|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:35 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
2- قراءة الماقبل بالمابعد في الفكر العربي الإسلامي المعاصر: لقد شهدت أمتنا في العصر الحديث الكثير من المشاريع الفكرية التي قدمت قراءة حداثية للتراث العربي الإسلامي انطلاقاً من مضامين فكرية وطروحات منهجية، وقد استشرفت المستقبل من خلال مشاريعها. وقد سعى المفكرون العرب والإسلاميون إلى محاولة التغلب على القصور الفكري والروحي للنظرة التقليدية للإسلام، ومن هنا كانت الضرورة تقتضي طرح مقاربات جديدة أكثر تحرراً عن طريق تثمين العقل في كل قراءة أو تحليل. فقد كان الأفغاني ومحمد عبده في طليعة هؤلاء القراء، وقد استطاعا إلى حد بعيد، تقديم مشروع حضاري للمجتمع يحمل الكثير من الردود على الأسئلة المطروحة في ذلك الوقت، وكان هذا المشروع بالفعل قراءة نموذجية، إلا أن ما يعاب عليه أنه لم يستطع تجاوز زمنه وعصره. يرى هشام شرابي أنه "يجب التشديد منذ البدء على أن حركة الانبعاث الديني التي قادها الأفغاني وعبده لم تضع العقيدة موضع تساؤل. كان الحافز الأساسي للإصلاح نابعاً من التحدي الذي طرحه الغرب على المجتمع الإسلامي. وكان هدف الإصلاح حماية المجتمع الإسلامي بالاستجابة للتحدي الغربي بطريقة إيجابية، لذلك كافح لإعادة تأسيس الحقيقة الإسلامية وتقويمها من دون تعريضها للنقد الحر"(1). إن القضية قضية صدام حضاري؛ بين الحضارة العربية الإسلامية التي انكسرت، والحضارة الغربية التي انبعثت من جديد لتطرح بدائل جديدة للبناء الحضاري. ولهذا نجد أن الحركة الإصلاحية ركزت على ضرورة العودة إلى التراث لمواجهة هذا القصور اعتقاداً منها أن هذا التراث معيناً لا ينضب، وما زال قادراً على تقديم حلول لرؤية مستقبلية، إنها نظرة تقرأ الحاضر من خلال الماضي لتصور المستقبل. اهتم الإصلاحيون بإعادة فتح الاجتهاد بداية لحركة الانبعاث ومع ذلك هل فتح الاجتهاد ثانية؟ هل كان ممكناً فتحه؟ ربما إنه لم يمتلك المقومات الأساسية التي امتلكها سابقاً، وهي في اعتقادي، تخلي المسلمين عن روح قيادة الإنسانية. لقد أصبح لهم دور ثانوي، فالبنية اللغوية عند هؤلاء تقوم على الفعل الماضي، لقد انخدع الفكر العربي الإسلامي، وهو يحارب الثبات بقي أسير الثبات، وإذا ذهبنا هذا المذهب فإننا لا نتهمه بالتقصير، بل إنه استطاع أن يقدم مقاربة رؤية المستقبل، إلا أنها ربما لم تدرك أن الغرب شر، وشره أنه لا بد منه، ولعل السؤال المهم كيف لم تنظر باتجاه مزاوجة المجهود الغربي والمجهود العربي الإسلامي في إطار مجهود إنساني، لقد بقيت أسيرة الوضع الاحتلالي والاستعماري لمجتمعاتها، أي أنها كانت رد فعل عن وضع سلبي، بخلاف ما كان عليه الفكر الإسلامي الأول رد فعل عن وضع إيجابي، ارتقاء حضاري وفكري قيادي. ومع هذا يجب أن نشير إلى أن الإصلاح لم يكن هدفاً، بل هو أسلوب لتحقيق هدف، يقول محمد رشيد رضا "الإصلاح الحقيقي... مستحيل من دون دمج الإصلاح الديني في الإصلاح الاجتماعي"(2). ومع هذا كله هل كان هذا الأمر ممكناً؟. إن الفكر العربي الإسلامي على وجه العموم، والفكر الإصلاحي على وجه الخصوص تعامل مع الوضع الجديد الذي طرحه الفكر الغربي بانبهار شديد أكثر مما كان تفاعلاً داخلياً ورغبة جموحة نابعة من الذات، لقد كان الحافز المحرك لفكرنا حافزاً خارجياً واقتضى هذا الانطواء على الذات من خلال العودة إلى التراث، فالأفغاني يرى أن "كل مسلم مريض دواؤه في القرآن"(3). ومعنى هذا أن القضية تتعلق بالذات المسلمة الفاقدة للإيمان والمتأثرة في ذلك الوقت بالانحلال السياسي. وذهب أحد الدارسين إلى القول: "أعطى ربط الانحلال السياسي بالانحلال الديني... حركة التغيير"(4). إن مثل هذا الطرح يقودنا إلى سؤال آخر، لماذا توجه الفكر العربي الإسلامي في رسم المستقبل إلى العودة إلى التراث؟ وكيف يمكن أن نستقرأ المستقبل في الماضي. وهل كانت هذه النظرة نظرة صائبة كل الصواب؟. والواقع أنها لم تكن عودة واحدة بل عودات إلى التراث صريحة لاستخلاص النتائج وتوظيفها في سبيل الارتقاء بالإنسان نحو غد أفضل. فالتراث معين لا ينضب، وإذا كان كذلك، فهل يرجع هذا إلى أنه اعتمد على تراث سابق أو أنه اعتمد على كتاب سماوي؟ وكيف يمكن أن نقرأ كل تلك المظاهر الحضارية؟. إن مثل هذا التوجه يطرح أكثر من إشكال؛ لأن استنباط منهج من التراث العربي الإسلامي قد يجد صعوبة التأقلم واللحاق بالمناهج الغربية لأنه ينغمس في التراث وينسى نفسه أو أنه يقدم قراءة مستقبلية لا يستطيع المجتمع استيعابها، فتحتاج إلى فترة زمنية حتى يتكيف معها. ويكون الوقت قد فات. وإذا كان التراث معين لا ينضب، فهل كان عند المفكرين إرثاً أو عبئاً؟ وهل هو مضمون فكري وثقافي وجزء من رصيد أمة بأكملها، حاو لخبراتها وتجاربها، أم أنه أصبح عائقاً أمام أي تطور بسبب تلك الحمولة المعرفية التي ارتبطت بالمقدس، فكونت جداراً من الصعب تجاوزه "وما يعنينا، نحن، ليس كذلك التشكيك أو الدس على تراث الأمة من منطلق علمانية وعلموية مزعومة، ولا الدعوة إلى قطع نهائي وانقطاع عن الجذور بدعوة أننا متخلفون عن ركب الزمن وخلاصنا لا يمكن أن يكون إلا في تقمص الجذور بدعوة أننا متخلفون عن ركب الزمن وخلاصنا لا يمكن أن يكون إلا في تقمص نموذج المدنية المتفوقة علينا. إن مفهوماً مماثلاً للدخول في زمن الحداثة، وبأي ثمن إذا كان في ذلك طريق خلاص، لا يمكن أن يوصف بالعدمية، والاغتراب عن الذات، من نحو، والاغتراب عن الآخر من نحو آخر"(5). ويقودنا هذا التحليل إلى سؤال آخر، ألم تصبح الحداثة الغربية إرثاً أو عبئاً؟ وأصبحت تمارس فعلاً مساعداً وضاغطاً في الوقت ذاته، وخاصة أننا نتعامل معها على أساس أنها شيء جديد، وفي حين أنها أصبحت تراثاً في بلدها. فمفهوم التراث مفهوم ممتد عبر حقب زمنية طويلة تصل إلى الحديث والمعاصر الذي هو تراث عند الغرب. لقد خضعت أغلب القراءات العربية الإسلامية المعاصرة إلى مبدأ النخبوية التي سعت إلى تأسيس فكر عربي إسلامي جديد ترقوي إلا أنها لم تستطع تجاوز التراث العبء فبقيت أسيرة عنده. وفي هذا الإطار يمكن قراءة المشروع الإصلاحي الذي قام على العيش في الحاضر بأدوات الماضي، وذلك بتخير الجهاز المفاهيمي القادر على الإجابة عن أسئلة محددة. "إن فكر الإصلاح كان قد حكم على نفسه بالبقاء سجين الماضي وخارج زمن التجديد بمجرد اقتراحه، إن لم نقل لمفهوم أصالة مشوشة وقلقة، وهو القلق الذي لم يتوقف إلى اليوم في استعمال الكلمة، وإعطائها من الدلالات ما تحتمله وما تنوء به، ولكن التي تعبر، في العمق، على أن الفكر العربي الحديث قبل مرحلة النقد الابستملوجي التي يجريها اليوم بقي يضطرب في مصالحة مستحيلة بين الماضي والحاضر، ودون أن يعمل على ضبط المحصلة المركزية في التراث، أي الجوهر الأصلي للمعرفة العربية الإسلامية، وربطها بالمعرفة المعاصرة وليس بتحكيمها واعتبارها هي أصالة وسواها نافل، دخيل ومجلوب، وحركة الإصلاح اعتبرت الغرب دخيلاً، فرفضت أن تغترب فيه لتغترب في مساحة معرفية من الماضي، ثم تنتقل أو تنقل، مرة أخرى، تلك المعرفة لتجعلها، بدورها، تغترب في حاضر"(6), ما السر في هذا الموقف؟ هل كان نتيجة التوجه النخبوي للفكر العربي المعاصر؟ أو نتيجة من نتائج تفاعل الأنا مع الآخر، فكلما تقهقر الأنا تقدم الآخر، وكلما انزوى الأنا انتشر الآخر وهكذا دواليك. ونحن إذ نطرح هذه الأسئلة لا نريد أن نبخس الناس أثمانهم، بل نريد أن نشير إلى "أن حركة الإصلاح الديني لا تنحصر في إصلاح أمور الدين الإسلامي، بل هي أرادت، من هذا الإصلاح إصلاح حال المسلمين، وتطورت لتركز نشاطها في إصلاح وتغيير حال الشعوب العربية، وتقدم إسهاماً فعالاً، خلال تلك الفترة، في تكوين وتطوير الاتجاهات والأهداف الأساسية لحركة التحرر العربية بالذات، وحركة تحرر الشعوب المظلومة"(7). وهذا منحى سليم إذ تقتضي العلمية والموضوعية أن نقرأ النشاط الفكري ضمن سياقه التاريخي، حتى تسلم هذه القراءة من الإسقاطات المغرضة. إن الفكر الإصلاحي أسهم في إنضاج الفكر التحرري عند هذه الشعوب المستعمرة؛ ولهذا وجدنا الأفغاني لا يطمئن إلى الاستعمار "فلا يمكن أن يصدر عن أعمالهم إلاّ كلّ ظلم ولا يمكن أن تكون وسائلهم غير المكر والختل والخديعة. ومن سفه الرأي، أن يطلب الشرقيون من الإنكليز، عدلاً فيهم، أو إنصافاً لهم، إذ معنى المطالبة بهذا، تخلي الإنكليز عن البلاد وتركها لأهلها، وما أبعد؟ وهيهات أن تفعله أو تفكر به دون قوة واتحاد"(8). وبذلك تشكل لدى الأنا صورة فظيعة عن الآخر، صورة سلبية تستمد من القهر والسلب والمغالبة، إنه موقف عدائي ينهل من عدائية الآخر للأنا. ثم تنبّه هذا الاتجاه إلى ضرورة تكييف مشروعه الحضاري بحسب المعطيات الجديدة في حياة المسلمين "فالفكرة الأساسية التي حكمت كتابات محمد عبده -وعلى الأخص بعد عودته من المنفى- هي فكرة: التطور التدريجي البطيء، بواسطة التربية والتعليم والتثقيف وتنقية الإسلام من الخرافات التي لحقت به، وعدم الاشتغال بالسياسة، بل والتعاون مع سلطات الاحتلال نفسها لتسهل أمر إصلاح التعليم في الأزهر ونشر المعارف"(9). لقد شكل التراث العربي الإسلامي مرجعية مهمة للعديد من المشاريع الحضارية التي سعت إلى النهوض بالمجتمع وتطويره. ويعدّ مالك بن نبي صاحب أفضل مشروع حضاري استطاع أن يصمد فترة زمنية أطول، وكانت مفاهيمه نابعة من قراءة جديدة للتراث العربي الإسلامي، وقراءة واعية للقرآن الكريم حتى إذا أصبح مالك بن نبي مشروعاً إنسانياً لا يرتبط ببيئة بشرية واحدة. وحتى أمكن القول إنه كان متقدماً على عصره برؤيته الحداثية التي استفادت من الأدوات الإجرائية للمنهج الغربي في تحليل الظواهر ومناقشة القضايا الإشكال، فالدورة الحضارية، والقابلية للاستعمار، على سبيل المثال من المفاهيم المفاتيح لاستيعاب قراءة مالك بن نبي ومشروعه الحضاري الذي أوجد ارتدادات في الفكر العربي الإسلامي عن طريق قراءات حديثة لهذا المشروع. ومع هذا كله، فلنا الحق في أن نتساءل، كيف أمكن لمالك بن نبي أن يقدم هذه القراءة لنص مكتوب بلغة عربية فصيحة راقية بأدوات إجرائية أجنبية لها وسائل تفكير مختلفة تماماً عن وسائل التفكير في اللغة العربية. وهل استطاع أن يتخلص من مرجعية المنهج المتبع؟ وما الفرق بين قراءته، وقراءة أولئك المستشرقين أو المستعربين؟ أليست الوسيلة واحدة؟ فكيف قرأ نصاً عربياً بلغة أجنبية، وكيف يدرك نصاً بلغة ثم يكتب عنه بلغة أخرى؟ ألم تكن قراءته قراءة استشراقية؟. يبدو أن مالك بن نبي استطاع أن يجعل اللغة أداة طيّعة في سبيل عرض مشروعه، وقد اختار لذلك لغة عالمة وعالمية تكتب له الانتشار والتوسع والوصول إلى عدد أكبر من القراء، ثم إنه طبع هذه اللغة بخصائص مميزة لم تعد -معها-تلك اللغة ذات الانتماء الواحد، بل انتماءات متعددة بحسب البنية المستعملة، وبحسب التوظيف الفني والجمالي لهذه اللغة. وقد يحتاج المشروع قراءة ثانية ليتكيف مع الواقع الجديد. إن هذا المشروع -على أهميته- لم يتعرف إليه العرب إلا بعد أن أصبح تراثاً، وبعد أن ترجم إلى اللغة العربية، ومن هنا كان تعاملنا معه تعاملاً ماضوياً، على الرغم من أنه قدّم بدائل تشكّل مناعة طبيعية للعالم الإسلامي من هذا الآخر بمخططاته الجهنمية، لقد تمكن هذا المفكر أن يقدم وصفة للمرض الذي تعاني منه الأمة؛ وبذلك كشف عن أهمية الاجتهاد في حياة المسلمين. إنه لم يفرط في التراث، وفي الوقت ذاته لم يقدسه كل ذلك التقديس المبالغ فيه، فلم يكن من أولئك الذين أعجبوا بالتراث بثقة عمياء. لقد قدّم يوسف القرضاوي دراسة مهمة(9) بعنوان: نحو اجتهاد إسلامي معاصر، كشف عن أهمية الاجتهاد، مناقشاً بعض الآراء المقدسة للتراث، يقول: "ربما يذهب بعض المشتغلين بالعلوم الإسلامية- لفرط إعجابهم بتراثنا الحافل، وفرط ثقتهم بفقهائنا العظام- أننا