|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
دعــــوة ومع ذلك مازلت آمل أن نجد وسيلة للتفاهم فيقرأ الواحد منا الآخر كما هو لا كما يريده أن يكون. الأسئلة الوجودية أكبر من الموجود... والأسئلة كثيرة، أسئلة حول الشعر والجمال، أسئلة في الموقف، وأسئلة في السياسة... وأنا لا أزعم أن في جرابي أجوبة.. إنها دعوة إلى حوار جديد على أسس جديدة.. وأبناء جيلنا يذكرون كيف كنا نرسم لمن نحبه صورة ملاك وللذي نكرهه صورة شيطان رجيم، وفي الحالين يبقى وجه الإنسان غائباً. وكنا نفلسف ذلك ونفبرك له المبررات النظرية.. كان ذلك في الأزمنة الساخنة... أما اليوم فيهيمن على العالم جو شديد البرودة ثقافياً في حين تتفجر البراكين السياسية والاجتماعية عبر تمزقات حادة، وتعتري العالم تشنجات تبدو شديدة الغرابة... ففي ظرف شديد الزخم من المد المضاد تحدث تقلصات موضعية تثير الدهشة، ويطفو على السطح كثير من الرغوة ومن الزبد الذي سيذهب جفاء كما هي الحال دائماً... قد يبدو مفارقة أو كالمفارقة، أن هذا الزمن المزبد قد أزاح عن السطح الثقافي العربي والعالمي، على حد سواء، الكثير من الزبد، وقد أخاف نقيق الضفادع على هذه الضفة ضفادع أخرى كانت تملأ سمع الليل والنهار نقيقاً لا ينقطع على الضفة الأخرى. ولعل ذلك يؤكد الرأي الذي يقول: لا وجود للشر المطلق في الكون... ففي كل شر شيء من الخير ولو ضئيل، وفي كل خير جانب من الأذى والضرر ولو ضئيل... ويكون دائماً على البشر أن يتعلموا من الشر والخير إذ يلحقان بهم.. وأظهرت الرياح التي عصفت أن الكثيرين كانوا دواليب هواء أكثر مما كانوا رجالاً لهم مواقفهم ولهم قضايا وقيم. قد يكون ذلك مؤسفاً لكن التاريخ لا يحسن التعامل مع العواطف. وأُبادر إلى القول: لست من الجامدين عقائدياً.. لكنني لا أرضى لنفسي أن أكون "دولاب هواء"، يدور وفاقاً لوجهة هبوب الريح كيفما هبت الريح.. وإذا أدعو إلى الحوار الذي يجب ألاَّ ينقطع مع الذات ومع الآخر، في إطار الفصيل الفكري الواحد أو بين الفصائل المتقاربة والمتباعدة فكراً فإنما أدعو إلى ذلك انطلاقاً من موقف له ثوابته وله تطلعاته وطموحه إلى غايات إنسانية ومجتمعية محددة طمح إليها الملايين ممن سبقونا، وسعوا إلى تحقيقها، وربما سعوا إلى ماهو أسمى منها أو أقل سمواً منها. وسيبقى الناس يحلمون بها ويسعون إلى تحقيقها وإكمالها مادامت المجتمعات البشرية قائمة. قد يسأل سائل: ماجدوى الحوار مادام لكلٍ منا موقفه؟ من هنا، تحديداً، تأتي ضرورة الحوار. فما كنا نراه متعارضاً جذرياً ظهر أنه لم يكن كذلك... وظهر أن الفجاجة في الحوار لم تكن ناجمة عن ظروف موضوعية دائماً. فكثيراً مايكون الصراخ تعبيراً عن الخوف أووسيلة لإثبات "المكانة" أو الإعلان عن الوجود. وإذا كانت التيارات الثقافية الكثيرة قد أثبتت أنها موجودة عن جدارة أو عن غير جدارة فمن الممكن أن تنخفض نبرة الصوت، ويحل الكلام الرصين محل الصراخ، وأن يسمع أحدنا الآخر ويحاول فهمه كما هو، وأن يتم البحث المشترك عن نقاط الالتقاء بغية تعميقها وعن نقاط الاختلاف بغية التقريب فيما بينها.. ومن ثم غربلة المحصول وطرح الزؤان وأخذ القمح إلى المطحنة كي يطحن ويخبز ليكون طعاماً مشتركاً لنا وللإنسانية..وكي تبقى خميرته للأجيال القادمة. وقد يكون علينا جميعاً أن نسعى، أول مانسعى، إلى إيجاد لغة مشتركة لإدارة مثل هذا الحوار. ومالاشك فيه هو أن الحوار ضرورة لا غنى عنها في هذه الأيام الباردة... وستكون حرارة الحوار وصدقه الوسيلة المثلى لتحسين حالة الطقس العام. وقد يرشدنا تذكر عبثية حواراتنا السابقة إلى طريقة جديدة للحوار الجديد. المسألة القائمة الآن هي: هل الثقافة العربية، في ظروف الصقيع الكوني المعاصر، قادرة على العودة إلى حلبة المحاورة الحارة أو الدافئة على الأقل للخروج من قيود الصقيع ومتابعة المسير التاريخي نحو المستقبل؟ إن الأمم الحية، وأمتنا منها، تختزن، دائماً، طاقتها الحية في الأعماق، فتسري على شكل تيارات تتفاعل في العمق ومع السطح فتولد من تفاعلها انبثاقات تكون، في كثير من الأحيان، مفاجئة أو غير متوقعة من الذين لم يدرسوا علم الأعماق جيداً. إن مايجعلنا نتفاءل هو أن نهر التاريخ لن يتوقف عند مرحلة من المراحل، ومايجعلنا نلح على الدعوة إلى إجراء الحوار الجاد هو أن نهر التاريخ لا ينتظر أحداً، وقد نستيقط غداً فنجد أننا قد تخلفنا كثيراً، وسيكون علينا، حينئذٍ، أن نضاعف الجهد... وقد نعض أناملنا ندماً. إن السباحة ضد التيار تكون، دائماً، أصعب من السباحة معه، لكنها تكون، دائماً، في الظروف التي تشبه ظروفنا الراهنة، الوسيلة الوحيدة للنجاة والإبتعاد عن الهاوية.. ونحن نقترب من الهاوية بسرعة كبرى.. إن وجودنا الواحد في تعدده، المتعدد في وحدته قد جعل النظريات كلها، منذ صار الفكر فكراً، تتحول إلى دوائر تنغلق حين تكتمل فتنعزل أو تقف مكانها وتكف عن الحركة... فالكامل لايتحرك أي لا يتطور.. وقد يعزي أنصار النظريات أنفسهم بالقول: إن الدائرة هي أكمل الأشكال في الوجود وفي الفكر. وإذا كنا لا نستطيع أو لا نرضى أن نفتح نظرياتنا الكروية المغلقة لتصير نظرات إلى الكون والمجتمع لا نظريات فيهما، فلنعمل، في الحد الأدنى، على تقريب هذه الدوائر بعضها من بعض كي يقوم بينها احتكاك مباشر وكي تنفاعل حقول فاعليتها. ألا يمكن أن نقيم مناطق محايدة يلتقي عليها ممثلو الأطراف المعنية للتفاوض والاتفاق على توحيد الجهود للعمل على إنقاذ المصير المشترك واللحاق بركب العصر وتعويض بعض ما فات. وإذا كان إلغاء التناقض من المحال فلماذا لا نعقلنه من أجل تحسين الحال؟... إن أغرب مافي أمرنا أن القائلين باستحالة الوصول إلى المعرفة المطلقة قد أغلقوا نظرياتهم وصار على الأتباع أن يكتفوا بشرحها لا أن يعملوا على تطويرها. وساد جُلَّ الأوساط التنظيرية وهمٌ مفاده أن إثبات الذات يعني انعزالها وتكورها في إطارها الدائري الخاص. قلةٌ هم الذين قالوا إن إثبات الذات يكون بانفتاحها على الآخر وفعلها فيه بل واتحادها معه من أجل تكوين طاقة جديدة أشد فاعلية. وانفتاح النظريات أو النظرات لا يعني انفلاشها أو تراخيها وعدم تماسكها.. فالانفلاش يهدم الكيان، والتماسك يمنح القوة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |