إشارات وأصداء - ميخائيل عيد

آراء - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

-12-

في أزمنة اليسر يأتي لمساعدتك حتى أولئك الذين ماتعودوا أن يساعدوا أحداً. وفي الأزمنة العادية تكون المياه في مجاريها فلا مدَّ ولا انحسار، لا فيضان ولا جفاف. أما حين تختل الموازين فتبحث عن الذين كانوا يتزاحمون من حولك لمد يد العون فلا تجد إلا القلة من الذين آمنوا بالحق ونذروا نفوسهم له. وكل هذا من الأمور المألوفة، فهي تتكرر في كلّ جيل، ويأخذ العقلاء ذلك في الحسبان في الأيام الصعبة من حياة المجتمع الذي يسعون إلى تغييره نحو الأفضل.. أما أن يخون الناس أنفسهم وقضاياهم فهذا مالا يحدث إلا نادراً.. ويبدو أن البشرية عموماً، والعرب خصوصاً، والفلسطينيين على النحو الأخص يمرون في مثل هذه الظروف النادرة جداً. وتبقى صخور الصوان الصلدة وأشجار السنديان التي خلقت لترفع رأسها متحدية. وطبعها الصلب لايسمح لها بالانحناء.. أما الآخرون فقد خرجوا من المعركة وليتهم اكتفوا بالخروج منها. ومن غير المفهوم أن يعطى العدو أكثر مما يطلب...‏

ثمة من يتكلمون الآن على عدم مواتاة الظروف... ومتى كانت ظروف الشعب العربي الفلسطيني مواتية؟ إنه يكافح منذ عقود رافع الرأس... والأرض الفلسطينية تمد المناضلين بمزيد من العزم والإيمان والصلابة. لقد حوربت القضية الفلسطينية دائماً وظلت حية في ضمائر الناس، واتسعت دائرة الاهتمام بها... فهل رُتب لبعض الذين حملوا اسمها أن يضعوا لها السم في الدسم؟.‏

إن طعم الغدر في أكثر ما يطبخ، ورائحة الغدر تفوح من أكثر من تصريح.. والعدو هو العدو، وحلفاؤه هم حلفاؤه.. فالحذر ثم الحذر من غدر الأعداء وحلفاء الأعداء! إنها اللعبة القذرة التي لم تعد خافية على أحد. ومايدور ليس سوى خدعة ليست جديدة إلا من حيث الديكورات.. ولقد لدغنا من جحر هؤلاء وأسيادهم وأذناب أسيادهم مئات المرات. وكان الثمن الذي ندفعه حين نصدقهم أضعاف الثمن الذي ندفعه حين لانصدقهم. والأفعى لاتغير سمها وإن غيرت جلدها.. وأفعى الصهيونية ماغيرت جلداً ولا ناباً.‏

نحن ندرك مدى تشابك الظروف الدولية ومدى قسوتها في العالم، عموماً، وفي المنطقة العربية خصوصاً، لكننا مقتنعون، والتاريخ خير المقنعين، بأن حل المشكلات المعقدة ماكان ولن يكون بالخنوع أمام العدو والرضوخ لشروطه المهينة.‏

إن التاريخ لايغفر أخطاء الذين لايتعلمون من دروسه... والشعب هو ضمير التاريخ... ولن يتوقف الكفاح حتى ينتصر الحق!‏

-13-‏

هل هي المصادفة؟ إذا أحسنا النية قلنا: ربما! لكن النية الحسنة لاتدفع حسني النوايا إلى مثل هذا الهجوم على اللغة العربية المسكينة التي يظلمها أبناؤها أكثر مما يظلمها الآخرون. والمصادفة وحدها لا تدفع شاعراً مثل أدونيس وروائياً معروفاً لأن يفتتحا هجومهما على المثقفين المعادين أو المعارضين للتطبيع السياسي أولاً ثم الثقافي وغيره من أنواع التطبيع وملحقاته بالهجوم على اللغة العربية. لقد شتمها أدونيس في جريدة "الحياة" بما لم يشتمها بمثله أحد من قبل. وها هو ذا الروائي الذي وضع لمقاله في مجلة "العربي" عنواناً يليق بصحافة الإثارة هو "آخر المعارك الخاسرة، ضجة التطبيع الثقافي مع إسرائيل" هاهو ذا يقول في السطر الأول: "من أولى حروبنا مع إسرائيل وحتى آخرها كانت اللغة العربية من أبسل المقاتلين وأكثرهم نشاطاً. والآن وقد صمت الرصاص، إلا قليلاً، وتستعد "البواريد" للعودة إلى مهاجعها تمضي لغتنا قدماً في خوض معركة سادسة ضد التطبيع الثقافي مع كيان وصفه حتى مؤيدو التطبيع بأنه دولة عنصرية قامت على القوة"..‏

فهل يريد الروائي أن يلوم اللغة حقاً، أم أنه يريد أن يشير إلى نوع من الأنظمة العجيبة التي أوجدت نوعاً عجيباً من الإعلام، أم أنه يريد أن يغطي بالقليل من الوقائع الكثير من الأباطيل، وأن يضع العرب جميعاً، حكاماً ومحكومين، موالين ومعارضين، تاريخاً وجغرافيا، مثقفين وأشباه مثقفين ودواليب هواء وبهلوانيين في كيس واحد يطلق عليه اسم "اللغة العربية" ثم ينهال عليه خبطاً بمخباطه الثقيل، ناسياً أن أدونيس قد سبقه إلى مثلها في أكثر من مقال؟.. أم أن له مآرب أخرى؟ أم أن الدكتور الروائي يترسم خطا الشاعر، وقد أصبحا معروفين على نطاق واسع عبر هذه اللغة المسكينة التي يشتمانها وبوساطتها؟.‏

وثمة أمر آخر يشبه المصادفة، وماهو بالمصادفة، يلتقي عليه الشاعر والروائي هو ذلك التعالي في مخاطبة الآخرين، فكأنهما من طينة مختلفة، وعلى مستوى حضاري" أرقى كثيراً من مستوى مثقفي هذه الأمة المبتلاة "بلغتها" لا بحكامها وبعض مثقفيها.‏

أما حرصهما على "التطبيع" وحماستهما في الدفاع عنه أو من أجل تحقيقه فأمر لاشبهة فيه، ومايراه القارئ من اختلاف بين ماقاله هذا وماقاله ذاك متعلق بالحذلقة وحدها.‏

وللروائي ميزة على صاحبه لاتنكر. فهو يضع "من حيث الفهم والفعل" مؤيدي "التطبيع" ومعارضيه على صعيد واحد: "إن كلاً منهما -يقصد موقفي الطرفين- هو في جوهره رد فعل على صيرورة تاريخية، وليس صانعاً لهذه الصيرورة" في حين أن صاحبه منحاز "أكثر من اللازم" إلى الجانب المؤيد لكنه أقل دهاء منه.. فهو يهاجم القائمين بهذا الصخب ويدلي بدلوه فيه: "واللغة العربية لم تخذل يوماً مريديها ومحترفيها"!‏

"وكي يقنعنا" أنه من سلاطين الكلام لايتورع عن إجراء المقارنات "المفحمة"... فنحن الذين لم نكن نملك يوماً الفعل لم نقم بشيء سوى رد الفعل. "إسقاط الثقافة الصهيونية من الحسبان.. صارت إسرائيل دولة بحسب الشرعية العالمية ورفضنا نحن إعطاء الكلمة تأشيرة دخول إلى محراب اللغة العربية.." "ومنذ ذلك الحين والصراع العربي الصهيوني عند الصعيد الثقافي على الأقل، يقوم وفق معادلة ظلامية فكهة: الفعل لإسرائيل ورد الفعل للعرب".‏

ويسأل بتعبير أجرأ: "لماذا لم يبدأ التطبيع منذ عام 1945؟ لماذا لم يخطر على بالنا أن نعرف إسرائيل عندما كانت تلك المعرفة جزءاً من مسألة دخولنا التاريخ أو خروجنا منه، مسألة حياة تاريخية أو موت تاريخي؟ ولماذا خطر على بالنا الآن بعد أن انهزم طرفا الصراع، العربي والإسرائيلي وربحت أمريكا حروبها الخمس؟"‏

وأسأل نفسي وأنا أشعر بالأسى، فليس يسيراً أن يتهاوى أصدقاؤك، صديقاً وراء صديق: لماذا هذا الصديق؟ أما كان يقول إن إسرائيل هي إحدى الولايات المتحدة مع الذين كانوا يقولون ذلك؟ وهل هو حقاً يرى أن هزيمة "الإسرائيليين" على قدر هزيمة العرب؟ وهل الدولة العنصرية مظلومة مثلنا؟ وهل نحن من ظلمها لأننا لم نعرفها جيداً ولم نطبع معها منذ 1945؟ مسكينة هي إسرائيل إذن! فهل تريدنا أن نعطيها المزيد من أرضنا والمزيد من محبتنا كي نواسيها ونطيب خاطرها؟‏

ثم هل المسألة في جوهرها مسألة "معرفة ثقافة" ياصديقي؟ وهل النقص الأساسي في معرفتنا هو في هذا الجانب وحده من نقص المعرفة؟ لقد أرتنا الموت والتشريد واجتياح المدن والقرى وتدمير المعامل والمدارس وقتلت الأسرى الذين لايقتلهم متحضر! ثم تقول: إننا لم نعرفها جيداً..!‏

ثم هل هو التطبيع مايدفعوننا إليه أم أن المسألة هي مسألة كسر ذراع وتطويع؟‏

وأشعر أن اللغة العربية التي "لاتخذل أحداً" قد خذلتك هنا.‏

وأراك تنسى أن من تشن هجومك على بعضهم كانوا لايملون القول: "إسرائيل ليست سوى مخلب للامبريالية العالمية". وإذا كان الصراع العربي الصهيوني "ليس جوهر الصراع في المنطقة فهو كان ويبقى خندق الصراع الأمامي، وكان الصهاينة وسيبقون المخلب الذي تمزق به الامبريالية لحمنا وتكسر عظمنا... فهل نستسلم للمخلب لأن رأس الوحش بعيد؟ أم ماذا تريد؟ فأنا لا أفهمك تماماً!‏

أتريد أن تقول إن الحكام العرب لم يديروا المعارك جيداً؟ هل تراهم الآن يديرون معركة "السلام" كما يجب؟ أم تريد أن تحرف الأنظار عنهم لتصب حمم غضبك على المثقفين وحدهم، وكأن شؤون المثقفين والثقافة بأيدي المثقفين؟ أو كأن استنكار "التطبيع" الثقافي ليس استنكاراً للإذعان السياسي الذي يدعونه تطبيعاً.‏

وإذا كان الأمر "ببساطة هو أن الصراع العربي الصهيوني انفجر عندما أرادته المصالح الشمالية أن ينفجر (بغية وأد النهضة العربية وتأمين المصالح) وقد انتهى هذا الصراع لأن تلك المصالح أرادته أن ينقلب إلى حمامات بيضاء" إذا كان الأمر كذلك، وهو ليس كذلك ولن نرى في سماء المنطقة سوى البوم والغربان، فهل انتهى دور المخلب الصهيوني في المنطقة، وهل عاد المشردون إلى بيوتهم وأعيدت الأرض إلى أصحابها، وأطلق سراح الأسرى؟ وهل أن مايعيق تدفق البركات والنعم هو رفضنا التعرف على الثقافة الإسرائيلية التي تعترف أنها عنصرية في بعض جوانبها؟ أم تريدنا أن نوسع ميدان كفاحنا ليشمل مصالح الامبرياليين كلهم؟... المشكلة الأساسية ياأخي هي أنك تعرف!‏

وإذا كانت المسألة الثقافية هي السبب، وإذا كان نقص معرفتنا "بثقافة الصهاينة" هو من نواقصنا، فهو ليس النقص الجوهري الذي سبب هزائمنا السياسية أولاً ثم الثقافية وثم غيرها وغيرها. والقوى "التطبيعية" لن تكون قائدة التقدم الثقافي العربي، وإن كانت بعض الأسماء ذات الوزن قد دفعت إلى هذا الميدان دفعاً مفتعلاً بغرض التغطية الثقافية للعيوب السياسية وليس خدمة للثقافة العربية في حال من الأحوال. وإذا لم تكن إسرائيل رأس الأفعى فهذا لايعني أنها ليست أحد نيوبها.. وإذا كانت مقاطعتها ثقافياً لاتفيد مادمنا نقيم علاقات وطيدة مع أسيادها فالحل لايكون بالسكوت عن عنصريتها بل بمحاربتها بحمية أكبر وتشديد النكير عليها وعليهم في ميادين الصراع كلها.‏

أما كلامك على رواية يائيل دايان فسمعناه منك موسعاً قبل سنوات، ولم تأت اليوم بجديد سوى وضعك "كل آخر" مثل كل آخر عموماً، وزعمك أننا نرفض الآخر "فالآخر هو عدو ممكن لا صديق محتمل. والرأي الآخر هو دائماً إلغاء لرأينا وليس إكمالاً له" وإنك لتظلم ثقافتنا بقولك: "ثقافتنا هي ثقافة الواحد لا المتعدد، المفرد الذي لامشارك له، الذي إما هو وإما العالم". وتنسى، وهذا من أعجب العجب، أنهم هم، هذا الآخر الخاص جداً الذي ترى فيه صديقاً محتملاً، وقد جاء إلى فلسطين وهو يريدها أرضاً بلا شعب ولايزال شعارهم "حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل"‏

أراك مستعجلاً إلى غاية ما.. لكن الأرض زلقة جداً وكثيرة الحفر.. لقد سفكت فوقها ومازالت تسفك دماء كثيرة، وانفجرت فوقها قنابل وصواريخ كثيرة.. ولم يكن المثقفون العرب وأنت منهم، وراء ذلك.. والآتي أعظم!‏

والمسألة ليست، مجرد حس بالتهديد بانعدام الأمن عندما لايتطابق الآخر معه. إنك تحمل أهلك ولغتهم أكثر مما يطيقون وتصفها بما ليس فيها وإن بعض قولك يصدق في بعضهم... والمؤلم أنك تقوله في غير هؤلاء... بل تريد أن تغطي ببعض حسنات أفراد من اليهود جرائم الصهيونية كلها. ويا للأسف! أنت تغطي حسنات العرب كلها بسيئات بعضهم.‏

ثم إن المسألة ليست مسألة لغوية، بل فحواها أننا لسنا من جاء من شتى أرجاء العالم ليغتصب أرض فلسطين ويشرد أهلها.. وإذا كان ثمة غلطة تتعلق بمعرفة الآخر فهي غلطة آبائنا إذ أحسنوا النية بهم واستقبلوهم كأبناء عمومة، ولم يفتحوا أعينهم جيداً ليروا أنياب الذئب تحت جلد الحمل!‏

أما تعدادك لعيوبنا الثقافية والفكرية وغيرها وغيرها فهي ليست ناجمة عن طبيعة فينا، فأنت، مثلاً، منا لكنك لست مثلنا! فهل تريد مثلاً آخر على تعددنا وتنوعنا!. ومن ثم هل ترى أن هذه العيوب كلها ترجع إلى سبب واحد هو عدم اطلاعنا على ثقافة الصهاينة؟‏

جوهر المسألة، وأنت تعرف، أكبر من ذلك، وأعمق وأوسع، والموقف الذي تزعم أنه "سحري" من الثقافة الإسرائيلية ليس سحرياً... ولم يكن أولياء الأمور في أكثر أقطارنا معادين لجوهر الثقافة الصهيونية، بل كانوا يغسلون أدمغتنا كي لاتتأثر بالثقافة المعادية جذرياً، وليس كلامياً، للفكر الصهيوني والعنصري عموماً.. وهم يريدون، برفع شعار التطبيع، أن نسلم بكل ما فعلوا وأن نتنازل راضين بل مستبشرين عن ما اغتصبوه كله. ولن يكون في إطار اهتماماتهم شأن تثقيفنا... بل سيكون همهم ألاّ تكون لنا ثقافة حقيقية.‏

ثم ألا ترى أننا ابتعدنا عن منابع ثقافية أهم من ثقافتهم؟ إن كثرة العلماء عندهم لن تفيدنا، فهم يستخدمون علمهم ضدنا. وإذا قصرت أنظمتنا في هذا الميدان فليس الذنب ذنب الرافضين "التطبيع"...وأنت تعرف أكثر مما أعرف عدد الذين هاجروا من علماء أمتنا!‏

وأراك تعدد "منجزات" الحركة الصهيونية وتذكر منها إحياء اللغة العبرية التي كانت قد اندثرت... ثم تنذرنا بالأخطار المحدقة باللغة العربية... وهي أخطار واقعية فعلاً... لكن هل تظن أن الحوار حول "التطبيع" هو سبب كل الشرور التي لحقت بنا أو ستلحق بنا؟ أم أن ثمة خلطاً مقصوداً بين أمور لا رابط بينها... فهل تظن أن "التطبيع" أو تجاهل النقاش حوله سيخلصنا كما في السحر، من كل مايحيق بنا؟ وهل سيقوي ذلك مواقع الفصحى في جامعاتنا؟‏

الكثيرون منا يعرفون ماذكرت من عيوبنا... بل يعرفون أكثر مما ذكرت، لكنهم غير مقتنعين، يا للأسف، بأن التطبيع الثقافي أو غير الثقافي سيحل مشكلاتنا التي ذكرت والتي لم تذكر.‏

والمسألة ليست في أن نعرف أن في "إسرائيل" أدباء "مرموقين" فثمة أعمال ثقافية: أدبية وفكرية، في شتى أرجاء العالم لم نسمع بها بعد.. والتنكر "لثقافتنا" وعجزنا عن "إبداع ثقافة جديدة" لا علاقة له بجولة العمل على فرض "التطبيع" الثقافي مع إسرائيل.‏

المعركة الأساسية ليست ثقافية أساساً ياصديقي.. وعلمكم كافٍ.. وأنا أعرف أنك تعرف ذلك جيداً.. لكنني لا أعرف جيداً ماذا تريد أن تقول.. وآمل أن أكون قد فهمتك فهماً خاطئاً... لكن توكيدك مايجب أن يكون معروفاً "لطرفي الصراع" وهو أن "الطرفين قد مُنيا بالخسران، وأن الرابح الوحيد كان -حتى الآن- الولايات المتحدة" يجعل ما آمله ضرباً من التوهم الذي يطرأ على ذهن المرء حين يواجه مالا يُحب.. فطرفا الصراع لم يخسرا.. بل الخاسر -حتى الآن- هو نحن وحدنا... وماكان ينبغي أن تنسى ماعددت في مقالك إياه- في مجلة "العربي" من منجزات الصهيونية على أرض فلسطين.. وليس في الشتات. وإسرائيل هي الآن دولة "بحسب الشرعية العالمية" وثمة بيننا من يريدون أن نقيم معها علاقات "طبيعية" حتى في الميدان الثقافي.. فكيف تعدها من الخاسرين؟ ونحن لم نتعادل معها "في النقاط" كما تزعم.. فمازالت النقاط في صالحها.. وأما توكيدك: "أن السلام الذي تم تحقيقه الآن في الشرق العربي هزيمة كبرى للمشروع الصهيوني" فيشير، مع حسن النية، إلى أن معرفتك السياسية ليست أفضل من معرفتي اللغة العبرية! لأن السلام لن يقوم إذا عرف الصهاينة -وأنت تعرف أنهم أذكياء- أنهم سيخسرون! أما الجواب عن سؤالك: بعد أن يتم استتباب السلام في الشرق العربي، ما الحكمة في أن تظل الثقافة في حالة حرب؟" فسوف نترك الإجابة عنه إلى أن يتم استتباب السلام.‏

ثمة مسألة هامشية ياصديقي هي: هل كان في لب الموضوع أن تعرّج على مسألة جائزة نوبل؟... وبمثل هذه الحماسة؟ أم أن المسألة ليست هامشية؟ والله أعلم بما تخفي الصدور!‏

ـ 14 ـ‏

إن مايحدث في أيامنا أوجع من شفرة فولاذ حادة تمر على مفاصل الحركة في أمتنا فيمتد الألم الفظيع على الجسد كله. وينهض الشهداء، ترتفع أكفهم المحناة بالدم وتغطي لوحة الأفق القاتمة أمام وجوهنا.. نسمع هدير دمائهم يدوي كالرعد صارخاً بملء حنجرة الفضاء، سائلاً إيانا جميعاً: إلى أين؟‏

ويدور السؤال كزوبعة من غضب، يعصف بنا، ننهض قلقين، نهتف: إلى أين؟.‏

يقال لنا: يجب أن ننسى الماضي كي لايصيبنا المزيد من الخسائر.‏

ونلتفت إلى الماضي الذي علينا أن ننساه فنرى وطناً مغتصباً ومجازر لاتحصى... فنتمنى لو ننسى، لو يعود الشهداء إلى قبورهم وقد قرت بلابلهم...‏

لكنهم يهتفون بنا: أمن أجل هذا سفحت دماؤنا؟‏

وتتردد الأصداء مجلجلة في ضمائرنا.. نراجع "المتغيرات الدولية" التي جعلوا منها سلة عالمية ضخمة يلقون فيها تبعات خطاياهم.. نحس مرور الشفرة الفولاذية على عقد أعصابنا، نشعر أن الآتي أشد هولاً وقبحاً... نصيح: انتبهوا!... إننا نناشدكم باسم المستقبل لاباسم الماضي وحده!‏

