|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
في الإبـــــداع: ـ 1 ـ حكاية أولى يحكى أن هاتفاً هتف بفلاح فقير في منامه، قال: بادر إلى الصخرة التي عند الطرف الجنوبي من حقلك فتحتها كنز يغنيك ويغني نسلك من بعدك أجيالاً.. نهض الفلاح مضطرباً، فالصوت مرتفع والكلام واضح. حمل معوله وبعض الزاد وذهب إلى الحقل... الصخرة تقبع عند طرف الحقل الجنوبي منذ أجيال وأجيال...وقف أمامها مفكراً: أهنا الكنز الذي سيغنيني ويغني نسلي؟ لكن الكلام كان واضحاً.. أخذ المعول وشرع يحفر حول الصخرة... بعد زمن سمع فحيحاً مخيفاً... انحنى ونظر... كانت أفعى تفح حانقة ويكاد الشرر يتطاير من عينيها... رمى المعول جانباً ثم خرج من الحفرة وركض خائفاً نحو القرية.. سمع الحكاية أحد شيوخ القرية الحكماء فابتسم وهز رأسه.. سأله الفلاح: لماذا تبتسم؟ ألم تصدقني، أم تسخر مني؟ قال الشيخ: بل أصدقك وأشفق عليك... إن للكنوز حراسها وكلمات أسرارها... كان عليك أن تفكر وتبحث عن كلمة أو تحتال على الأفعى لتبعدها عن باب الكنز.. لكنك خفت وأضعت الفرصة... ـ 2 ـ رأيت الريح تخلع ملابسها وتعدو عارية. حين مرَّت بي وراودتني ارتبكتُ فغادرتني مغضبة، تاركة أصداء صفيرها الحانق في جسدي... ودارت عربة الشمس. قال لي القدر ساخراً: أنت سيد الأشياء ولا سلطان لك على شيء! يعذبني حضوري النقي، أغوص في صفاء الهنيهة منحدراً في فراغ تغنّي فيه الأفلاك مراثي هلاكها. في عروقي صحراء من أملاح وخلائط، يتملكني العطش إلى ينابيع البداية.. تنق في سمعي ضفدع الأزمنة. يوقف نهر الزمان جريانه السرمدي. أنظر إليه دهشاً فيسخر مني. ابتسم مشفقاً وأتابع سفري. تختلط الأمور في ذاكرتي أحياناً فأقول: كانت لي امرأة وردة ثم أقول: بل هي وردة امرأة... وحين أجلس على الشرفة أسمع الريح تهمس حانية: هي الوردة المرأة، وهي المرأة الوردة... أعزو ما أسمع إلى اضطراب ذاكرتي ومسمعي. وأقرأ أغنية الربيع في البراعم، أسمع بكاء الخريف في حفيف الورق المتساقط، أقول للشتاء: لا تخف، سآتيك بحفنتين من زبيب وفستق، وسأمسح جراح عثراتك بزيت قنديل علقته أمي قرب النافذة ثم تركته ميراثاً لي ورحلت. تلوب الريح في مغارة قرب شجرة السنديان ثم تخرج صافرة منفوشة الشعر، تنهض في جسدي أصداء صفيرها الحانق. أغمض عينيَّ... أعرف... إنها مثلي تبحث عن أيام طفولتها التي ضيعتها... ـ 3 ـ يقول المبدع: أنا المتصل بكم بكل شيء منفصل عنكم بفرادتي. ولأننا نعيش ظروفاً تاريخية تضطرب سطوحها بعنف وتتغير مبدّلة مظاهرها تبديلاً سريعاً، تضطرب الرؤية، وتهتز البوصلات، وكثيراً ما تختلط الجهات إذ يخفي الضباب الشمس نهاراً، وتغطي الغيوم النجوم ليلاً. ويكون الاعتماد على الحدس، وعلى الحس الغريزي المعافى أجدى في مثل هذه الأزمنة التي يُستخدم فيها العقل ضد المعقول، وفي خدمة ماليس في المنطق في شيء. أما الجوهري الذي ترتكز إليه مواقف المبدعين ويحدد مبادئهم فقد تتغير مظاهره لكن مكوناته الأساسية تبقى ثابتة لا تتغير طوال أكثر من حقبة تاريخية، ويكون على المبدعين أن يرسخوا موقفهم وسط جنون المظاهر، وأن يكرروا الدعوات إلى الأسس المبدئية كي لا تغيب وتندثر، في فترات ثورات العواصف المعادية فيزداد الاضطراب والبلبلة. ويقال: لكن الشعارات الأساسية لكل حقبة تاريخية يمكن اختصارها بمبادئ حزب أو جهة... وقد حفظناها، فهل يظل المبدعون يرددون تلك الشعارات ـ المبادئ، في حين تمثل روح الإبداع ذاك الفريد الذي يستمر أحقاباً؟ ويؤكد المبدعون: الإبداع لا يُكرِرُ ولا يتكرَرُ. وماينبغي أن نفعله هو أن نستوحي الشعارات والمبادئ لا أن نرددها. وحين تكون الشعارات خلاصة موقف حياتي أصيل، يعكس الجوهري من سمات العصر، تصبح المبادئ ـ الشعارات قاعدة انطلاق حيوية، لأنها صورة مكثفة لحياة شعب ومطامح أمة، وتكون منجم استلهام غنياً غنى الحياة، متعدد التمظهرات والتجليات تعدد وجوه الحياة وتجلياتها، ويكون الانتماء المتجسد في موقف مرتكزاً ننطلق منه وليس عبئاً ننوء به ونلهث تحت ثقله. وتكون الفرادة وليدة الانتماء إلى العام الجوهري، وتظل أصيلة لأن انتماءها حقيقي وليس دعوى انتماء. ـ 4 ـ متى نتخلى عن الألوان الزائدة، وعن الأصوات التي لاحاجة لها؟ متى نتخلى عن الإفراط في الحماسة الكلامية، وعن الإكثار من التفجع؟ متى نكف عن هدر طاقاتنا الروحية من غير ماغاية أو هدف؟ نعبر عن الفرح بالأنين، وتكون لأنين الريح في مسامعنا رنة الفرح، ويضيع العمر الذي لا يُعطى لنا إلاَّ مرة واحدة. لا نفتقر إلى البطولة وحسب بل إلى المواقف العادية البسيطة، نفتقر إلى النفحات الإنسانية التي تصدر عفواً. وحين نطرح المسائل الأخلاقية أو الاجتماعية نطرحها طرحاً مجرداً فتفتقر إلى المصداقية، ويدب فيها السوس قبل أن تنطلق من إطار السؤال إلى فضاء الممارسة. وكم نتطاول على مبادئ سامية لأننا لم نستوعبها، ونكون كالأفعى التي تعيب على النسر أنه لا يجيد الزحف، وكالخلد يُتعب عينيه نور النهار فيذم النور ويمتدح الظلمة. وكثيرون هم الذين يدّعون الوقار والرصانة ثم يفترون على الحقيقة وعلى الناس حسداً وصغاراً. إنهم لا يعرفون كيف يبهجون أحداً ويسببون المنغصات للجميع، ثم يبررون رياءً، كل تصرفاتهم المعيبة، وكأنها الطريق التي لم يكن لهم محيد عنها. قد تمـنعنا قسوة الظروف من بلوغ أهدافنا النبيلة لكن أحداً لا يستطيع أن يجعلنا نفعل الشر ونلحق الأذى بالحياة والأحياء. إن هشاشة الأخلاق ورخاوة الفكر ووهن العزيمة هي مايجعل بعض المثقفين في زمننا "دواليب هواء"، تدور وفاقاً لحركة الريح، ثم يزعمون أنهم قطب الدنيا. إن قدرنا كبشر ألاّ تكتمل أعمالنا، وقدر الأجيال أن ترث وتورث المهمات، ومن هنا عظمة المسؤولية الملقاة على كواهل المبدعين: ألاّ نورث العار والتفاهة والابتذال للآتين. ـ 5 ـ حين تأكل خوافي الزمان قوادمه يزحف على صدر المكان ثقيلاً كالرصاص، فيتصاعد أنين الأمكنة، وتطفح الينابيع بالمرارة والملح. تصير الأماني أشلاء أماني، يهتف الشاعر متألماً: من ذا يساعدني على دفن أشلاء آمالي؟ العالم بارد وأشواقي العذارى العاريات ترتجف... فمن يمنحني حفنة من دفء؟ من يعتقني من أسر ظلالي ويمنحني النور الطلق، فأنا في الظل عبد للضلالات والأوهام؟ ينتشلني الليل من صخب الخارج فأستكين قليلاً ثم يصخب الداخل فأضطرب. أنقش اسمي بيدين مرتعشتين على قشور الأشياء فتتشقق القشور ويتمزق الاسم. فما الاسم سوى قشر... تقول الكلمة: أنا الأعجوبة المنغلقة على ذاتها، المنفتحة على الأكوان، لا حدود لضيقي، حين أضيق، ولا حدود لاتساعي حين أتسع، أمتلئ بالعالم ويمتلئ بي. أنا الاسم والمسمى، أنا سر النماء في البذرة وأنا التراب الذي تنمو فيه.. أنا غموض الكون وأنا الضوء الذي يهديه في سيره الأبدي. أخرج منكم وأراكم في كياني، فأغمضوا عيونكم كي تروني فيكم. كونوا أنقياء مثلي. لا تغطوا عيوبكم، فكل غطاء يبوح بما تحته. والحمقى يغطون عيوبهم بما يكشف أكثر مما يحجب. ويقول الشاعر: ليس السر في الكلمة بل في ما نودع فيها، من كان داخله نيّراً كان بغير ظل... الذين يسيرون بأضواء مستعارة يتعثرون بظلالهم. فمن ذا يخلصني من عيوبي؟ إن إخفاءها فوق طاقتي، إذ لا يكون ستر الغلط الصغير إلاّ بأغلاط أكبر منه والمعرفة الناقصة تزيدنا جهلاً. فكم نحن محتاجون إلى أن نحسن قراءة الأشياء وسيبقى الزمان والمكان حجابين يحدان من رؤيتنا مالم نَسْمُ فوقهما. فهل سنفعل؟ كيف؟ الزمان الرصاصي ينيخ فوقنا، والأماكن تزوغ تحت أقدامنا... وعلينا أن نصمد وأن نتقدم. ـ 6 ـ قال الحلاّج: "أسرارنا بكر لا يغتصبها وهم واهم".. وقال المكي: "لا يقع على كيفية الوجدعبارة.".. وقيل: "ماعبّروا عنه، ولم تسعه العبارة.". وتتعدد صفات الجميل، ويبقى الجوهر واحداً.وتكون الصفات كالقوقعة تخفي اللؤلؤة، وتبقى الأسرار أبكاراً، وتظل العبارة أضيق من أن تتسع للوجد وأضعف من أن تختصر أو تفسر مالا يختصر أو يفسر.... ولا يتوقف السفر إليه. يرى بعضهم أن الشعر،والشعر هنا كناية عن الجميل، هو الصوت المضاد، إذ يرون فيه نقيض القبيح، يرون فيه المتحرك النقيض للراكد.ويرى فيه آخرون المنسجم الذي يوحد الأضداد ويتجه عمقاً وشمولاً. فالوحدة الانسجامية تحملنا إلى غير المتناهي، في حين يكون التضاد جزئياً ومحدوداً. ويكون المحرّم ترساً تحمي به فئة اجتماعية ما مصالحها، أو يكون قوقعة ترد عن "صرة" مقدسات تلك الفئة أذى تغير المناخ في الخارج. ويكون محاولة خرقاء لفصل الداخل عن الخارج، لتخليد السكون على حساب الحركة. وإذ نجعل الشعر عنواناً للكلام لا نرى تعارضاً في الجوهر بين الأجناس، فجوهر الإبداع الحق واحد، والمختلف هو الأداة. وقد تشترك أداة واحدة في أكثر من فن، فالسينمائي الحق كالشاعر الحق من حيث الجوهر. والكثيرون من المبدعين يُتهمون بالجنون إذ يصورون الجديد الوليد الذي حال المألوف دون رؤية الآخرين له. ومواجهة الراكد هي الحداثة.... والحداثة ليست مدرسة. الحداثة فعل إبداعي يتجدد.. ومبررات الحداثة هي مبررات الإبداع. فليس إبداعاً ماليس حديثاً... فالعمل الفني الحق عالم فيه شيء من كل شيء في الكون، وهو متفرد بكيانه ومختلف عن كل مافي الكون. والإبداع لا يكون إلا مقيّداً، ولا يتحقق الإبداع إلاّ بالتغلب على القيود كلها، فالإبداع أن نعيد صهر الأداة، اللغة في الشعر، على سبيل المثال، وأن نعيش بكارة الحاضر من غير أن نتخلى عن ذاكرتنا. وتلك معادلة صعبة جداً. ولا تُحلّ إلا في إطارالنسبية... فبلوغ الكمال من المحال وسيبقى كذلك. وتبقى المسألة الأساس في الإبداع هي خلق الجميل... ويكون الاختراق بإزالة مايعترض هذه المسألة... والمحرَّم هو مايعرقل حلها. أمّا الهوية الإبداعية فهي هوية فردية دائماً... وأما الهوية القومية فتتكون من جماع الهويات الإفرادية لمبدعي الأمة عبر التاريخ. ومن هويات الأمم والأقوام تتكون الهوية الإنسانية. ـ 7 ـ يصلي المؤمن: علمني أدب الخطاب فأعرف كيف أخاطبك... الناس