس رصين"(17).

ويبدو أن لهذا الرأي الكثير من الوجاهة، ولكنه يحتاج إلى استقصاء كل الدراسات الجامعية، مع العلم أن أغلبها مخطوط مقيّد ببعض المكتبات. مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجامعة عندنا تعيش مرحلة التشكل، وربما تحتاج إلى فترة زمنية أخرى حتى تصل إلى مرحلة النضج، وقد ينسحب هذا حتى على المجتمع في ما بعد الاستقلال. وتخلف النقد مرهون بتخلف مجتمعنا، لأن: "النقد الأدبي مثله في ذلك مثل أي إيقاع ثقافي آخر مشروط بجملة بيئته العامة" وهو لا ينمو إلا بعد نمو إجمالي للحركة الثقافية التي تحيط به من جميع الجهات، فلا بد أولاً من أن تتطور العلوم التي يملك النقد الأدبي أن ينبع منها. كعلم اللغة وعلم النفس، وعلم التاريخ، والفلسفة، وما من أحد يجهل أن هذه العلوم لم تتطور بعد في العالم العربي إلى حد النضج، فكيف يمكن له أن ينضج وقد انسدّ أمامه هذا الأفق الخصيب"(18). ولعل في هذا الزعم رداً على مقولة شابيرو السالفة (ينتعش النقد عندما يفشل الأدب). ونسأل: هل وصل الشعر الجزائري العربي إلى مرحلة النضج؟ قد تكون بعض النصوص وصلت فعلاً ولكن أغلب النصوص الشعرية تبقى محل جدل لدى الجمهور الذي يبحث عن أسلوب تعبيري يتماشى وطموحه، وقد تكون تلك النصوص بعيدة عن هذا الطموح. ولا شك في أن أدبنا ونقده يعانيان كثيراً من القصور في تأدية رسالتهما، فلا الأدب استطاع أن يضمن ذلك الحضور الفعلي وسط الجمهور ولا النقد الأدبي استطاع أن يكون فاعلاً في الجمهور، وربما يرجع هذا إلى أن كلا من الأديب والناقد يقف موقف الحائر أمام طريقين، طريق التراث وطريق الحداثة.

وإن ركب أحدهما فإنه لا يضمن لنفسه الوصول وإن حاول المزج واجهته صعوبة. ذلك أن كل طريق وليد بنية ثقافية مختلفة، فالتعامل مع هذين الطريقين تعاملاً تراثياً يبقي صاحبه في جميع الحالات متأخراً عن ركب المجتمع، فهو يتصل بالمعلومات الحديثة بعد أن تصبح في بلدها تراثاً، وبعد أن ترجمت، وفي هذا الاتصال كثير من الإعجاب والانبهار، يكشف عن استخذاء ثقافي.

هوامش وإحالات:

1-تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري، ص: 66-67.

2-المجمل في فلسفة الفن ص: 41.

3-علم الجمال الماركسي اللينيني ص 90.

4-كان ذلك في أمسية شعرية بالمركز الثقافي العربي بحلب 1985.

5-ينظر على سبيل المثال أرجوزة أبي النواس لابن الجني، والواضح في مشكلات شعر المتنبي الأصفهاني ص5.

6-7-مفاهيم نقدية 416.

8-عن المرجع نفسه 419 عن عجلة الستار ص 19 من المقدمة.

9-ينظر النقد الأدبي في شروح العربي 45 وما بعدها.

10-مفاهيم نقدية ص 408 عن مقالاته بحث موجز في النقد والشعر.

11-مفاهيم نقدية ص410.

12-بنى الباحث عبد الله بن قرين بحثه الموسوم/ النقد الأدبي الحديث في الجزائر/ على الدراسات الأكاديمية التي تناولت الأدب الجزائري.

13-14-مفاهيم نقدية ص 416 عن دفاعاً عن الجهل ص 31-32.

15-16-17-أ. ي دراسة سيميائية تفكيكية ص 9. 10. 17. 18.

18-النقد العربي آفاقه وممكناته يوسف سامي يوسف. مجلة الوحدة ص17.

مراجع:

1-أ. ي دراسة سيميائية تفكيكية /ابن ليلاي/ لمحمد العيد- عبد الملك مرتاض- ديوان المطبوعات الجامعية 1992.

2-تفسير أرجوزة أبي النواس-أبو الفتح ابن الجني، محمد بهجت الأثري-المطبعة الهاشمية، دمشق، سوريا.

3-تكوين العقل العربي، محمد عابد الجابري (نقد العقل العربي) مركز دراسات الوحدة العربية ط:5 مايو1991.

4-علم الجمال الماركسي اللينيني-مجموعة من الأساتذة-ن. جلال الماشطة- دار التقدم موسكو 1981.

5-مجلة عالم المعرفة، مفاهيم نقدية، لينيه وبليك ت. محمد عصفور فبراير 1988-الكويت.

6-مجلة الوحدة. عدد خاص، النقد والإبداع العربي، رقم 49 أكتوبر 1988-الرباط.

7-المجمل في الفلسفة، كروتشيه، ت: الدروبي.

8-النقد الأدبي في شروح الشعر العربي، مخطوط جامعة حلب 1989-محمد تحيريشي.

9-الواضح في مشكلات شعر المتنبي، أبو القاسم الأصفهاني تح، محمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر تونس.

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244