أدوات الـنص - محمد تحريشي

دراسة- من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:35 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

- في جمالية النص السردي

1- جمالية المرأة في العالم الروائي لعبد الحميد بن هدوقة:‏

لقد عالجت الكثير من الدراسات موضوع المرأة وفق طروحات منهجية تعكس توجهاً حضارياً للدارسين في سبيل وضع أسس تنظيرية. كما قامت منظمة اليونسكو بإعداد برامج للعلوم الاجتماعية والإنسانية، كلفت مجموعة من الخبراء بإعداد بحوث متعددة التخصصات عن المرأة في العالم العربي، تونس ماي 1982. وقد طبعت هذه الدراسات في كتاب بعنوان الدراسات الاجتماعية عن المرأة في العالم العربي، كما قامت المؤسسة العربية للدراسات والنشر بترجمة هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وقد صدرت الطبعة الأولى منه عام 1984.‏

ولعل أهم دراسة لها صلة بموضوعنا تلك التي قدمتها كل من فاتحة حقيقي، وكلود تلاحيت بعنوان "دراسات في العلوم الإنسانية بشأن المرأة الجزائرية، والتي تصور المرأة في الجزائر على أنها تنتمي إلى الأسرة التقليدية لما لها من ملامح حضارية محددة، وتشير إلى أن مفهوم الأسرة يعود إلى مركز السلطة الذي يحدد الدين والتقاليد وفق ماض غرائبي. وقد يكون الهدف من هذه الحجة هو سجن المرأة في زنزانة يحكم إغلاقها من الداخل بوساطة التقاليد. "وعلى سبيل المفارقة، ويقدم النموذج الغربي "الحديث" بوصفه الطريق المؤدي إلى التقدم والوسيلة المباشرة إلى تحرير المرأة ومساندتها، ويقدم بدون تردد بوصفه البديل الإيجابي الوحيد"(1). ويصبح تغيير وضع المرأة وتحسينه أحد متطلبات إعادة تنظيم الاقتصاد من خلال امتلاك القدرة على الإنفاق والعيش، وفي ظل هذه الأولية يمكن للمرأة، التي تود الخروج من وضعها المشين والصعب، أن تسهم كثيراً في إيجاد الرغبة في التنمية والتطور والتغير نحو غدٍ أفضل.‏

ولعلّ السؤال المهم، هو هل نعتقد بأن الأوضاع الراهنة للمرأة الجزائرية تتفق مع التطور المرغوب فيه؟ وأن هذا لا يؤدي إلى أية مشكلة من أي نوع؟ خاصة إذا نظرنا إلى الموضوع من خلال ثنائية (التقاليد، المعاصرة). فالمرأة تقدم على أنها الحامية للقيم الأساسية للمجتمع، ويصبح أمر تجاوز هذا الدور أمراً غير مرغوب فيه سواء بالنسبة إلى المرأة أم إلى الرجل. وإذا كان الوضع كذلك، فكيف تسهم المرأة في البناء مستفيدة من الحياة العصرية؟ والتي قد تتعارض مع تلك القيم التي تحافظ عليها، فالتطور في حقيقته هو صراع بين قيم قديمة وقيم جديدة يُنتج قيماً أخرى أكثر جدة من الجديدة، فالقديم يؤدي إلى الجديد الذي يصبح قديماً ليصارع جديداً آخر، قد تصل إلى حد المواجهة العنيفة. (هيجل)‏

وقد يولد هذا الصراع رغبة وتشوقاً إلى الحرية، يعبّر عنها بالسفر أو الهروب، وتأتي الأعمال الإبداعية لترصد هذه الرغبة في التحرر والانعتاق. ولعل السؤال المهم ههنا، هل استطاعت هذه الأعمال الإبداعية أن تؤثر على القارئ وتثير مشاعره، أو أنها اكتفت بحد الاستنكار العنيف للأوضاع غير المحتملة؟‏