ينادونك بأسماء كثيرة ولا اسم لك... فكيف أناديك؟.. ويتجلى الجمال للعاشق في توهج الجسد فيرى نور التوهج ولا يرى الجسد. ويتجلى الشعر في الكلمة فتخطفنا روعة الشعر فلا نرى الكلمات ولا وجه الشاعر الذي عاش التجربة. ولدى كل تجلٍّ ندور في فلك التجلي، في حقله الحيوي، مجتازين الشيئية إلى الكنه. وتكون الروح قلقة فما ندري إن كنا نصعد أم نهبط... ولا أهمية للجهات في عالم الغبطة. النص الشعري لا يأتي من مكان بعينه بل من تفاعل الكون كله... وأقول لكِ: كم كنتُ ساذجاً وأنا أضرع إليك بلغة تجهلينها!.. وتقولين: أَنْطِقْ لساني بمحبتك... الحب يوحدنا بالعالم وبالأشياء، وضمور الحب يوهن صلتنا بالعالم. وأخرج من ضيق العالم إلى رحابة صفاتك وأسمعك تعلنين: ـ أخاطبك كالأخرين لا لتفهمني مثلهم، ينبغي أن يكون فهمك مختلفاً أنت المختلف. ويكون الاختلاف درباً إلى الإلفة... تكونين خارجي فأشتاق وأعطش، وأُدرك أننا سنموت يوم نتوحد ونتكلم لغة واحدة، وأشعر بشيء من الزهو: لو لم أحمل شيئاً من سماتك ما أحببتك... وتضحكين لاهية: لا يصير كاهناً من لم يعبد صنماً. ولقد اتخذت الريح صديقاً ترافقه ولا تعبده. أنت تحيا لحظات الفصل بين الثبات والتحول، تبهرك تجليات الجوهر التي لا تُحصى. تترك للآتين مافعل الجسد بعد أن يتحول الجسد. وكل تحوّل سفر.. ومامن نهاية. أنت الآن في حضرتي فلا تحاول هدم الحاضر في سبيل استرجاع الماضي ولا تحاول القفز إلى المستقبل. وأسألك ذاهلاً: ومن أنت؟ وأسمعك تهمسين: أنا الطفل النائم في ذاكرة الأشياء منتظراً لحظة البزوغ.... سأكون عجيباً بقدر ماهي عجيبة ولادتي.فإذا ماخرجتُ من الأشياء فَقَدَتِ الأشياء ذاكرتها واضطرب ناموس العالم. وإذا ما خرجتُ من الماء فقد الماء شهوة العطاء ومات الشجر. وستعطش الكائنات حينئذٍ، وما أقسى العطش حين يموت الأمل بالارتواءِ!.. وأتمتم خاشعاً: لن أعرف كيف أحبك مالم أصبح جديراً بحبك!.. ـ 8 ـ قال أبو العلاء المعري: أمسِ الذي مر على قربه يعجز أهل الأرض عن ردهِ وما أكثر ما تحسر الشيوخ على الماضي وتمنوا رجوعه، لكن هيهات!..ويجترح الفن المعجزة، نتناول إلياذة هوميروس، مثلاً، فنعود مئات السنين إلى الوراء. بالفن نعيش في أكثر من عصر، ونحيا حيوات الذين سبقونا. جمال العمل الفني وانجذابنا إليه لا ينجمان عن جماله الشكلي، الجمال الحق ليس شكلاً صرفاً، الجمال الحق يأتي من حجم الطاقة الروحية التي شحن بها المبدع عمله، الطاقة الروحية هي التي تضفي الجمال على الأشياء وتشدنا إليها فنشعر بالتسامي والغبطة.. إن روح المبدع التي تحل فينا بوساطة فنه تجعلنا أغنى شعوراً وأكثر فهماً لأنفسنا وللعالم. تحكي الحكايات عن المارد الذي يخرج من القمقم السحري... المارد كائن غير موجود إلاّ في الحكايات، أمّا المارد الحقيقي الذي يخرج لمساعدتنا على جعل العالم أجمل فهو سحر الفن حين نفك الرصد. وكما في الحكاية كذلك هي الحال في الفن... يفك البطل الرصد فيصير المارد في خدمته، لكن إيداع السر في العمل الإبداعي لا يأتي عن طريق المصادفة، بل هو وليد الموهبة والعمل الشاق. يقال إن الفنان يعاني مايماثل قسوة الصلب حين يشرع في تصوير لوحة فيها مصلوب، وبمثل هذه المعاناة يخلد العمل الفني فيقهر الزمن ويبقى نضراً لا يشيخ، وبمثل هذه المعاناة نستخلص من العمل الفني متعة الروح وغذاء العقل، ونعيش لحظاتٍ تعدل الخلود، لحظاتٍ يتكور فيها الزمن، تنبع منا وتصب فينا، وحين تفلت منا أو نخرج منها يعود نهر الزمن إلى جريانه المعهود الذي يسير فيه غير المبدعين. ونعود عبيداً للزمن الذي كان عبداً لنا حين كنا في بؤرة الإبداع. ـ 9 ـ "الجميل هو الأكثر تحريراً".. قول شعري جاء على لسان شاعر متمرد، كان يطمح إلى أن يلغي قبح العالم بالكلمات فأضاف الكثير إلى الثروة الجمالية لكنه لم يربح الرهان كاملاً، فالقبح لايُلغى بضربة واحدة أو بكلمة واحدة. ويبقى القول جميلاً وصحيحاً، بل أزعم أنه جميل لأنه صحيح. فلن يكون جميلاً في الجوهر ماليس صحيحاً في الجوهر. وربما نشأت من هنا الوشائج التي تربط الجمال بالحقيقة وبالأخلاق. وربما نشأت أيضاً من هنا الأخطاء الكثيرة التي وقع فيها الذين ربطوا الأمور ربطاً ميكانيكياً، فجعلوا المجردات الرياضياتية مقياساً للعلاقة وغابت عنهم جدلية العلاقة وتشابكاتها وعميق تفاعلاتها. إن جمال الإنسان في صدق مواقفه. وقد تكون البهلوانية أخطف للأبصار، وقد تصل بصاحبها إلى موقع ما على الحلبة، لكن الموقع على حلبة السيرك يبقى موقعاً على حلبة السيرك لا أكثر. ويخطئ الذين يظنون أن الحياة سيرك، أو أن في وسعهم تحويلها إلى سيرك. إن ربط الجميل بالتحريري ليس ابتكاراً حديثاً، لقد فطن إليه القدماء وعبروا عنه بأساليب شتى...أما في أيامنا، أيام الطموح إلى تحقيق الحلم الأكبر، حلم تغيير العالم، على الرغم من كل النكسات والانهيارات على صعيد العالم كله فتبقى الحال كما كانت منذ القدم: لا خلاص للإنسانية إلاّ بالجمال، وليس جميلاً ماليس حقاً وعدلاً، وليس جميلاً مايسوغ النفاق والظلم والطغيان. لقد ارتبطت مسألة التحرير في أذهاننا بمظاهر القوة الخشنة، وارتبط الجمال بالرقة والشفافية، وكثيراً ما ننسى أن صفاء الماس غير منفصل عن صلابته.. وأن القوة الجميلة، القوة الحقيقية، قوة الإنسان الطامح إلى الكمال الإنساني هي التي يتجلى فيها الأرقّ والأصفى وجهاً للصدق والصلابة الأخلاقية. فلا غرابة في أن يكون الجميل محرراً، وأن يكون الأقوى من يقف إلى جانب الحق والعدل. ـ 10 ـ يُعدُّون القوالب لنصبَّ فيها الكلمات... ويكثرون من قول: يجب.. ويجب. والقوالب لا تصلح إلاَّ لما هو أصغر منها، ومايقبل القولبة. يقول مبدع لناقد: اغسل أظافرك ياهذا، إن دماء أخيك تقطر منها، لماذا تحاول أن تحبس النسر وأن تقص قوادم جناحيه؟.. لماذا تطلق البغاث في الفضاء الرحب صانعاً لها أجنحة من هشاشة؟ الرحابة متاهة للفكر الهش ومجال حيوي للفكر القوي، والخيال ضرب من الفكر لا يطير بقوة جناحيه وحدها بل برسوخ قاعدته العقلية وتماسك كامل بنية المبدع الشعورية. تعلن البحار عن غضبها بالعواصف، ويعلن المبدع عن شعوره بإبداع الجميل، أما القلب فيعلن عن المحبة بالصمت، فالمحبة الصاخبة محبة غير مكتملة، تشكك بقدرة المحبوب على الفهم. والناقد الذي لا يحب الجمال لن يفهمه. والذي في قلبه مرض لن يعرف المحبة، ولن تباركه روح الفهم. وفضيلة الفاهم المحب التواضع، والمتواضع ينظر في الأمور متخلياً عن النظرات المسبقة، فهي لازمة لإغناء الثقافة عموماً لكنها قد تحرف نظر الناقد عن واقع بحثه. وكم يتوهم بعض النقدة أن في مقدور الواحد منهم أن يرفع قدر هذا العمل الإبداعي أو أن يحط من قدر ذاك أو أن يقدم مايغنينا عنه. فما من نقد يمكن أن يغني عن قراءة العمل.. فالنظريات والتنظيرات الأدبية والقراءات النقدية مثلها مثل الميثيولوجيات والنظريات العلمية قد تساعد على فهم الظاهرة لكنها لا تحل محلها. ويلعب بعض النقدة دور الفارس فتمتلئ ساحة الأدب بالعنتريات، ويلعب بعضهم دور الماشطة ويحاول أن يقنعنا بأنه ضفر جيداً شعر الصلعاء. ويعد بعضهم مواكب المدائح والبهارج والتزويقات ويكون المحتفى به تفاهة لا أكثر. ويعمل المنافقون على إقناعنا بأن كل مانقوله جميل وصحيح....وتلك من الدواهي. أما النقد العظيم فهو الذي يرقى إلى مستوى الإبداع العظيم. ـ 11 ـ من البذرة ينبثق عالم الشجرة.. يتوالد حوار كوني بين الرياح، والأمطار، والأضواء، يبدأ همساً في حضن التراب، ثم يتبرعم، ويمتد.. تولد الفنون والحكايات والفلسفات وتتعدد التيارات وأشكال الحوار، ثم تندثر، أو هكذا يخيل لنا، لتولد من جديد بذرة، تبدو للعين صغيرة، أما حقيقتها فأكبر من أن يحد حدودها نظر أو خيال، ويكون عالم الفنون كعوالم الأشجار، تكتسي فيه العظمة ثوب البساطة، وتشير بساطة المظهر إلى الأعماق القصية التي لا تُحد وليس في وسع الخيال أن يصل إلى أغوارها. ويكون الفن تزييناً واكتشافاً، والتزيين وحده لا يكون فناً، والاكتشاف وحده ليس فناً، وهذا يعني تلازم الشعرية ممثلة الجمال، والحقيقة ممثلة الاكتشاف، مع التحفظ الأولي التالي، ليس ثمة زينة صرف، وليس ثمة كشف لا جمال فيه، ففي الجانب الفكري ترجح كفة المعرفي، وفي الفن ترجح كفة الجمالي. وقد تبدو الحقيقة العارية أجمل من كل الثياب التي تخاط لها وقد تكون الحقيقة كالملفوفة: نأخذ أوراقها فلا يبقى منها ما يلفت النظر. ويبقى المطلق مطمح الفكر البشري بجناحيه المعرفي والجمالي، ويبقى جناحاه أضعف من أن يصلا إلى ربوعه التي لا مكان لها وهي الكائنة في كل مكان. وإذ يكون لكل موجود حقله المتداخل والمتفاعل مع حقول الموجودات الأخرى، فكيف يمكن أن يوجد فاصل بين الموجودات، وكيف يوجد الانفصال..؟ ونزعم أن الجمال حقيقة قائمة في الكون، ننحت من صخرتها الكونية الضخمة، تماثيل تضفي عليها أناملنا دفءَ مشاعرنا أو تلوينات أحزاننا، فنقف أمامها وتقف الأجيال التي تأتي بعدنا، ونهمس ويهمسون: ما أجمل ما صنعت أيادي البشر! وكم عبد الأقدمون جمال ماصنعت أيادي الموهوبين، وكم سجدوا وصلوا خاشعين! لقد نفى الفكر القدسية عن الجميل، لكنه لم يدرك بعد سر الجميل وجوهره، ولم يستطع أن ينفي حقيقته.. وكيف ينفيها، وللفكر جماله وألقه؟ قد يسبق الجميل أذواق عصره، كما قد يسبق الاكتشاف عصره ويكون معنى السبق هنا تقدماً من الخاص على العام خطوات أو أميالاً، وقد ينكر القديم على الجديد جماله... وقد يديـنه أو يحتقره.. وكم سمعنا تحت قبة السماء من شكاوى. يقول المكتشف المتقدم كما يقول المبتدع المتقدم: حملت جواهري ومضيت عبر العالم... دخلت مملكة التبن فقالوا لي: ماذا نصنع بجواهرك الثمينة؟ غسلت جواهري بدموعي، ومضيت. دخلت مملكة الصفيح، فقال ملكها: خذ مامعك وامضِ.. قد يكون من بواعث الفتنة أن يجد الناس فرقاً بين ماتملك ومانملك. خرجت حزيناً من عنده ومضيت. عند حدود مملكة الماء همست لي صَدَفةٌ تلمع كالفضة: هاتِ ماعندكِ.. صدر الماء وثير ورحيم. ألقيت الجواهر في أعماق اليم ورجعت حالماً: قد يأتي صياد في زمن ما.. وقد يكون له شأن مع جواهري. وكم خيل لهذا وذاك أنهما ارتاحا من عبء الرسالة.. ثم مالبثا أن هتفا متألمين: لكننا لا نستطيع أن نعيش بطريقة أخرى.. وتصير الحقيقة درباً إلى المأساة، ويكون للمأساة جمالها الذي يلون مسيرة التطور البشري... يجوع أبو حيان التوحيدي ويقنط فيحرق ماكتبت يداه. يصيح مبدع معاصر بأغنياء العصر من "أبناء قومه": أحتاج إلى شيء من "نفط محبتكم".. لأضرم محرقة أفكاري.... أنتم أهلي.. وأنا أحيا فقيراً مشرداً. ثم يعض شفته ندماً، ويجر ساقيه المتعبتين ويغني: عالمي أحلام وأجنحة، وأنت غيمة جناحاها المطر تطير نحوها الأحلام العطاش فتعود ريّا ترفل بالنضرة.. ..... .... عالمي نظر متعب تطوف به الأوهام وتحجب عنه النور أفياؤكِ.. حين تبرقين أتوهم قدومكِ ثم يأتي الرعدِ، ترتجف أوصالي... أطير نحو غيمة تنأى ثم تأتين إليَّ في الأشياء كلها القبرات تهتف باسمك وتقول لي الزهرات: شمها في عبيرنا ويقول الصيف: ذق طعمها في ثماري ويبتسم الخريف: هي كنزي أوزع منه الذهب على الكون. وفي الشتاء تمطرين حزناً على قلبي. أطوي جناحي أمزج دمعي بأمطارك وأنتظر.. قد يأتي الربيع.. ويُعطى بعض المبدعين قوة الأعصاب فيصبر ويصمد، ويحرم بعضهم منها فيصاب بالجنون..... وفي الجنون راحة.. ويحتدم النقاش. ينبري أناس يشوهون الجمال باسم الحقيقة. وينبري آخرون يحقرون الحقيقة باسم الجمال... وتقام حواجز بين الجميل والنافع. وبين الجمال والأخلاقي.. وتولد أسئلة: أليس في جمال النص خدمة للمجتمع البشري حاضراً ومستقبلاً؟ أليس في جمال النص شيء من جمال الدور الاجتماعي ـ الإنساني الذي سيؤديه، وشيء من جمال الهدف الاجتماعي الذي يسعى إليه أو يوجه الأنظار نحوه؟ وهل في الإمكان، حقاً، فصل الجمالي عن الأخلاقي؟ ويكون لزاماً على السائلين أن يتجنبوا تسطيح المسائل بتبسيطها. فليس سراً أن الأخلاق في الفن ليست على شكل موعظة، بل لعل أقل أنواع الدعوة إلى القيم الأخلاقية شأناّ ذلك النوع الذي يعظ صراحة. ... ... ويمضي المبدعون حاملين هم الكينونة، مقيدين بضرورات الجسد. ويكون للجسد في عالمهم جماله المتألق، وتكون له أفراحه. ويتسع أفق الجمال مع كل خطوة يخطونها. وتزداد حقيقة الحياة اكتمالاً. وتمضي الأجيال صعداً. لقد شق الأوائل دروباً تركوا عليها الكثير من آثارهم، وكانت صالحة لوسائط حركتهم، وعلينا أن نشق دروباً جديدة وأن نوسع القديمة ونحسنها لتصير صالحة لوسائط حركتنا المعاصرة. وعلينا أن نترك عليها الجوهري من سمات زماننا، وأن نظل مخلصين لعنصري الإبداع: الجمال والاكتشاف، وأن نرسخ حقيقة الجمال، وأن نصون جمال الحقيقة. أما الذين يخفون بالكلام الجميل مآرب لا تخدم الإنسان والحقيقة فلن يطيروا بأجنحة الفن إلى المستقبل. ـ 12 ـ كلُّ لمسة من يديك، كل ابتسامة، تنغرس في ذاكرة الجسد. فإذا ما صار تراباً بزغت طراوةً في الأكمام، وحفيفاً على شفاه وريقاتٍ خضر، وخضاباً لزهرة أو وردة. تصوغين من البرد والعواصف دفئاً وسكينة، تصنعين ربيعاً تلونينه بسخاء محبتك... فكيف أخذتِ حكمة التراب؟!.. وأسير في الدروب الجبلية عارياً متعثراً كمياه نبع صافِ يحثها على السير عطش إليك. تهدأ وتغني حين تغمرها بهجة طلعتك، يأتي التراب حاملاً براعة أنامله، تأتي الشمس بدفئها المشتاق إلى التجسد، ثم يأتي الهواء وتتحد العناصر، تصدح بين يديك أغنية، تولد حمامة وسماء، وتولد زهرة ونحلة، تولد شجرة وعصفور، ثم يولد عاشقان يشدهما رباط من أشواق الدم ويكتملان. وأنا المسافر في التراب والضوء، أنا المسافر في الهواء والمطر، أحمل لعينيك أغنيتي... تنغرس لمساتك وابتساماتك في ذاكرة جسدي كي يورثها إلى الأجيال الآتية. وتهبينني حفنة من قمح خديك، ومطراً من شهد عينيك، وكأساً من نبيذ شفتيك فتكتمل زوادتي وأمضي مبشراً العالم بظهورك. أيتها المرأة المطر والضوء والقمح والعطر والتراب والأغنية! ها أنذا رسولك أنتشر في الجهات، أزور القصور والأكواخ، يمتلئ دمي أنيناً ووجعاً، أمتلئ كراهية للجبارين والطغاة... أتألم إذ يتركني الجميع خارج بيوتهم وكأنهم يخافون بهاء شمسك. يقول الأغنياء إن قصورهم غير محتاجة إليك، ويقول الفقراء إن أكواخهم لا تليق لك! .. أيتها الممتلئة بهاء، أيتها المرأة التي لا يكون بهاء إلاّ بها! لقد وهبتِني نعمة الحياة فهبيني الحكمة كي أفتح أبواب البيوت الموصدة بالخوف أو بالمطامع... هبيني قدرة أن أعيد للينابيع صفاءها، وللغيوم سخاءها وأن أغرس في الناس ترانيم محبتك... علميني كيف ألمس القلوب فلا أبقى قصباً نخرته الشعارات فأضاع الأغنيات... ـ 13 ـ كل نهار جديد أعجوبة جديدة نقتلها بالرتابة.. ,الحياة زورق نثقله بالمطامع والأكاذيب ومالا خير فيه فيترنح ويوشك على الغرق. والكثيرون يجعلون حياتهم رخيصة كالذهب فيشدَّهم الذهب إلى حضيض. تصير الأداة غاية... والإنسان الذي هو غاية الحياة نذله في سعينا وراء الذهب. يغرق بعضنا في مناقع الحياة شاقاً سراديبه كالديدان والمناجز، ويحلق بعضنا بين المجرات والسدم بخياله، وتبقى الأرض شبه مهملة . يذوب بعضنا في الكون فما تبقى له "أنا" وتتضخم "الأنا" عند آخرين حتى لا يبقى في الكون سواها. يتحول أناس إلى لحم من شهوة وجوع فيأتيهم الانطفاء مع الشهوة ويتسلل إليهم الموت مع الشبع ونفقد التوازن.. يجوع صائغ "الجوهر" ويغتني بائع "التبن"، ونطلب الحكمة. يصلي المؤمن للمطلق: "علمني أدب الخطاب كي أخاطبك.. يناديك الناس بأسماء كثيرة.. وأعرف أن لا اسم لك.. فكيف أناديك؟". ويقول الحكيم: "ما أكثر دروب العالم!.. لكنها توصل كلها إلى الحقيقة أولئك الذين يبحثون عن الحق... كل مافي الحياة عظيم، فهي لا تتلهى بالتوافه.... تعلموا منها وكونوا معلمين.. ومن لايشأ أن يكون معلماً صالحاً فعليه أن يظل تلميذاً صالحاً.. ويقيمون الطقوس عبادة للأصنام، ثم تستبدل الأصنام وتبقى الطقوس.. ينهض في كل زمن عاشق يعب النور بقلبه وعينيه، يحار في أمر الحياة والموت، يرى جسده متحداً في غير المتناهي ومنفصلاً عنه... يتملى عيني حبيبته ويغمغم: "سيربكني الموت كثيراً إذ سيأخذ شفتيَّ فلا أستطيع تقبيلك.". تضيق الدوائر وتتسع.. تغني النحلة وهي تقبِّل الزهرة، ثم يمتلئ القفير شهداً... يأكل القط أولاده، ويأكل صغار العقرب أمهم... ونفلسف الأمور. نقول هذا خير وهذا شر ونرتبك. فما هو خير لنا ليس خيراً لسوانا. ويقال لنا: الخير في المطلق ولا نرى إلا المحدود... ويقال لنا: الجمال هو الفضيلة الكبرى.. ونرى الفضيلة كالملفوفة.. إذا نزعنا عنها ثيابها لا يبقى منها شيء... وكما الحال في الأخلاق كذلك هي الحال في الفن.. فالجمال يكون في الشيء فإذا أردنا تجريده من شيئيته تلاشى. ويكون الجمال في الفهم، ويكون مقدمة للفهم، ويكون في الإلفة ويكون مقدمة للإلفة ويبقى دائماً متصلاً بالخير والحكمة. وتتسع الدوائر وتضيق. تتصادم المجرات والسدم، وتدور الأرض مرسلة أغنيتها الكونية. ونبقى سادرين لا نسمع أغنية الأرض. نزحف بين الشوك الذي تزرعه أيادينا ونحلم بأن يولد الإنسان الكامل فينا. وهو يولد كل يوم ونخنقه في المهد. نقتل فيه الكمال لأننا نتخلى عن إنسانيتنا فتتـنازعها أيادي الشياطين والملائكة. وننسى أن الإنسان ينبغي أن يكون إنساناً. لا سيداً ولا عبداً. لقد أورثنا الأجداد الحكمة ولم يورثونا الحزم. ولن تكون الحكمة حكمة من غير حزم. وصار الناس يخوضون الحرب في سبيل السلام، وفي أزمنة السلم يعدون العدة لخوض الحرب. وحكمت العالمَ الأنانيةُ واستبعد العقل والحق. وكم سرنا محدقين إلى النجوم من غير أن ننتبه إلى مواقع أقدامنا. صار الجميل ضاراً. وصار القبيح نافعاً، وصارت القيم السامية غطاء للمخازي. تكاثر نسل سالومي وصارت رؤوس أحفاد يوحنا المعمدان تداس بالأرجل وتطمر في المزابل وما عادت تقدم على أطباق من فضة أو ذهب. ومن عجبٍ أن هذا النسل المجيد لم ينقرض. لو أتيتُ قبل يوحنا المعمدان لأوصيته: أغضبِ الملكَ إذا شئتَ لكن حَذَارِ أن تُغضب راقصته. وجاء شعراء وفلاسفة وخطباء أرضوا الراقصة فرضي الملك وعاشوا رافهين. وجاء رجال فصلبوا وأُلقيتْ جثثهم لضواري البر وكواسر السماء. وبقينا نبحث عن المحبة والخير والجمال. وأدركنا شيئاً من الحكمة: إن التنازل عن الحق للأشرار والمفسدين أسوأ من ارتكاب الشر. وماكان للشر أن يستفحل أمره ويكاد يهيمن على العالم لولا تنازل أصحاب الحقوق عن حقوقهم. إن التمسك بالحقوق هو الخطوة الأولى على طريق الوصول إلى الخير والجمال والمحبة. ولن يكون إبداع مالم يكن خير وجمال ومحبة. ليست المحبة ضعفاً، وليس التواضع جبناً أو خوراً بل هما القوة كلها والشجاعة كلها... والمحبة لا تكون للشر، والتواضع لا يكون أمام المتكبرين والجبابرة والطغاة. وحين يتباهى التافهون بتفاهاتهم، ويعلن الحمقى حماقاتهم بمكبرات الصوت، تمنعك كبرياؤك من التكبر، فتظل متواضعاً، تسير منتصباً في زمن الانحناء، ومستقيماً في زمن الإعوجاج، ترى الموت جوعاً أهون من الموت عاراً. ويشددون عليك الحصار بشتى الوسائل. يسألونك، وكأنهم يشفقون عليك: لماذا تريد الانتحار يا أخانا؟ وتجر جسدك بين الناس، تعيش سنوات من الاحتضار المتصل. يقولون لك: انتحرْ! هاك كؤوس الخمر. إنها صافية وكافية.. وتكشف ماوراء اللعبة.. تريد أن يفعلوها بأيديهم القذرة. بدؤوا مهمتهم منذ زمن، وهم يريدون أن تكملها بيديك، كي يغسلوا أيديهم متبرئين من دمك. وتسخر منهم. إنهم يقتلون العالم بإغراقه في التفاهة. وكيف يرضى المبدع أن يصير تافهاً؟! وترفع رأسك: لن نتنازل عن حق، ولن نرضى التفاهة. وتستعد للمعارك القادمة. تعرف أن القوى غير متناسبة بين المبدع وأعداء الإبداع... والعاديون لا يهتمون إلا بجمال مايبدع، وهم يطالبونه، دائماً، بالمزيد. والويل له إن قصر أو كبا، أما مصيره الشخصي: جوعه ومرضه، بؤسه وآلامه فلا يهتم بها أحد. وإذا وجدوه، يوماً، وقد مات شقاء وبؤساً قالوا: رحمه الله، إن كانوا من محبي فنه، ومضوا في سبيلهم. وتشمر عن ساعديك، وتبقى مخلصاً لفنك ـ رسالتك، صادقاً مع نفسك، فإذا خنت أو هنتَ خسرتَ كلَّ شيء. يأخذ البدوي ربابته ويغني أغنية سنمار الحزينة. تصغي أليها وتبتسم.. يغنونها اليوم مصحوبة بموسيقا الآلات الحديثة... تغمغم: ألقوك من شاهقٍ ومازلتَ تهوي ومامن قرارْ... حسبوا أنهم ضيعوك.. فضاعوا... وفي كل جيل تولد مع الشجعان الحكايات والأغنيات. تصير لهم ترساً ومملكة. ـ 14 ـ ولدتُ شاعراً فأطفأ الفقر شاعريتي وبددتها دروبُ الحياة. صرت مثل بذرة رميت في التراب وحين همّت بنماء بخلت عليها السماء بالمطر، وأمطرتها الشمس الوهج اللافح فتلوّت بين أنامل الريح قميئة ناحلة فلا أعطت ثمراً ولا منحت ظلاً. وقلتِ لي: لا تخف... سأعيدكَ إلى جنتي. لن أبخل عليك بشيء. وحين اتجهت نحوك صرتِ غمامة حملتها الريح، ولم يكن لي جناحان من جمال ومال فقنطت وقبعت في جسدي الضاوي غراباً يبحث في التراب عن شيء يلتقطه فلا ينظر إلى الشمس. لقد أعشاه، زمناً، تحديقه إلى أضوائها، وقد خالها لا تسطع إلاّ كي تنعش أحلامه. وقلتِ لي: أصير أنثى غراب ونحيا بعيداً عن الناس في خربة لم يُسفح بين جدرانها دم، ولم تُرتكب خطيئة. وبحثنا في جنبات الأرض فلم نجد مكاناً لم يدنسه الطغاة، فعدنا إلى وكرنا... أغمضنا عيوننا وأحنينا رأسينا، وبكينا. داهمنا الصيادون وكنا نجهش. انغرزت أنياب كلابهم في لحمنا فبكى الجسدان دماً... صرنا مائدة لكلاب السلطان. وسألتك: لو كنا ديكين أصرنا مأدبة لكلابٍ أم لسلاطين؟ وضحكتِ من قهرٍ: مادمنا نؤكل.. ما الفرق؟ وخجلتُ لأنني لم أدركْ أن لا فرق. واقتسموا لحمي والعرق... وكنتُ أردد: لا فرق. ويعتم وجه الصباح ويقتمُ برقي وأنت التي كنتِ فرحة عشقي تصيرين حبلاً لشنقي... ... ... وصار دمي موحلاً، مقفراً من رؤاي. ... ... وانقسمنا.. كان هنا عشق وشعر ونبيذ...وكان هناك إثم وكذب ودم. ثم صار الدم نقوداً اشتروا بها العشق والشعر والنبيذ، وبقي لي الألم واللغو. وانطويتُ في دمٍ مطفأ، حل صقيع العالم في عظامي فاصطكت، وسمعت فحيح أفعى أحشائي التي جرحتها نيوب البرد. قلت للمساكين أغيثوني فبكوا شفقةً، وبكيتُ قهراً... ... ...... ورأيتكِ تمتطين رغبات الجسد الجامحة.... سمعت حمحمات دمكِ فاتقد دمي، واتحدت رغباتي مع تفجرات دمك... ختمتِ على فمي الموّار بالرغبة بقبلة من شفتيك، وازداد استعارُ الجسدين. وحلمنا أن يكون لنا ربيع وموسم ورد وعصافير. ... ...... وأدهشنا حال الدنيا: تضع النعجة حملاً فتسن عشرة ذئاب سكاكين أنيابها. تضع القبرة بيضة فتحوم عشرة بواشق حول عشها. وتظل النعاج تلد الحملان وتثغو وتهب الناس صوفها ولحمها. وتظل القبرات تبيض وتملأ الحقول أغنيات والفضاء صخباً. ويقتتل الناس، تختلط دموعهم بالدماء... تخرب مدافعهم ماتعبت أيديهم في تشييده. وقبل أن يكملوا دفن قتلاهم يصنعون مدافع أكثر فتكاً وتدميراً. وبكينا معاً... وأتى الشتاء... أغفتِ الزنابق قرب السواقي في الحقول موشحاتٍ بماء وتراب. أوت الفراشات إلى شقوق الصخور محتميه بقواقع من قش وماء. وأتيتِ إليَّ تريدين ثوباً من ربيع فيه ثمر وزهر، له نضارة نيسان، ورجولة تموز، وحرارة آب وشوقه إلى نبيذ معاصر أيلول. وقلتُ لك انتظري! سأحوك لك ثوباً من ريش يمامات دمي التي عبرتِ الفصولَ محلقةً في سمائك. لقد مضى كلُّ شيء. لم يبقَ من ربيعي سواها. ورأيتكُ تبتسمين، سمعتك تهمسين: كنتُ في كل رفة جناح من أجنحة يمامات دمكَ. وجلستِ على عرش قلبي وافترشتِ بساط جسدي. وأمضينا ليالي البرد نتسلى بزبيب الذكريات وعسل الحكايات الذي خبأته نحلات الصيف في جذوع الأشجار الهرمة. ومضى زمان... قال الصباح: أشمر تنورة الليل قليلاً فأرى ماتحتها. وحين لاح وجهك اقتحم غرفة الليل عليك... وولد النهار... وبدأت رحلة جديدة من التحولات. هامش: قيل لي إن أبي كان غيمة تحولت إلى رجل، وقيل لي إن أمي كانت شجرة... ويوم أرادت أن يكون لها ولد صارت امرأة وتزوجت من أبي... وولدتُ من زواجهما... كان الغيم أسرع تحولاً فمضى أبي مع الغيم ورعتني أمي. وحين كبرتُ عادت إلى التراب فصارت شجرة. ـ 15 ـ من ينظر إلى الميادين التي ينسحب منها فرسانها وقد غمرها الوحل واتسعت بها الحفر ينتابه شعور بالحزن غريب، وقد لا يكون له مثيل بين صنوف الأحزان... والأقسى من ذلك أن ترى جيادَ الحلبات تصير إلى أشباه جياد، ويصير الفرسان إلى مهرجين وبهلوانات يكون الضحك من تهريجهم أوجع من البكاء عليهم. وتراهم يتلعثمون أحياناً فتشفق عليهم، إنهم يجهدون كي يميتوا بقايا الضمير مستخدمين ما اتفقوا على استعماله من كلام معسول، ومن دربةٍ على رصف الكلمات التي تصلح زلاجة ينزلقون بها على جليد المرحلة كي ينجوا بجلودهم. وقد يخطر للكثيرين منهم أن الفرصة لم تفت بعد، وأن في إمكانهم الحصول على قطعة من حلوى: "الأعراس القادمة"، غاسلين أيديهم من "آثام الماضي"، معلنين انفتاحهم "الإنساني"، بعد انحباسهم في سجون "الآيديولوجيات" والقيم والمبادئ التي تحولت بين ليلة وضحاها من قيم سامية ومبادئ تقدمية إلى أوهام وضلالات. ويقول لك قائل: "ألا ترى ماجرى ويجري؟ لقد طرد الحق من المحاكم وبيوت العبادة، وهو محاصر اليوم في صدور الشرفاء الذين يتناقص عديدهم يوماً بعد يوم. إن المهازل تمثل في وضح النهار على ساحات الدنيا كلها. يرفع صاحب الحق ظلامته إلى القاضي فيحيله القاضي إلى ظالمه فيستجوبه الظالم "بالأساليب الحديثة"، وفي أحسن الأحوال تطوى القضية، ويعود الشاكي المظلوم إلى بيته يجر جسده المتورم وكرامته الضامرة".. وتهز رأسك مشفقاً.. فأنت ترى وتسمع... وتقول لهم: "إذا كان" كمال القوم بالعقل والعلم"، كما قال أبو مسلم، وإذا كان "العدل أساس الملك"، كما تقول الحكمة، فإن كمال الغزو، وأساس استلاب الحقوق إفساد العقول ونشر التفاهة وإشاعة الجور والاستبداد في الدنيا كلها. وأنتم ملح الأرض أيّها المثقفون فلا تخذلوا الحق! إن اللصوص تحت نوافذنا، والتفاهة تحاصرنا، واليوم تختبر صلابة الرجال. ـ 16 ـ أكثر الموروثات الشعبية حكمة وأجملها لا تحمل اسم مؤلفها الذي سكب فيها روحه وتطلعاته وأشواقه وجذوة الفرح بالحياة التي اتقدت في صدره. لقد وصلت إلينا وستصل إلى أحفادنا وستمضي قدماً مع الأزمنة التي سوف تأتي. لقد اجتازت امتحانات شتى وغربلتها السنون فزادت نضارتها. وفي الأزمنة العاصفة نفعل كما تفعل الشجرة التي تواجه العواصف: نعود إلى جذوة التراث ونزيح عنها الرماد ونتدفأ فنصبح اقدر على مواجهة صقيع العالم ورياحه العاتية. وماتم اتصال حيٌّ بين الماضي والحاضر إلا وكانت القدرة على الانطلاق إلى الأمام أقوى. ليس في الإمكان الرجوع إلى الماضي لكن الانقطاع عنه مضر... إن الأعداء يسعون بشتى الطرق إلى سرقة تراثنا الشعبي أو طمس معالمه. إن الحفاظ على الجذور وحمايتها ليس حرصاً على الماضي وحسب بل هو، في الجوهر تطلع إلى المستقبل. ـ 17 ـ هل نحن عاشقان أم دمعتان في الأزمنة غير المؤاتية التي تحيل العشاق إلى دموع؟ وما أقسى أن تكون مقيداً إلى أناس ولستَ متحداً بهم!. قرأنا ماكتبت فهالنا. والمأساة في الحياة أكبر مما في الكتب... ويبقى وميض العينين عدو الأقنعة العصي، وكذلك تكون الكلمة الصادقة. ولقد شحنت كلماتك بوميض عينيك الغاضبتين، لكنك كبحت الغضب فصار شكوى.. وما أوجع شكواك يا أبا حيان! وما أمرَّ ضراعتك! هاهي ذي قرون قد مضت وما زالت تملأ الآماد ألماً. تتقد كالنار التي تحرق صدور الجياع، وتوجع، أكثر ماتوجع، صدور المبدعين ذوي المواقف "ولطيف الحس متصل بالنفس اللطيفة.". أحاول أن أنسى شكواك فلا أستطيع، فكأنما هي تلزمني كالفقر الذي لزمك: "خلصني أيّها الرجل من التكفف، أنقذني من لبس الفقر، أطلقني من قيد الضُرِّ، اشترني بالإحسان، اعتبدني بالشكر، استعمل لساني بفنون المدح، اكفني مؤونة الغداء والعشاء!". وأتعذب كما تعذبت، أتخيل كم عانيت، وأنت تمسك القلم كي تكتب ماكتبت، تنتقل إلى جسدي ارتعاشات القلم في يدك. أنا لا ألومك على انحنائك أمامهم بل أُشفق عليك، فلقد خبرتُ مثلك قسوة الجوع. ويخيل لي أن تجربتك هي التي عصمتني من ذل الانحناء، فمن أين لك أن تعلم أنهم ذهبوا وبقيت، وأن مجد غناهم قد انطفأ، وتألق مجدك أنت الفقير! أما أنا فقد عرفت ذلك وعرفت أيضاً أن البكاء والاستجداء لن يغيرا الأحوال. فلو كانوا يرون الدموع ويسمعون الشكوى لما صاروا ذئاباً. وأعجب كيف فاتك هذا وأنت العارف الخبير! وكم أشعر بصغار أولئك الذين يجعلون اللغة وسيلةً لقول الباطل وهم يعلمون أن الدول تدول وتبقى الكلمة. وما أنبل أن تتألق في زمن الانطفاء وتكون منارة للآخرين! ـ 18 ـ حكاية أخيرة دوير اللين ضيعة صغيرة مكونة من ستة منازل. تصل إليها الدروب من مقلس ومن الكيمة ومن مقعبرة. انحدرتُ ذات يوم قائظ من الكيمة فوصلت إلى نهر راويل، وهوسيل يندفع هادراً حين تمطر شتاء ثم يهدأ ويستكين حتى لا يزيد عن جدول صغير عذب المياه حين يتوقف المطر. غسلت وجهي بمياهه ثم صعدت في الدريب المتعرج إلى دوير اللين. بين النهر والضيعة رأيت فلاحاً يعمل في أرضه. حييته وسألته عن بيت الرجل الذي أقصده فأرشدني إليه. كانت في الدار صبية في حوالي العاشرة من عمرها. حييتها فردت تحيتي بأحسن منها. ودعتني إلى الدخول. شكرتها وسألتها أين أهلها. قالت: أهلي على البيدر. أرسلوني لأعد لهم طعام الغداء. تفضل. استرح قليلاً. ـ أشكرك... لكن أين بيدركم؟ عقدتِ الدهشةُ لسانها لحظة ثم قالت: ـ تسأل أين بيدرنا! ألا تعرف بيدرنا؟ ـ أنا غريب.... وقبل ساعة وبعض الساعة لم أكن أعرف أين تقع ضيعتكم... فكيف أعرف أين بيدركم؟ تلعثمتْ ثم قالت: ـ صحيح.. صحيح... أما أنا فكنت أعتقد أن الدنيا كلها تعرف بيدرنا. وأشارت إلى الجهة التي يقع فيها البيدر. ومضيت إلى حيث أشارت وكنت أفكر: ـ وأنا يا صغيرتي كنت أعتقد أنني أعرف أشياء كثيرة عن العالم ثم اكتشفت اليوم أنني لا أعرف بيدركم! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |