|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 04:37 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
هموم وكلمات : حكاية أولى "إلى بعض المثقفين" تبدأ الحكايات القديمة، عادة، بقول الراوي: "كان ما كان في قديم الزمان" وكنت أريد أن أبدأ هذه الحكاية على الطريقة القديمة ثم فطنت إلى أنها لم تحدث في قديم الزمان بل في أيامنا.. وهي تحدث يومياً أو كل يومين. الحكايات القديمة تحكي قصص الأبطال من المحاربين أو الفتيان الشجعان والفتيات الجميلات، أو الحكماء والأغبياء، أو غير ذلك من حكايات الجان والحيوان. الديك الذي سأحكي لكم حكايته لم يكن من أبطال الديكة، ولم يكن من ملوكها ولا من فقرائها، كان ديكاً ليس في سيرته ما يميزه عن سواه من الديكة، فلم يتأخر في الخروج من البيضة كما تأخر "فرخ البط القبيح" في حكاية أندرسن، بل خرج منها في اليوم الحادي والعشرين.. ثم تعثر بقشر البيضة كما تعثر الآخرون وأغمض عينيه كالآخرين حين بهره النور، فلم يكن قد رأى نوراً في البيضة. وتعلم التقاط الحب والديدان والحشرات مع إخوانه وأخواته. كانوا يسبقونه أحياناً، وكان يسبقهم أحياناً.. وقد صرحت الدجاجة التي ندعوها أمه بعد أن حدثت الحادثة أن ابنها كان صوصاً كالصيصان.. وحين سألتها مراسلة صحيفة الدجاج: - كيف تفسرين ما حدث؟ قالت والدموع في عينيها: - لا أعرف.. ثم أردفت بعد صمت قصير: - ما لفت نظري، بعد أن بلغ مبالغ الديكة، أنه لم يكن يدعو الدجاجات إلى مشاركته الطعام حين يجد طعاماً، وإذا شاهدهن ينقرن شيئاً كان يسرع ليشاركهن في ما وجدن من طعام.. أمّا مراسل إذاعة الدجاج فروى الحكاية وعلق عليها قائلاً: - درست الحادثة وأجريت الكثير من المقابلات مع الكثيرين من الذين عرفوا المرحوم، وتبين لي أن الذين عاشروه يعرفون ما تعرفه أمه التي انفصل عنها كما تنفصل الصيصان عن أمهاتها حين تستطيع الاعتماد على نفسها. سعل المذيع واعتذر ثم أردف بشيء من الاعتداد: - كانت المقابلة مع أحد شيوخ الديكة الحكماء مقابلة مميزة، ألقت الكثير من الضوء على ما جرى.. قال الديك الشيخ: - تعرفون أن الديكة تتجه صباحاً نحو الشرق وتصيح بأعلى أصواتها داعية الشمس إلى الشروق.. وتشرق الشمس يومياً وتنهض الكائنات التي تعشق النور، وتنام الكائنات التي تعشق الظلام. حاول الكثيرون من علماء الديكة أن يقنعوا العامة من أبناء جنسنا بأن الشمس لا تشرق استجابةً لنداء أحد بل هي تشرق وتغرب وفاقاً لقوانين صارمة، ولكن أحداً من عامة الديكة لم يصدقهم.. لقد عاش أجدادنا على هذه العادة، ويبدو لي أن وسائل الإعلام الحديثة تفعل فعلها فتزيح بعض التقاليد وقد تغري الناس بالشهرة ولو رخيصة. كان الديك في الماضي يظلّ يحسّن مواهبه الصوتية طوال حياته. يدرس تقاليد الصياح ويصونها. ومن تقاليدنا الفروسية والكرم وحماية الضعفاء. وكان في مقدمة واجباتنا التقليدية الصياح لايقاظ الشمس كي يذهب الناس إلى أعمالهم. وقد خرج، ديكنا هذا على تقاليدنا الديكية وكرس موهبته لخدمة نفسه، فقد رأيته يقف أمام الخم ويعرض نفسه للريح، فإذا هبت من الغرب أدار رأسه نحو الشرق وصاح كي تحمل الريح صياحه إلى الأماكن البعيدة.. وإذا هبّتِ الريح من الشرق أدار رأسه نحو الغرب وصاح.. وهكذا.. ولم أسمعه، قط، يصيح مع الجماعة في الخم. ظننت أول الأمر أنه قد فعل ذلك مصادفة.. ثم رأيته يفعل ذلك كل يوم.. ثم علمت أنه يصمت حين تسكن الرياح. وقد لفتُّ نظره إلى ما رأيت منه فنفش ريشه ونظر إليّ مزدرياً وقال: "تقاليدكم سخافات أورثها إياكم أجدادكم البلهاء، ونحن نعيش أزمنة جديدة، وستكون لنا أخلاقنا الجديدة". كنت أعرف أن بعض المحدثين ينتقد أخطاء الماضي ليغطي عيوباً تحدث في أيامنا فقلت مشفقاً: "لكنك تصيح كل ساعة في اتجاه، وهذا لا يليق بديك له من المكانة ما لك بين أبناء قومك". احتدم غيظه وصاح في وجهي: "أنتم أغبياء ومتخلفون أكره الانتماء إليكم.. سأصير ديكاً كونياً.. فهل تفهم معنى أن تصير ديكاً كونياً؟ أم أن رؤوسكم لا تتسع لمثل هذه المفاهيم وقد حُشيت بالحكم القديمة؟" وأردف الديك الشيخ: "صار يتحاشى الاقتراب مني.. ثم حدث ما حدث.." قال المذيع: -أنا وأنت نعرف ما حدث، لكن المستمعين لا يعرفون فاحكي لهم، مشكوراً، ما تعرف. قال الديك الشيخ: -هبت الريح من الغرب فأدار رأسه نحو الشرق فعصفت ريح شرقية على حين غرة فارتبك فأدار رأسه نحو الغرب.. كانت الريح الغربية في عنفوان هبوبها.. وتصادمت الريحان، ثم صارتا زوبعة تدور وتهدر. حاول المسكين أن يجاريها في الدوران.." أغمض الديك الشيخ عينيه ثم تنهد وقال: - "وجدناه مدقوق العنق منتوف الريش.. لم نجد له صديقاً يرثيه ولا رفيقة تبكيه. ولم تحزن لفقده الرياح التي دار معها". ـ 2 ـ في زمن التفسخ قد يصير الكلام الجميل رياء. وقد يصاغ النفاق قصائد منمقة.. ويكثر الكلام ويقل الصدق وتضيع الحقيقة، نصير شهوداً على تبدلات مذهلة.. يتبدل فحوى القول.. فالقائلون يخافون الأقوياء ويبتغون مرضاتهم.. يمضي الشاعر وسط الصخب المصم ويهمس: "أنا الزهرة البرية، من يداوي أوجاع روحي؟ أهلي اليعاسيب يمتصون رحيقي، أصرخ مستغيثة فلا يسمعني أحد. وتبعثر الريّاح وريقاتي.. ثم يأتي الليل". يتدافع العالم من حوله صاخباً مبتهجاً بمهرجان التفاهة. يصيح الشاعر متألماً: "إلهي! إلهي! من يرفع صخرة هذا العالم عن زهرة روحي؟" يصيح به بهلوان في ثياب مزركشة: "سر على رأسك أيها الأحمق فلا ترى العالم مقلوباً" ويهز الشاعر رأسه حزناً: -أتلك هي كلمة السر! سر على رأسك أيها الأحمق! ويدرك أنه أوغل في الحماقة. أمضى شبابه وكهولته ومطلع شيخوخته سائراً على دربها.. كان يراهم يصلون رياء للحق ثم يصلبون الحق عند كل مفترق. وكان يظن أنهم بسطاء لا يعرفون ما يفعلون.. وتخيل نفسه يسير على رأسه ممرغاً شيبه الناصع بوحل التفاهة فانتفض. خرجت من صدره "لا" لافحة مثل جمرة. أوصد منافذ الخيال كلها. مشى جائعاً، مشى شامخاً مؤمناً بالذين سوف يأتون.. وسيكون عندهم ما يقال. ولزم بيته لائذاً بالصمت.. لكنه سمع أحد الذين خذلوا الوطن يتكلم في الوطنية فتمنى أن يملك سلاحاً يشهره في وجهه.. وحين فطن إلى أنه أعزل غمغم: ما أقبح أن يحمل الذئب عصا الراعي. ـ 3 ـ قد تكون المرحلة الراهنة من تاريخنا هي الأصعب والأشد قتاماً من المراحل التي مرت بجيلنا.. وقد تضافرت عوامل شتى على جعلها على ما هي عليه.. وقد يكون السبب الأول لذلك هو هذا الارتباك الذي وقعنا فيه.. فقد انقلب كل شيء تقريباً واختلطت الألوان وبهتت ثم هيمن الرمادي فصارت الرؤية عسيرة. يتنادى المثقفون إلى المواجهة، يلتقون ويتكلمون كثيراً ويتوصلون إلى قواسم كثيرة مشتركة ثم يفترقون، وكثيراً ما تطمر سيول الرماد الجسور التي أقيمت أو تقام بينهم. وعلى الرغم من ذلك لا يكف المخلصون منهم عن رفع أصواتهم الغاضبة داعين إلى لقاءات جديدة والاتفاق حول قواسم فكرية مشتركة. ويلتقون ويفترقون لتوجه دعوات جديدة. ويتألم الأحرار وكثيراً ما يجدون أنفسهم أمام المفترق! إما الموت جوعاً أو الموت عاراً. وتنحني قامات وتصمد أخرى مجابهة باللحم العاري سهام الأعداء وسياط الصقيع، ونهش أفاعي الجوع، ويظهر من يعلن: إنهم يفسدون العالم كله، وأنا لا أستطيع قبول ذلك، هذا كل ما في الأمر. وتصير كلمة "لا" مطلع ملحمة وبداية درب من أشق الدروب وأنبلها في هذا الزمن الذي سيطرت فيه نبرات الصوت الواحد الآمرة. ويسأل صوت: ما هو دور المثقف؟ ويجيب بأسى: لا شيء! يا للأسف! لا دور له. ويلحف الصوت: وأين مكانه؟ ويأتي الصدى: إنه غائب.. صار ذيلاً للحاكم في زمن صار فيه أكثر الحاكمين أذيالاً. وما أقسى أن يصير المبدع ذيلاً للذيل في الأزمنة المنذرة بالعار والويل. وندور في حلقة مفرغة: أوكلنا للحاكمين أمر حل المشكلات الكبيرات والصغيرات وقبعنا في ظلالهم مطبلين لهم أو مزمرين. ثم نكتشف أنهم عاجزون عن حل المشكلات القديمة، وأن وجودهم على ما هم عليه صار هو المشكلة. لقد أبعدوا الشعب عن ساحة الفعل وأخافوه حتى فقد الثقة بنفسه وخرج من ساحة الصراع وأصبح محتاجاً إلى من يعيد إليه عنفوان نضاله المجيد والثقة بأنه وحده القادر على الفعل الحق. ويحتدم الصراع المصيري وتأتي أنظمة ليست على مقاس المهمات التاريخية، وتحدث الانزلاقات. فالشعب مغيّب والحاكم عاجز أو متواطئ.. ونتشرذم فئات في الزمن الذي ينبغي لنا فيه أن نتحد، وتنزلق جماعات ويقاوم أفراد، أو يضطرون إلى التشبث بالموقع النضالي المقاوم وقد تقرحت أصابعهم ودميت جنوبهم. ونحتاج إلى الديمقراطية أداة لحفظ الكرامة فنواجه بالطغيان والعسف.. وأي ذليل في داره سيقاوم العسف والطغيان الآتيين من الخارج. وتضيع أصوات الأنقياء وسط تصخاب ضفادع العصر وفحيح أفاعيه وصفير حيتانه، يقدمون للناس ثقافة مدجنة ورخوة، ثقافة تربي في النفوس الإذعان والخنوع ويمارسون أقسى العنف في سبيل فرضها داعين المتلقين إلى نبذ العنف. ويسمون ضربهم لنا وعدوانهم علينا حروباً بيننا وبينهم.. والحقيقة هي أننا مكبلون حتى العجز عن الحركة. وندعو إلى أن تكون لنا مواقف ولو في الحد الأدنى، وندعو إلى الثبات عليها.. ونتفق أحياناً لكننا نفعل غير ما اتفقنا عليه. ونتبادل الاتهامات ونزداد انحداراً.. ندعو إلى اليقظة ونحن نسير غافلين.. ولدى السقوط في المهاوي الجديدة يزداد صراخنا. ويكثر البكاء والندم وعض الأنامل. ويفلسفون الأمور ويصوغون لنا المقولات، تصير "الواقعية السياسية" شعاراً للمرحلة وبديلاً لما نؤمن به من مبادئ وخيانةً لما لنا من حقوق وما علينا من واجبات. ويعددون سلبياتنا ونقاط ضعفنا ويذكروننا بالوضع "الدولي الراهن" ثم يسألوننا: كيف ستقاومون في مثل هذه الحال؟ أليست المواجهة العلنية المباشرة من المحال في مثل هذه الظروف؟ ثم يدعوننا إلى التخلي عن الأوهام.. والتخلي عن الأوهام في قواميسهم يعني الإذعان لباطلهم والرضوخ لغطرستهم. وينسون ويريدوننا أن ننسى أن الواقع يمكن أن يتبدل، وأن من الواجب أن يتبدل واقعنا. ويقول قائلون منا: ما دمنا نرفض السقوط فما علينا سوى الصمود فالمقاومة. ويسألونك كيف؟ ويكون الجواب: بكل الوسائل، وعلى الصعد كلها... وليأخذ الأحرار مواقعهم حازمين. ـ 4 ـ لم يفعل ميكافيلي في كتابه "الأمير" أكثر من رسم صورة واقعية بارزة الملامح، من غير تمويه أو تحريف لممارسات الحاكمين في زمانه وقبل زمانه من الأمراء الذين ورثوا "مقتضيات السلطة" عن أسلافهم وأسلاف أسلافهم ثم أورثوها لكل ذوي السلطان ممن جاء بعدهم ولكل الطامحين إلى السلطة من أصحاب المراتب السلطانية. وكان الشعار المتعارف عليه، ولا يزال في أيامنا كما كان في أيامهم هو "إلزمِ المزيد من الحذر حين يخاطبك أحد الديبلوماسيين بمزيد من اللطف والمجاملة، فما من ممثل سلطان يلاطف أو يجامل إلاّ لغاية مضمرة تستدعي التنبه والحذر". وصارت الديبلوماسية الدولية تعني، من بين ما تعنيه، فن تبرير الكذب وتسويقه، وجاء غوبلز ليمارس ما ليس جديداً على الديبلوماسية ولكنه لم يكن معلناً بفجاجة، وخلاصته: اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب حتى يخيل لمن يسمعك أن ما تقوله حقيقة لا غبار عليها. ولم يكن رابين وحده "صاحب النوايا الطيبة جداً" في كل ميدان وعلى كل صعيد هو الذي تكلم على النوايا الطيبة. فهو، على كل حال، لم يزعم أن نواياه طيبة، بل طالبنا، نحن العرب، بأن نثبت للعالم طيب نوايانا. وخيل لنا أن كلام هذا الإرهابي "المتمدن" هو السقف الذي يمكن أن يصل إليه قلب الحقائق والمفاهيم رأساً على عقب. لكن ما خيل لنا لم يكن حقيقياً. فنحن في زمن تحطيم الأرقام القياسية في هذه الميادين التي انطلقت فيها جياد سادة العالم الجديد، وطارت قبراتهم وقد خلا لها الجو فراحت تبيض وتصفر كما يحلو لها. وجاء إلينا السيد وزير خارجية بريطانيا "العظمى" صاحبة وعد بلفور التي خدعت الملك فيصل والشريف