ولعل أحلام مستغانمي قد وفقت في مناقشة هذه التساؤلات في رسالتها للدكتوراه، والموسومة "المرأة في الأدب الجزائري المعاصر" بإشراف جاك بيرك. ثم إن هذه التساؤلات تحيل على أسئلة أخرى هامة في هذا المجال، فهل أن الاضطهاد هو سبب معاناة المرأة الجزائرية؟ أو أن الظروف الاجتماعية والحضارية التي وضعت فيها المرأة هي سبب الوضع القاسي الذي تعيش فيه ضمن إطار من الصعوبة تجاوزه؛ لأنّ الجزائر المعاصرة تهدف إلى التطور والتنمية والرقي، والعصرنة، مع الحفاظ على قيم الماضي انطلاقاً من ثنائية الرجل والمرأة و"الأرجح أن جذور الاضطهاد لا تنشأ من اعتبارات عربية إسلامية في حد ذاتها بل من كون المرأة حارساً على هذه الاعتبارات"(2).‏

ثم هل استطاعت المرأة أن تعبر عن وضعها بلغة النساء أو بلغة الرجال؟ فالسياق يلعب دوراً مهماً في توظيف اللغة للتعبير عن المجال الفكري للمتخاطبين. ثم أكانت هذه المرأة المبدعة أنثى في أعمالها، أم أنها رصدت الأوضاع المختلفة للمرأة كما هي في المجتمع الجزائري.‏

وفي مقام آخر، ، كيف صور الرجل المرأة في إبداعاته، وهل استطاع أن ينتقل بها إلى مجالات رحبة تعكس التوجه الحضاري للمجتمع الجزائري، أو أنه قدمها في صورة باهتة لا ترتقي إلى مستوى الطموحات، فيفشل العمل الإبداعي لفشله في رسم هذه الصورة، على الرغم من أنه قد يربطها بالعلاقات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية على وجه العموم. فإنه قد ينطلق من ذاته فتصبح المرأة هي الزوجة والأم والأخت والأرض والوطن والحياة. "وتبرز لنا هذه البنية الاجتماعية داخل النص الروائي بصورة أجلى في كون النص يقوم على أساس "القصة" بما يحويه من شخصيات وأحداث وفضاءات وأزمنة تكون لها مرجعيتها إلى الواقع المباشر أحياناً كثيرة، ورغم البعد التخييلي المضفى على عالم القصة، فإن نص الرواية يظل تجسيداً لأفعال وعلاقات وقيم اجتماعية وتاريخية محددة. يتم تقديم هذا التجسيد من خلال بناء له استقلاله الذاتي عن هذه البنية الاجتماعية من جهة، وضمنها من خلال فعل الكتابة من جهة ثانية"‏

(3) وتلعب الشخصيات الروائية دوراً كبيراً في هذا التجسيد والتشخيص كما تكون الأحداث والزمن إطاراً لتحركات هذه الشخصيات.‏

ويعدّ عبد الحميد بن هدوقة من الذين رسموا صورة فنية للمرأة الجزائرية في عالمه الروائي في محيط اجتماعي ونفسي من خلال تفاعلها الخارجي وتفاعلها الداخلي رغبة منه في تغيير وضع المرأة وتحسينه، موظفاً لذلك قدراته الإبداعية. وقد رصد صورة هذه المرأة من خلال رصده لحركة المجتمع الجزائري، فوقف عندها أيام حرب التحرير، وإبان الاستقلال، ووقف عندها في الريف، ثم انتقل بها إلى المدينة رغبة منه في اكتمال هذه الصورة بشكل طبيعي وفي إطار منطقي، لقد وظفها في بنية اجتماعية متوافقة ومتناقضة.‏

والواقع أن ابن هدوقة قد جعل المرأة نصاً مفتوحاً على عدة قراءات، يحتمل تأويلاً بحسب مستوى القراءة الذي تنطلق منه، وتمارس-بوساطته- فعل القراءة. والذي يعتمد على مرجعية نصوص هذا الأدب وسياقاتها المتنوعة؛ إذ كان حريصاً على تسجيل موقف مما يحدث في الجزائر في مسيرتها التنموية "فالنص بنية دلالية تنتجها ذات (فردية أو جماعية) ضمن بنية نصية منتجة، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة"(4).‏

إن المرأة في رواية "نهاية الأمس" هي امرأة الثورة التحريرية، وقد قدّمها الروائي في صورة تجمع بين السلبية والإيجابية، فقد كانت رقية زوجاً للبشير الذي أصبح مجاهداً في صفوف جيش التحرير، والذي تركها لقدرها المحتوم بين الصمود والمقاومة بين الأزمة والمعاناة. وتتوالى الأحداث إلى أن يقتحم جنود استعماريون دارها ويعتدي بعضهم على عرضها، وتترك مشردة في العراء. ولم تكن رقية نموذجاً للمرأة المومس بطبيعتها، بل إحدى ضحايا الفعل الاستعماري الذي حاول أن يستلب إنسانية الإنسان من الجزائر، ويرمز هذا الحدث إلى بشاعة المستعمر وهمجيته وهو إدانة للوجود الاستعماري.‏

ثم تلتقي رقية "بالحركي" في الجبل فيقدم لها العون فيتزوج منها ويتبنى بنتها، ويرزق منها بولد، وكانت هي تعتقد باستشهاد زوجها كما كان هذا الأخير يعتقدها ميتة.‏

وقد استطاعت هذه المرأة أن تكون محور الأحداث، فامتزجت بالجزائر. وهذه التفاتة ذكية من المؤلف حيث ينتصر للوطنية حين يكشف عن الموقف العدائي لأبناء القرية من الحركي ومن أسرته فقد رجموا الزوج، وفرضوا حصاراً وعزلة على أسرته.‏

وتعود رقية للظهور لما أراد البشير الاستعانة بعجوز لطهي الطعام وتنظيف المدرسة، ولا يتم اللقاء بين الزوجين إلا بعد موت ابنتها فريدة، ويتكفل هو بدفنها وعندما تراه رقية يغمى عليها. ذلك أن فريدة هي الرابطة بينهما، وهي الرابط بين ماضي تولى ومستقبل آت، وبموتها يموت الماضي المجيد والمرغوب فيه ليسيطر الحاضر الأليم.‏

لقد زاوج ابن هدوقة بين رقية والجزائر فكلاهما عانى من الصعاب نفسها ولهذا وضع الروائي نهايتين لعمله هذا، نهاية عادية حيث يلتقي الزوجان، ونهاية مفتوحة بارتحال البشير عن القرية لينشر العدل بين أهل القرى الأخرى. فقد وقف ابن هدوقة لإثارة العطف والحنان عند القارئ تجاه رقية التي تمثل محور الحدث الروائي، فهي صورة للمرأة الجزائرية أثناء الاحتلال، عاشت عيشة كلها معاناة وحرمان لقسوة المستعمر وبطشه وعبثه، ولغياب الأمان والحماية والزوج، ومع ذلك فإنها في الاستقلال امرأة مواكبة لتحولات المجتمع الجزائري في التشييد والبناء.‏

أما رواية "ريح الجنوب" فقد قدمت صورة عن المرأة أكثر نضجاً من خلال تلك الأبعاد الجمالية التي وظفها الروائي لصالح المرأة ليرصد توجهها ضمن علاقات اجتماعية تحكمها قوانين قاهرة تخيّب المرأة، إذ لا يمكن أن نقف على صورة نفيسة إلا بالرجوع إلى أمها كما رسمها الروائي، فهي امرأة خاضعة تلبي رغبات زوجها دون تململ وضجر أو إحساس بالإهمال، وقد نقل الروائي على لسانها الكثير من العبارات التي تعكس هذا الانصياع من مثل القدر والمكتوب. ولما تهرب نفيسة من البيت يعاقب الزوج الأم بالضرب، لأنها في نظره لم تقم بواجبها أحسن قيام، ولم تراقب ابنتها مراقبة جيدة.‏

فكان دورها في الحياة هو تنفيذ الأوامر من دون تعديل أو تحوير مع تغييب كلي لشخصها "أبوك يعتزم تزويجك"(5).‏

إن التطلع نحو غدٍ مشرق، والطموح المشروع لتنمية داخلية وخارجية هما اللذان جعلا نفيسة تنظر إلى المدينة على أنها الحل والمنفذ والمخرج، ولذلك تقرر الهرب نحوها قصداً وعنوة، فالمدينة تحكمها- حسب تصورها- علاقات اجتماعية مغايرة عادلة ومطاوعة تحقق لها وجوداً مختلفاً ونوعياً-هكذا كانت تزعم- يشعرها بالأمان والطمأنينة.‏

وتعد هذه النظرة نظرة قاصرة تتعامل مع المدينة تعاملاً خارجياً فلا ترى في المدينة إلا كل حسن وجميل، بينما الواقع غير ذلك، فعلاقات المدينة هي علاقات أكثر فظاعةً واستغلالاً من تلك التي تحكم الريف، وتتطلب وضعاً أكثر نضجاً للتعامل معها.‏

لقد كانت رقية تقارن بين وضعها وبين ما قرأته من كتب، أين هذه الحياة من حياة "سيسي الإمبراطورة، والأميرة ثريا، وإليزابيث تايلور وغيرها من الأسماء اللامعة"(6).‏

وتعكس هذه المقابلة نضجاً مراهقاً غير واع كل الوعي، وما يعكس تطلبها الاجتماعي موقفها من الراعي "رابح" الذي تسلل إلى غرفتها ليلاً، فتواجهه قائلة "اخرج من هنا أيها المجرم، أيها القذر، أيها الراعي القذر"(7).‏

لقد كانت نفيسة -في نظر ابن هدوقة- صورة للمرأة السلبية التي تنهزم مع كل مواجهة على الرغم من انتفاضها أمام الرعي، أو انتفاضها بالهروب من البيت فقد صورها رهينة وضع اجتماعي متخلف، لأنها لم تدرك تلك العلاقات الاجتماعية إدراكاً تاماً وجيداً يعتمد على التفكيك الواعي لأسس هذه العلاقات، بل إنها كانت تبحث عن الحل المرضي لمشكلتها الشخصية، والهروب ليس هو الحل، إنما انهزام وابتعاد عن المواجهة.‏

وجاءت الرواية الثالثة "بان الصبح" لترسم صورة المرأة في المدينة، لتكون معادلاً موضوعياً لـ"نهاية الأمس وريح الجنوب" وفي الوقت نفسه امتداداً لها. فدليلة في "بان الصبح" طالبة جامعية بمعهد الحقوق، شابة مندفعة متحررة إلى درجة اللامبالاة والعدمية، متيقظة ثائرة كالبركان تعيش في مجتمع تحكمه علاقات اجتماعية متباينة متناحرة عاكسة لواقع جزائري متنوع، فجاءت شخصية نموذجية تحمل مواصفات المرأة التي تتعامل بداخلها مجموعة من المتناقضات التي تكسبها جمالية خاصة، تحكم على الموقف الواحد حكمين مختلفين فلم ترَ عيباً في حملها من البرجوازي على إثر ممارسة غير شرعية في حين تنكر هذا التصرف إذا صدر عن غيرها "لماذا أخي المحترم أحب هذه المرأة الرخيصة التي قبلت أن تأتي معه إلى هذا المكان القذر؟ لماذا تزوج إذاً؟‏

لماذا جاء بها إلى هنا، حيث الأنظار تخذه بكل ما تملك من احتقار؟ لماذا لم تذهب بعيداً حيث لا يراها أحد؟ هذا في الأسرة أعرفنا وولينا بعد أبينا لو كنا في حاجة إلى ولي! معارفه ليست في خلاياه، إنها في جيبه... إنه تافه، حقير.... حقير"(8).‏

إن دليلة "بان الصبح" هي امرأة أكثر نضجاً وتطوراً ووعياً من نفيسة المستغلة في إطار علاقات ريفية، تنظر إلى المرأة نظرة خاصة، وترى في وجودها في العاصمة ضماناً للحياة السعيدة، فهل استطاعت هذه المدينة أن تقدم الحلول المناسبة والمرضية للمشاكل التي تعاني منها؟.‏

لقد جعل ابن هدوقة دليلة صورة عن نفيسة، إذ وضعها في علاقات هجينة لم تسمح لها بالانفلات والتحرر، فإذا المدينة هي المنقذ لنفيسة، فهي واقعياً مكان آخر كالريف تمارس فيه أشكالاً من الاستغلال بطرق مختلفة شكلاً ومختلفة مضموناً. ليصل الروائي إلى أن مشاكل المرأة لا تحل إلا في إطار مجتمع عادي، ولهذا كانت "دليلة" امرأة هامشية لم تستطع الوصول إلا أن مشاكلها مقرونة بمشاكل أخريات أكثر تأزماً وتعقيداً، لأن التطلع الفردي تطلع نهايته الفشل لأنه يهمل كل مجهود جماعي. وما يؤكد على هذه النظرة القاصرة، فإن دليلة ترى في الرجل منبع كل المشاكل وسبب كل المعاناة ومصدر كل إزعاج، فهي لا تفرق بين كونه مستغِلاً وكونه مستغَلاً. إنها لم تستطع التخلص من تفكيرها المتناقض والقاصر، فهي تحب كريمو حباً من طرف واحد، ابن الطبقة البورجوازية بعد أن أغراها بادعاءات التحرر والزواج، ولما تقع وتحمل منه، يتخلى عنها ويتنكر لها، ويقترح عليها الإجهاض، مما يقوي لديها النزوع الذاتي والمنفعة الشخصية.‏

وتنضج المرأة أكثر عند ابن هدوقة في روايته الموسومة "الجازية والدراويش" وقد استعمل لذلك الرموز بدرجة كبيرة "والترميز هو بحد ذاته عملية تقلص المرموز إلى محض بعده كموضوع، بينما يحتكر الرامز أو مؤول الرمز كل الذاتية لحسابه. ومع أن الترميز يفترض أصلاً بالموضوع المرموز أن يكون قابلاً للتشكيل، أي مادة مطاوعة يحدد الآخر مصائرها"(9).‏

وإذا كان ابن هدوقة قد نجح في ترميزه الجازية بالجزائر، والجزائر بالجازية فإن ترميزه للشخصيات الأخرى، وخاصة الرجالية منها كان ترميزاً مفضوحاً ومكشوفاً وظاهراً، فأضرت هذه الرموز بالنص كالرموز التالية الأحمر، الأخضر، ولو كان الترميز على المستوى اللغوي (الخطاب) لكان أفيد.‏

إن امتزاج الجازية بالجزائر (الوطن) جعلها مطمعاً لكل الدراويش الطامحين في الظفر بها، كل بحسب توجهه الفكري ونظرته إلى الحياة إلا أنها حافظت على استقلالها وبناء شخصيتها بعيداً عن تلك المغريات، إنها اختارت أن ترتبط بالصفصاف رمز السمو والعلو والارتقاء، وفي الوقت ذاته رمز التمسك والثبات واليقين. فكانت بذلك امرأة قريبة من زهرة ميرامار نجيب محفوظ التي كانت "مرآة يرى فيها الآخرون أنفسهم أو تعكس لنا صورهم. لكن أهذا كل دور زهرة؟ الفعل للآخرين والانعكاس لها؟ الواقع أن نجيب محفوظ الذي لا تشف كتاباته... عن نزعة سافرة إلى معاداة المرأة لا يحط زهرة، بترميزها، إلى مستوى الرمز السالب والمنفعل، فزهرة رمز ولكنه رمز حي، متطور، وحتى فاعل... فإن زهرة التي تملك إلى جانب بعدها الرمزي بعداً واقعياً وعينياً غير قابل للاختزال، والتي تحرص بشراسة على أن تكون هي صاحبة قرارها وصانعة مصيرها، تبدو وكأنها مركز عملية مضادة للترميز ومفككة له"(10)، لقد كانت الجازية محور الحدث الروائي، ومركز استقطاب للفعل المحرك للرمز، وبذلك تمتزج بالجزائر "الأرض والسلطة"، وهي إن كانت تبدي تعاطفاً أو ميلاً نحو درويش من الدراويش، فإنها سرعان ما تحيد عن هذا الميل، ويبقى الأمر مجرد مغازلة تعبر عن الرغبة ولا تسعى إلى تحقيقها، وقد ساعد هذا الوضع ابن هدوقة تقنياً وفنياً إذ أصبحت نصوصه نصوصاً مفتوحة تنتج مجالاً للتأويل والتفكير، في سبيل رسم صور جمالية للمرأة، ولقد استفاد هذا الروائي من تقنيات السرد استفادة كبيرة بطريقة إبداعية تعتمد على التصرف في اللغة وزمن الحكي و"يتجلى انفتاح النص الروائي زمن من خلال البناء عبر اشتغال الكاتب على مادته الحكائية والكتابية (الخطاب) بشكل مختلف عما اعتدنا عليه. فهو يخلخل الصورة المكونة لدينا عن البناء النصي الذي يحمل الدلالة التعينية للمعنى، يتم ذلك من خلال تكسيره لخطبة الحكي، وممارسته اللعب الزمني الذي رأينا فيه هيمنة المفارقات السردية والمشاهد والتقطيع الزمني"(11) واعتمدت رواية "غداً يوم جديد" على تقنية الاسترداد، فلم تعتمد على اللحظة الدرامية المعينة، فأحداثها أحداث قريبة حاضرة تحيلنا إلى الماضي، ثم إن المرأة، في هذه الرواية، تفكر بصوت عال مرتفع، ترتد إلى الماضي عن طريق السرد تقول: "ابني الشهيد أبوه قدور، هو الوحيد الذي أعرف أباه، أقول كل شيء، كل شيء "أكتوبر" أنطقني أكتوبر الجزائر... أقول كل شيء ثم أذهب إلى مكة أغسل عظامي"(12).‏

إن المرأة في هذه الرواية أنثى تحمل مواصفات الإبهار والدهشة والإعجاب. "ورفعت الحجاب ورأيتها! بدت لي وهي أمامي على مقعدها! كأنها جالسة على الزمن! كل حركاتها الخارجية مفككة، لكن كل حركة منها كتاب مفتوح على الماضي وزهد في متاع الدنيا لا شك أنها رأت الكثير، عاشت حياتها بكثافة وعمق، لكن ما يشدني أكثر إليها كلماتها. كم هي مستقيمة عذبة"‏

(13).‏

وبذلك ترتقي هذه المرأة إلى مرتبة النموذج الذي بحث عنه الروائي في أعماله السابقة، إنها الجزائر الوطن في مسيرتها التاريخية، وهي مرتبطة بالمكان الذي تحل به، مما أكسبه جمالية خاصة، وظفها الروائي للكشف عن جماليات المرأة. "إن كل ما من شأنه أن يمنعها من هذا السفر لا تريده، هي لا ترغب في الرجوع إلى الدشرة ولا تريد استئناف الحياة فيها، انتهى كل ذلك الآن. وقد تزوجت بهذا الرجل الذي يعمل بالمدينة إنها لم تتزوج الرجل، تزوجت المدينة" (14).‏

وما زال الاعتقاد في المدينة، وما زالت المرأة ترى فيها خلاصها وجلاء همومها، والواقع أن القضية ليست قضية مكان، بل إنها قضية علاقات وأنماط معيشية، فقد نعيش في المدينة بعقلية القروي (البدوي) وقد نريف المدن، وهذه هي حال المدن الجزائرية، فلا وجود للمدني (le citadin) إلا نادراً، ويبدو أن ابن هدوقة قد انتبه إلى هذا، وإلى دور المكان في بناء الشخصية. يقول على لسان إحدى الشخصيات:‏

"لو سألتني أين تحيا؟ أقول لها في المدينة والرأس ما زال قروياً والقرية اندثرت لو سألتني وما جنت به عليك المدينة؟‏

أقول لها: اعتدت على شرف طفولتي كما اعتدت على شرف شبابك القروي (15) إذن فالقضية قضية نمط تفكير ونظام معيشي. ولهذا سعى ابن هدوقة إلى رسم حدود الشخصية الرئيسية في نصه بتقنية فنية تتيح للشخصية أن تعبر عن نفسها، وتكشف عن جوهرها بأحاديثها وتصرفاتها الخاصة. وقد يعمد إلى توضيح بعض تصرفاتها عن طريق أحاديث الشخصيات الأخرى عنها، وتعليقاتها على أعمالها"(16).‏

وبعد، فالمرأة عند ابن هدوقة رمز للمرأة عامة، ورمز لامرأة بعينها، وهي رمز للجزائر، وفي مقام آخر رمز للنجاح والانتصار والنشوة، ورمز للفشل والهزيمة، ورمز للإيجاب ورمز للسلب، رمز للاعتدال ورمز للتناقض، وهي بعد هذا وذاك رمز للمرأة النموذج عند ابن هدوقة بناءً على معطيات نفسية وسوسيو ثقافية.‏

ويبقى السؤال مطروحاً فهل كان هذا الروائي يصور المرأة في حدود الخطاب الروائي أو خارجها، والتي حددها سعيد يقطين(17) في ثلاثة معايير هي:‏

1- الصيغة:السرد‏

2- الزمن: استيعاب الحكي التقرير‏

3- قصدية الكاتب‏

ونحن لا نعدم أن ابن هدوقة قد وفق في الوصول إلى هذه الأسس المكونة للخطاب الروائي، وقد كتب بمقصدية خاصة تسعى إلى أن تلتقي مع مقصدية القارئ، وقد تتوافق مع أفق انتظاره، والتي تنشد الاستواء في البناء الجمالي والفني والاعتدال في الموقف الحضاري.‏

وبعد، أيضاً، فإن ابن هدوقة قد وضع صورة نمطية للمرأة لم تستطع أن تتطور خارج الحدود التي رسمها لها، وهي امرأة تابعة للحدث اليومي تشارك فيه مشاركة نسبية لا تخرج عن حدود المعقول، إنّ ابن هدوقة يحافظ على المرأة ولا يعريها من الداخل. فالجنس موظف بطريقة عفواً بعيداً عن الإثارة والصناعة والاحتراف، إنه ضرورة بيولوجية، ولهذا ابتعد عن تلك الأوصاف التي تعكس مستوى من المعالجة وموقفاً ما من هذه القضية، وهو بذلك يختلف عن الروائي رشيد بوجدرة الذي يكشف عورة المرأة في ليليات امرأة أرق، على سبيل المثال، حيث ينتقل إلى المستوى الجواني للمرأة ويجعله يمارس عملية التعبير، بينما يلجأ ابن هدوقة إلى قراءة المرأة بحسب ما يصدر منها‏

من تصرفات.‏

وبعد مرة أخرى، فإذا كانت المرأة رمز للسلطة فكيف وجدها ابن هدوقة بعد التعيين والممارسة؟؟ أظن أنها قضت على الطموح الفني والارتقاء الجمالي.‏

الإحالات:‏

1- فاتحة الحقيقي، كلود تلاحيت- دراسات في العلوم الإنسانية بشأن المرأة الجزائرية ص161- الدراسات الاجتماعية عن المرأة في العالم العربي.‏

المؤسسة العربية للدراسات واتلنشر ط1 -1984 بيروت -UNESCO.‏

2- الدراسات الاجتماعية عن المرأة في العالم العربي 173- عن المرأة الجزائرية بين القناع والحجاب 5.‏

3- سعيد يقطين - انفتاح النص الروائي - النص، السياق 140ط1- 1989 المركز الثقافي العربي -الدار البيضاء المغرب‏

4- المرجع نفسه 32‏

5- ريح الجنوب 87‏

6- المصدر نفسه 33‏

7- نفسه 108‏

8- بان الصبح 104 الشركة الوطنية للنشر والتوزيع ط1980‏

9- جورج طرابيشي، رمزية المرأة في الرواية العربية 120 ط1-1981 دار الطليعة بيروت‏

10- المرجع نفسه 120‏

11- سعيد يقطين تحليل الخطاب الروائي الزمن، السرد، التبئير 85 ط1 1989 المركز الثقافي العربي الدار البيضاء‏

12- عبد الحميد بن هدوقة غداً يوم جديد 13‏

13- المصدر نفسه 9‏

14- نفسه 24‏

15- نفسه 165‏

16- فن القصة القصيرة عند نجيب محفوظ 190‏

تحليل الخطاب الروائي 49‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244