لقد استشهد الشهداء كي ننهض وينهض معنا الوطن.. ولن يكون دربهم غير مقدس أبداً.. لن يكون غير درب السلام الحق الذي هو الشعار الأنبل بين الشعارات التي رفعتها البشرية طوال تاريخها.. أما "هم" فيرفعونه اليوم ليغطوا به أبشع مؤامرة. فأين هو السلام والقدس "ستكون عاصمة أبدية" لإسرائيلهم؟ ولن يسمحوا "للمشردين!" بالعودة إلى بيوتهم...‏

مامن إنسان شريف يناصر الشر والعدوان والتعصب الديني أو العنصري.. أما أن تصير كلمة "سلام" منزلقاً إلى الهاوية وقناعاً لمؤامرة فهذا مالايستطيع حر أن يقبله، وليس بمنصف من يرى في المدافعين عن حقوقهم متعصبين.‏

وسيبقى كوكب الشهادة متوهجاً.. فالمسألة مسألة مصير وطن...‏

-15-‏

ليس أقسى على ضمير الوطني من أن يرى وطنه يتألم وهو لايقوى على مد يد العون له. لقد دفعتنا الأحداث إلى الزاوية الحرجة. وكثيراً ماوجدت نفسي أخرج من البيت لأسير في الطرقات فأجد نفسي منساقاً إلى تأملات يخيل لي أول الأمر أنها ستبعدني عن الهموم العامة ثم أجد نفسي في آخر المطاف أواجه ماخيل لي أنني تركته في البيت. فالتأملات تصير أسئلة تبدو محايدة أول الأمر ثم تبدو على حقيقتها.. إنها فروع الشجرة الأم.. وماكنت أحسب أن لها هذا العدد من الفروع.‏

أمرُّ بشجرة أتأملها فيلد سؤال: من الأوفى للتراب، ومن الأكثر التصاقاً به: الإنسان أم الشجرة؟ أرى الشجرة تصير امرأة لها جذر يوغل في أعماق التراب منسرباً بين شقوق الصخور، محولاً الماء والأملاح إلى مادة حية تزيد الجذع متانة وارتفاعاً وتبعث في الفروع التوق إلى الأعلى فالأعلى.. وأرى الإنسان شجرة لها قدمان تسير بهما على التراب، تهبط الأودية وتصعد القمم وتكون لها فروع وأغصان من جنسها.. أما جذور الإنسان فتمضي عميقاً في تربة الروح، فإذا ماهزت جذعها رياح الغربة شدتها إلى مسقط الرأس آلاف الأواصر، وحملتها الأشواق على أجنحة الحنين... وأما حين يحدق الخطر فيرخص الغالي وتهون الصعاب.‏

وأنظر إلى الناس والشجر، أتملّى السهول والجبال، أسمع التراب يهمس: أنتم مني بمنزلة الشجر، وأنا لكم كما أنا للشجر. وأرى نساء يرتدين زينة الشجر ثم أرى أشجاراً مزهوة كالنساء...‏

أسأل: من الأوفى للتراب؟‏

تقول الشجرة: أنا الأوفى!‏

وتقول المرأة: أنا الأوفى!‏

أسمع فحيح الخيانات من حولي.. أصيح بالمرأة: اسكتي: أنتِ تنجبين الخونة.‏

تصيح بي المرأة: اسكت! فأنا أنجب الشهداء والقديسين. وهذا ماتعجز الطبيعة كلها عن فعله!‏

أسأل التراب: هل تعرف سر محبة الوطن أيّها التراب!‏

يسألني التراب: عن أي أسرارها تسأل؟‏

أُغمغم سادراً: أهو الوطن يثير حبنا بألوانه الجميلة أم أن ألفتنا له، وحبنا إياه يضفيان عليه هذه الألوان وهذا السحر اللذين لانحب شيئاً كما نحبهما؟‏

ويصمت التراب كحكيم.. أرى زهرة تنبثق من عتمة كانت في زاوية من زوايا الخيال.. تدنو نحلة من الزهرة، وتهب نسمة. تهتز الزهرة وتميل، تنغرز النحلة في الزهرة، أسمع همساً كهسيس القبل.‏

أهتف ما أجمل هذا! وما أجدره بالحب!‏

تطير النحلة، وتنأى.. تحتجب الزهرة في زاوية الخيال المعتمة. أفهم مغزى الحكمة.. فالوطن هو الجمال الذي نحبه فنكبر ويكون الوطن جديراً بمزيد من الحب.. تنهض المدن، تتناثر القرى عقوداً من درر فوق التلال وعلى جنبات الأودية وفوق السهول... أسمع الكائنات تصلي: ما أجمل أن يكون للكائن وطن!‏

تصدح الأغنية مغتسلة بالألق، يهمي الألق أغنية من صبوات، وأمانٍ وأحزانٍ، تنهمك النحلة في تقبيل الزهرة، يجتذب الإيقاع الأقدام، تدق الأرض، تتشابك أيدي العشاق، يصير الشوق جناحاً، وتطير الأغنية، تتوهج، تهمي دفئاً، يغمر الدفء التراب، تبزغ شموس وأزهار نشوى... ثم تحلو الثمار.. تصلي الكائنات: ما أجمل أن يكون للكائن وطن!‏

تصيح الشجرة غاضبة: تأكلون الثمار ولاتدفعون عنا العار.. ثم تزعمون أنكم أنبل الكائنات!.. لا.. ليس هذا نبلاً!‏

تهمس زيتونة عركت أردانَ الزمان وارتدت خضرةَ الأبد:‏

-تستنيرون بحكمتي وتحرقون نسلي بجنونكم...‏

أنظر إليها، أرى أغصانها تلامس الجذع العتيق وكأنها تتقرى مواقع جراح السيوف والرماح، وتغطي بحنان مواضع فروع بترتها الطلقات. أسمع همس الجذور المطمئنة.. أبارك سخاء التراب.. يعلو أنين التراب:‏

-هم أبنائي يقتل بعضهم بعضاً، ويلحقون الأذى، بالكائنات البريئة.. لا أعرف أية ضروع تسقيهم الكراهية والبغضاء والحسد والطمع!‏

تهمس فراشة في أذن زنبقة رشيقة:‏

-لوعرف البشر جمال الحياة والكائنات لما فكروا بتشويه الحياة وإلحاق الأذى بالكائنات.‏

تقول الشجرة:‏

-ويكون علينا أن ندفع الثمن باهظاً!‏

يواسي التراب الشجرة:‏

-إنهم يقرون بفضل الشجر.. فإذا ماظهر فيهم عظيم أو نبغ شاعر أطلقوا عليه اسم شجرة عريقة من أشجار أوطانهم.. سمعتهم يسمون واحداً باسم زيتونة فلسطين، وآخر باسم أرزة لبنان وآخر باسم سنديانة سورية.. ومنهم من يدافعون عن الحب والجمال والحرية.‏

تقول الشجرة:‏

-وبينهم من يغتالون العظماء والنابغين ويحرقون الغابات والبساتين..و..‏

وأسمع صوت الوطن.. أقول للوطن: كم تتألم!‏

وأدرك أنها أيام المخاضات العسيرة. تتشابك الرؤى. أرى فتياناً يكرون ويفرون، وأرى رجالاً يقتحمون.. وأرى جراحاً.. أبارك الدماء التي سيولد منها غد الوطن المشرق.. يعلو بكاء طفل ولد تواً.. تمسح الأم التي ولدته العرق عن جبينها وتبتسم.. تهمس وهي تنظر إليه بحنان:‏

-إني أهبك الحياة فدافع عنها!‏

تحني الشجرة والزهرة والنحلة والفراشة هاماتها بخشوع.‏

أعود إلى البيت منشرح الصدر.. أشرع أكتب أغنية عنوانها "الوطن" وأرى فجراً يبزغ من جرح.‏

-16-‏

في أزمنة الانحدار تكون قلاع الثقافة آخر مايغلق أبوابه، وحين يأتي الانهيار ترفض الثقافة السقوط.. قد يعلوها الرماد وقد تفسد تربتها لكن ذلك لايعني دمارها.. الثقافة شعلة من حياة لاتنطفئ.‏

وحين تهب النسمات مشبعة بالدفء تكون أزهار الثقافة أول مايتفتح في حديقة الأمة الغافية. ثم يكون النهوض، ويكون الصعود مجيداً بقدر ماتكون القاعدة الثقافية راسخة ورحبة.‏

حتى السيف الذي قد يلعب في المعارك الفاصلة دوراً رئيسياً لايتألق وجهه إلا إذا انعكست صورته في مرآة الثقافة. ويخطر لي أن أسأل نفسي: أكان في الإمكان أن يصل لنا وجه سيف الدولة الناصع كما وصل لنا لولا قصائد المتنبي فيه؟‏

وأعود رجوعاً إلى عصر المأمون.. أرى وجه الرجل يتألق في كل سطر جميل وصل إلينا على دروب حضارتنا أو على دروب الحضارات الأخرى التي ورثت شعلة التألق عن حضارتنا... لقد غاب الكثير من ملامح وجه المأمون الحاكم، والسياسي المحارب، وسيبقى، مابقيت الحضارة، فضله على تواصل الثقافات وتطور الفكر.‏

واليوم، إذ تهب الرياح المسمومة، لن يكون للأمة ملاذ كالثقافة.. وفي مثل هذه الأوقات تتجه أنظار الأمة نحو المثقفين. وقد ينسى التاريخ غداً الكثير من الأحداث السياسية، وقد ينسى الكثير من مواقف الساسة، الأصدقاء منهم والأعداء، لكنه لن ينسى موقفاً من مواقف المثقفين والمبدعين، ولن ينسى كلمة مما يكتبون.‏

إنه العبء الأثقل.. أجل.. لكن التاريخ ينصف دائماً من يتحملون الأعباء الأثقل ويمضون حتى آخر الشوط مرفوعي الرأس.‏

كثيرون هم الذين وضع زمنهم أكاليل الشوك على رؤوسهم ثم توجتهم الإنسانية بأكاليل من الحب والمجد. وسيبقى السؤال: مع من؟ في مقدمة الأسئلة التي يطرحها الزمن على المثقفين!‏

ـ 17 ـ‏

هل رأيت نسراً يتحول إلى ذبابة وتصير زعقته طنيناً رتيباً؟ بلى.. صرنا نصدق ماحدث من أعاجيب في الأزمنة الغابرة لأننا نرى عجائب أيامنا. وصرنا نحترم الساكتين عن الحق لأن الكثيرين يزمرون للباطل ويطبلون. وتتلمس رأسك، أنت الذي لم تألف السير على رأسك فيصرخون في وجهك: الذنب ذنبك.. لماذا يتغير العالم ولا تتغير؟!‏

وتسمع أنين الكلمات تستخدم غطاء للزيف... وتسمع نحيب الحكمة تستخدم غطاء للباطل.. وتدرك أن الكذب لن ينتهي إذ سيبقى من يحتاجون إليه.‏

ويصوغون المبادئ والنواظم والمواثيق ثم ينقلبون عليها حين لاتعود كافية لخدمة مآربهم. ويقولون: تغيرت الدنيا. وتبتسم: كانت على درجة من السوء ثم صارت أسوأ.. وتسألهم عن المبادئ الجديدة.. وتشعر أنهم يجعلون من مبادئك سلاحاً ضدك.. وتدرك عمق المأساة. يتهمونك بالجنون.. تردد كلمات غوركي الرائعات: "جنون الشجعان حكمة الحياة".‏

ولعل أغرب مانراه في أيامنا هو أنهم أعدّوا لنا أصناماً من بين صفوفنا، وطبّلوا لها وزمروا، وحرقوا على عتباتها البخور وأخفوا جيداً الأصابع التي تحرك الخيوط الخفية ثم تبين لنا أن الأصنام لن تكون أكثر من أصنام، ولن تكسبها أية قداسة الأسماء التي تغدقها عليها وسائل الإعلام صبحاً وظهراً ومساء.‏

وحين قلنا إن الثقافة يجب أن تصمد في وجه الرياح التي يريدون لها أن تهدم كل شيء حتى أضرحة الشهداء كنا نعني مانقول... وكنا نعرف أن الأصنام الملغومة ستلعب دورها المرسوم لها.. وكنا نتوقع أن ينفجر بعضها حين تحتدم المعركة، وأن بعضها الآخر سيدخر إلى المعارك الأضرى...‏

واستمرت اللعبة وسط الضجيج الإعلامي المفتعل. ونقلت المناوشات إلى غير ميادينها، وتجري تغطيتها بإطلاق القذائف الخلبية على المواقع التي أُخليت مسبقاً.. وقد حوّلوا المسائل الوطنية إلى "خانة الأيديولوجية" ثم زعموا أن الأيديولوجية كانت وراء شرور العالم وجرائمه كلها.‏

وتردد جوقة الأصنام التي منا مايقوله الأعداء.. فإذا قلت لواحد منهم: إتق الله في وطنك وأهلك صاح بك: لماذا تقمعني.. وتستنفر ضدك الأبواق التي وظفوها فيضيع صوتك وسط الضجيج والصخب... ثم تجد نفسك في خانة الشيطان ومن مخلفات حفيدته الأيديولوجيا.‏

وتسأل من حولك: أيوجد مجتمع لا أيديولوجيا له... يبتسم الأوفياء ويسألون: ومتى كنت تصدقهم؟‏

وأشفق على الأصنام.. أنظر إلى الذين تخلّوا عن وقارهم وحادوا يميناً زاعمين أن اليمين واليسار اختراع أيديولوجي.. وأدرك أنهم خلطوا الأوراق بدهاء.. ويفيد أُدباء وشعراء من اللعبة.. يحاور بعضهم العدو أو يغازلونه تحت شعارات من مثل "المستوى الحضاري" أو "اللقاء الإنساني" و"الانفتاح على الذهنية الديمقراطية سعياً إلى الخروج من المناخ الآسيوي، أو "الأيديولوجي" الاستبدادي.. وتسألهم: كيف؟ فيتهمونك.. فهم ديمقراطيون وإنسانيون جداً مع العدو.. أما معك فلا شيء من ذلك.‏

ويعلن أحد كبار كهنة أصنامهم: أن العداء لليهود خروج على القيم ويتهمنا اتهامات فظيعة.. ونسأل: متى عادينا اليهود؟ ثم نفطن إلى أنه يعني "صراعنا مع العدو الصهيوني" الذي حوّل فلسطين إلى "إسرائيل" ولانصدق مانسمع.. فيؤكد سائلاً "لماذا لاتهدمون غرناطة؟" وكنا سألناه "على أية أرضية التقيتم في مدريد؟".‏

إن التلاعب بالألفاظ سلاح سريع الارتداد إلى صدور المتلاعبين. والسائل يعرف الحقيقة كما يعرفها الذين يوجه السؤال إليهم.. فاليهود عاشوا بين ظهرانينا عيش رفاهية نحسدهم عليها.. ولن نهدم غرناطة، ياسيد الكهنة الجدد، فما يشغلنا هو كيف نحمي وطننا من كيدهم، وكيف سيعود مشردونا إلى بيوتهم وكيف سنخلص القدس من براثن الذين ذهبت لتحاورهم لكنك لم تسألهم: "لماذا لاتتخلون عن شعاركم: حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل".‏

أما الكلام عن المسألة الفلسطينية على اعتبارها "مسألة أيديولوجية" فمسألة أكبر من كبيرة!‏

نحن نعرف أن الاحتجاج على الظلم في أيامنا "الديمقراطية" هذه يعني التعرض للموت جوعاً.. ولو صَمتَّم لغفرنا لكم صمتكم.. أما أن تفتروا على قومكم فهذه جريمة لا تُغتفر!.‏

-18-‏

عقد في القدس المؤتمر "المسيحي اليهودي" وحضره عدد كبير نسبياً من رجال الدين المسيحي واليهودي تحت شعار عام هو "القادة الدينيون في مجتمع علماني، وضرورة التقارب بين الأديان لإقامة عالم أفضل" أما هدفه المعلن فهو: "مناقشة كيفية التعامل دينياً مع قضايا العصر، والتنسيق المسيحي -اليهودي لصياغة العامل العقائدي في إدارة شؤون العالم".‏

وندلك عيوننا كي يزول انبهارها ببريق الكلمات الرنانة لنقرأ مابين السطور وعلى الهوامش وفي المقدمات.. وتنقشع الغشاوة ويظهر المخفي الأعظم، ويكون في مقدمة الأسئلة: لماذا الحوار المسيحي.. اليهودي حصراً؟ ويكون السؤال الأخطر: لماذا عقد المؤتمر في القدس لا في سواها من مدن فلسطين أو العالم؟‏

إنها اللعبة السياسية القديمة إذ تُعطر أيادي السياسيين القذرة بشيء من "نفحات الإنسانية" و"الحب والتسامح" ثم يسير القاتلون في جنازة المقتول..‏

فعن أي حوار ديني يمكن أن يدور الكلام؟ وعلى أية قاعدة يمكن أن يدور؟ وهل هو حوار ديني ذلك الذي يدور بين أتباع المسيح وبين الذين يعتبرونه ابن زانية وينتظرون مسيحهم الخاص؟ والأغرب.. أن تؤجل دعوة المسلمين إلى الحوار وهم الطرف الوحيد الذي يعترف بقدسية الأديان الثلاثة.. أما البوذيون والهندوس وغيرهم فلا يرد لهم ذكر على هامش حوار "العقائد"!‏

لقد علقت بعض الصحف على انعقاد المؤتمر ووصفته بأنه الثمرة الأولى "لاعتراف الفاتيكان" بالكيان الصهيوني.. وكان قد تم التمهيد لهذا الاعتراف بقرار صدر عن الفاتيكان قبل سنوات يبرئ اليهود من دم المسيح. وقد أثار ذلك القرار، في حينه، جدلاً دينياً واسعاً.. وكانت الكنيسة قد حملت المسيحيين أنفسهم "المسؤولية الأعظم عن معاناة المسيح" واعتبرت "أن اليهود ليسوا مسؤولين عنه كجماعة" مع أن أحبارهم حين أسلموه لبيلاطس البنطي قد أعلنوا أن دمه في أعناقهم وأعناق أولادهم إلى الأبد، على ماجاء في الإنجيل..‏

ولما كنا لانرى أن المسألة في جوهرها مسألة دينية بل هي مسألة سياسية من أولها إلى آخرها فإن الأمر الذي نلح عليه هو الرفض الكامل والبات لجعل الأديان غطاء للغايات السياسية المشبوهة أو وسيلة لتمرير المؤامرات الدولية المعادية للإنسان والإنسانية، والمنافية لجوهر المسيحية والإسلام حصراً.‏

ويبدو أن البطريرك الصباح، بطريرك اللاتين في الأردن وفلسطين قد أدرك أن وراء الأكمة ماوراءها فطالب بالوصول إلى "محصلة يغلب عليها منطق صوت العدل والعقل لا منطق القوة" وأشار إلى موضوع القدس ورأى أنه يحتاج إلى نقاش وإلى حل يلبي احتياجات أتباع الديانات الثلاث، وعلى الأخص "حقهم في ممارسة الحرية الدينية والتسامح" ثم أعلن أن الكنيسة شجبت التمييز العنصري وطالبت بحق الشعوب في تقرير مصيرها "خاصة الشعب الفلسطيني".‏

إن هذا الكلام الصادر عن رجل كنيسة رفيع المقام لذو دلالة هامة. فمجرد الإشارة إلى "شجب التمييز العنصري" يعني الكثير.‏

فمن الذي ينتهج سياسة التمييز العنصري في أيامنا ومن الذي يمنع الحرية الدينية عن الآخرين؟ وإذا كان في الإمكان تبرئة من يفعل ذلك من دم المسيح فهل في الإمكان تبرئته من ذبح القيم المسيحية والقيم السامية الأخرى التي تطلعت إليها الإنسانية كهدف أسمى؟‏

وبأي منطق ديني تجري محاورة الذين لايرون في المسيح نبياً على خلفية من سوء التفاهم مع المسلمين الذين تكاد لاتخلو سورة من سور كتابهم المقدس من ذكر الأنبياء والرسل وفي عدادهم المسيح وأمه مريم؟‏

وإذا كان مثل هذا الحوار خارج إطاره الحقيقي، وإذا كان جوهر ما يجري هو تغطية الممارسة الإجرامية ضد شعب كامل، يكون من باب ذر الرماد في العيون توقيع "نداء إلى التسامح" من قبل "المؤتمرين" ويكون شيئاً أقرب إلى الافتراء الكلام على "المسؤولية" الأخلاقية حيال جميع الشعوب..‏

إن الصيغ العامة التي تساوي القاتل والقتيل، وتدعوهما، على حد سواء إلى "التسامح" هي انحياز مكشوف إلى القاتل، وإن انعقاد المؤتمر في القدس الرازحة تحت الاحتلال لمسألة أكبر من أن تغطى بالكلام على "التقارب بين الأديان لإقامة عالم أفضل".‏

أما المتطرفون اليهود وعلى رأسهم كبار الحاخاميين فكانوا منسجمين مع حقيقة طبيعتهم إذ دعوا إلى مقاطعة هذا المؤتمر معلنين أن "ليس هناك أي قاسم مشترك بين العالمين اليهودي والمسيحي" وقد أغضبهم أن يبقى المسيحيون مصرين على دعوة الآخرين إلى القبول بأصول دينهم.. أي يريدون أن لايبقى المسيحيون مسيحيين.‏

وقد دعا أحد الحاخاميين إلى "التعاون في سبيل وقف الإيدز" متجاهلاً مرض نقص المناعة السياسي الذي أصاب المعايير الدولية في مايخص الحق والحرية والعدالة الاجتماعية على صعيد كل بلد وعلى صعيد العالم..‏

وفي حين يدور الكلام في كل مكان على "التعصب الإسلامي" والإسلام هو دين التسامح، ويطفح الأثير وتطفح الصحف بالصخب الإعلامي المنذر بالويل، والثبور يتم غض الطرف عن التعصب الحقيقي الذي لايجد أي قاسم مشترك مع العالم كله لامع العالم المسيحي وحده.‏

إن الكيل بمكاييل مختلفة هو مسألة لاتمت بأية صلة إلى "التقارب بين الأديان لإقامة عالم أفضل".. والحرب التي يشنها الصهاينة على المنطقة، والحرب التي شنها الصليبيون قبلهم، ليست حرباً دينية، إنها حرب استعمارية مكشوفة، ولن تضفي عليها "نجمة داوود" أية صبغة دينية، كما أن الصليب لم يضف على التي سبقتها أي طابع ديني.‏

إن المسألة سياسية ويجب أن تبقى كذلك، ولا ينبغي أن تعالج إلاّ سياسياً، وكل محاولة لصبغها بالصبغة الدينية لن تساعد على حلها بل ستزيدها تعقيداً واستعصاء على الحل.‏

وأما الدعوة إلى العدل والتسامح فيجب أن توجه إلى السالبين لا إلى المسلوبين. وثبات المظلوم في الدفاع عن حقه ليس تطرفاً وليس تعصباً. التعصب هو إصرار المعتدي على عدوانه والظالم على ظلمه. وحين تستعاد الحقوق المغتصبة كلها يمكن أن يقوم الحوار من أجل العالم الأفضل والمستقبل المشرق..‏

-19-‏

عندما أعدت قراءة "مدارات" أدونيس في صحيفة الحياة اللندنية -تاريخ 5/5/1994 مثنى وثلاث زادت دهشتي: خيل لي أنني أسمع صوتاً يأتيني من أعماق التاريخ صائحاً ومنكراً: "قابيل! قابيل! أين أخوك؟"‏

وقبل أن تتملكني الشفقة على "هابيل" المعاصر جاءني صوت قابيل فظاً متحدياً: لاتخف يا هذا.. كان صاحبك، أو أخوك، لا فرق، في غرناطة، ومن هناك طار سليماً معافى إلى باريس! فلا يغرنك ادعاؤه المسكنة! ولن يصيبه مكروه!"‏

تلفت حولي ذاهلاً فجاء الصوت أوضح: "ألا ترى كيف يلعن أمته وتاريخها، ويحقر لغتها وينتفخ متعالياً، وكأنه لم يتسلق سلم خطاياها وبلاياها كي يصبح باسمها رجلاً يشار إليه في المحافل، تدعوه الهيئات الدولية "الجديدة والقديمة" على حد سواء إلى ندواتها ومنتدياتها؟"‏

صحت بالصوت: صه! فاحتدم: "أنت تحترم الرجل! لكن ألا ترى أنه يخترع "قضايا" غريبة ويضخم أموراً عادية عند المنعطفات المصيرية ثم يتهم الآخرين، بارتكابها ليعلن الحرب عليها وعليهم ناعتاً إياها وإياهم نعوتاً لو قيل ربعها فيه لقام ولم يقعد؟ ألم تسمعه يتكلم على الذين "يرفضون السلام في المطلق، قائلين، إن الصراع بين العرب واليهود "صراع وجود لا صراع حدود"... ثم يُطلُّ من علٍ كإنسان متحضر بين همج ليعلن في وقار: "إذن، عليكم أولاً أن تهدموا جزءاً كبيراً من تاريخكم" ثم يلقي عليكم، أنتم القراء المساكين درساً في التاريخ والجغرافيا.‏

وأعود إلى قراءة فقرات من مدارات أدونيس.. أسمع ضحكاً يشبه صرير أبواب صدئة، تُفغر الدهشة أشداق مغاراتها، أسمع صوتاً يهتف: "هابيل! هابيل! متى أتقنت هذا الدور!"‏

يأتي الصوت المتحدي: هو لايُمثل دوراً، فالمسرح "الحديث" هو حياة الذين يمثلون الأدوار كلها في وقت واحد، ومن غير أي شعور بالحرج، أما سمعت كيف يشتم اللغة العربية بحماسة ثم يتباكى عليها بحماسة أكبر. إنه فوق الآخرين، وهل يستطيع الشيطان نفسه أن يلحق بالعرب مثل هذه الضربة: "يرفضون السلام في المطلق" ثم أن يشوه ماجرى ويمسخه إلى مسألة "لقاء عرب ويهود".‏

أهو أدونيس حقاً؟ أحد أبرز الشعراء العرب، وأحد أبرز المثقفين العرب من يقول هذا الكلام؟‏

لكن أدونيس يؤكد بعد سطرين: "إن العرب إجمالاً، أنظمة وشعوباً، ليسوا ضد السلام، بل إنهم يسعون إليه، ويعملون على تحقيقه سلاماً عادلاً وشاملاً. لكنه يتبع ذلك بكلام على لقاء غرناطة الذي "بين كتاب لايمثل أيٌّ منهم إلا نفسه، وليس له أي حق في المفاوضة، وهو مدعو بصفته هذه -الشخصية، والفكرية، خارج أي منظور سياسي أو تفاوضي".‏

فإذا كان أدونيس يعرف أنه لايمثل إلاّ نفسه في هذا اللقاء، ونحن نصدقه، فكيف عرف أن الآخرين، ممثلي الطرف الآخر تحديداً، لايمثلون إلاّ أنفسهم؟ ثم ما الغاية من وراء هذا اللقاء، وماقيمته؟ وهل عقد لوجه الله ووجه السلام العادل والشامل؟ وإذا كان لا قيمة له ولا غاية وراءه فلماذا ذهب إليه أدونيس؟‏

ثم هل صحيح أن الكتاب العرب، ماعدا أدونيس وصحبه، يعترضون على الأمل ويسكتون على العمل؟ وهل يعني هذا الكلام أن أدونيس يأمل شيئاً مفيداً من وراء ذلك اللقاء؟ ليته يحكي لنا حكاية ذلك الأمل، فقد نأمل كما يأمل.. وليعذرنا إذا كنا لم نفهم بعد ماهي طبيعة الأمل الذي ذهب أدونيس، الذي لايمثل أحداً، إلى غرناطة ليحققه في لقاء لا قيمة له، وهل تحقق منه شيء، أم أن صراخنا، نحن الذين نغتال اللغة قد أفزع عصافير الأمل فلم تحط على أغصان الدبق التي نُصبت لها في غرناطة بإشراف المنظمات الدولية المحايدة جداً! ألا فليعذرنا أدونيس، فنحن لم نفهم جيداً، ولم نقتنع، وعلى الكاتب أن يفهم ثم يقتنع كي يوافق ويصفق ويهلل..‏

لم يكلف أدونيس نفسه عناء إقناعنا.. لقد انتقل بقفزات سريعة من مقدمة غير منطقية إلى هجوم صاعق.. فهو يرى الإرهاب "في هذا العقل" وفي "اللغة" التي يمارسها، وفي الثقافة التي يؤسس لها ويعممها" فعقلنا هو الإرهابي ولغتنا هي الإرهابية.. ومذبحة الحرم الإبراهيمي هي لغة حضارية ووسيلة للتلاقي على صعيد إنساني رفيع!..‏

لقد غضب علينا أدونيس هذه "الغضبة الحضارية" لأن كتاباً عرباً يحترمونه ويقدرونه قد سألوه: ماذا ذهبت تفعل في غرناطة؟ ولولا احترامهم له ما سألوه..‏

ويتصاعد غضب أدونيس.. يبدو أن ماقاله لم يشف غليله، فيندفع قائلاً: "والإرهاب عندنا، نحن العرب، هو إذن مزدوج: إرهاب الواقع وإرهاب اللغة".‏

وأقف مفكراً: "والإرهاب عندنا، نحن العرب" ثم أنفجر ضاحكاً على الرغم مني.. أما كانت تكفي أدونيس "والإرهاب عندنا؟" وهل خشي أن نظن أنه يمثل آخرين فسارع إلى نفي ذلك، فجاء بنحن العرب؟‏

مسكينة هي اللغة الجميلة حين يخونها المنطق!‏

ويلح أدونيس: "فليس لنا، نحن العرب (توقفوا طويلاً، أرجوكم عند نحن العرب هذه أيضاً) اليوم، تأسيساً على ماهو سائد، ليس لنا معنى غير الإرهاب".‏

وأسأل: أهو حقاً أدونيس الذي أعرفه؟ وأنظر إلى صورته. أقرأ في عينيه نظرة باردة.. أضطرب: ألا يكفي أن غرناطة أوصلت أدونيس إلى هنا؟ وأعود لأقرأ سؤاله: "وإذا كان مجرد اللقاء بكتاب يهود سحراً خاصاً يُذيب العربي في أحضان الصهيونية، فكيف لايذيب هذا السحر القاهرة وكتابها، المغرب وكتابه؟".‏

وأبتسم إذ لاأجد خيراً من الابتسام.. فأدونيس يرى في لقاء القاهرة وتل أبيب -القدس، لقاء عرب ويهود لا أكثر! وهو بعد كل ماذاب لايرى أن شيئاً قد ذاب بعد ذلك اللقاء! عجيب! سلامة نظره!.. فهو يؤكد بهذا أنه لايرى أن شيئاً سيذوب بعد لقاء غرناطة..‏

لكنه يكمل كلامه ويعود ليثبت موهبته في الهجاء: "اللغة السائدة اليوم في الكتابة العربية السائدة، لغة إرهاب، وليس لها واقع غير الاتهام. لا حقيقة إذن بل مصلحة، لاصراع أفكار وآراء، بل صراع قوى وسلطات، وتلك هي الأخلاق، وفقاً لهذه "اللغة" وذلك هو الفكر والأدب، الأشياء في هذه "اللغة" ليست جميلة أو قبيحة، بل مفيدة أو ضارة، والكتابة في هذه "اللغة" مجرد انتهاز، ومجرد "انقضاض".." ثم يعود إلى مثل هذه "الحماسة" في المقطع الذي يلي هذا الكلام ليوجه المزيد من الشتائم "الحضارية" والمزيد من الاتهام.‏

ونسأل السيد أدونيس: أليس إرهاباً لغوياً ماصببته على رؤوس إخوانك؟ ألم تتهم من سألوك عن سبب ذهابك إلى غرناطة؟ ثم هل كنت تبحث هناك عن الحقيقة لا عن المصلحة؟ وماهي الحقيقة التي وصلت إليها؟ كيف تنسى أنك تكتب ماتكتب بعد مذبحة الحرم الإبراهيمي وغيرها؟‏

أنا لم أفهم مرماك إذ تقول يا أدونيس: لا صراع آراء وأفكار بل صراع "قوى وسلطات" فأنت قبل أسطر تكلمت عن الأنظمة وعلى العرب جملة "أنظمة وشعوباً" وبينهم، كما قلت: "من أبرم الاتفاقات وبينهم من يفاوض ليبرمها". فهل ذهبت لتبرم أم لتفاوض.. فأنت عربي!.. ثم: إذا كنت ترى في كلام من سألوك، سلطة أو انحيازاً لسلطة ما فهذا مقبول منك، لكن السلطات موافقة والذين سألوك معترضون.. فكيف؟‏

ويضحك قابيل شامتاً بي: كيف سرقتم لغتي أيّها الكتاب! هل سمعت صاحبك "هابيل" العصر الحديث المعولم الذي أكرمته الأمة فلعنها يسمي لغتك باسمي "بل هي لغة قايين، وتلك هي ثقافة قايين" فلماذا لا تلتقون مع "ثقافة" رابين!؟‏

وأبعد الجريدة وعليها صورة أدونيس وماكتبه عن سقراط "هابيل الثاني" كي يتهمنا، نحن الكتاب بأننا قتلة سقراط الأول أو "هابيل الثاني" وأننا المتآمرون على "هابيل الثالث" أي أدونيس!‏

ويضحك قايين أو قابيل شامتاً ويصيح بي "ميخائيل، ميخائيل، أين أخوك أدونيس!"‏

وأطرق مرتبكاً.. يصرخ قابيل حانقاً: لماذا تصمت؟ إنه يشتمكم شعوباً وأنظمة لأنكم تسألونه ولأنه يأمل! وهو هناك يشرب الويسكي ويأكل الكافيار.. لقد أفاد من "الانغلاق" وهو يسعى إلى الإفادة الأكبر من "الانفتاح".. أما السم الذي شربه سقراط فلن تعرفه شفتاه!‏

وأتناول أحد دواوين أدونيس الشعرية وأقرأ.. تهدأ أعصابي قليلاً، أبتلع الكلمات الغاضبة وأتمتم: "ونحن يا أخي نريد السلام العادل والشامل لكننا نرفض "السلام الخديعة" "السلام اللعنة"... واللعنة على الذين لايريدون مثل هذا السلام، اللعنة على الذين اعتدوا ويعتدون على العدل.‏

وأفطن إلى أن للمسألة وجهها الآخر.. فبعض السياسيين يمنع الجميل ويقمعه خوفاً من محتواه السياسي الخطر "عليهم" وبعض الشعراء والكتاب يغطي السياسة الخطرة علينا بالكلام الجميل!‏

ويكون الجمال لدى هؤلاء وأولئك ستاراً ووسيلة لا كياناً وغاية.. وأدونيس الشاعر يطلق الأسماء على غير مسمياتها.. لقد ألبس هابيل ثياب قابيل أو قايين، وصاح بالعالم بصوته العالي، ومن موقعه الأدبي العالي: أمسكوا القاتل!‏

لقد أتقن اللعبة..‏

وليته لم يفعل..‏

حكاية أخيرة‏

كان المرحوم عمي حنا -والد زوجتي- أبرز الشجعان الذين تصدوا لمتنفذ مستبد في الناحية.. وذات مساء كمن المتنفذ في بيت امرأة عند طرف إحدى القرى... عندما اقترب عمي من المنزل أطلق المتنفذ النار عليه فجرحه.. لكن عمي رد على النار بالنار وجرح المتنفذ.‏

في المحكمة سأل القاضي صاحبة البيت، وهي الشاهد الوحيد:‏

-من أطلق النار على الأفندي وجرحه‏

قالت المرأة: حنا!‏

سألها القاضي: ومن أطلق النار على حنا؟‏

قالت المرأة: لا أعرف ياسيدي.. كان الظلام حالكاً..‏

فعبس القاضي..‏

وضحك عمي.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244