حسين، وتقاسمت المنطقة مع فرنسا، ثم شنت الحرب على مصر متحالفة معها ومع العدو الصهيوني عام 1956- جاءت بريطانيا هذه متحدثة بلسان وزير خارجيتها عن "النوايا الطيبة"، وعن ما هو أكبر من النوايا الطيبة، إنها تتكلم في الصداقة! وهي تريدنا أن نصدقها، وأن نمد لها يدنا، وأن نعتمد عليها في هذه الفترة الخطرة على حاضر أمتنا. نحن لسنا من أعداء النوايا الطيبة، ولسنا ممن يجهلون دور الصدق والصداقة بين الشعوب والدول في حل القضايا الصعبة وإحراز التقدم الاقتصادي والاجتماعي. فإذا كان السادة في بريطانيا وغيرها يريدون منا أن ننسى ماضيهم، وأن نقتنع بأنهم أصدقاء لنا حقاً، وأن في وسعنا الاطمئنان لهم فعليهم أن يقللوا من الكلام على الصداقة وطيب النوايا واتخاذ موقف عملي واحد من قضايانا العادلة.. إن ليّ الذراع مع الابتسام والكلام الجميل ليس صداقة. إن التاريخ الحديث يكاد يقتصر على تعداد غدركم بنا وتآمركم علينا. فهل تريدوننا أن نغسل سواده بابتسامة مرائية وبكلمات مداهنة؟ ثم كيف يمكن أن يكون صديقاً لنا من ينكر علينا ما هو حق لنا ويدّعي حقوقاً لعدونا الغاصب ما هي مما يمت إلى الحق بصلة غير صلة النقيض بنقيضه!؟ لقد أراد ميكافيلي المسكين أن ينتقم منهم ويعرض ممارساتهم أمام عين الشمس فالتفوا عليه، وهم سادة الالتفاف، وأطلقوا على ما صور سلطتهم به اسم الميكافيلية، وبرئت ساحتهم وأدخل ميكافيلي القفص مداناً. ويتهموننا بسوء النية والتنكر للصداقة.. ويُطلب منا أن نصافح من شردوا أهلنا وقتلوا أطفالنا وشيوخنا وسرقوا مقدساتنا وشوهوا تاريخنا.. ويريدون تدمير حاضرنا ومستقبلنا. اعذرونا يا سادة! نحن لا نصدّقكم ولا نثق بكم! فعدونا ما كان في الإمكان أن يكون ذا شأن لولاكم.. إن كلامكم على النوايا الطيبة هو استغباء لنا، وهيهات أن تتغيروا، وهيهات أن نصدقكم. ـ 5 ـ يقولون لي: أنت حر، وأنا مقيد بضرورات جسدي وبواجباتي العائلية والاجتماعية وبقوانين الكون، فكيف يكون حراً من تثقله هذه القيود؟ ويقولون لي: الحرية فهم الضرورات والقوانين. وأراهم يطلقون المياه في سواقي منافعهم الخاصة كي تسقي بساتين أنانياتهم.. ويبقى جسدي، وليس من يرعى حرمة ضروراته الأولية! يضعون أنفسهم فوق القوانين والشرائع ويلزمونني بقوانينهم وشرائعهم ثم يقولون لي: تتخلى عن واجباتك! وأقف مضطرباً بين حريتي وواجبي.. وتولد الأسئلة.. أطلب من نفسي الالتزام بالمبادئ والثبات عليها وأنا أرى التغير سيداً مطلقاً في الكون.. فهل المبادئ والقيم جوهر تدور التغيرات حوله وتصدر عنه لتعود إليه، أم أن الحق إلى جانب الذين يبدلون المبادئ والقيم كما يبدلون أحذيتهم البالية وقبعاتهم القديمة. أشعر كأن أفعى لدغتني! فما الذي يجعل القيم والمبادئ مقدسة؟ وإذا قدّس كلٌّ منا المبادئ التي يراها المنطلق الأساسي لسلوكه فكيف يتم التلاقح الفكري والثقافي؟ ألا يسوقنا التخندق في مثل هذه الخنادق إلى التعصب؟ والتعصب الذي قد يكون سلاحاً في أيدينا نحارب به كل ما في الخارج، ألا يمكن أن ينقلب إلى سلاح ضدنا؟ ألا يمكن أن يتوجه أو يُوجّه إلى الداخل! واضطرب.. إن الأفكار كثيرة والعقائد متباينة لكن التعصب واحد.. وأسأل نفسي: هل أنا متعصب؟ يغيب صفاء نفسي وأقلق.. أرى الأشياء تتصل وتنفصل، أدخل دوامات التفاعل الكوني، أمضي مع الخيال إلى المطلق وأعود من المطلق إلى المحدد افتراضاً.. فلا شيء محدد إطلاقاً وأتمنى لو أعيش لحظة الثبات النسبي بين تحوّل وتحوّل.. فالحقول متداخلة وليس في الكون حدود بين الأشياء.. كل شيء متداخل في كل شيء.. وأنا وأنت، وأنتم وهم! نحن جميعاً في التاريخ وللتاريخ... نناضل في سبيل أهداف ونحققها ثم تصير عثرات على طريق تحديد الأهداف الأبعد فنزيحها.. وكان انقسامنا إلى أُسر وقبائل وأقوام وسيلةً لحماية الذاتِ من الأدهى، ثم صارت وسيلة الحماية هذه أداة لإلحاق الأذى، وعثرة على الطريق نحو الأرقى والأبهى، وكان ذلك طبيعياً في إطار سيرورة الأضيق نحو الأرحب والأدنى نحو الأعلى.. وكانت الدروب مفخخة بالمطامع والأنانيات والسفالات.. أرانا التاريخ وجه سنمار ووجه قاتله. رأينا وجه المسيح ووجه يهوذا الذي أسلمه.. وطلع علينا محمد ووجه أبي لهب.. وكان علينا أن نختار؟ وكانت خياراتنا شتى. وتقاتلنا وارتدى المنافقون صوف الحملان وبقيت قلوبهم قلوب ذئاب. لبس الباطل ثياب الحق، وكان علينا أن نختار ونحن نقاتل على صعيدي الداخل والخارج.. وما كنا أحياناً نميز العدو من الصديق.. واحتربت المتآلفات في الجسد الواحد. وأطلت "رغبات الجسد شوكاً يخز الروح" ويملأ الألم والتحاسد فضاء أيامنا، يخرجنا الخبز من الجنة بدلاً من أن نرقى به إليها. غسل بعضنا يديه متبرئاً من آثام البشر وخرج من اللعبة.. وهتف بنا بعض آخر: "ما أتفه مجدكم حين يكون في أساسه أن يقتل بعضكم بعضاً. لو ذقتم حلاوة الحب الحق لعرفتم حلاوة المجد الحق". ونزم شفاهنا.. لقد أحببنا فجوزينا على الحب بالكراهية والغدر. ورفعنا العصا في مواجهة العصا، فتطورت صناعة الأسلحة وصارت تجارة يقاتلون في سبيل فتح أسواق جديدة لها ليكون ثمة المزيد من التقاتل.. وزعمنا أن ذلك كله من أجل الخير والحب والتقدم. ونظرنا بعيون الحكمة فرأينا جنون العالم.. وقيل لنا: حدث ذلك لأن حكمتكم ناقصة.. وقيل لنا: ابحثوا عن الحكمة الشاملة. وشكك العقلاء بإمكان وصول المحدود إلى الشامل.. وأتقنّا فنون الكلام ولم نتعلم فضيلة الصمت والتأمل. وشرع بعضنا يكتب ترانيم الكنيسة بيد وأناشيد الحرب بالأخرى من غير أن يشعر بالحرج. وكان لنا حكماء.. وما أقسى أن يتلو الحكيم آيات الحكمة في أزمنة الجنون والصخب.. وصارت لأضوائهم ظلال فقبعوا فيها وخرجوا من عالم العاديين. وتجلى العالم لنا في أكثر من وجه.. وانعكس عن أكثر من مرآة.. وجعل المنافقون اللغة وسيلة لقول الباطل. أسأل فقيراً مثلي: كيف سمحت لهم أن يدنسوا هيكل روحك؟ ينظر إليّ فاغر الفم ثم يعلن: ومتى كان لروحي هيكل؟ روحي لا مأوى لها يا صديقي! وأشعر بكثير من البرد. أحاول أن أبعث الدفء في العالم بكلماتي. وتكون مجابهات بين السيف الملوث والكلمة النظيفة، ويسقط طغاة وجبابرة. ويولد طغاة وجبابرة. يُفسدون العالم ويحملون الأنقياء المسؤولية. تضيق الدنيا بالأحرار وتختلط الدروب ويكون علينا أن نختار. ويخرج أناس يسعون إلى الظهور بمظهر الآلهة أو أشباه الآلهة، ويولد شياطين وأشباه شياطين.. وتبقى الإنسانية غائبة ومحتقرة. ينسى الطرفان أن الإنسان كائن رائع ولا يجوز أن يتخلى عن إنسانيته. يقول لنا الكهنة: لا تطرحوا درركم أمام الخنازير! ونؤمن بذلك، ثم ما نلبث أن نرى الخنازير تجتاح الأماكن وتدنس كل شيء. فأين نخبئ دررنا؟ أنلوذ بالقلب؟ نترك لهم العالم.. إن ذلك فعل سلبي والمحبة فعل إيجابي. وتنهض ثورات وتسيل دماء.. ثم تأتي الردة. نمحص أسباب الفشل فنجد أنها في شعور المنتصرين بأنهم أصبحوا السادة وما عادوا الرفاق.. وبتحول الرفاق إلى سادة ينقلب الأمر إلى نقيضه. وتكون الحكمة أحياناً في أن نسرع وتكون أحياناً في أن نتمهل ويكون علينا دائماً أن نجتاز امتحان الحكمة. وأن نظل يقظين وكثيراً ما ننسى أن السمو والرفعة في الكائن لا في المكان. ونقتل أسمى ما في الكائن لنرتقي على سلم المكان! ونثقل زورق الحياة بالمطامع والأكاذيب.. نقول: تعلمنا ثم نكتشف أننا خُدعنا. ونسأل ما العمل؟ ويكون لزاماً أن نمتشق السلاح نحن الذين نكره القتل.. ويشعرنا الكفاح وحده أننا لم نعد "لا شيء"! ونسعى إلى استعادة إنسانيتنا. ويطرح السؤال نفسه: أليس وليد التعصب الجزم أن لا سبيل سوى الكفاح؟ وتتلفت حولك. تمضغ أحزانك وتمر بأناملك على جراح إنسانيتك وتغمغم بأسى: ليس هذا خيار رغبة بل هو خيار واجب.. لا ما من بديل للكفاح. وتضع القلم جانباً.. يطل وجه سنمار الحزين من صدع في جدار قصر عظيم.. تصيح: انتبه! ثم تنهض مستوفزاً وأنت تهمس : ليتهم كانوا أقل وحشية! وتضم قبضتي يديك بقوة وتنظر إلى المستقبل.. أجل ينبغي أن يتغيروا أولاً! ـ 6 ـ قيل لأجداد أجدادنا: لو لم تستجب حواء لغواية الشيطان، ولو لم يطعها آدم ويقاسمها التفاحة لبقيا في الجنة، ولما عرفت البشرية هذا الشقاء كله، ولما ظلت عرضة لغواية الشياطين، ولوعيد الملائكة، ولما كانت جهنم، حيث "النار لا تنطفئ والدود لا يموت" لقد اعتبرت الخطايا التالية كلها فرعاً من الأصل، ولم تُحل إذا ولو وأخواتهما إلى متحف التاريخ بل هي تتجدد وتتكاثر مع كل خطاب سياسي أو اجتماعي، سلوكي أو أخلاقي فردي، وهي تبدي قدرة عجيبة وحيوية مدهشة في أيامنا. أمّا الكذبة الأولى -قياساً على الخطيئة الأولى، فهي في أيامنا المناداة بالنظام "العالمي الجديد" والعجيب في أمر أهل هذا الزمان، أو بعض أهل هذا الزمان من "القادة الروحيين" ومن "قادة الفكر" ومن "أرباب الفنون" على اختلاف أنواعها ومدارسها، هو أنهم تعلموا ما بين يوم وليلة طقوس العبادة الجديدة بحذافيرها، مع أن بعضهم ظل يردد مقولاته القديمة، وصلواته القديمة، وإيقاعاته النغمية- الصوتية واللونية- نفسها، بعد أن أبدل أسماء الآلهة القدامى كلها باسم الإله "الجديد" الذي لم ير فيه العالم شيئاً جديداً سوى الزيادة المفرطة في كم الغطرسة وفي نوعها، وفي الوقاحة التي يتجه بها نحو المزيد من الهيمنة والعدوان، والزيادة المفرطة في التضليل الإعلامي وتوسيع الشقة بين الأقوال والأفعال. فالنظام "العالمي الجديد" نظام "العالم كله" يمزق دولاً ومجموعات عرقية باسم "حق الشعوب" في الانبعاث القومي في شتى أرجاء العالم، ثم يعمل، من جهة أخرى، على أن يشطب عنوة كيانات قومية عريقة وراسخة وذات حضارة مجيدة، وذلك كله تحت شعار واحد هو اسمه بالذات: "النظام العالمي الجديد". لقد رأينا من غرائب تصرف الإمبرياليين ما جعلنا لا نستغرب الغريب، ولا ندهش للمدهش، ولا نستفظع الفظيع، فليس غريباً، ولا مدهشاً ولا فظيعاً أن يصدر الشر عن وكر الشر العالمي. الغريب والمدهش والفظيع هو أن نسمع جوقات من بين ظهرانينا، من أناس كنا نحسبهم مثال النقاء، تتلو صلوات التسبيح الجميلة أو المجملة للصنم الفظ بحماسة مدهشة حقاً، وغريبة حقاً و"ببرود أعصاب" أكثر من فظيع. ويكثر اليوم استعمال إذا، ولو وأخواتهما في محيط من الجفاف الفكري وفقر دم المنطق حتى ليخيل لنا أن هذه الأدوات تكاد تُنمى، من حيث تكاثرها إلى بلدان العالم الذي كان يدعى ثالثاً، وصار يُدعى جنوباً في أيامنا. ولكن أحداً لا يُحذّر من تزايدها في أقاليم الخطاب السياسي "الفكري والاجتماعي"، بل نكاد نزعم أن لا أحد يشير إلى هذا التكاثر المصطنع، أو المقوى بشتى المنشطات الاصطناعية، ولا نقول المشبوهة، لأن من يشتبه "بنوايا السادة الجدد" يُعتبر وحده المشبوه وقد يتهم ويدان من غير محاكمة.. فحذار.. يقول دعاة الرأسمالية القدماء: إذا تخلت الرأسمالية عن عيوبها، وإذا استخدمت الثورة العلمية- التقنية لخدمة الرقي البشري صار كذا وكذا.. وهم يغطون بكلمة "إذا" أمراً في غاية البساطة والخطورة وهو أن الرأسمالية إذا تخلصت من عيوبها فلن تبقى رأسمالية. إن عيوبها ناجمة عن طبيعتها ذاتها، ومن غيرّ طبيعته لا يبقى هو هو. ويقول دعاة "النظام الشرق أوسطي" - أجل، صرنا شرق أوسطيين بجرة قلم - يقول هؤلاء: سيكون النظام الشرق أوسطي عاملاً فاعلاً في تطوير المنطقة كلها، وسيجلب الخير والرفاه، وكل ما حلمنا به وما لم تستطع حتى أحلامنا الوصول إليه. وإذا اتحدت كلمة العرب على قبوله فسيكون في صالحهم وأيضاً، إذا تخلت إسرائيل عن طبيعتها العدوانية وينسون أن يقولوا لنا: لكن إسرائيل لا يمكن أن تتخلى عن طبيعتها، ولا ننسى أن نقول لهم: لولا فرقة العرب لما كنا بحاجة إلى هذه المواعظ التي لا تستعمل إلا لتغطية المؤامرة. وتنشط المعارك الجدالية في غير ميادينها، ويتحول الإعلام العالمي إلى ما يشبه السيرك العالمي، إذ وسع النظام العالمي الجديد حلبة اللعب، ووظف البهلوانيين القدامى والجدد كي يلهي العالم عن المسائل الجوهرية -الفكرية، والاقتصادية، والاجتماعية التي يجب ألاّ تغيب عن جدول الأعمال اليومي لقوى الإنسانية الخيرة التي تريد أن توقف زحف المأساة الكونية التي تتقدم على كل صعيد أسرع فأسرع تحت قرع الطبول أحياناً، وعلى دوي المدافع والصواريخ أحياناً، وفي الأحيان كلها تحت ستائر من التضليل لم يعرف العالم مثيلاً لكثرتها وجبروتها. لا.. ليس "النظام الشرق أوسطي"، في ظروف العالم القائمة، في صالح شعوب المنطقة، وهو تحديداً، ليس في صالح العرب، وفي مقدمتهم الفلسطينيون.. إنه الخطيئة الوسطى المولودة من رحم الخطيئة الكبرى، الخطيئة العالمية الجديدة. ونسأل بعض المتحمسين: كيف تصدقونهم أو تثقون بهم، وهم يعدون لنا في كل يوم مذبحة؟ وينظرون إلينا متهمين، وإذا تواضعوا ردوا قائلين: "ذلك من أثر الماضي في الحاضر، يجب أن نزيل كل امتدادات الماضي وكل آثاره.. ونسألهم: كيف؟ وتنهمر سيول إذا، ولو، وأخواتهما، ينبري متحمس يرتدي قناع الإنسانية المثلى، ويقول بصوت لا يخلو من وقار مزيف وحزن مصطنع: "فليدمرونا إن كانوا يريدون بناء العالم!" وأشعر بما يشبه الدوار، أجل لقد وصلت الأمور ببعضنا إلى مثل هذا الحد. إنهم يتجاهلون، ولا أقول يجهلون، أنهم يقتلوننا لا لأنهم يريدون بناء العالم بل من أجل جعله مزرعة لهم وجعل الشعوب عبيداً، والأمم بقرة غير مقدسة، يحلبونها ولا يكرمونها. ولعل أغرب ما سمعته هو أن فلسطينيين كانوا يشتمونك أو يضربونك إذا قلت "إسرائيل" ولم تقل الكيان الصهيوني أو فلسطين المحتلة، صاروا يتكلمون بفخر "على الكيان الفلسطيني" ويعنون غزة وأريحا، ويسمون "الكيان الصهيوني" إسرائيل من غير أقواس. أجل، إنه زمان الغرائب الكبرى، والخطايا الكبرى، ولن تستطيع إذا، ولو وأخواتهما أن تغطي شيئاً من فظاعة ما يحدث، ولن تصنع البهلوانية السياسية والثقافية أكثر من بهلوانات. وإذا كانت الفهلوية البهلوانية تلقى بعض الرواج في زماننا، فإنهم يعرفون أن الأزمنة تتعاقب والأحوال تتبدل.. ولهذا نشعر أن نغمة حزينة تخالط نبرات أصوات الأذكياء منهم حين لا يكونون مأخوذين بالحماسة المفرطة. والأذكى بينهم يشعرون بمزيد من الحرج، على الرغم من فهلويتهم.. فكيف يستطيعون إقناع العالم بأن الشر لم يوجد في العالم لولا الشيوعية.. وأن الإرهابي يعني العربي وحده لا قبله ولا بعده. وأن الإسلام هو دين التعصب والتخلف! يا للإثم! أما إذا كان العالم ليس عقلاً كله، فإنه، حتى الآن، لم يفقد عقله كله، وسنبقى نراهن على عقل العالم لا على جنونه. ـ 7 ـ في أزمنة النهوض الحضاري تتخاصر عوامل التقدم وتتحد، فيكون النهوض عاماً، فإذا حدثت احتقانات في المجرى العام جرف التيار العارم مسببات الاحتقانات ودفعها بعيداً فلا يراها إلاّ المحقق المدقق ولا يُحسب لها حساب. وتكون الثقافة في الصفوف الأولى من عوامل النهوض والتقدم، وكثيراً ما تضع الحضارات السيف جانباً ليتجلى تألقها ورونقها من خلال الثقافة. وحين يبدأ الانهيار لا يبدأ بالثقافة.. فالسياسة، في كل الأزمنة، كانت أول ما يصاب بالمرض الموهن لجسد الأمة، ومن ثم يعم المصاب.. وتبقى الثقافة بين الحصون الأخيرة، تبقى الملاذ الأخير، وموّلد المناعة الذي يوّلد المصل المضاد للداء المستفحل. ويكون على عاتق الثقافة في الأمم التي أسهمت في إنتاج الحضارات ذات الشأن على الكوكب الجميل حين يختل توازن الكوكب أن تعيد له توازنه، وأن تحصنه ضد عوامل الفساد والخراب. وحين تصير الأولوية لروح المتاجرة تضمر إنسانية الإنسان وتُبْعَدُ القيم عن مركز الاستقطاب وبؤرة الفعل.. وتغزو القوالب ساحات الضمائر، فيكال العسل والبصل بمكيال واحد، وقد يربو ثمن التبن على ثمن التبر في ميدان الفن. ويكون على الشعرية التي هي روح الإبداع وعماد الفرادة أن تأخذ دورها وأن تتصدى للخطر.. ويكون التصدي على جبهتين رئيستين: جبهة الخارج وجبهة الداخل. إن التفاعل الثقافي قائم منذ القدم وسيبقى قائماً ما دامت الثقافية قائمة، وما دام الإنسان يسعى إلى إنتاج المعادل الثقافي لعوامل التخريب ولسد الثغرات التي تولدها القولبة كعامل داخلي وتولدها جهود القوى المضادة للإنسان ولجوهر الثقافة كعامل خارجي. إن تطور الإنسان وازدهار الحضارات يتم من خلال حوار الفرادات التي تتفاعل مع الأطر المجتمعية كلها، وتؤثر فيها مجتمعة ومنفردة. ويكون علينا أن نأخذ من العالم وأن نعطيه.. وتكون الحاجة إلى الأخذ في أزمنة الركود والانحدار أكبر منها في أزمنة الصعود. ويصبح انتقاء ما نأخذه مهمة فائقة الأهمية، إذ يكون أكثر ما يقدمه لنا الأعداء ويغروننا بأخذه بشتى الأساليب على قدر كبير من السخف والتفاهة. ويكون لزاماً أن نحسن إدارة الحوار العقلاني -الجمالي بين "الشاعر والمهندس" فلا يحدث خلل خطير في بنيتنا الداخلية فلا يصمد هيكلنا الحضاري لأي ضغط فيتصدع أو يتداعى. ويكون لزاماً أن نستكمل صوغ مصطلحات خطابنا مع الذات ومع الآخر. صحيح أن المصطلحات لن تصبح كاملة الدقة والشمول مهما بذلنا في سبيل ذلك من جهد لكن هذا لا يعني أن نقلل من أهمية تكرار المحاولات من أجل تدقيق صوغ المفاهيم والمصطلحات وتحسين المعايير. إن الإبداع الحق يفيد كثيراً من المصطلحات الدقيقة ومن المعايير الدقيقة من أجل تطوره، وهو إذ يتطور يفقر المصطلحات والمعايير ويقتضي إكمالها أو تعديلها. وترتفع في زماننا العصيب أصوات تعلو فيها نبرة الخوف من الضياع على كل نبرة، وتفوح رائحة القنوط من حروف الكلمات.. فزحف الإمبرياليين على طول جبهة العالم يهدد العالم بفرض اللون الواحد، اللون الرمادي على ثقافة العالم وعلى إبداعه. ويكاد القنوط من جدوى المجابهة يشل إرادة الكثيرين. ونحن شهود عيان على اختفاء الكثير من الأصوات التي كانت "مناضلة".. وكم خفتت أصوات كانت حتى الأمس القريب مجلجلة. إن الهروب من المجابهة لن يخدم قضيتنا.. ولن نكون وحدنا في الميدان في مواجهة القولبة والتفاهة. فالقوى الخيرة في العالم ستبقى تناضل في سبيل تلوين العالم وإغنائه. لقد تكونت الجمالية العربية، كما تكونت جماليات الأمم الأخرى، عبر أحقاب كثيرة ولم تظهر دفعة واحدة كمعطى كامل، وستبقى تتطور وتتكامل ولن يكون تطورها كما ينبغي إذا هي انطوت على ذاتها، وهي تواجه اليوم خطرين اثنين: ثمة قوى تدفعها إلى الانحباس "في القلاع الأثرية" وتعمل على سد الأبواب والنوافذ فلا يتسرب شعاع من نور ولا تتسلل نسمة من هواء منعش، وثمة قوى أخرى تعمل على تحطيم الأبواب والنوافذ وتدمير السقف والجدران بحجة الخلاص من عوائق "القديم" تاركين الثقافة الوطنية مثل مشرد لا ميراث له ولا ملاذ. حتى الملابس يريدون "تحريره" منها. وإذا ارتعش برداً ألبسوه ثوباً من رقع كثيرة الألوان.. وصبغوا وجهه بالأصبغة. ويبقى التسلل عبر "التفاهة" من أخطر المحاولات التي يريد بها الأعداء القضاء على آخر المعاقل التي يمكن أن تشكل مواقع صالحة لتجميع القوى وحفز الهمم لدفع عجلة التطور الثقافي والاجتماعي إلى الأمام. إن الحصار المفروض داخلياً وخارجياً على مؤسسات الثقافة العربية الجادة يلقي على كاهل المثقفين العرب، أفراداً واتحادات وتجمعات، مسؤوليات كبرى. فإذا كان التراخي السياسي يلحق الضرر بالجبهة الثقافية فإن صمود الجبهة الثقافية في مواجهة السيول العكرة قد يكون من المكونات الهامة لرفع "معنويات" الشعب، وفي ذلك ما فيه من تأثير على عزم السياسيين وتحسين موقفهم من أجل خوض المعارك القادمة. وصحة الموقف السياسي تساعد على اتساع أثر الثقافة في المجتمع، لكن ضمانة رسوخ التوجه الوطني والإنساني واستمرار تطوره إنما يكونان في سلامة التوجه الثقافي.. وتأثير السياسي يكون مباشراً وقصير الأمد في حين يكون تأثير الثقافي أعمق وأوسع وأطول مدة. إن خلق الظروف المؤاتية للانتشار الثقافي وللفعل الثقافي مسؤولية سياسية من الدرجة الأولى، ويكون الفضل فيها للسياسيين ورجال الإدارة الحكومية. أما خوض المعركة في سبيل حماية الثقافة الوطنية وتطويرها في الظروف غير المؤاتية فعمل وطني -إنساني من الدرجة الأولى. فهل سيقوم المثقفون الوطنيون بهذه المهمة النبيلة؟ أنا لا أشك في ذلك. أما عن السؤال متى ؟ فلا أرى أن ذهول المثقفين الطارئ عن واجبهم سوف يطول.. وأما عن السؤال: كيف؟ فالجواب لن يحدده فرد ولا فئة.. إنها قضية كلّ المخلصين لثقافة الأمة، وللثقافة الإنسانية التي تواجه وستواجه التهريج والتفاهة. ـ 8 ـ هو الكلام ينهض حين تنهض الأمة، ويزدهر حين تزدهر. وتلوي الكلمات أعناقها في الخريف ويعتريها الشحوب فيكون السكوت أجدى. وفي زمن الفواجع، حين يكون السكوت أدهى من الموت تكون الكلمات من دمع وأنين. ويكون صوت الأدباء والمثقفين أخفتَ الأصوات، ويكون موقف المثقفين أوجع المواقف.. يقفون عراة إلاّ من الكلمات في وجه الفواجع الكالحة ويصيحون بأعلى الأصوات: انتبهوا! وتقهقه الأصداء، ثم تتلاشى في نحيب ممطوط كعواء ذئب جائع في عاصفة شتائية تأتي من الجهات الأربع. ويتلفتون حولهم فلا يرون غير الانهيار.. وتختفي الألوان كلها فلا يبقى سوى لون الدم القاني.. يسيل من جراح الأهل ثم يتخثر قاتماً كوجه غراب الحقد الذي يحتل الصدور التي لا تتسع إلا لمسامير الضغينة. نناشد أهلنا باسم المحبة، ثم نبتلع المرارة.. فكيف ستجد المحبة طريقها إلى الأيدي التي تصوب المدافع إلى بيوت الأهل ومدارس أبنائهم، وعلى مضخات الماء ومحطات توليد النور. وأية كلمات ستجدي لدى أخ يتنكر لأخوّة أخيه؟ ونقرأ على لهب الحرائق أسئلة تتعلق بالمستقبل القريب والبعيد لهذه الأمة.. ثم يتصاعد الدخان الكثيف.. وتغيب وجوه الأطفال الباحثين عن قطرة ماء وسط لهيب الحر ولهيب الحرب. ويتوالى القصف. يقهقه الأعداء.. يتمزق جسد الأمة الواحدة ويلوك الشعراء كلماتهم.. فما جدوى الكلمات؟! ـ 9 ـ لا أعرف لماذا أكرر على مسامعهم ما يعرفونه ولا يريدون العمل به. إنهم يعرفون ما يريدونه، يعرفونه جيداً، ويرسمون الخطط الدقيقة لتحقيقه، ولا يعيرون أي اهتمام لما هو خارج إطار خططهم. وأعرف أنهم لا يقرؤون ما نكتب لأنهم يعرفون أننا نقول مالا نفعل لأننا لا نستطيع أن نفعله. وأسأل نفسي: لماذا أكتب؟ هل أكتب لأحكي لكم عن همومكم التي تعرفونها أكثر مني؟ أم أبثكم همي الشخصي فأزيد مواجعكم؟ وأبتسم مشفقاً! فهل مواجعي إلاّ قطرة من بحر مواجعكم! وأنسى السؤال وأنغمس في الكتابة لأنني أريد أن أفعل شيئاً، أن أتخبط بين الكلمات، والعاجز عن الفعل يتخبط.. حتى الطائر الذبيح لا يفارق الحياة قبل أن يتخبط.. وأندفع متحمساً فأرتطم بجدار لم أكن قد رأيته، أولمْ أكن قد أحسنت تقدير صلابته فأرتدُّ متألماً، ثم يسكن الألم فأغرق في إعداد "خطة" هجوم جديد واندفاعة جديدة. ويكون ألم جديد. وأعزي نفسي: الأنقياء وحدهم يتألمون إذ ليس في وسعهم أن يستكينوا للشر ولا أن يوقفوه عند حده.. أما إذا شاركوا الأشرار في الغنيمة فإنهم يخسرون نقاءهم، أي يخسرون أثمن ما يملكون أو كل ما يملكون.. ويتحقق بذلك نصر الأعداء الكامل، وتلحق الجيل البشري كله لعنة لا تغتفر.. ويكون على الأنقياء أن ينهضوا، أن يعلنوا رفضهم، فما من عار في عصرنا الرمادي هذا أبشع من عار التخاذل والاستسلام. وأرى جباهكم ترتفع، أسمع دمدمات غضبكم: كم تبدو الإنسانية هشة في هذا العالم الفظ الممتليء رياء ونفاقاً. وأرى أفاعيهم تدب على تراب الأرض لامعة كسواق صغيرة من الفضة. أسمع ثعالبهم تعوي، يشحب وجه القمر. أصيح بأولي أمرنا: انتبهوا فيتمادون في غيهم.. أصيح بهم: ماذا أفعل من أجلكم؟ لا صلواتي نفعتكم ولا لعناتي ردعتكم. وأضع يدي على قلبي.. أصغي إلى صوت ضميري تصعد من أعماقي "آخ" حارقة كالسعير. فما أصعب أن تعيش بضمير حي في عالم يحتضر ضميره! وينشر طاووس الغباء ريشة، يزعم أنه أجمل ما في العالم، وأن ريشه أجمل ما فيه. اكتشف كم كنت أعمى يوم لم أكن أرى سوى قشور الأشياء.. ترتخي قبضة يدي وتشتد قبضة الزمن، يصبح الماء صلباً كالصخر، ويصبح الهواء أثقل من الرصاص. أصرخ: تخرج كلماتي جافة تجرح حنجرتي كالحسك الحاد.. هي كلمات حاقدة، غاضبة فالمحبة وحدها تجعل الكلمات طرية.. والتفت نحوكم، أنتم الذين أُحبكم.. أرى الدم المنبثق من جراحكم، تفيض من صدري ينابيع حنان ومحبة، تلين كلماتي وترق، تصير صلاة على أرواح الشهداء، ونسمة لطيفة تمر وديعة على جباهكم الملتهبة غضباً. ويتنامى فرحي بكم وخوفي عليكم.. تشعلون بتضحياتكم فوانيس المحبة في قلبي، وتعصف رياح أحقادهم فتنطفئ قناديل الحب.. وتقاومون.. فتنهض المحبة التي هي فعل نبيل ورمز إلى ما هو أنبل. تكبرون بها وتكبر بكم، تصير حياتكم ملحمة بطولة، ويصير موتكم حياة أمة. تصير دماؤكم سياجاً للأمة.. الإنسانية يداهمها صقيع "النظام العالمي الجديد" من الجهات كلها. وتبقون الدفء وشمس الأمل. ـ 10 ـ قال أبو مسلم: "كل قوم في إقبال دولتهم شجعان" وتقول الحكمة: "لا يلتقي الرزق والحكمة معاً" والدنيا عسر ويسر، وإقبال وإدبار، والأيام من نهار وليل.. والأرض تدور وستبقى تدور. وتمر مئات السنين وزمن العرب عسر كله، وأيامهم ليل طويل طويل، ألفوه إلا أقلّهم. يمضي الحالمون منهم نحو الصبح أو بحثاً عن صبح فتوقعهم شراك أهلهم في الهاوية، ويطلبون اليسر فلا يتيسر لهم غير الحزن والشقاء. وإذا ما ألحوا في الطلب لقوا الهلاك، وطمرهم غبار النسيان، وأقلقت رقادهم الأبدي قهقهات السخر. فثمة الكثيرون من قومهم يحسدونهم أحياء ويفترون عليهم أمواتاً. ولعل أغرب ما في أمر العرب، في هذا الزمان، أن يكون الواحد من أكثر حاكميهم ذئباً وحملاً في وقت واحد. إنه ذئب على أهله وإخوانه وحمل وديع مطيع أمام أعداء بلاده والكائدين لشعبه المتربصين به. وتكثر المذابح وتنمو الأحقاد، يزداد مستنقع الدم عمقاً واتساعاً حتى يخيل لنا أن الإنسان عامة، والعربي خاصة، تسيره الأهواء لا الحكمة. تلحق به الأهوال وتكرثه الكوارث فيشقى ولا يتعلم، وتتوالى الدورات الجهنمية.. ونمضي من مذبحة إلى مذبحة. منذ أقدم العصور والناس يرددون: "الشدائد محك الرجال" ونرى الشدائد.. ثم لا نرى سواها.. ويقال لنا النار تزيل الشوائب وتصقل الجوهر، وتلتهم الحرائق حقولنا ومنازلنا وتذرو الريح الرماد.. ونتلفت حولنا فلا نجد جوهراً.. ويُستبعد الأحرار.. أما الذين يرقصون على الحبال فيقيمون حبالهم فوق الساحات ويعرضون "بهلوانياتهم" فوق المصائب والمآسي.. وتكون صدور المجالس للمتاجرين بالقيم. والويل لأمة تصير قيمها سلعة يتاجر بها المتاجرون. ويكثر بين ظهرانينا نسل الوسطيين الفاترين ، وهؤلاء مستعدون للصعود قليلاً أو للهبوط قليلاً إذا ما قضت الضرورة بذلك، فإذا دفعوا إلى صعود الذرا أو إلى هبوط الأودية العميقة فقدوا توازنهم أو أضاعوا الاتجاه وراحوا يدورون حول ذواتهم مراوحين في أماكنهم. ويسألنا العالم: أين رجالكم يا قوم؟ أما من فارس؟ فيردد الصدى: س..س ونغطي وجوهنا بأيدينا. أما المثقفون فهم فئتان: الأولى ترى ما يحدث من تغيرات في الظواهر الاجتماعية والسياسية على الصعيد الدولي فتعدو على المنحدر مصفقة بحماسة لخراب العالم طمعاً بشيء ما قد تناله.. والثانية تحزم أمرها على مواجهة الدمار وتستعد لمعركة النهوض التي لا يراودها شك بأنها آتية. ويفلسف المتراجعون تراجعهم فنسمع ما لا أذن سمعت، وتتلون سحناتهم فنرى ما لا عين رأت.. ويقولون في ما يقولون: خرب الاتحاد السوفييتي ودمر المعسكر الاشتراكي ويلطمون وجوههم كاللواتي يُستأجرن للنواح على موتى الآخرين، فنشعر بما يشبه الغثيان.. فهؤلاء لم يفعلوا شيئاً يوم كان الاتحاد السوفييتي قوياً، فما كانوا معه ولا مع سواه، لأنهم لم يكونوا مع أنفسهم. ولعل الصدق مع الذات هو المطلوب أولاً وأخيراً. ونرى العالم يندفع نحو القرن الحادي والعشرين في حين تشدنا وسائل إعلامنا إلى الوراء، نحو البداوة، وليتها تعرض لنا الجوانب الحسنة منها. إنها تقدم لنا مسلسلات اصطنعها كتاب وفنانون، فُتحتْ لهم الأبواب فدخلوا.. ثم راحوا يبررون خواءهم ونقص مواهبهم بالقول "الشعب يريد ذلك!" ويصير أشباه المثقفين من أصحاب الملايين لقاء نشر التفاهات لكنها تفاهات "منسجمة مع روح العصر". ويبقى الشجعان شجعاناً يشهرون أقلامهم ألسنة للحق والخير والجمال.. ويتلفتون حولهم فيجدون أنفسهم بلا سند. فما كانوا يستندون إليه صار منخوراً.. نخره سوس اللعنة الذي ينخر العالم كله. ويظلون أمناء لأنفسهم ولأمتهم وللإنسانية.. فالعالم سينهض.. فالشجعان هم الذين سيجعلون دولتهم تُقبل وليس إقبال دولتهم هو الذي جعلهم شجعاناً. وستولي أزمنة الخراب كما ولّى غيرها من أزمنة .. فعمل الأرض هو الدوران. ـ 11 ـ ترى نفسك في دوامة الأحداث، تريد أن تقول شيئاً. لم يعد في وسعك أن تفعل شيئاً. جردك أهلك والأعداء من أدوات الفعل فلم يبق لك ما تحارب به المنكر سوى لسانك.. وقد يأتي زمن، وهو قادم، يقصون فيه لسانك فلا يبقى لك غير النظر الشزر وغير التوّجع. أنت الآن مطالب بأن تقول، وأن تقاتل، فالكلام سلاح، وهم يحاصرونك به من الجهات كلها. هل تحلل ما جرى؟ الأذهان التحليلية كثيرة، وبسببها تتكاثر الأخطاء فيمتلئ بها العالم. لا.. لم تعد ثمة حاجة لمزيد من التحليل. وتسأل: بماذا أبدأ وكيف؟ الأسئلة كلها ستوصلك إلى المعضلة ذاتها، وكل كيف سيشدك إلى المسألة الأكبر: كيف نكون فاعلين في ما يحدث؟ كيف نوقف سيول الرماد؟ كيف نحمي عشب الإنسانية الطري في صدورنا وفي بساتين العالم ونحن نعلم أن الجراد قادم وقد بدأت أسرابه تحجب الشمس. وتضيق الدنيا، تقفر أرض الأحلام.. وأنت تعلم: سيصير هذا الجراد سماداً للتراب.. وستأتي مواسم جديدة، وستعود للأرض نضرتها وألوانها. وتسأل في أسى: أكان طموح جيلنا أن نورث الجراد للآتين بدلاً من الخبز والسلام والحرية، وبدلاً من الغد السعيد؟ وتعصف الرياح الباردة.. تدرك أن عليك أن تتمسك بما يقيك السقوط المعيب، وأن ترسخ قدميك في تراب الوطن.. فالعواصف تمضي والتراب يبقى.. وستنهض الأرض لتشن هجومها المضاد. وتدرك معنى أن تكون كاتباً، وأنك مسؤول ومطالب بالوقوف في وجه الأعداء، ولو وحيداً.. وإذا شككت في أهمية أن تكون كاتباً فلا يجوز أن تشك في معنى أنك رجل، وأن عليك أن تقف صادقاً وواضحاً وصلباً.. أما أشباه الرجال فهم أشباه رجال لن ينصروا صديقاً ولن يهزموا عدواً. وتتذكر: حين كنا ندعو إلى السلام والعدل والتقدم والحرية، كانوا يلاحقوننا بالسياط وشتى وسائل القمع، وكانت كلابهم المدربة، ولا زالت، تقتفي آثارنا وتنهش لحومنا.. وهم.. الآن.. يريدون أن يفرضوا علينا سلامهم فرضاً.. فما الأمر؟ كيف صار أعداء السلام المحلي والعالمي أنصاراً متحمسين لهذا النوع من السلام؟ هل تغيروا أم أن ما يريدونه هو تجديف على معنى السلام الحق؟ ويبدو أن مرض "العالميين" الكبار سريع العدوى وسريع الانتشار. ومن عادة الصغار أن يقلدوا الكبار، فقد تكاثر عدد الذين يرفعون الشعارات الجديدة كلها ويهتفون لها وبها بأصوات مرتفعة، وهم لا يؤمنون بأي شعار، ويلعبون دوراً في المواقف كلها ولا موقف لهم.. إنهم كائنات من هلام، لكنه هلام لزج ودبق. ينحنون أمام "المسؤول" والخنجر في كم السترة كي يغدروا به حين تسنح لهم الفرصة إذ يجور الزمان عليه. كلامهم غائم وضبابي في زمن الضباب، وكثير الفجاجة والفظاظة و"الصرامة" حين يلوح لهم مكسب شخصي وراء الفجاجة والفظاظة.. ويظل جوهره النفاق في أحوالهم كلها. وإذا قيل: الأسلوب هو الرجل، أو إذا قيل الموقف هو الرجل فالمقصود واحد وإن اختلفتِ الألفاظ. فصاحب الأسلوب هو المتفرد بطريقته، والتفرد في الطريقة حصيلة استقلال الشخصية، أما من لا موقف له فلن تكون له فرادة، ولا خصوصية، فلا شخصية مميزة له. إنه حلقة في سلسلة يشدها أحدهم فتنجر إلى حيث شد، ويجذبها آخر فتنجذب. وأسأل نفسي وأنا أرى ما أرى: أيعقل أن يثق القادة الأذكياء بأمثال هؤلاء؟ وإذا كانوا لا يثقون بهم فلماذا يقبلونهم بين المعدودين عليهم؟ ألا يعرفون حقيقتهم؟! أين ذكاؤهم؟ أم أن وراء الأكمة ما وراءها! وتبقى الأسئلة معلقة.. يدور رأسك وسط دوامات الأسئلة، فهؤلاء من المثقفين.. وأنت ممن يقولون إن الثقافة ملاذ الأمة في المحن ودرعها في الشدائد، وستبقى التربة التي تحتضن الجذور وتمدها بأسباب البقاء والنماء. وتراهم يتسابقون متزاحمين على المواقع التي يجب أن يبتعدوا عنها. ترى دودهم ينخر تفاحة الثقافة من جانب إلى جانب فلا يبقى غير بقايا فضلات رثة. وتشيح عنهم متقززاً.. إن حفنة تؤخذ من كومة القمح تبقى قمحاً، لكن حفنة تؤخذ عن بيدر الحقيقة ليست الحقيقة. والثقافة الضحلة ليست الثقافة بل نقيضها وهم يحجبون عنا الكثير من الحقائق ويشوهون ما يظهرونه.. وهم يسطحّون الثقافة ويقدمون لنا أنموذجهم معياراً لها. بل هم يريدوننا أن نألف حتى همجيتهم! لقد غزت وسائل إعلامهم بيوتنا وعقولنا ومشاعرنا، كان الناس في العالم، وكنا مثلهم، يغضبون لأقل تطاول على الحق، وكانت الشوارع تضيق بالمتظاهرين المحتجين.. وكان الغضب القليل يغضبنا... وهانحن ماعدنا نغضب.. هل اعتدنا؟ الأدهى أننا صرنا "نتضايق" حين يغضب الذين مازالوا مؤهلين للغضب. تُغزى هاييتي تحت رايات الأمم المتحدة فيصفق "بعضهم" للغزو، يصفقون في الداخل والخارج، وتشارك في الغزو قوات من بلدان بعض أراضيها محتل.. بلى..! إن ذلك لمن غرائب هذا الزمن! إن التبريرات التي ولدتها أزمنة "الحرب الباردة" قد مهدت الدرب إلى همجية العالم وتوحشه. ومع إبعادنا أو ابتعادنا عن القيم والأخلاق "لأنها قديمة" ومع ابتعادنا عن المبادئ والأصول "لأنها جزء من الأيديولوجيا" صار "اللعب الهمجي" يجري من غير قواعد، وخارج إطار أي مبدئية أو شرعية، صار مايخدم "الكبار" هو المبدئي والأخلاقي. إنها أيديولوجيتهم "الجديدة" أو هي ممارستهم الأقذر من أن تستطيع تبريرها أو تغطيتها أية "أيويولوجية"!. كان الفقر يدفع الفقراء، أو بعضهم إلى القسوة.. واليوم تتصاعد القسوة وتنمو مع تنامي الرخاء والرفاهية في الغرب عامة. كان الغزاة يغطي غزوهم بشتى الأغطية، ومنها الذي يشير إلى الخجل أو الخوف، أما غزاة اليوم فيعرضون عضلاتهم على شاشات تلفزيونات العالم.. وإنها لبطولة حقاً أن تغزو قوات أقوى دولة في العالم إحدى أصغر الجزر في العالم! لكن المقصود من "عرض العضلات" ليس إخافة جنرالات هاييتي وشعبها.. إنهم يهدفون إلى ترويض الإنسان في كل إنسان، يريدون إنزاله إلى رتبة أدنى، وهذا جوهر المسألة. ولا يستغربن العالم أن يراهم يحولون الغزو الخارجي إلى تمرين على الغزو الداخلي.. فأمور الشعب الأمريكي ليست على مايرام. أما مايثيرونه من حروب دينية وطائفية فهم يثيرونه كي يلد، وهو يلد شر المواليد همجية.. والعالم، ونحن منه، لايغضب، مع أن ذلك ليس ظاهرة "أيديولوجية"! إنها اللعبة الأخطر.. فهل ستحرق النار التي تضرم الآن لإحراق الآخرين، أيادي مضرميها غداً؟ إن العالم شديد الترابط والتشابك. وإن غداً لناظره قريب. أما الكلام على "النظام العالمي الجديد" القائم على العدل العام والمصلحة العامة، وغير ذلك من كلام، فليس أكثر من ألفاظ كبيرة تغطى بها أعمال هي نقيضها، فهم يطبلون ويزمرون لتوحيد العالم، والعالم يتمزق ويعاني الناس آلاماً مخيفة، فالجراح خطرة.. إنها جراح روح العالم وجسده معاً. ويبقى الكثيرون من الكتاب "الموظفين" أنيقين جداً، ولطفاء جداً، يجيدون الإنحناء والابتسام المجامل... تتضارب مشاعرك وأنت تتأمل سحناتهم فما تدري: هل تضحك أم تبكي! ملحوظة: عض أخي يمناي التي مددتها لمصافحته، وعض عدوي يسراي التي أردت أن أصدَّه بها.. والعجيب أن عضة أخي آلمتني أكثر من عضة عدوّي! ولعلّ أفضل مافي هذه الأزمنة أنها كشفت حقيقة كثيرين.. ويبقى الكلام على الحرية وحقوق الإنسان جميلاً! |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |