أدوات الـنص - محمد تحريشي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

3- الترجمة- النص والحمولة المعرفية:

إن الترجمة فعل حضاري يعكس تلاقحاً ثقافياً بين نمطين من المستويات الفكرية للنشاط الإنساني، ويعكس أيضاً رغبة أكيدة للاستفادة من التجارب الإنسانية ومحاولة نقلها إلى اللغة الأم للمجتمع من دون المساس بروح النص، وفي الوقت نفسه مراعاة خصوصية اللغة المنقول إليها النص.‏

وتعدّ الترجمة أيضاً عملية نقل المدلولات من لغة إلى أخرى، إنها عملية عبور للمفاهيم والأفكار بوساطة الدوال الخاصة باللغة المنقول إليها. ويكشف هذا الفعل عن عوامل تحفيزية تنبع من عدم استقلالية الثقافات والتي تقوم على التفاعل وتبادل التأثير لإثراء التجربة الإنسانية، فالحضارات تبنى بالتراكم.‏

ومع هذا كله، فإنّ هذا الفعل المتواصل غير المنقطع يطرح إشكالاً يتعلق بالحمولة المعرفية للنص المنقول منه، والتي تعكس المستوى الفكري الذي وصل إليه المجتمع الناطق بهذه اللغة، ويتعلق هذا بخصوصية كل نص عن نص آخر، وخصوصية اللغة قياساً إلى مستواها المعياري ومستواها الاستعمالي (الوصفي).‏

ولو أخذنا اللغة العربية نموذجاً لذلك؛ فإنها تمتلك أبعاداً ثلاثية المستوى، فهناك المستوى التقليدي (النصوص القديمة) والمستوى الحديث (النصوص الإبداعية) ثم المستوى اليومي. وإذا كانت هذه المستويات هي ميزات إيجابية تدلّ على أصالة هذه اللغة واستمرارها كل هذه القرون؛ فإنها في الوقت ذاته عناصر مثبطة تشدّ المترجم وتمنعه من التحرر والسفر البعيد عبر النصوص ليحقق وجوده. إنها قيود قد تنزل النص إلى مستوى غير مستواه.‏

إنّ كل نص يرتبط بسياق معرفي خاص به، ويصبح أمر نقله إلى لغة أخرى محفوفاً بالمخاطر، فالتقرب من نص لجوليا كريستيفا، على سبيل المثال، يطرح أكثر من صعوبة؛ لأن هذه الباحثة نموذج للتلاقح الثقافي الإنساني، ولذلك يحتاج قارئ هذا النص إلى حمولة معرفية حتى يتمكن من مفاتيح النص وعليه أن يتزود بأدوات إجرائية أكثر نضجاً ورقياً.‏

وانطلاقاً من هذا الأساس يؤكد أحد الدارسين على أن المفاهيم لا يمكن استيعابها إلا من خلال ما تحمل من دلالات معرفية. يقول أحدهم: "ولا يخفى عليكم أن اللغة العربية أغنى وأكثر عمقاً من كثير من اللغات الحية، فليس هناك لغة أعطت للسيف أكثر من اسم أو صفة كما في اللغة العربية.. فكلمة "برلمان" أعجمية دخلت اللغة العربية كنتيجة للاحتكاك الحضاري، وأصبح استعمالها شائعاً صحافياً وليس لعدم وجود مرادف لها، فالشورى بمعنى البرلمان، أما الكلمات التي أوردتها كالمعارضة والأحزاب فهي موجودة في قاموسنا اللغوي بل إن في القرآن سورة الشورى وسورة الأحزاب فهما دليل على ما أٌول"(1)‏

نقول أولاً: إن ما ذكره هذا الباحث يحتاج إلى تحليل ومناقشة فلا يسلم به هكذا، فالثراء اللغوي يؤدي إلى التعدد الدلالي الذي يؤدي بدوره إلى الغموض والإبهام وعدم الوضوح، إنه سلاح ذو حدين فهو يمكننا من تحديد الشيء، وفي الوقت نفسه يبدد هذا الشيء عندما يرصد له العديد من المترادفات التي تذهب بالمطلوب. فالقضية ليست قضية ثراء اللغة أو فقرها، إنما قضية فعالية في تأدية الوظيفة وتحقيق التواصل والاتصال بين أفراد المجتمع وفي الوقت ذاته نقل أفكار المجتمع إلى مستوى حسي مدرك؛ إذ لا وجود لمجتمع من دون لغة، ولا من دون تواصل، فاللغة مادة الفكر وهي أيضاً عنصر التواصل الاجتماعي ودورها هو إنتاج الفكر وتوصيله. تقول جوليا كريستيفا: "إن كل الممارسات الإنسانية هي نماذج لغة مادامت تحمل خاصية التحديد والدلالة والتواصل، فعملية تبادل البضائع والسلع، والنساء في الشبكة الاجتماعية وإنتاج التحف الفنية والخطابات المفسرة كالديانات والمعتقدات... الخ. كلها تحقق نظاماً لسانياً ثانوياً بالنسبة للغة، تشيد على أساسه شبكة تواصلية مع المواضيع التي لها معنى ودلالة"(2).‏

ونقول ثانياً: إذا ما وقفنا عند المفهومين "الشورى- البرلمان" تلمسنا بكل وضوح موضوع حديثنا، فمفهوم الشورى له حمولة معرفية تعكس نظاماً في الإدارة السياسية.‏

والسؤال المطروح هل أنه ينبع من حمولة اجتماعية أو حمولة دينية، أي هل أنه مفهوم عرفه العرب قبل الإسلام؟ أو أنه مفهوم جاء به الإسلام كالمؤمن والمنافق والكافر، والتي لم يعرفها العرب بهذه الدلالات من قبل؟ ثم هل أن مفهوم الشورى يقوم على إذابة الذات المفردة داخل ذات المجتمع المتعددة؟ أو أن هذا الاصطلاح يقوم على إذابة الذات المتعددة داخل الذات المفردة؟ وقد نحتاج للتقرب من هذا المفهوم العودة إلى النص الديني لنكشف عن الحمولة المعرفية التي توجه هذا الزعم.‏

ويقودنا هذا التحليل إلى تساؤل آخر فهل أن المشاورة والتشاور استشارة أو إلزام؟ وما علاقة كل هذا بالفضاء البدوي العربي؟ وفي المقابل نجد كلمة "برلمان Parlement" التي تطرح أكثر من إشكال؛ لأنه يرتبط بأكثر من نمط سياسوي بدءاً من الإغريق ومروراً بالرومان وصولاً إلى العصر الحديث حيث اكتسب هذا المفهوم خصوصية معرفية تستمد وجودها من الفضاء المديني. ولذلك كان مفهوماً غير كاف بالنسبة لمجتمع ينحدر من أصول ريفية، وأصبح غير قادر على التعبير عن الطموحات والرغبات من وجوده واحتاج هذا المجتمع إلى مفاهيم أخرى تكون أقل إلزامية وأكثر تكيفاً مع الحمولة المعرفية لأفكارهم، واختاروا لذلك ألفاظاً من مثل: المجلس الشعبي والمجلس النيابي ومجلس النواب، إلى غير ذلك من التسميات التي تعكس حمولات متباينة قد تصل إلى حد الخلاف والتوجه والتصادم. واضطروا إلى العودة إلى الكلمة الأم لما اجتمعوا تحت مفهوم "اتحاد البرلمانات العربية" وهذا وحده دليل افتراق وتعددية وتنوع، بينما تواجهنا عبارة "البرلمان الأوروبي" والتي تعكس خصوصية جمالية تنطلق من الأساس المعرفي للتوجه الأوروبي حيث البرلمان برلماناً واحداً. إنها تعددية متباينة تؤدي في آخر المطاف إلى واحدية مركزية، بينما واحديتنا (اللغة، التاريخ، الدين، المصير المشترك) تؤدي إلى تعددية متباينة غير قابلة للتعايش.‏

لقد طرحت المجتمعات العربية مفهوم "المجلس" بحمولة معرفية تعكس الخصوصية العربية، ولكنها لم تتمكن منه، ولم تستطع السيطرة عليه فانفلت منها وعاودت الكرة فحاولت تقييده بأوصاف ذات حمولات معرفية، فهناك المجلس الشعبي والمجلس الأعلى والمجلس الأوسط والمجلس الصغيرووو.. فما علاقة المجلس بالبرلمان؟.‏

في الواقع إن لكل واحد من المفهومين خصوصية فكرية تتحكم فيه وتوجهه لخدمة أهداف تنبع من الأساس المعرفي للمجتمع، والذي شكّل حقلاً دلالياً تدور من حوله مجموعة من الدوال الجزئية، ويعدّ الاقتراب منه قراءة معرفية لنظام معيش تتفاعل في داخله ثلاثة عناصر: الفرد- الجماعة- نظام الحكم.‏

لقد ولدت هذه الحمولة خصوصية فنية تجسدت آثارها في الخطاب اليومي للأفراد، فطبعت اللغة بميزة أسلوبية. ذلك أن لكل لغة خصوصيات أسلوبية تميزها عن بقية اللغات، ثم في كلّ لغة أنماط تعبيرية تعكس أنماطاً تفكيرية للعلاقة الحميمية بين اللغة والفكر؛ مما يولد قيماً دلالية للألفاظ متباينة من لغة إلى لغة أخرى، وكذا بنية الألفاظ وتركيبها ونحوها مختلف بين اللغات.‏

إن للترجمة علاقة وطيدة بالكتابة والتي تعدّ التجسيد الأمثل للنوعي والمتميز والمختلف من الأنماط التفكيرية، وهي أيضاً خرق للمتواتر والمألوف، إنها لعبة يمارسها المبدع بمتعة وإمتاع وتمتع، إنها تستفيد كثيراً من مبدأ الاختلاف المؤسس لعناصرها سواء على مستوى الكلمة المفردة أم على مستوى التركيب أم على مستوى الأفكار. ولهذا اهتم بعض المفكرين بهذه النقطة الحساسة فأسسوا بما يعرف بفلسفة الاختلاف؛ ووضع جاك دريدا مؤلفه "الكتابة والاختلاف" وأسهم ميشال فوكو بمؤلفه "الكلمات والأشياء".‏

إن الاختلاف مظهر جمالي يجسد مبدأ الانزياح أو العدول الذي تعتمد عليه اللغة لإبداع نصوص تكشف عن المتباين والمختلف في صورة منسجمة ومتناغمة، ويتم ذلك بمراوغة اللغة بالتنقل المتناوب بين الاستعمال المعياري والاستعمال الاستعمالي (الوصفي) كلما دعت إلى ذلك الحاجة بوساطة الانحراف بدلالة الكلمة عن معناها الأصلي إلى معنى مشابه أو قريب أو مضاد. ذلك أن الخطاب يقوم على بنية المراوغة والخداع لتخطي سلطة المعيار، وإذا كان فوكو قد تقصى الاختلافات في الكلام فليكشف "أن المنطوق هو غير ما يدور في الذهن وأن الخطاب هو نتاج العلاقة الجدلية بين الرغبة والقوة، أو بين التحرر والسلطة، فالسلطة، كونها صاحبة القدرة والقوة، هي التي تسمح بما يقال وبما يعبر عنه، وبما لا يعبر عنه، لمن يحق الإفصاح ولمن لا يحق، إلا أن الرغبة تتخفى في المجاز، فالمجاز هو الذي يكشف إذن النظام المعرفي لإحدى الحقب التاريخية"(3). ثم تأتي الترجمة لتنقل هذه النصوص المتباينة إلى لغة ثقافتها متباينة، فالمتباين يقابله المتباين الآخر بحمولته المعرفية. يقول جاك دريدا: "عندما نقول بأن ما هو شمولي أو ما هو كلي هو عديم المعنى؛ فلأن الإدراك عاجز عن الإحاطة به وتصوره حيث الحقل المعرفي ليس سوى المساحة التي تخاض فيها الألاعيب. وفي اللعب تعوض المكونات بعضها بعضاً حتى وإن انحصر الحيز عن مجموع مغلق"(4).‏

إن الاختلاف نشاط فكري يعكس مستوى من مستويات التوجه الإنساني بحسب الأسس الفلسفية المكوّنة لمثله، وإذا كان الأمر كذلك فهل أن الاختلاف هو نتاج توحد في نمط المعيش وفي الأسس المكونة للمجتمع الواحد؟ وهل أن الاختلاف هو نتاج اختلاف في هذه الأسس، ثم هل أن الاختلاف يؤدي إلى توحد وواحدية في الطرح (مركزية)، أو إن الواحدية تؤدي إلى اختلاف وتعددية؟.‏

ويقودنا هذا إلى الحديث عن ثنائية (نحن- الآخر) ونحن لغة والآخر لغة. يقول الياس لحود: "اللغة الحية تقوى بالحاضر وتغتدي منه وحده كمورد بقاء وديمومة أو حد، بكل ما فيه من أصول حية وفروع وروافد، ويجب أن تعيش معه في صراع صاخب لترسيخ العناصر الحية واستنباتها، ولتحليل العناصر الميتة وحلها واستخدامها في تغذية العناصر الجديدة.. والثانية أن اللغة المندثرة (الميتة) مهما حميناها بالإجلال والتعظيم والتقديس والتخوف وهذه حالة ضعف وخوف ومهما حاربنا في سبيلها بالأصول وما تحتها وحولها من شروحات ومقولات مساعدة؛ بل مهما جعلناها في أعلى السلم لتابوياتنا. ستقع (بل وقعت وما تزال) على الحاضر، كل الحاضر تقريباً، مغشياً عليها حتى الانتحار في اللغات واللهجات القريبة أو (العدوة). رغم ما لها من جدران حامية وسدود زمنية واقعية"(5).‏

وما يؤكد ذلك أن المعجم الغربي معجم مواكب للتطور الدلالي للغته، بينما المعجم العربي متخلف عن الركب التطوري لمجتمعه؛ إذ يتعامل مع الألفاظ في نصوص قديمة وسياقات بالية، ومازال ينظر إلى الاستعمالات الحديثة نظرة شك وريبة وكأن سلطة عصر الاحتجاج مازالت جاثمة على صدر التطور اللغوي العربي والذي تراه انحرافاً سلبياً وخروجاً عن المعيار. فنحن لا نملك معجماً جديداً، كما هو حال أوروبا، اللهم إلاّ المعجم الوسيط الذي أصبح تراثاً قياسياً إلى الزمن الأوروبي، ومجلة اللسان العربي الصادرة بالرباط. أما نشريات المجامع اللغوية العربية فهي غير إلزامية وغير إجبارية فلا تلزم إلاّ تلك الرفوف التي وضعت عليها.‏

ويعكس هذا الوضع تبايناً واختلافاً في طريقة التعامل مع اللغة كوسيلة لنقل الأفكار والتجارب. ويجرنا هذا إلى الحديث عن قضية مهمة تتعلق بالسؤال التالي: إذا كانت الترجمة تقوم على نقل المعارف فما هي اللغة العالمة التي تعتمد عليها في الوطن العربي على وجه العموم وفي الجزائر على وجه الخصوص؟.‏

إننا نفترض، بشكل سبقي، أن اللغة العربية هي لغة علمية قادرة على نقل الحقائق العلمية والمعارف، ونعترف لها بذلك في مواثيقنا الرسمية، ولكننا نسلبها هذا الحق لما نمارس فعل النقل والاستفادة من تجارب الآخرين إننا بحاجة إلى لغة عالمة هي اللغة الأجنبية؛ لأنها تمتلك كل المواصفات الضرورية فهي مطواعة ومواكبة للتطور الحضاري للمجتمع الإنساني، وهي غنية بمفرداتها التي تعكس نمطية التفكير عند الممارسين لها. وعلى النقيض من هذا كله لا نعترف بهذا صراحة ونعلن في الناس أن اللغة العالمية عندنا هي اللغة العربية وفقط ممارسين لثقافة الإلغاء والإقصاء، ومن ثم فنحن سبب في ما تعانيه لغتنا من غبن وغربة.‏

الإحالات‏

1- ناطق البياتي حمم البركان 341- 342 من كتاب إسلام شريعة من ورق الصادق النيهوم ط2، 1995 دمشق.‏

2- Julia Kristeva Le Langage cet inconnu une initiation à la linguistique P10 ed Seul 1981.‏

3- نبيل أيوب علامات المختلف تشكلات خارج المورث 18 مجلة كتابات معاصرة عدد 29 بيروت.‏

4- عبد العزيز بن عرفة فكر الاختلاف 9 عن كتاب الكتابة والاختلاف، مجلة كتابات معاصرة عدد 24 بيروت.‏

نحن لغة والآخر لغة الاختلاف والمصير 4 كتابات معاصرة عدد 29.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244