لسنا في حاجة إلى اجتهاد جديد" ويرد على هذا الزعم قائلاً: "ونحن لا نقلل من قيمة تراثنا الحافل، ولا من عظمة فقهنا، بمدارسه المتعددة ومشاربه المتنوعة وما فيه من اجتهادات واقعية أو افتراضية. ولكن الحق أقول: إنه من المبالغة وتجاهل الواقع، الادعاء بأن الكتب القديمة فيها الإجابة عن كل سؤال جديد". والواقع أن هذا الرأي هو بداية التوجه الصحيح نحو مناقشة هذه القضية مناقشة جوهرية، ولا نجانب الصواب إن قلنا إنها ليست بالمهمة السهلة ولا المستحيلة، إلاّ أنها تستوجب هضماً جيداً حتى يمكن تكييفه مع الأوضاع الجديدة للمجتمع الإسلامي. ومن هنا يصبح الاجتهاد مطلباً أساسياً في فكرنا المعاصر، ويقتضي أن يصبح مؤسسة معرفية مهمة تلعب دوراً طلائعياً في حياتنا اليومية. وفي هذا الإطار وجّه يوسف القرضاوي العناية إلى أن يكون "اجتهاداً جماعياً في صورة مجمع علمي يضم الكفايات الفقهية العالمية، ويصدر أحكامه في شجاعة وحرية بعيداً عن كلّ المؤثرات والضغوط الاجتماعية والسياسية، ومع هذا لا غنى عن الاجتهاد الجماعي، بما يقدّم من دراسات عميقة، وبحوث أصيلة مخدومة، بل إن عملية الاجتهاد في حد ذاتها عملية فردية قبل كل شيء(11) إن الاجتهاد بهذا المنظور ضرورة وحاجة لتجاوز المشاكل المعاصرة التي تقف عائقاً أمام التطور الاجتماعي والثقافي والفكري والعلمي، ويخفف من حدة التخلف والقصور الفكري. "على أن الاجتهاد لا ينحصر في دائرة المسائل الجديدة، بل له مهمة أخرى مع التراث الفقهي، لإعادة النظر فيه على ضوء ظروف العصر وحاجات الناس لاختيار أرجح الآراء، وأليقها لتحقيق مقاصد الشرع ومصالح الخلق، بناءً على قاعدة تغير الزمان والمكان والإنسان"(12). لقد ركّز القرضاوي على الجانب العلمي والجانب الاقتصادي، ويعني هذا إهمال الجانب الفكري والروحي ودورهما في كل رؤية مستقبلية؛ لأن المجتمع العربي الإسلامي عرف أوضاعاً جديدة لم يعرفها المسلمون الأوائل، وقد ولد هذا فراغاً روحياً بسبب عدم وجود مدرسة فلسفية لهذا المجتمع المعاصر. إن نظرتنا إلى المستقبل نظرة تاريخية؛ إذ تقدم نظرة خاصة للتاريخ فنحن ننظر إلى الوقائع في صيرورة تاريخية، وهل يمكن إدراج هذه القضايا في إطار لا تاريخية الوقائع؟ ثم ماذا قدمت تلك المشاريع الأحادية الجانب؟. لقد وقف حسين مروة طموحاً بمشروع حضاري آخر ينطلق من قراءة مادية للتراث، ويعد مؤلفه "النزعات المادية" ثمرة هذه القراءة التي كشفت عن جوانب من هذا التراث لم يكن الوصول إليها ممكناً من دون المنهج المتبع، وكانت هذه القراءة قراءة طموحة تسعى إلى تجسيد ذلك المشروع الحضاري الذي يكشف عن التأثير المادي في الفكر العربي الإسلامي. والواقع أن هذا المشروع قد وجد له أنصاراً واستطاع أن يكون في فترة زمنية نموذجاً لنظام مجتمع بكامله، ورأى فيه الكثير من الطموحين حلاً لكل الأزمات التي يعاني منها المجتمع العربي الإسلامي. كما وجهت له الكثير من الانتقادات المنهجية في دراسات علمية كتلك التي جمعت في كتاب الماركسية والتراث العربي الإسلامي نشر دار الحداثة. فإذا كان المشروع الإصلاحي يريد أن يسقط الماضي على الحاضر، فإن هذا المشروع يريد أن يسقط الحاضر على الماضي. يقول علي حرب عن هذه النظرة أنها تحاول أن تكشف في مقالات الماضيين عن مقالها هي. وهي بهذا تقوم بأدلجة التراث وتسييسه بدلاً من تعقله. ثم أننا إذا اعتبرنا الأفكار الحالية أرقى الأشكال وأكملها.... فما الفائدة إذاً من العودة إلى التراث وما الغاية من قراءته، ما دام لا يمكن في النهاية تبنيه واستخدامه معياراً للنظر في مشكلات الحاضر؟"(13). لقد سعى هذا المشروع في سبيل البحث عن أصالة ضائعة وأراد التماسها في التراث؛ ولهذا راح يمارس القراءة الإسقاطية والتي كشف عن أغلب جوانبها علي حرب في دراسته هذه، والتي بيّن فيها سلبيات هذا المنحى. كما أشار في الأخير إلى أنه من الصعب تقييم تجربة الرجل والحكم عليها بالتركيز على الثغرات ورؤية ما هو سلبي فقط. وفي الإطار نفسه قدم الطيب تيزيني قراءته للتراث والتي سعت إلى التأكيد على الطرح المادي للمشروع الحضاري لمجتمعنا، استفاد من الأدوات الإجرائية للمنهج المادي في تحليله التراث العربي الإسلامي من خلال عدة مؤلفات منها: من التراث إلى الثورة حول نظرية مقترحة في التراث العربي، ومشروع رؤية جديدة للفكر العربي من العصر الجاهلي حتى المرحلة المعاصرة. إنه بهذه العودة يريد أن يؤصل للمادية في التراث العربي الإسلامي، ومن ثم يصل إلى نتيجة مهمة وهي أن المستقبل ينبع من التراث، من الماضي، وبذلك يؤكد على النظرة الماضوية للمستقبل؛ إذ يعتقد أن الاشتراكية العلمية قد نبعت من تراثنا، ومن هنا راح يسأل: "ما هي الاشتراكية التي يمكن الشعب العربي بفئاته المسلمة أن يختارها دون أن يعتنق قيماً أجنبية؟ بكلمة أخرى، هل تتاح لهذا الشعب أن يحقق اشتراكية إسلامية خاصة تنبع من مسار تاريخه الخاص"(14). يبدو أن المنهج المختار قد حدّ من طموحات هذه القراءة وجعلها تقبع في خانة أحادية التفكير التي تبجل الجانب المادي وتفضّله على غيره من الجوانب، وأصبحت قراءة فوقية لم تستطع أن تقدم مشروعاً مستقبلياً على الرغم من استفادتها من الجانب العلمي والظروف السياسية العالمية المساعدة. إنها قراءة ألغت مشاريع أخرى واستخفت بها ونظرت إليها نظرة أيديولوجية، وحتى تلك الأدوات الإجرائية التي استفاد منها كانت تراثاً في مجتمعها. إن ما نسعى إليه هو التأكيد على أن الدراسات المستقبلية عندنا نظرت إلى المستقبل من خلال الماضي، وأظن أن السبب يعود إلى أننا تخلينا عن إنتاج المعرفة وأصبحنا نستهلكها. وإذا كان هدفنا الكشف عن هذه النظرة، فإننا لا نقصد إلى الحط من قيمة رجال الفكر ومن مشاريعهم، فنحن نكّن لهم كل الاحترام والتقدير، ويكفيهم فخراً أنهم سعوا إلى تقديم هذه المشاريع. لقد تقدم الجابري بمشروع حضاري شجاع وأكثر جرأة مستعملاً أدوات إجرائية نابعة من التراث مستفيدة مما وصلت إليه مستويات القراءة ومن قدرات التحليل والمعالجة والاستنباط، واستطاع الجابري أن يقدم إسهام المغاربة في المشروع الحضاري، فقد حلل العقلية العربية تحليلاً علمياً واستطاع أن يناقش مشروعه بصوت عال. إنه قراءة حداثية من دون إهمال خصائص التراث العربي الإسلامي؛ ليكون مشروعه شاملاً ومكملاً للمشاريع السابقة والتي بقيت حبيسة عصرها وزمنها، وجاء ليعكس انفتاحاً على الحداثة الغربية من دون الانسلاخ عن الحضارة العربية الإسلامية. وقد وجه نقد إلى هذا المشروع أيضاً، فقد تتبع علي حرب هذا الطرح وانتقد وجهة الجابري في قراءته للتراث بروح علمية عالية مراجعة للطروحات والأفكار. ولعل بؤرة هذا التوجه هي لماذا العودة إلى التراث؟ يقول علي حرب "وفي الحقيقة إن الفكر الغربي لم يفتأ منذ الأزمنة الغابرة، أي منذ البداية اليونانية، عن الرجوع إلى تلك البداية وإعادة النظر بها وتأملها من جديد، سواء كان ذلك امتداداً وتطويراً، أو تعديلاً وتغييراً، أو نقداً ونقضاً. فإنه من الملاحظ، أن كل الأعمال الفلسفية الكبرى والتي هي أعمال تحليلية برهانية، إنما هي عود على بدء ورجوع إلى الأصل، أو استئناف أصيل للأصل نفسه على حد تعبير هايدغر"(15). ومع هذا كله يبقى السؤال مطروحاً كيف تكون عودتنا إلى التراث؟ وكيف يمكن لنا أن نستفيد مما وصلت إليه الإنسانية؟ وكيف تمكننا تلك المعاول الحديثة في إعادة بناء ذواتنا من جديد؟ يرى علي حرب أن المشكلة تقترن بالقياس قياس الغائب على الشاهد، يقول: "وبدلاً من أن نبحث فيما هو العقل العربي نبحث فيما ليس هو، وبدلاً من أن ننقب في مناطق هذا العقل ونحفر في بناه نقيسه على عقل آخر. فنقع في آلية القياس نفسها، قياس الغائب (العقل العربي) على الشاهد (العقل الغربي)، فنفكر بالتالي حسب الطريقة التي ننتقدها ونعترض عليها، أي التفكير على مثال سبق"(16). وقد يكون الحل في الانطلاق من الحداثة نحو التراث والعودة إلى الحداثة، فهل نستطيع أن نحقق هذه المعادلة الصعبة على أرض الواقع؟ وهل سنصل إلى وضع يمكننا من إنتاج المعرفة وتسويقها إلى العالم؟ الإحالات 1- المثقفون العرب والغرب 37، 38 دار النهار ط II 1987. 2- مقدمة تاريخ الأستاذ الشيخ محمد عبده القاهرة 1931. 3- كما ورد في كتاب محمد المخزومي، خاطرات جمال الدين الأفغاني الحسيني 88 بيروت 1931. 4- المثقفون العرب والغرب 39. 5- أحمد المديني أسئلة الإبداع في الأدب العربي المعاصر 24 دار الطليعة طI بيروت1985. 6- م، ن 25، 26. 7- محمد دكروب دراسات في الإسلام 142. 8- عن خاطرات جمال الدين الأفغاني عن الأعمال الكاملة 464. 9- م، س 153. 10- مجلة الدوحة عدد 109 سنة 1985. 11- م، ن 11 12- م، ن 12 13- الماركسية والتراث العربي الإسلامي 136. 14- مشروع رؤية جديدة...... 353. 15- علي حرب مداخلات نقدية 26 طI دار الحداثة 1985. م، ن 29. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |